الجزائر تتحرك لمواجهة استنزاف عملتها الصعبة

نتيجة الاستغلال غير المشروع لمنحة السفر وخروج النقد الأجنبي

الوزير الأول الجزائري مع رئيسة الحكومة التونسية 12 ديسمبر الحالي (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري مع رئيسة الحكومة التونسية 12 ديسمبر الحالي (الوزارة الأولى الجزائرية)
TT

الجزائر تتحرك لمواجهة استنزاف عملتها الصعبة

الوزير الأول الجزائري مع رئيسة الحكومة التونسية 12 ديسمبر الحالي (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري مع رئيسة الحكومة التونسية 12 ديسمبر الحالي (الوزارة الأولى الجزائرية)

تواجه الجزائر نزيفاً ملحوظاً في العملة الصعبة نتيجة الاستغلال غير المشروع لمنحة السفر السياحية، وتعاني قلقاً رسمياً من خروج كميات مهمة من النقد الأجنبي خارج الأطر القانونية، في حجم الحالات المسجلة وطبيعة التنقلات الشكلية؛ الأمر الذي استدعى اتخاذ تدابير جديدة، تهدف إلى كبح التلاعب بالعملة ومحاصرة السوق الموازية.

وزير الداخلية والنقل أثناء رده على أسئلة النواب حول منحة السياحة (البرلمان)

أكد وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، الاثنين، أمام نواب «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، وجود «شبكة احتيال منظمة»، تستغل، حسبه، حق السفر الذي أقرّته الدولة لفائدة المواطنين، بناءً على منحة تقدر بـ750 يورو تصرف سنوياً.

وأوضح سعيود أن هذا الإجراء الاجتماعي، الذي وُضع لتسهيل تنقل الجزائريين إلى الخارج، «انحرف عن أهدافه بفعل ممارسات غير قانونية، قادها سماسرة وشبكات منظمة، تورط فيها وسطاء وبعض وكالات السفر»؛ ما اضطر السلطات إلى فرض قيود على مستوى المعابر الحدودية.

وكان سعيود يرد على أسئلة للنواب تخص الضغط، الذي تشهده المعابر الحدودية مع تونس، حالياً، من قِبل آلاف الأشخاص الذين استفادوا من «منحة السياحة» بغرض قضاء عطل في الجارة الشرقية، مشدداً على أن الحكومة «أجرت تقييماً دقيقاً وشاملاً للوضع بالتنسيق مع السلطات التونسية»، وذلك خلال زيارة رسمية رافق فيها الوزير الأول سيفي غريب إلى تونس، نهاية الأسبوع الماضي.

وقد كشف هذا التقييم، حسبه، النقاب عن «تورط بعض وكالات الأسفار في تنظيم تنقلات مشبوهة لمواطنين جزائريين، بالاعتماد على أساليب احتيالية، هدفها الأساسي الاستحواذ غير المشروع على العملة الصعبة».

«تهريب» 7.5 مليون يورو

أكد الوزير سعيود أن «أسلوب الاحتيال المعتمد يقوم على إدخال مواطنين جزائريين إلى الأراضي التونسية بطريقة قانونية وختم جوازات سفرهم، ثم إعادتهم بسرعة إلى الجزائر، عبر معابر حدودية مراقبة، دون استيفاء مدة الإقامة القانونية، ليُعاد إدخال الأشخاص أنفسهم مجدداً بالطريقة ذاتها؛ بهدف تكرار عملية الختم والاستفادة المتعددة من منحة السفر المقدّرة بـ750 يورو». لافتاً إلى أن هذه الأموال «لم تنفع لا الاقتصاد الجزائري ولا الاقتصاد التونسي، بل ذهبت حصرياً إلى جيوب سماسرة وشبكات غير قانونية».

حافلات سياح جزائرية تنتظر الانتقال إلى الجانب التونسي (وكالات سياحية)

ووصف الوزير الأرقام المسجلة بـ«المقلقة للغاية»، مشيراً إلى رصد ما يقارب مائة ألف حالة خلال شهر ونصف شهر فقط، «غالبيتهم من العاطلين عن العمل، الذين يتم استغلالهم كأدوات في هذه العمليات العابرة للحدود». وبعملية حسابية تم تهريب ما يقارب 7.5 مليون يورو خلال 45 يوماً فقط، دون أن يذكر الوزير المدة بالتحديد.

