القبائل الجزائرية تتوحد ضد مشروع «ماك» الانفصالي

أعلن عن إطلاق «دولة مستقلة» غداً الأحد في فرنسا

ناشطون ببجاية في تجمع ضد مشروع الانفصال (حسابات خاصة)
ناشطون ببجاية في تجمع ضد مشروع الانفصال (حسابات خاصة)
TT

القبائل الجزائرية تتوحد ضد مشروع «ماك» الانفصالي

ناشطون ببجاية في تجمع ضد مشروع الانفصال (حسابات خاصة)
ناشطون ببجاية في تجمع ضد مشروع الانفصال (حسابات خاصة)

تشهد منطقة القبائل الجزائرية زخماً وحركة غير مألوفين، تمثلا في أنشطة ميدانية معارضة لمسعى تنظيم انفصالي إطلاق «دولة القبائل المستقلة»، غداً الأحد، في فرنسا التي يشكل هذا الحدث أحد فصول التوتر مع الجزائر، التي تتهمها بـ«احتضان أعداء وحدتها الترابية».

جانب من مظاهرة رافضة لمشروع الانفصال (ناشطون)

شهدت ولاية بجاية (250 كلم شرق العاصمة)، أكبر مدن القبائل، خلال الأيام الأخيرة، سلسلةً من المبادرات التي عبّر من خلالها مواطنون وفعاليات محلية عن رفضهم أي طرح يمس بالوحدة الوطنية. ولوحظ تعليق العلم الوطني على واجهات عدد كبير من المنازل والمحلات التجارية، إضافة إلى تزيين سيارات الأجرة، ووسائل النقل العمومي والخاص بالراية الوطنية، في مشهد طغت عليه الألوان الوطنية في مختلف شوارع المدينة وأحيائها.

* رفض المساس بالوحدة الوطنية

تزامناً مع إحياء ذكرى مظاهرات جرت عام 1960 خلال ثورة التحرير (1954 - 1962)، نظمت مديرية الشباب والرياضة لولاية بجاية، أول أمس الخميس، قافلة سيارات مزيّنة بالأعلام الوطنية، انطلقت من وسط المدينة وجابت عدداً من الشوارع والقرى، تحت شعار «الجزائر واحدة موحدة»، بإشراف السلطات المحلية.

العلم الجزائري معلق في إحدى البنايات في بجاية (ناشطون بالمنطقة)

في السياق ذاته، بادر أحد المنعشين العقاريين إلى تعليق العلم الوطني على الواجهة الرئيسية لأحد أكبر المجمّعات السكنية بالمدينة، الذي يضم 28 طابقاً، في خطوة لاقت تفاعلاً إيجابياً من المواطنين، وعدت تعبيراً إضافياً عن التمسك بالرموز الوطنية.

كما شهدت أحياء مدينة بجاية نوعاً من التنافس الرمزي، من خلال إنجاز رايات وطنية بأحجام مختلفة، حيث سُجل رفع راية كبيرة بـ«ساحة أول نوفمبر 1954»، مع الإعلان عن مبادرات أخرى تهدف إلى نشر راية ضخمة على مستوى قمة جبل قورايا، أهم معلم سياحي في بجاية، وذلك بمشاركة عدد من الجمعيات المحلية.

على الصعيد الطلابي، أصدر طلبة جامعة بجاية بياناً عبّروا فيه عن رفضهم للمشروع الانفصالي، الذي تحمله «حركة الحكم الذاتي في القبائل»، المعروفة اختصاراً بـ«ماك»، مؤكدين تمسكهم بـ«وحدة الجزائر وسيادته»، وداعين إلى التصدي لما وصفوه بـ«الأطروحات، التي تمس بالانسجام الوطني»، في إشارة إلى خطوة «دولة القبائل المستقلة»، التي يعتزم «ماك» الإعلان عنها غداً الأحد في باريس، بقيادة زعيمه فرحات مهني، المتابع بتهمة «الإرهاب» في الجزائر.

في سياق ذلك، عبّر عدد من المثقفين والناشطين في بجاية عن موقف مماثل عبر بيانات وتصريحات، في حين يُنتظر تنظيم تجمع شعبي بالقرب من دار الثقافة، غداً، للتعبير عن هذا الرفض. كما أعلن تنظيم الصحافيين في بجاية موقفه الرافض «لأي مشروع يستهدف وحدة البلاد»، مؤكداً في بيان له أن «الحفاظ على الجزائر الموحدة مسؤولية جماعية لا تقبل المساومة».

