خسارة هجليج النفطية... هل تعيد رسم أسس الدولة السودانية؟

خبراء عبروا عن مخاوفهم من توالي سقوط حاميات الجيش ومن انهيار متوقع

أرشيفية لحقل «هجليج» النفطي الاستراتيجي لدولتي السودان وجنوب السودان (رويترز)
أرشيفية لحقل «هجليج» النفطي الاستراتيجي لدولتي السودان وجنوب السودان (رويترز)
TT

خسارة هجليج النفطية... هل تعيد رسم أسس الدولة السودانية؟

أرشيفية لحقل «هجليج» النفطي الاستراتيجي لدولتي السودان وجنوب السودان (رويترز)
أرشيفية لحقل «هجليج» النفطي الاستراتيجي لدولتي السودان وجنوب السودان (رويترز)

مع سقوط هجليج وبابنوسة، وكامل ولاية غرب كردفان بيد «قوات الدعم السريع»، فإن خريطة الحرب في السودان تتجه لرسم الأوضاع الميدانية العسكرية والجيوسياسية من جديد، لا سيما أن ما حدث بهجليج قد قطع شريان النفط، وأدى لانهيار خطوط دفاع الجيش هناك. ما يدفع بالتوقعات لاعتبار ما حدث إعادة لترتيب مناطق النفوذ، ويفتح الباب أمام تموضع جديد للقوى، يميل لصالح «الدعم السريع»، في حال لم تعد الحكومة في بورتسودان حساباتها العسكرية والسياسية، وتفلح في تحويل الوضع إلى تطور مؤقت.

ويرجح الخبراء احتمالات تطور المواجهات بين الطرفين، ويرون أنها قد تعكس واقعاً عسكرياً جديداً، من أقصى دارفور إلى كردفان الكبرى التي تضم ثلاث ولايات استراتيجية، ويتوقعون أن تكون الخطوة التالية لـ«الدعم السريع» هي التقدم تجاه مدن جنوب كردفان «العاصمة كادوقلي، ومدن الدلنج، وأبو جبيهة»، وربما استهداف مدينة «الأُبيِّض» حاضرة ولاية شمال كردفان، وأم روابة والرهد، لتتم سيطرة «قوات الدعم السريع» الكاملة على إقليمي كردفان ودارفور، ويشكلان أكثر من 46 في المائة من مساحة السودان.

خسارة النفط... هل تغير المشهد؟

وتفتح سيطرة «قوات الدعم السريع» على بابنوسة وحقل هجليج، وكامل غرب كردفان، شهيتها، ليس فقط لتقدمها، بل لإعادة رسم أسس الدولة وحدودها ومستقبل مركزها وأطرافها، فالنفط الذي كان يمثل آخر ركيزة مالية متبقية لحكومة بورتسودان، يتقاطع اليوم مع خطوط النار في كردفان ودارفور.

يختصر الخبير العسكري اللواء (متقاعد) كمال إسماعيل المشهد العسكري الراهن بوصف قاس لوضع الجيش، وانعكاس الحرب على المجتمع السوداني بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الحرب لا منتصر فيها، ولن يستطيع طرف حسمها، والمهزوم هو الشعب السوداني وحده».

ويصف انسحابات الجيش من «الفاشر، وبابنوسة، وهلجيج» بأنها ليست الانسحاب الذي تعرفه الجيوش، بقوله: «الذي يحدث ليس انسحاباً، بل هروب واضح، أو انسحاب غير منظم على أفضل الأحوال... أن يضع كل جندي بندقيته ويهرب، هذا ليس انسحاباً».

سقوط الحاميات كارثة

اللواء إسماعيل يرى فيما حدث إضعافاً للروح المعنوية للجيش، ويقول: «ليست هناك قيادة أو سيطرة، لأن الموجودين هم مستنفرون أو كتائب البراء، وجزء من الجيش»، لا يوجد بينهم تنسيق عملياتي، و«لذلك تضعف الروح المعنوية للضباط وضباط الصف والجنود، وتنهار تماماً»، ويتابع: «أظن أن الوضع يسير نحو الانهيار، فكل يوم تسقط حاميات، وهذه كارثة كبيرة جداً».