وللتصدي لهذه «التجاوزات»، أعلن سعيود عن حزمة من الإجراءات الرقابية الاستعجالية، من بينها فرض تراخيص مسبقة على حافلات وكالات السفر الناشطة عبر الحدود. وأوضح أن هذه الخطوة «كشفت عن حجم الممارسات غير القانونية، بعد عجز بعض الوكالات عن تقديم أي التزامات، أو ضمانات تتعلق بإعادة مواطنين جزائريين عالقين في تونس».

وشدد الوزير على عدم وجود أي قرار لإلغاء منحة السفر؛ «فهي حق مكفول للمواطن الجزائري». غير أنه أوضح أن الحكومة تعمل على استحداث «أطر قانونية وتنظيمية محكمة لمنع أي استغلال غير مشروع لها، والحفاظ على طابعها الاجتماعي».

منحة 750 يورو السياحية تفجّر جدلاً كبيراً في الجزائر (ناشطون في السياحة)

في هذا السياق، أشار الوزير إلى بحث مقترح لاعتماد «بطاقة دفع مسبقة»، يتم من خلالها صب منحة 750 يورو، بما يسمح بالتحكم في كيفية صرفها، وتتبع استعمالها، وضمان توجيهها مستقبلاً نحو الأهداف، التي أُقرّت من أجلها.

شروط صارمة بالمعابر الحدودية

منذ إعادة تقييم منحة السفر إلى 750 يورو في 20 يوليو (تموز) 2025، بعدما كانت 95 يورو، شهدت حركة المسافرين الجزائريين نحو تونس عبر الطرق البرية ارتفاعاً كبيراً. وأمام ما تعدّه السلطات «تجاوزات» و«تحويلاً للعملة الصعبة نحو السوق الموازية»، تم اعتماد مجموعة من القواعد الجديدة لتنظيم النقل الجماعي الدولي عبر الطرق؛ ما فجّر موجة احتجاجات في أوساط مهنيي وكالات السفر، حسبما نشره الموقع الإخباري الاقتصادي «ماغرب إمرجنت»، الذي نقل عن بعضهم، أن فرض توفير طاقم قيادة مزدوج، واستعمال حافلات لا يتجاوز عمرها عشر سنوات - وهي شروط يصعب التقيد بها - «مناورة تهدف إلى تقييد الاستفادة من منحة السفر السياحية، المقدرة خاصة بالنسبة للرحلات المتجهة إلى تونس».

ازدحام في حركة المرور بمعابر الحدود الشرقية (ناشطون في السياحة)

وتضع الأحكام الجديدة قيوداً ثقيلة على الرحلات المنظمة بالحافلات والحافلات الصغيرة، في مقابل مرونة واضحة لا تزال ممنوحة للسيارات الخاصة التي يقل عدد ركابها عن ثمانية. وقد دخل الإجراء الأساسي حيز التنفيذ، منذ أسبوع دون إشعار مسبق؛ ما أدى إلى تشديد غير مسبوق في المتطلبات الإدارية والعملية.

وبموجب هذه الإجراءات، بات كل سفر بالحافلة يستدعي «ترخيصاً دولياً خاصاً ومؤقتاً»، يجب طلبه من مديريات النقل بالولايات قبل موعد السفر بخمسة عشر يوماً على الأقل. يضاف إلى ذلك إلزام توفير مرشد مرافق لسائق الحافلة مصرح به لدى الضمان الاجتماعي؛ الأمر الذي يرفع بشكل كبير تكاليف الوكالات، ويقلص هامش الربح لديها، والهدف من ذلك ثنيهم عن تنظيم الرحلات.

وأوضح أحد مسيري وكالات الأسفار للموقع الإخباري نفسه أن «تراكم هذه الشروط يعادل غلقاً تاماً لإمكانية حصول زبائننا المسافرين بالحافلات على العملة الصعبة، وبهذا أصبح من شبه المستحيل الاستمرار في هذا النوع من العروض».

ومن خلال استهداف النقل الجماعي، تسعى السلطات بوضوح إلى كبح «الاندفاع» نحو منحة 750 يورو، وهو مبلغ ترى كلٌ من الجزائر وتونس أنه يسهم في تغذية السوق الموازية للعملة، بدلاً من أن يُخصص حصرياً للنشاط السياحي.