* دعوات للتصدي لـ«ماك»

صرح عبد القادر بن قرينة، رئيس حزب «حركة البناء الوطني» المؤيد لسياسات الحكومة، في اجتماع مع كوادر حزبه، اليوم السبت، أن «ما تحاول أن تقوم به اليوم هذه الحركة الإرهابية (ماك) هو محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الخلف، لإحياء أطماع استعمارية دُفنت منذ عقود»، موضحاً أن «عزمهم إعلان استقلال منطقة القبائل عن الجزائر، لا يعدو كونه فصلاً جديداً من مسرحية بائسة، يراد منها جسّ نبض الأمة الجزائرية، ومحاولة لجر البلاد إلى الفوضى.

وإننا على ثقة تامة بأن قوانا الأمنية ستضرب بيد من حديد على مخططات هذه الحركة، ومخابر عملياتها أينما وجدت في إطار القانون».

زعيم «ماك» في أحد شوارع باريس (حسابات ناشطين)

واتهم بن قرينة، فرنسا، ضمناً، باحتضان الانفصاليين ومشروعهم، مؤكداً أن «بعض العواصم الأوروبية تصرخ هذه الأيام عندما يُكشف أحد عملائها متخفياً بغطاء سائح، بينما مهمته تمرير خطاب انفصالي والسعي للبلبلة والتشجيع على الفوضى». يقصد بذلك الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، الذي دانته محكمة تيزي وزو بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، بتهمة «ربط صلات بقيادي في حركة الحكم الذاتي في القبائل».

في المقابل، أكد مهني في تصريحات للصحافة في فرنسا، حيث يعيش كلاجئ سياسي، أنه «لا مجال للعودة إلى الوراء... فالسياسات المستمرة التي تمارسها الجزائر في منطقة القبائل منذ عام 1963 تجعل الاستقلال الحل الوحيد».

وتم إطلاق التنظيم عام 2001 على خلفية مواجهات دامية بين قوات الأمن وقطاع من سكان القبائل، خلفت 160 قتيلاً. وبعد أن كان المسعى حكماً ذاتياً تحول مع الوقت إلى مطلب انفصال بشكل كامل. وفي مايو (أيار) 2021، صنّفت السلطات الجزائرية التنظيم الانفصالي «منظمة إرهابية»، واتهمت عناصره بـ«التخطيط لأعمال عنف والحصول على تمويلات أجنبية».

وتعتمد الحركة إلى حد كبير على المهاجرين، التي يتحدرون من منطقة القبائل، لا سيما في فرنسا وأميركا الشمالية، غير أن صوتها غير مسموع في الجزائر. كما أن السلطات اعتقلت الكثير من عناصرها في ولايات القبائل الثلاث، وهي تيزي وزو وبجاية والبويرة، وكلها تقع شرق العاصمة، أبرزهم ممثل «ماك» في هذه المناطق، بوعزيز آيت شبيب.

زعيم «ماك» في أحد شوارع باريس (حسابات ناشطين) (يمين) في أحد شوارع باريس (حسابات ناشطين)

وترفض القوى السياسية المتجذرة في المنطقة خطوة الانفصال بشدة، في مقدمتها «جبهة القوى الاشتراكية»، التي نددت بـ«مشروع انفصالي يمسّ بالوحدة الوطنية الجزائرية».


مقالات ذات صلة

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية التعادل السلبي خيّم على مواجهة المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني (أ.ب)

«ملحق المونديال»: التعادل السلبي يخيم على مواجهة الجزائر وأوروغواي

خيّم التعادل السلبي على المواجهة الودية القوية التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني مساء الثلاثاء في تورينو.

«الشرق الأوسط» (تورينو)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تفاقم التوترات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بعد عام من التعليق... الجزائر تستأنف استقبال المبعدين من فرنسا

شرعت الجزائر وباريس في فك عقدة أحد أبرز الملفات الخلافية العالقة منذ عام ونصف، وذلك رغم ظهور بوادر تصعيد جديدة مرتبطة بـ«قضية اليوتيوبر المعارض أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
TT

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

هزّ انفجار عنيف، ليل الجمعة، وسط العاصمة السودانية الخرطوم، وأثار حالة من الذعر والترقب بين السكان، بعدما ارتجّت على أثره حوائط المنازل في عدد من الأحياء، فيما سُمع دويه في مناطق بعيدة داخل ولاية الخرطوم وخارجها.