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أ.ف.ب)

إفادة إسماعيل لا تتوقف عند ما وصفه بالانهيار العسكري، بل تربط بينه وبين خطر التقسيم ومناطق النفوذ، وتضع على المدنيين المسؤولية في محاولة كبح جماح مسار التقسيم.

لكن السفير معاوية التوم، لا يرى في تصريحات تداولتها منصات موالية للجيش، أن انسحابات الجيش من الحاميات والمدن، تعني الهزيمة. ويقول: «في سياق الحرب يمكن أن تفقد موقعاً، لكنك لا تخسر المعركة، خاصة لدى الجيوش النظامية المحترفة». ويضيف: «الانسحاب الذي رصدته تقارير رسمية وتحليلية ينسجم مع نمط إعادة التموضع التكتيكي، لتفادي خسائر كبيرة أو للاستعداد لهجوم مضاد في زمان ومكان آخرين».

واقع سياسي جديد

على المستوى السياسي، يرى المحلل السياسي حاتم إلياس، أن الأوضاع تتجاوز كونها مجرد تغير في موازين القوى داخل الدولة الواحدة، بقوله: «في الواقع هذا ليس تغيراً في موازين القوى، فنحن أمام عتبة انفصال للدولة السودانية، أو على الأقل أمام ما يمكن أن نسميه واقعاً سياسياً جديداً، أو شبه دولة».

ولم يستبعد إلياس أن يضطر المحيط الإقليمي والدولي للتعامل مع «حكومة تأسيس»، وتنشأ بذلك حكومتان متوازيتان، بقوله: «العالم يخاف الفراغ، لأنه لا يستطيع التنبؤ بمن يملأه، في ظل استمرار تأثير الحركات الجهادية المتطرفة، الأقرب لملء هذا الفراغ». ورأى إلياس في إفادته لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش وحلفاءه، يعيشون إنهاكاً وضعفاً هو «أقرب للانهيار»، ويضيف: «سيطرة الحركة الشعبية والدعم السريع على جنوب كردفان ومدنها، مسألة وقت ليس طويلاً». ويستطرد: «العالم يتحدث عن وحدة السودان تحت سلطة مركزية، لكن الواقع والتحولات قد يجبرانه على الاعتراف بواقع سياسي وعسكري جديد في طور التشكل».

مخاوف من الاجتياح

في قلب هذه التحولات، تتحول جنوب كردفان إلى مسرح مركزي، فالجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، الحليف لـ«قوات الدعم السريع» ضمن تحالف «السودان التأسيسي»، يعلن صراحة أن «تحرير كادوقلي والدلنج مسألة وقت».

ويقول في بيان حصلت عليه «الشرق الأوسط»: «تحرير كادوقلي والدلنج، مسألة وقت، ومن الأفضل تسليم المدينتين، حقناً لدماء المواطنين العزل، وحفاظاً على المدينتين من الخراب».

ودعا بيان الحركة المدعومة من «الدعم السريع»، من أطلق عليهم «الشرفاء والعقلاء» من منسوبي القوات المسلحة السودانية وحلفائها، للانسحاب العاجل والتسليم دون خسائر، وفتح ممرات آمنة لخروج المواطنين، لحفظ أرواحهم. وبهذا يضع بيان الجيش الشعبي التابع للحركة، مدينتي كادوقلي والدلنج عملياً تحت التهديد المباشر، ويطالب بخروج القوات النظامية وفتح ممرات آمنة للمدنيين، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجارب مدن سودانية أخرى سبقت إلى هذا المصير.

المسرح بعد هجليج

ضمن قراءة ميدانية لمسار العمليات المتوقع بعد السيطرة على هجليج وبابنوسة، يقدم الناشط السياسي محمد خليفة تصوراً تفصيلياً للخطوة المقبلة، ويقول في تسجيل صوتي يتابعه مئات الآلاف، إن خطوة «الدعم السريع» الثانية ستكون تجاه جنوب كردفان، ومدنها «كادوقلي، الدلنج، أبو جبيهة».

ويستبعد أن تكون الخطوة التالية هي مدينة الأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان، بحسب ما هو متوقع، يقول: «حسب متابعاتي، فإن خطوة الدعم السريع بعد هجليج، الاتجاه نحو جنوب كردفان، لدعم حليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تسيطر على بلدة كاودا».