مقالات ذات صلة

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

شمال افريقيا تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال». …

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

انتقدت سيغولين رويال، مرشحةُ الانتخابات التمهيدية بالحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، تأثر قادة البلاد بمواقف اليمين ووسائل الإعلام الموالية له...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

معركة نقابية في مصر على لقب «الصحافي»

صورة لاجتماع ممثلي نقابتَي العاملين والصحافيين (نقابة الصحافيين المصريِّين)
صورة لاجتماع ممثلي نقابتَي العاملين والصحافيين (نقابة الصحافيين المصريِّين)
TT

معركة نقابية في مصر على لقب «الصحافي»

صورة لاجتماع ممثلي نقابتَي العاملين والصحافيين (نقابة الصحافيين المصريِّين)
صورة لاجتماع ممثلي نقابتَي العاملين والصحافيين (نقابة الصحافيين المصريِّين)

منذ أن انتشر فيديو لفتاة اشتبكت مع قائد إحدى سيارات النقل الذكي، وزعمت فيه أنَّها «صحافية» دون إثبات انضمامها لنقابة الصحافيِّين المصريِّين، لم يتوقف الجدل حول مَن يستحق أن يحصل على لقب «صحافي».

دافعت الفتاة عن صفتها المهنية، ونشرت صورةً لبطاقة تعريف صادرة عن «النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام والثقافة والآثار»، تحمل صفة «فني إدارة مواقع إلكترونية». وأثارت هذه الصفة استغراب عدد من الصحافيِّين، الذين تساءلوا عن طبيعتها، واتهمتها «نقابة الصحافيِّين» في بلاغ رسمي بـ«انتحال صفة صحافي».

الواقعة، التي جرت الأسبوع الماضي، شهدت سجالات بين أعضاء بـ«نقابة الصحافيين» و«نقابة العاملين بالصحافة والطباعة والإعلام والثقافة والآثار» على منصات مواقع التواصل الاجتماعي حول اختصاص كل نقابة، وطريقة التعامل مع مَن يحقُّ له الحصول على لقب «صحافي».

وأعلن مجلس نقابة «الصحافيين» اتخاذ إجراءات عدة لمواجهة الكيانات الوهمية ومنتحلي صفة «صحافي» خلال اجتماع عُقد مساء الأربعاء، تضمَّن تجديد مخاطبة وزارة الداخلية ومصلحة الأحوال المدنية للتأكيد على عدم تدوين وظيفة «صحافي» أو «محرر صحافي» في البطاقات الشخصية إلا بختم النقابة، مع مناشدة جميع الجهات الحكومية والعامة والخاصة عدم التعامل مع الكيانات الوهمية أو حاملي بطاقاتها، بوصفها كيانات غير شرعية ومخالفة للقانون والدستور.

وتضع نقابة «الصحافيِّين» شروطاً عدة للانضمام إليها وفق القانون الذي ينظِّم عملها، منها انتظام الإصدار الصحافي المطبوع الذي يعمل به الشخص، ووجود عقد عمل بين المتقدم والصحيفة وهو ما يمنع الصحافيِّين العاملين في المواقع الإلكترونية من الانضمام إليها.

لكن «النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام والثقافة والآثار» تضم في عضويتها جميع العاملين في القطاعات التي تشملها بمختلف المؤسسات التي تضم لجاناً نقابية ويكون عدد العاملين فيها أكثر من 50 فرداً، بينما تضم المؤسسات ذات الأعداد الأقل لجاناً مهنية ينضم أعضاؤها إلى النقابة أيضاً، بحسب القانون المنظم لعملها.

وقال رئيس النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام والثقافة والآثار، مجدي البدوي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّهم ملتزمون بتطبيق صحيح القانون بشكل لا يتعارض مع نقابة «الصحافيين»، مشيراً إلى أنَّ النقابة تضم في تعدادها أكثر من 90 ألف عضو عبر 55 لجنة نقابية، من بينهم صحافيون منضمون بوصفهم عاملين في المؤسسات الصحافية التي لها لجان نقابية.