ووقع الانفجار في ضاحية «البراري» القريبة من مبنى القيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، في وقت متأخر من ليل الجمعة، وفقاً لشهود عيان، قالوا إن جسماً مجهولاً انفجر داخل المنطقة، مخلفاً ألسنة لهب كثيفة وسحابة من الدخان، إلى جانب حفرة عميقة في موقع الحادث.

وقال سكان إن صوت الانفجار سُمع في أنحاء واسعة من ولاية الخرطوم، ووصل كذلك إلى أطراف ولاية الجزيرة المجاورة، الأمر الذي أثار تكهنات واسعة بشأن طبيعته، في ظل وقوعه بالقرب من مواقع استراتيجية وحساسة.

روايات متضاربة

وتباينت الروايات الرسمية والفنية بشأن سبب الانفجار. ففي حين أعلنت الشرطة أن الحادث نجم عن انفجار «لغم أرضي» من مخلفات الحرب، أشعل مواطنون النار بالقرب منه أثناء حرق نفايات، نفى المركز القومي لمكافحة الألغام أن يكون الجسم المتفجر لغماً أرضياً. فيما رجحت مصادر أخرى أن ما حدث كان بسبب هجوم بمسيّرة كانت تستهدف القيادة العامة أو المطار، وتم التشويش عليها فأخطأت الهدف.

وقالت الشرطة، في بيان، إن عدداً من المواطنين أشعلوا النيران لحرق النفايات في الموقع، ما أدى إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض، بالقرب من القيادة العامة ومطار الخرطوم.

لكن المركز القومي لمكافحة الألغام رجّح، في تقرير فني، أن يكون الجسم المتفجر عبارة عن مقذوف مدفعي من عيار 130 أو 155 ملليمتراً، أو صاروخ تابع لطائرة مسيّرة كان مدفوناً تحت الأرض، مشيراً إلى أن الحرارة الناتجة عن حرق جذع نخلة مع النفايات قرب الموقع تسببت في تفجيره.

وأكد المركز، في بيان صحافي، أن معاينته الميدانية وفحص الشظايا والحفرة الناجمة عن الانفجار لا يدعمان فرضية أنه «لغم أرضي»، مضيفاً أن وصف الجسم المتفجر بهذه الصفة غير دقيق.

وأشار إلى أن فرق المركز تواصل عمليات المسح الميداني في المنطقة، بهدف إزالة مخلفات الحرب وتأمين الموقع، بالتنسيق مع السكان المحليين، داعياً إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء المعلومات غير المؤكدة.

صورة متداولة لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة

من جانبه، قال والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، خلال تفقده موقع الحادث، إن الصوت الذي سمعه سكان الولاية أثار كثيراً من التساؤلات، ورافقته معلومات غير دقيقة. وأوضح أن فرقاً فنية من المركز القومي لمكافحة الألغام، والدفاع المدني، والشرطة الجنائية، والأجهزة الفنية في القوات النظامية، إضافة إلى جهاز المخابرات العامة، باشرت التحقيق في الموقع، وعثرت على حفرة في مكان الانفجار.

وأضاف الوالي أن الحادث، على الرغم من قوة الانفجار، لم يسفر عن خسائر في الأرواح أو الممتلكات، ناقلاً عن مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان، أن الجسم الذي انفجر كان مدفوناً تحت الأرض ولم يكن مرئياً.

وفي المقابل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات تحدثت عن احتمال أن يكون الانفجار ناجماً عن قصف بطائرة مسيّرة مجهولة كانت تستهدف مطار الخرطوم أو مبنى القيادة العامة، قبل أن تخطئ هدفها نتيجة التشويش وتسقط داخل الحي السكني. غير أن والي الخرطوم نفى هذه الفرضية، مؤكداً أن الانفجار لا يرتبط بأي عملية عسكرية أو استهداف جوي أو تدخل من الدفاعات الأرضية، ومشدداً على أن سببه يعود إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض. ورغم النفي الرسمي، فإن تضارب الروايات بين الجهات المختصة، إلى جانب شدة الانفجار واتساع نطاق سماع دويه، أبقى على حالة من الشك والتساؤل في أذهان كثير من السكان.


رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
TT

رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)

تبدأ إثيوبيا، الثلاثاء، رئاسة مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لشهر أبريل (نيسان) الحالي، وسط خلافات عميقة مع مصر وإريتريا في ملف السد الإثيوبي، والمنفذ البحري على البحر الأحمر، وصراعات معقدة بالقارة.