ووفقاً لخليفة فإن استراتيجية «الدعم السريع» الحربية، تقوم على وضع مناطق سيطرة الجيش في «جزر معزولة»، ويقول: «هي تحاصر كادوقلي، الدلنج، الأبيض، وبحسب ما أرى فإن خطوتها المقبلة، لن تبدأ بالأبيض كما يتصور الناس».

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

قطع خليفة بأن «قوات الدعم السريع» نفذت الجزء الأول من استراتيجيتها العسكرية، وأعدت المسرح العسكري لإتمام الجزء الثاني منها، بالاستيلاء على بابنوسة وهجليج وحصار كادوقلي والدلنج.

ورأى أن «الدعم السريع» تستخدم «هجليج» منطقة ثقل لوجيستي وتجميع وإمداد، خاصة أن الطريق مفتوحة بينها وبين مواقع سيطرتها الأخرى، ويتابع: «ستكثف حصارها على مدن كادوقلي والدلنج، التي تعاني أصلاً من تدهور الأوضاع الإنسانية».

وأشار خليفة إلى تخوفات بين مواطني مدينة كادوقلي، دفعت بعضهم لمحاولة الخروج من المدينة، بيد أن السلطات العسكرية تمنعهم الخروج، ويقول: «هذه جريمة كبيرة، وتمهيد لاستخدام المواطنين دروعاً بشرية في أي معركة في كادوقلي المرتقبة».

خليفة ناشد السلطات بالسماح للمواطنين بالخروج من المدينة، وحذر من استخدامهم كدروع بشرية لتوظيف ما قد يحدث من انتهاكات في حربهم الإعلامية الموجهة للخارج.

وتربط إفادة خليفة بين هجليج بوصفها ثقلاً لوجيستياً، يسمح بتشديد الحصار على كادوقلي والدلنج، والإشارة إلى بوادر كارثة إنسانية يعيشها الناس في المدينتين، ومنع المدنيين من الخروج، وجعل المدينة ساحة قتال مغلقة، يقع الناس فيها بين تقاطعات البنادق.

ماذا بعد؟

بين تحذيرات اللواء كمال إسماعيل من «انهيار كامل للجيش»، وخطر تقسيم السودان، ورؤية حاتم إلياس لـ«شبه دولة»، ترتسم ملامح وضع عسكري معتم، ومسار جديد لعمليات عسكرية تتجه جنوباً، لتبدو الحرب أبعد ما تكون عن مجرد حرب على السلطة أو تغيير حكومة.

التطور الحادث، أعاد رسم الخرائط الاقتصادية والعسكرية والسياسية، ووضع المدن المأهولة في خط النار، ومع ذلك يبقى السؤال معلقاً: «هل ينجح الصوت المدني المطالب بوقف الحرب، ويفرض نفسه على هدير السلاح وحسابات القوى المتصارعة، أو يمضي السودان نحو التفكك إلى جزر متناحرة، تحكمها الحرب واقتصادها، أو يفلح منطق الدولة والقانون؟».


مقالات ذات صلة

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

الخليج طغت دموع الفرح ومشاعر الوصول على مشاق الانتظار والسفر (الشؤون الإسلامية)

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

في مشهدٍ يفيض بالروحانية والخشوع، رصدت «الشرق الأوسط» اللحظات الأولى لوصول دفعة الحجاج السودانيين إلى مقر إقامتهم في أحد الفنادق الكبرى بوسط مكة المكرمة.