وأضاف أنه تمَّ الاتفاق مع نقيب الصحافيين، خالد البلشي، على اتخاذ إجراءات عدة لضبط الكيانات الوهمية التي لا تمارس أي أعمال لها علاقة بالصحافة، بجانب إجراء تعديلات على «البطاقة التعريفية» لأعضاء النقابة بما يشمل وضع اسم النقابة بالكامل، لافتاً إلى أنَّ هناك 5 مهن منها «صحافي» و«مصور صحافي» لا تضعهم النقابة في توصيفات المنضمين إليها، بوصفهم من اختصاص نقابة الصحافيين.

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

من جهته، أكد نقيب الصحافيين خالد البلشي لـ«الشرق الأوسط»، أن توصيف «صحافي» اختصاص أصيل للنقابة ولا ينازعها فيه أي كيان آخر، وهو ما يعمل مجلس النقابة للتأكيد عليه من أجل منع أي محاولات للاستغلال، لافتاً إلى أن الإجراءات التي تم الاتفاق عليها مع رئيس «نقابة العاملين بالصحافة والطباعة والإعلام والثقافة والآثار» ستضع حداً بشكل كبير لوقف أي محاولات لاستغلال اسم نقابة «الصحافيين».

وأضاف أن النقابة خاطبت وزارة الداخلية بوصفها المسؤولة عن مراجعة البيانات قبل تغيير الصفة بالبطاقات الشخصية، مشيراً إلى أن «الصحافيين» ليست في خصومة مع «نقابة العاملين» بوصفها منصةً للعمال وتضم أيضاً في عضويتها صحافيين بصفتهم العمالية في المؤسسات.

وهنا يفرق النقيب الأسبق والقيادي النقابي بنقابة الصحافيين يحيي قلاش لـ«الشرق الأوسط» بين النقابة العمالية بوصفها مسؤولةً عن الدفاع عن حقوق العمال، ونقابة الصحافيين بوصفها نقابةً مهنيةً مسؤولةً عن تنظيم العمل المهني بما لا يدع مجالاً للتداخل، لكنه أشار إلى أن «وجود تساهل في الانضمام لنقابة العمال، مع التَّغييرات التي فرضتها سوق العمل، جعلا هناك إقبالاً عليها من جانب البعض ممَّن يرغبون في أن يصفون أنفسهم بأنهم صحافيون بخلاف الحقيقة».

وأضاف أن الجهات المعنية والمسؤولين ليسوا مطالبين بفك الالتباس الموجود في «بطاقة التعريف»، لافتاً إلى ضرورة الاعتراف بوجود مشكلة في نقابة الصحافيين مرتبطة باتساع سوق العمل وتعدد الوسائط الصحافية التي لم ينضم أعضاؤها إلى النقابة، مع التأكيد على أن النقابة ليست جهة عمل، ولكن جهة لتنظيم شؤون المهنة.


هجمات المسيّرات تشعل 3 جبهات في السودان

حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
TT

هجمات المسيّرات تشعل 3 جبهات في السودان

حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)

احتدم القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الخميس، على محورَي كردفان والنيل الأزرق، بالإضافة إلى العاصمة الخرطوم، بعدما شنّت الأخيرة واحدة من أكبر هجماتها المباغتة خلال الحرب، في محاولة لاستعادة مدن وبلدات استراتيجية خسرتها الشهر الماضي.

وتزامنت المعارك البرية مع غارات مكثفة بالطائرات المسيّرة استهدفت، لليوم الثاني على التوالي، العاصمة الخرطوم ومدينة الأُبيِّض، كبرى مدن إقليم كردفان، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة آخرين. وأعلنت «قوات الدعم السريع» السيطرة على مدينة الكُرمُك ذات الأهمية الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد قرب الحدود مع إثيوبيا، بعد معارك مع الجيش والحركات المسلحة المتحالفة معه. وقال المتحدث باسم القوات، الفاتح قرشي، في بيان، إن قواته فرضت سيطرتها على المدينة، وطاردت وحدات الجيش المنسحبة، واستولت على مركبات قتالية ودبابات وكميات من الأسلحة والذخائر. وبثّت «الدعم السريع» مقاطع مصورة قالت إنها تظهر انتشار عناصرها داخل الكُرمُك ومقر «اللواء 16» التابع لـ«الفرقة 14 مشاة»، لكن تعذر التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه المقاطع.