وتتولى إثيوبيا رئاسة «مجلس السلام» للمرة الأولى منذ انضمامها إليه، ومن المقرر أن تبدأ رسمياً رئاسة جدول أعمال المجلس في 7 أبريل الحالي، بحسب ما ذكرت وكالة «الأنباء الإثيوبية».

وخلال فترة رئاستها «ستقود إثيوبيا المداولات حول مجموعة واسعة من قضايا السلام والأمن الحاسمة في جميع أنحاء القارة، وستغطي هذه المناقشات كلاً من الأوضاع الخاصة بكل دولة والقضايا الأوسع التي تؤثر على أفريقيا»، وفق الوكالة. وتأتي قيادة إثيوبيا في «وقتٍ لا تزال فيه الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في جميع أنحاء أفريقيا»، بحسب الوكالة الإثيوبية.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن «إثيوبيا ستبدأ اختباراً صعباً لإدارة (قضايا حاسمة)، خصوصاً وهي ستواجه مجموعة من التحديات والمشكلات التي تقتضي أن تبدي مواقف مغايرة لما سلكته في معظم القضايا السابقة بالقارة».

ويوضح حليمة لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجهات الإثيوبية تخرج عن إطار المواثيق والاتفاقية الدولية مثل التصرفات الأحادية في السد الإثيوبي، ونهجها في الوجود على البحر الأحمر رغم أنها دولة غير مشاطئة بخلاف خلافاتها العميقة مع مصر وإريتريا». ويتوقع أنها ستواجَه عند تناول هذه القضايا وغيرها بموقف صعب، وعليها أن تتغير في مواقفها لترعى مصالح الدول كافة باعتبار أن المصالح المشتركة هي أساس عمل مجلس السلم وغيره، وليس المصالح الذاتية.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، ما جعلها تعتمد على موانئ جيرانها، ولا سيما ميناء جيبوتي الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وسط رفض مصري - إريتري - صومالي لمساعي الحصول على منفذ باعتبارها دولة غير مشاطئة على البحر الأحمر.

وأشار نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» إلى أن الأوضاع المشتعلة في الصومال، وإثيوبيا طرف فيها، ومحاولتها إيجاد منفذ بحري وتهديداتها لإريتريا باستخدام القوة، ومطالب إقليم تيغراي الإثيوبي التي تتنصل منها أديس أبابا، بخلاف انغماسها في تطورات السودان، تعد قضايا ذات أهمية بالغة، مثل السد الإثيوبي، ولن تستطيع إثيوبيا طرحها بأسلوب يعبر عن مصالح الجميع.

وفي 2 مارس (آذار) الماضي، اتهمت الحكومة السودانية، إثيوبيا، بانتهاك سيادتها، قائلة إنها «ظلت تتابع خلال الشهر الأخير دخول طائرات من جانب الأراضي الإثيوبية تتعامل مع أهداف داخل السودان»، مؤكدة حينها أن «هذا السلوك العدائي مستنكر ومرفوض، ويمثل انتهاكاً سافراً وعدواناً صريحاً لسيادة السودان».

في المقابل، قال المحلل الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، إن اختيار الدول لهذه الرئاسة تكليف ومسؤولية، وعادة الدول لا توظف أجندتها الخاصة بهذه الفترة، وبالتالي «لا يتوقع أن تستغل أديس أبابا هذا الظرف ضد دول الجوار أو القارة بشكل نهائي».

وأوضح عبد الصمد لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون بين الدول في «مجلس السلم» يتم وفق آليات وضوابط، ومصر سبق أن ترأست هذا المجلس ولم يحدث شيء، وإثيوبيا أيضاً لن تقوم بموقف أو إجراء يحسب عليها، خاصة وهي حريصة على نجاح الاتحاد الأفريقي الذي تستضيفه.

ويُعد مجلس السلام والأمن، الذي تأسس عام 2004 في إطار الاتحاد الأفريقي، الهيئة المركزية للاتحاد الأفريقي المعنية بمنع النزاعات وإدارتها وحلها، وانضمت إثيوبيا إلى المجلس منذ تأسيسه، وشغلت عضوية المجلس لأربع دورات سابقة قبل انتخابها مجدداً عام 2025.


أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

عاد شبح الانقسام ليخيّم مجدداً على المؤسسة القضائية في ليبيا، منذراً بأزمة جديدة، على وقع تحذير أحد الطرفين المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء مما وصفه بتداول قرارات تتعلق بنقل وإنهاء انتداب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، مؤكداً أنها صادرة عمّن لا يملك حق إصدارها قانوناً، وتُعد منعدمة ولا يترتب عليها أي أثر.