عمر البدوي (مكة المكرمة)
شمال افريقيا أطفال سودانيون نزحوا مع عائلاتهم إلى ليبيا يتلقون درساً في مدرسة للاجئين في تاجوراء شمال طرابلس (أرشيفية - أ.ب)

قوى سودانية تجتمع في نيروبي لتطوير رؤية وقف الحرب

تستعد قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة سودانية، غداً الجمعة، في العاصمة الكينية نيروبي، لبدء جولة جديدة من المشاورات بشأن الاتفاق على إطار تنسيقي لوقف الحرب.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها

العيد في السودان.. الأضحية ترف في زمن الحرب

تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في السودان، ومع دخول الحرب عامها الرابع، وحلول عيد الأضحى، فوجئ كثيرون بأسعار خرافية لخراف الأضحية، فاقت قدرات معظم الأسر.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
آسيا الدخان يتصاعد من الطائرات المحترقة داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات (أرشيفية - رويترز)

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

قتل 28 شخصاً على الأقل اليوم (الثلاثاء)، في هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطعماً وعربة مسلحة داخل سوق مكتظة بمدينة غبيش بغرب كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

«أبو لولو» القيادي بـ«الدعم السريع» يعود للقتال

قالت تسعة مصادر لـ«رويترز» إن قائداً في «قوات الدعم السريع»، كان قد اعتُقل في أواخر العام الماضي عقب موجة غضب عالمية أطلق سراحه وعاد إلى القتال.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

مصر تؤكد رعايتها الصحية للوافدين رغم «ثقل الأعباء»

وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
TT

مصر تؤكد رعايتها الصحية للوافدين رغم «ثقل الأعباء»

وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

أكّدت مصر التزامها بتوفير الرعاية الصحية للوافدين، رغم ثقل الأعباء الاقتصادية الناتجة عن استضافة آلاف اللاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء.

وقال وزير الصحة، خالد عبد الغفار، إن مصر قدّمت أكثر من 351 ألف خدمة رعاية صحية أولية للاجئين والمهاجرين خلال عام 2025، وأشار خلال مشاركته في فعاليات الدورة التاسعة والسبعين لـ«جمعية الصحة العالمية» في جنيف، الخميس، إلى أن «الخدمات الصحية تُقدم للوافدين على قدم المساوة مع المواطنين المصريين».

وبحسب خبراء، فإن مصر تتيح للوافدين الاستفادة من مختلف خدمات الإقامة بالمساواة مع مواطنيها، وأكدوا أنها تستوعب أعداداً كبيرة من جنسيات مختلفة رغم الأعباء الاقتصادية التي تتحملها الموازنة العامة للدولة.

ووفق إحصائيات رسمية، تستضيف مصر نحو 10 ملايين ضيف أجنبي، يمثلون 63 جنسية مختلفة.

وأكّد وزير الصحة أن بلاده «تظل منفتحة على استضافة ملايين اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الشديدة التي تواجهها على مواردها». وقال إنها «تقدم لهم الرعاية الصحية، انطلاقاً من تقاليدها الإنسانية العريقة، وإيماناً بأن الصحة حقّ إنساني أساسي لا يرتبط بالجنسية».

وأوضح أن هناك أكثر من 925 ألف لاجئ وطالب لجوء من 63 دولة سجلتهم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر حتى العام الماضي.

وأضاف أن مصر قدّمت أيضاً خدمات وقائية وعلاجية مجانية للأطفال دون الخامسة، إضافة إلى تقديم نحو 69 ألف خدمة رعاية صحية أولية في الربع الأول من 2026 فقط عبر 9 محافظات.

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

وحصل أكثر من ألفي سيدة من اللاجئات والمهاجرات على خدمات تنظيم الأسرة والمشورة الطبية المجانية في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، بحسب وزير الصحة، الذي شدّد على أن بلاده «تتحمل عبئاً ثقيلاً مع ضغوط على النظام الصحي والموازنة العامة للدولة، في ظل محدودية تقاسم الأعباء الدولية».

وفي وقت سابق، قدّرت الحكومة التكلفة المباشرة لاستضافة الأجانب بأكثر من 10 مليارات دولار سنوياً.

وقال عضو مجلس النواب، فريدي البياضي، إنه «لا يوجد تقدير صحيح بحجم الإنفاق المصري على استضافة ملايين الوافدين»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة «لا تميز في المعاملة بين الوافدين عبر تخصيص معسكرات لجوء لهم، لكن تستقبل الأجانب وتتيح لهم الاستفادة من الخدمات العامة بالبلاد».