ولم يصدر تعليق رسمي من الجيش بشأن فقدان المدينة، في حين قالت السلطات المحلية في الكرمك إنها تعرضت خلال الأيام الثلاثة الماضية لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة الاستراتيجية والانتحارية، إلى جانب قصف مدفعي قالت إنه جاء من «الجوار الإقليمي». وأكدت أن الجيش يواصل التصدي للهجمات وحماية المدينة ومؤسساتها.

خريطة ولاية النيل الأزرق السودانية توضح موقع مدينة الكرمك

وتتهم الحكومة السودانية الموالية للجيش إثيوبيا بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها منطلقاً للهجمات، وهو اتهام سبق أن نفته أديس أبابا. غير أن مصادر محلية تقول إن طول الحدود وصعوبة ضبطها يجعلان المنطقة ممراً مهماً للإمدادات العسكرية.

وجاء هجوم الكرمك بعد يومين من إعلان «الدعم السريع» وحلفائها في قوات «تأسيس» السيطرة على مدينة قيسان، التي تبعد نحو 170 كيلومتراً عن الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق. واتهمت السلطات المحلية القوات المهاجمة باستهداف المزارعين في حقولهم، مشيرة إلى أن الجيش يرد على الهجوم.

اشتعال جبهة كردفان

وفي موازاة ذلك، اشتعلت جبهة شمال كردفان مجدداً، بعدما هاجمت «قوات الدعم السريع» محاور جبرة الشيخ وبارا وأم قرفة والعيارة، في محاولة لتعويض خسائرها العسكرية المتتالية واستعادة الطريق الاستراتيجي الرابط بين أم درمان والأُبيّض. وقال مصدر عسكري إن الهجوم نُفذ بأعداد كبيرة من المركبات العسكرية، وسبقته ضربات بالمسيّرات، بالتزامن مع قصف مدفعي على بارا. وأفادت مصادر ميدانية بأن معارك شديدة دارت في تلك المحاور، في حين قالت منصات موالية للجيش إن قواته و«القوة المشتركة» تصدتا للهجوم وأجبرتا القوات المهاجمة على التراجع.

وفي وقت لاحق، أعلن الجيش السوداني صدّ هجوم شنّته «قوات الدعم السريع» على منطقة جبرة الشيخ في شمال كردفان. وقال المتحدث باسم الجيش، عاصم عوض، إن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تصدّت لقوة مهاجمة تضم أكثر من 250 مركبة قتالية، وألحقت بها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، قبل أن تجبرها على التراجع وتلاحقها باتجاه تخوم إقليم دارفور. وأكد أن العمليات العسكرية ستتواصل حتى استعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع».

في المقابل، نشرت عناصر من «الدعم السريع» مقاطع قالت إنها توثق سيطرتها على بلدة العيارة، غرب الأُبيّض، من دون إمكان التحقق من هذا الادعاء بصورة مستقلة. كما أعلنت القوات أنها صدّت هجوماً لـ«القوة المشتركة» المتحالفة مع الجيش على منطقة أمبرو في شمال دارفور.

وكان الجيش قد استعاد، أواخر يوليو (تموز)، جبرة الشيخ وبارا وبلدات أخرى، وفتح الطريق بين أم درمان والأُبيّض، في تقدم عزز سيطرته على «طريق الصادرات»؛ أحد أهم خطوط الإمداد بين كردفان ودارفور. وجاء الهجوم الجديد بعد ساعات من زيارة عضو «مجلس السيادة»، نائب قائد الجيش، الفريق أول ياسر العطا، لمنطقة أم سيالة، حيث أعلن أن الجيش والقوات المساندة له دمّرت معظم قدرات «الدعم السريع».

وفي سياق التصعيد نفسه، تعرضت الخرطوم، الخميس، لهجمات بالمسيّرات لليوم الثاني على التوالي. وأفاد شهود في أم درمان ووسط الخرطوم والخرطوم بحري برؤية طائرات مسيّرة وسماع دوي انفجارات، في حين أطلقت الدفاعات الجوية التابعة للجيش نيرانها باتجاه الأهداف المهاجمة.

وقال مصدر عسكري إن المضادات الأرضية أسقطت عدداً من المسيّرات. كما أظهرت لقطات مصورة سقوط طائرة مسيّرة في فناء مسجد بمدينة بحري. وكانت هجمات مماثلة قد استهدفت، الأربعاء، خمس مدن يسيطر عليها الجيش، بينها الخرطوم وعطبرة، في أولى ضربات من نوعها على المدينتين منذ مايو (أيار).