ويعكس هذا السجال حالة من الارتباك المؤسسي، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على تمثيل المجلس الأعلى للقضاء في كل من طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، مما يفاقم المخاوف من انقسام الجهاز القضائي، على غرار ما شهدته مؤسسات سيادية أخرى خلال السنوات الماضية.

وأصدر «المجلس الأعلى للقضاء» بياناً شديد اللهجة، مساء الجمعة، من مدينة بنغازي، جاء فيه أن القرارات المتعلقة بنقل وإنهاء انتداب أعضاء الهيئات القضائية «وصلت إلى مستوى غير مسبوق من العبث، وتعد دعوة صريحة للمساس بوحدة الجهاز القضائي، وتقسيمه والإساءة إلى سمعته».

وأوضح المجلس أنه كان عازماً على عدم الرد بقرارات مضادة، لكنه اضطر إلى التحذير «للمرة الأخيرة»، مطالباً بوقف هذه القرارات، التي تهدف فقط إلى الإرباك والتقسيم.

يأتي هذا البيان في سياق أزمة قضائية حادة تعصف بليبيا منذ نهاية العام الماضي، تعكس الانقسام السياسي العميق بين الشرق والغرب، في بلد يعاني تشظّياً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وبدأت الشرارة الأولى للأزمة القضائية العام الماضي، حين أصدر مجلس النواب سابقاً عدة قوانين لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه صلاحية تعيين رئيسه، وإنشاء محكمة دستورية مستقلة في بنغازي، في حين عدَّت طرابلس هذه الخطوات محاولة للسيطرة على القضاء، مما أدى إلى إصدار أحكام بإبطال عدة قوانين تتعلق بالسلطة القضائية، أثارت ردود فعل غاضبة من السلطات في الشرق.

وازداد المشهد القضائي الليبي تأزماً مع محاولات اقتحام مقر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، من جهات مرتبطة بالمحكمة العليا، التي يرأسها عبد الله بورزيزة، فيما أعلن المجلس برئاسة مفتاح القوي، المدعوم من مجلس النواب، نقل بعض الإدارات مؤقتاً إلى بنغازي لما وصفها بالظروف القاهرة، وأدان الاقتحام.

وقاد هذا الوضع، حسب مراقبين، إلى ازدواجية مؤسسية، وصدور قرارات متضاربة، ومخاوف من انقسام الجهاز القضائي، الذي ظل موحداً نسبياً طوال سنوات الصراع السياسي منذ 2014. وحذرت الأمم المتحدة وجهات قضائية ونقابية من أن أي انقسام قد يُفقد الأحكام القضائية مصداقيتها، ويهدد وحدة الدولة.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)

في ملف آخر، تواصلت تداعيات تقرير مسرّب للجنة الخبراء الأممية، تحدث عن «وقائع فساد» طالت مسؤولين سابقين وحاليين وقيادات عسكرية، وزعماء كتائب مسلحة، في ملف مرتبط بجدل حول شركة «أركنو» النفطية الخاصة.

وفي هذا السياق، وجّه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج، أو ترتيبات مماثلة للحقول المنتجة حالياً، مع طلب تزويده بجميع التفاصيل القانونية والفنية والاقتصادية لاتخاذ القرارات المناسبة، حسب رسالة تداولتها وسائل إعلام محلية.

وسبق أن وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، بإنهاء ما سمّاها «اتفاقية التطوير» مع شركة «أركنو»، بعد أن كشف التقرير عن أن الشركة حوَّلت نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات بنكية خارج ليبيا، بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

على صعيد آخر، شددت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على أن الألغام ومخلفات الحروب تشكل تهديداً مستمراً للمدنيين، مع تسجيل 63 ضحية عام 2025، بينهم 21 طفلاً. وأوضحت البعثة أن الصراعات السابقة، والانفجارات العرضية في المخازن، تزيد من خطورة التلوث، مما يعوق التعافي والتنمية.

وبمناسبة «اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام»، جددت البعثة الأممية، السبت، التزامها بدعم جهود السلطات الليبية في إدارة المخزونات، وتطهير المخلفات المتفجرة، داعيةً المجتمع الدولي والمدني إلى تكثيف الدعم المنسق والمستدام، حمايةً للمدنيين، وتعزيزاً للأمن والسلام في مختلف أنحاء ليبيا.