وأشار إلى أن الحكومة تدير ملف اللاجئين وفق مواد «قانون اللجوء» الذي أقره البرلمان عام 2024، والذي نظم إجراءات تقنين إقامة الأجانب والاستفادة من الخدمات العامة، مضيفاً أن هناك شريحة من الوافدين «تمتلك أعمالاً واستثمارات في مصر، وبالتالي تحقق عائداً اقتصادياً».

وأقرّ مجلس النواب نهاية عام 2024 قانون «تنظيم لجوء الأجانب»، الذي يقضي بإنشاء «لجنة دائمة» تختص بكافة شؤون اللاجئين، وتنظم حقوقهم والتزاماتهم.

جانب من مشاركة وزير الصحة المصري في فعاليات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

وبحسب عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، وليد جاب الله، تصل الأعباء الاقتصادية لاستضافة أعداد كبيرة من الوافدين إلى نحو 10 في المائة من إنفاق الموازنة العامة.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الأجانب يحصلون على نفس السلع المدعمة بالأسواق، ومنها الوقود المدعم والكهرباء والغاز»، موضحاً أن هذه الأعباء تدفع مصر للمطالبة بدعم مستمر من الجهات المانحة.

ويرى جاب الله أن هناك «ازدواجية» في تقدير المنظمات والجهات المانحة للوافدين بمصر، مشيراً إلى أن «الدعم الذي يقدَّم للحكومة يقتصر على المسجلين في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وهو عدد لا يعبر عن العدد الحقيقي للأجانب في البلاد».

وقال وزير الصحة إن الحديث عن الأعباء التي تتحملها مصر نتيجة استضافة الأجانب ليس «شكوى»، لكنه «دعوة لشراكة دولية صادقة وفعالة تترجم إلى تمويل مستدام ومرن وعادل للدولة المستضيفة».


مصر: حجب حسابات «مسيئة» لمؤسسات الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي

مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)
مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)
TT

مصر: حجب حسابات «مسيئة» لمؤسسات الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي

مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)
مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)

قررت النيابة العامة المصرية، الخميس، حجب حسابات 12 شخصاً من منصات التواصل الاجتماعي داخل البلاد، بعد ثبوت استخدامهم تلك المنصات في نشر «محتوى مسيء» لمؤسسات الدولة المصرية وبث خطابات تحريضية تثير الفتنة بين المصريين.

وبحسب بيان صادر عن النيابة المصرية، شملت الحسابات الواردة بقرار الحجب حسابات كل من: إيدي كوهين، وهو إعلامي إسرائيلي دائم الهجوم على مصر، إلى جانب معارضين مصريين مقيمين خارج البلاد بينهم عمرو واكد، ويحيى السيد إبراهيم موسى، وسامي كمال الدين، وهيثم أبو خليل، وأسامة جاويش، وخالد السرتي، وشريف عثمان، وهشام صبري، ومحمد ناصر، وعبد الله الشريف.

وتضمن القرار حجب حسابات قائمة الأشخاص المحددة من النيابة على منصات «فيسبوك» و«يوتيوب» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» و«تلغرام» أو إيقافها، إلى جانب «منع وصول المستخدمين إليها داخل القطر المصري، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة».

وطالبت النيابة المصرية الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بموافاتها بقرار الحجب لمخاطبة المواقع المسؤولة عن إدارة المنصات.

وجاء القرار من نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال، وفق القوانين المصرية ونصوص اتفاقية الأمم المتحدة بشأن مكافحة الجريمة السيبرانية، حسب بيان النيابة العامة.

ولاقى القرار ردود فعل وانتقادات من الأسماء الوارد أسماؤهم في قرار الحجب في منشورات على حساباتهم الشخصية.

وبصدور قرار الحجب، تتخذ السلطات المصرية إجراءات لتنفيذ القرار مع إدارة منصات التواصل الاجتماعي، وفق سكرتير شعبة الاتصالات بالاتحاد العام للغرف التجارية المصرية تامر محمد الذي قال: «الإجراءات المتبعة في هذه الحالة تتمثل في قيام السلطات المصرية بإخطار المنصات، باعتبار أن هناك قراراً قضائياً صادراً بحجب الحسابات داخل مصر».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن القرار القضائي بحجب الحسابات «جاء من منطلق ضررها على الأمن الداخلي بمصر»، مشيراً إلى أن الإجراءات التقنية الجاري اتخاذها من إدارة المنصات تكون بعدم ظهور حسابات تلك الأشخاص داخل مصر، وليس إغلاقها بالكامل.