وفي الأُبيّض، أفاد شهود بأن ثماني طائرات مسيّرة هاجمت المدينة، ما أدى إلى تفعيل الدفاعات الجوية. وأعلنت «شبكة أطباء السودان» مقتل شخصين وإصابة آخرين داخل مستشفى الأُبيّض، بعدما أصابت شظايا طائرة مسيّرة قسم الطوارئ. وتكتسب الأُبيّض أهمية استراتيجية باعتبارها بوابة رئيسية تربط وسط السودان بدارفور. وتضم المدينة نحو نصف مليون نسمة، بينهم قرابة 100 ألف نازح، في حين أدت هجمات المسيّرات ومحاولات الحصار إلى استنزاف إمدادات الكهرباء والوقود والغذاء والمياه.

وتشهد الحرب، التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، تصعيداً جديداً بعد تعهد قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) باستعادة المواقع التي خسرتها قواته في كردفان، ومواصلة القتال حتى العودة إلى الخرطوم. وقد أسفر النزاع عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص، وفق تقديرات عاملين في مجال الإغاثة، وتشريد أكثر من 12 مليوناً، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.


ارتفاع مرتقب لسعر الخبز يثير مخاوف المواطنين الليبيين

الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
TT

ارتفاع مرتقب لسعر الخبز يثير مخاوف المواطنين الليبيين

الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)

تنتاب شرائح واسعة من الليبيين حالة من القلق، إثر تحذيرات عدد من المسؤولين بنقابة الخبازين من ارتفاع مرتقب لسعر رغيف الخبز بسبب تزايد تكاليف الإنتاج.

وكان نقيب الخبازين في بنغازي (شرق)، محمود العريبي، قد قال في تصريحات إعلامية، إن أسعار الخبز ستشهد «ارتفاعاً حتمياً»؛ نتيجة تصاعد تكاليف الإنتاج، داعياً المواطنين إلى تقبل الأمر، وعدم إلقاء اللوم على أصحاب المخابز، بل مساءلة المسؤولين عن غلاء المواد الأساسية.

واستعرض العريبي دوافع هذا الارتفاع، وأرجعه إلى «نقص الديزل اللازم لتشغيل المخابز، مع انقطاع الكهرباء؛ ما يضطرهم إلى شرائه بأسعار مضاعفة من السوق السوداء، مع الارتفاع الحاد بأسعار الدقيق».

يبدي الليبيون تخوفات إثر تحذيرات عدد من المسؤولين بنقابة الخبازين من ارتفاع مرتقب لسعر رغيف الخبز (أ.ف.ب)

وتساءل الناشط المدني مفتاح مكراز، أحد سكان العاصمة طرابلس، عن أثر الزيادة المرتقبة على معيشته، في ظل غلاء السلع طيلة العام لارتباطها بتصاعد الدولار، خاصة وأن ليبيا تستورد نحو 90 في المائة من احتياجاتها الغذائية.

وتوالت عبر منصات التواصل الاجتماعي ردود الفعل المنتقدة أي مساس بسعر الرغيف، لا سيما مع تدهور الأوضاع المعيشية لبعض الفئات. وكتب حساب باسم «دنيا علي» على موقع «فيسبوك»: «لا كهرباء، لا مياه، لا بنزين، وكملوها بالخبز»، في حين تساءل ناشطون عن دور وزارة الاقتصاد والحرس البلدي في الرقابة.

من جهته، طالب حساب باسم «ونيس الحربي» الدولة بتوفير الدقيق بأسعار مقبولة، مؤكداً أن «المخابز تمس حياة المواطن مباشرة، وليست مجرد نشاط تجاري»، في حين دعا آخرون إلى العودة لصناعة الخبز في المنازل.

أما فرج عمر، رئيس جمعية «السيدة عائشة للأعمال الخيرية»، فتساءل عن مصير أصحاب المعاشات ممن يتقاضون 900 دينار فقط؛ و«كيف سيدبّرون أمرهم مع ارتفاع أسعار الخبز، فضلاً عن أن أغلبهم يعانيون أمراضاً مزمنة ويضطرون إلى شراء أدوية باهظة الثمن». «الدولار يساوي 6.36 دينار».