ووفق قرار النيابة العامة، فإن قرار الحجب جاء عقب الاطلاع على المحاضر المحررة من قبل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ورصد هذه الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث «ثبت قيامهم بنشر محتوى مسيء لمؤسسات الدولة المصرية وبث خطابات تحريضية تثير الفتنة والكراهية بين أطياف الشعب، وإذاعة معلومات مغلوطة، متجاوزين بذلك حدود الرأي والتعبير التي تجيزها تلك المنصات».


«طمأنينة مؤقتة» لم تهدئ مخاوف المصريين من ارتفاع جديد لأسعار الوقود

اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
TT

«طمأنينة مؤقتة» لم تهدئ مخاوف المصريين من ارتفاع جديد لأسعار الوقود

اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)
اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء 20 مايو (مجلس الوزراء)

لم يتوقف الجدل في مصر بعد تصريحات نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، حسين عيسى، التي تطرقت إلى تثبيت أسعار الوقود حتى نهاية العام المالي الحالي، أي إلى نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

وفتحت التصريحات الباب أمام تأويلات عديدة، بعضها اعتبرها بمثابة «طمأنة» ولو مؤقتة بشأن ثبات الأسعار، فيما فسرها آخرون على أنها مقدمة لزيادات جديدة مع موعد الاجتماع الدوري لـ«لجنة تسعير المواد البترولية» في يوليو (تموز).

وقال عيسى خلال مشاركته في جلسة نقاشية عقدتها «غرفة التجارة الأميركية في القاهرة»، الثلاثاء، إن «الحكومة لا تعتزم إجراء زيادات جديدة في أسعار الوقود قبل نهاية العام المالي الحالي»، معرباً عن أمله في استمرار استقرار الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وأشار في الوقت ذاته إلى أن الدولة تعمل على احتواء الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، بما يحد من الحاجة إلى تحريك أسعار المنتجات البترولية مجدداً.

وأثار التصريح مخاوف مواطنين توقعوا، في تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الحديث عن تثبيت الأسعار يفتح الباب أمام زيادة جديدة في غضون الأسابيع المقبلة، واعتبروا أن التصريح يحمل «رسائل مشفرة»، ولم يبدد مخاوفهم من الاتجاه نحو تحريك أسعار الوقود مرة أخرى هذا العام.

طلب إحاطة

وكانت الحكومة المصرية قد رفعت، في 10 مارس (آذار) الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرار إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول آنذاك.

وجاءت هذه الزيادة بعد 4 أشهر من أخرى أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة، قبل أن تندلع الحرب الإيرانية لترفع الأسعار بعد أسبوعين تقريباً من بدء النزاع.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال جلسة سابقة في مجلس النواب (مجلس الوزراء)

وأمام المخاوف الشعبية جراء تصريح المسؤول الحكومي، تقدم عضو مجلس النواب حسن عمار بطلب إحاطة، الخميس، موجه إلى رئيس الحكومة، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ووزير البترول والثروة المعدنية، مشيراً إلى «أن التصريحات رغم ما تحمله من رسائل طمأنة للمواطنين، أثارت حالة من الجدل والترقب بشأن مصير أسعار المحروقات خلال الفترة المقبلة».

وتساءل عما إذا كان استقرار الأسعار سيقتصر على الفترة حتى نهاية يونيو المقبل فقط، أم أن الحكومة تتجه لتثبيت الأسعار لفترة أطول تمتد حتى نهاية هذا العام، مشيراً إلى «أن الغموض حول مستقبل أسعار الوقود يثير مخاوف ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية».

وتساءل كذلك عن ماهية الأسباب التي لا تجعل الحكومة تتبنى سياسة تثبيت طويلة للأسعار يمكن أن تمتد لثلاث سنوات، موضحاً أن الاعتماد على «الطمأنة المؤقتة» لم يعد كافياً في ظل التحديات الاقتصادية الحالية، مطالباً بضرورة تبني استراتيجية واضحة ومستدامة لإدارة ملف الطاقة والأسعار.

التقلبات العالمية

أما أمين سر لجنة الطاقة بمجلس النواب، محمد الحداد، فقال إن تثبيت أسعار الوقود في ظل وضع إقليمي مضطرب يبقى صعباً للغاية، في ظل تقلبات أسعار النفط العالمية، وهو ما ينعكس على أعباء الموازنة المصرية ويترك تأثيره المباشر على أسعار الوقود في مصر.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الكثير من دول العالم أقدمت على رفع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب، وهو إجراء أقدمت عليه مصر في مقابل ضمان توفير الاحتياجات وضمان توفر احتياطي يكفي الاستهلاك المحلي في حالات الطوارئ، وبخاصة أن الدولة ما زالت ماضية في استيراد الاحتياجات.

وتواجه الحكومة المصرية ضغوطاً متزايدة في ملف الطاقة نتيجة تقلبات أسعار النفط العالمية، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، وارتفاع تكلفة تأمين احتياجات السوق المحلية من المنتجات البترولية، حيث اضطرت لرفع مخصصات استيراد الوقود إلى 5.5 مليار دولار خلال شهري مارس وأبريل (نيسان) الماضيين، وفقاً لتقديرات حكومية.

نائب رئيس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى خلال مشاركته في ندوة الغرفة التجارية الأميركية بالقاهرة يوم الثلاثاء (مجلس الوزراء)

ويرى رئيس اللجنة البرلمانية للحزب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» بمجلس النواب، محمود سامي، أن المؤشرات تشي بأن هناك زيادة جديدة في أسعار الوقود مع بدء السنة المالية الجديدة، مع تراجع قيمة الدعم الحكومي للمواد البترولية بصورة كبيرة، مشيراً إلى أن التوجهات الحكومية تستهدف إنهاء الدعم بشكل كامل في غضون عام، وهو أمر من الممكن أن يتحقق حال استقرت الأوضاع في المنطقة وحافظ الجنيه على قيمته أمام العملات الأجنبية.

وخفضت الحكومة مخصصات دعم المواد البترولية لتصل إلى 15.8 مليار جنيه (نحو 298 مليون دولار)، مقارنة بـ75 مليار جنيه في موازنة العام المالي السابق، بانخفاض يقارب 79 في المائة، وفقاً لمشروع الموازنة الجديد الذي عرضته وزارة المالية.

وقال سامي لـ«الشرق الأوسط» إن اتجاه الحكومة نحو خفض قيمة الدعم، ومن ثم زيادة أسعار الوقود، قد لا يحقق أثراً اقتصادياً إيجابياً في المجمل «لأنها قد تضطر إلى توسيع دائرة الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً، وقد يفوق ذلك إجمالي مخصصات الدعم، إلى جانب الآثار التضخمية السلبية المترتبة على رفع أسعار الوقود».

آلية التسعير

ويقول الخبير في أسواق الطاقة، رمضان أبو العلا، إن مصر تعتمد على «آلية التسعير التلقائي» التي تحدد الأسعار بناء على سعر خام برنت وسعر صرف الدولار وتكلفة الإنتاج والنقل وفقاً لما كانت عليه خلال ثلاثة أشهر سابقة لموعد انعقاد اللجنة، وإن الاتجاه العام للجنة يبقى نحو الزيادة باستثناء تثبيت الأسعار مرة واحدة، متوقعاً اتخاذ قرارات زيادة جديدة مع خفض قيمة الدعم في مشروع الموازنة الجديد.

وهو يرى أن على الحكومة تغيير آليات التسعير بحيث تكون آنية وفقاً لمعادلة تعتمد بالأساس على سعر خام برنت؛ رافضاً في الوقت ذاته فكرة التثبيت لفترات طويلة.

فيما بشّر النائب الحداد المواطنين بإمكانية توقف زيادات أسعار الوقود عند ظهور آثار مسارات موازية تسلكها الدولة نحو التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتقديم تسهيلات تركيب الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل، إلى جانب افتتاح محطة «الضبعة» النووية في عام 2028، ما سيقلل من الاعتماد على الوقود في المستقبل القريب.