وعدَّ رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، فتحي الشبلي، أن تحذيرات نقابات الخبازين شرقاً وغرباً «رسائل سياسية للمسؤولين لعلها تتدارك الاختناق الراهن».

وقال الشبلي لـ«الشرق الأوسط» إن «أغلب تكاليف إنتاج الخبز ارتفعت؛ فالديزل يباع بنحو تسعة دنانير في السوق السوداء، ومع استهداف مصفاة الزاوية واحتراق أحد خزاناتها الضخمة، وأيضاً تضرر إحدى المحطات الكهربائية، قد يتضاعف هذا السعر»، لافتاً إلى «تكالب المواطنين على محطات الوقود منذ استهداف المصفاة للحصول على ما يكفي احتياجاتهم لتشغيل المولدات الكهربائية في منازلهم، ومحركات المياه ومصادر الإضاءة والتهوية لوجود كبار سن ومرضى».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير الشرق وأجزاء من الجنوب، بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر.

عرفت ليبيا خلال السنوات الماضية موجة غير مسبوقة من الغلاء (أ.ف.ب)

وتواصلت خلال الأيام الماضية تحذيرات خبراء من «قفزة فاتورة استيراد المحروقات» إلى نحو مليار و410 ملايين دولار قبل شهرين؛ ما يعدّ استنزافاً خطيراً للعوائد النفطية، المصدر الرئيسي لدخل البلاد.

ورأى رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، أن التحذيرات برفع سعر الرغيف لا تنفصل عما تتداوله التقارير الدولية من تصنيف ليبيا ضمن الدول العشر الأكثر فساداً بالعالم. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة مرتبطة بظاهرة الاعتمادات الوهمية؛ حيث يحصل بعض التجار على الدولار بالسعر الرسمي المخفض دون استيراد شحنات الدقيق فعلياً؛ ويبيعون العملة بالسوق السوداء لتحقيق أرباح ضخمة، وحتى من يستورد فعلاً يبيع بأسعار السوق الموازية، مما يكبّد المخابز خسائر».

ووفقاً لتوقعات بوزعكوك «قد تتجه بقية المخابز بحلول منتصف الشهر الحالي لتعديل أسعارها من بيع 3 أرغفة بدينار إلى رغيفين بدينار، أو 5 أرغفة بدينارين؛ ما سيضاعف معاناة الأسر الكبيرة عدداً، في وقت تتراوح فيه دخول غالبية الليبيين بين 1000 و2000 دينار شهرياً».

ولفت بوزعكوك إلى دراسة لمؤسسته تشير إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية بنسبة 45 في المائة منذ 2022، إضافة إلى ما رصدته منظمة «فاو» أيضاً من ارتفاع أسعار الغذاء في ليبيا 18 في المائة مقارنة بالعام الماضي.

أما رئيس قسم علوم المحاصيل بكلية الزراعة بجامعة طرابلس، الدكتور خالد العيساوي، فقد دعا إلى الاهتمام بزراعة القمح والإنتاج المحلي، خاصة بالجنوب لحل الأزمة، بما يمهد لاستقرار أسعار الرغيف وسلامته من الملوثات.

وقال العيساوي لـ«الشرق الأوسط» إن الجنوب الليبي «الأكثر استقراراً للزراعة بفضل توافر المساحات وإمكانات الري، بعد تآكل مزارع الشمال بالبناء العشوائي، ومعاناة الجبل الأخضر والغربي من شح الأمطار بالسنوات الماضية».

إلا أنه رهن الأمر «بعودة الدولة لدعم المزارعين والتعهد بشراء إنتاجهم؛ فمع توقفها عن هذا النهج قبل 12 عاماً تكدس المحصول لديهم، فاتجهوا لمحاصيل أسهل تسويقاً كالشعير»، لافتاً إلى أن «المطاحن لا تفضل القمح المحلي بسبب مشاكل تصنيعية، وتعتمد على المستورد بشكل شبه كلي».

واختتم العيساوي بالتأكيد على أن النهوض بالإنتاج المحلي من القمح مرهون بتوفير المقومات الأساسية، وفي مقدمتها استقرار التيار الكهربائي لضمان عمليات الري وحماية المحاصيل، مشدداً على أن نجاح هذه العملية يبدأ أولاً بتهيئة مناخ الاستقرار السياسي في البلاد.