المناقل السودانية... مدينة نجت من الحرب وصمدت بوجه الحصار

ثانية مدن ولاية الجزيرة وأحد أكبر الأوعية الزراعية في البلاد

زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
TT

المناقل السودانية... مدينة نجت من الحرب وصمدت بوجه الحصار

زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

عندما سيطرت «قوات الدعم السريع» على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة في وسط السودان، في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2023، بدا أن الطريق إلى مدينة المناقل، ثانية كبريات مدن الولاية والواقعة على بعد نحو 156 كيلومتراً من الخرطوم، بات مفتوحاً. لكن المدينة الزراعية والصناعية الكبيرة ظلت تحت سيطرة الجيش، رغم أنها كانت – بحسب بعض سكانها – «قاب قوسين أو أدنى من السقوط».

تتوسط المناقل «مشروع امتداد المناقل الزراعي»، الذي يمثّل الجزء الأكبر من «مشروع الجزيرة»، وتبلغ مساحته نحو 2.2 مليون فدان، ما يجعلها شرياناً مهماً للإنتاج الزراعي.

متسوقون في مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

لكن المدينة افتقرت قبل الحرب إلى مقوّمات الصمود العسكري، إذ لم تكن تضم سوى فرع صغير للاستخبارات العسكرية وقوات شرطة مسلحة بأسلحة خفيفة، بحسب ما يقول مواطنون مؤيدون للجيش، بحسب ما توضح شهاداتهم.

ومع دخول «قوات الدعم السريع» لمدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة، شهدت المناقل حركة نزوح وتوقف شبه كامل لعمل المؤسسات، في ظل توتر يومي يتصاعد مع كل تقدم ميداني يحققه مقاتلو «الدعم السريع« في ولاية الجزيرة، بحسب ما يقول سكان في هذه المدينة.

انهيار الخدمات

المعلم بالمرحلة المتوسط مصعب عبد الله (الشرق الأوسط)

يقول المدرّس في المرحلة المتوسطة مصعب عبد الله (35 عاماً) إنه لم يتخيّل أن يرى مدينته مغلقة بالكامل، بما في ذلك توقف المدارس. ويضيف: «ظللت قابعاً في داري بلا عمل، رغم ضرورة توفير الاحتياجات اليومية لأسرتي الصغيرة».

ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لجأت إلى العمل اليدوي في البناء والتشييد بأجر زهيد، وأحياناً لا أجده، وبعد توقف ذلك النشاط، تحوّلت إلى عامل زراعي بالمياومة، بأجر زهيد أيضاً».

ويقول: «في نهاية المطاف، قررت تحويل منزلي إلى مدرسة خاصة لتدريس التلاميذ من أجل كسب الرزق وتوفير لقمة العيش، وللإسهام في الحيلولة دون تفشي الأمية والجهل في أوساط الأطفال داخل منطقتي».

مدينة المناقل بعد أشهر من استعادة الجيش السيطرة على ولاية الجزيرة (الشرق الأوسط)

فراغ عسكري وحصار خانق

قبل اندلاع القتال، لم تكن بالمناقل أي وحدات للجيش عدا فرع الاستخبارات العسكرية وبعض وحدات الشرطة، ومع تمدد المعارك في ولاية الجزيرة، برزت المخاوف من ترك المدينة دون غطاء عسكري.

يقول مصطفى الخليفة، نائب رئيس «المقاومة الشعبية والاستنفار» السابق، لـ«الشرق الأوسط»: «إلى حين تأهيل المدينة عسكرياً، أعطى قائد الفرقة الأولى مشاة بمدينة ود مدني اللواء ركن أحمد الطيب الموافقة على أن تنتقل قيادة اللواء الثالث إلى المناقل، فوصلت قوة قوامها 200 إلى 300 فرد بتسليح خفيف، واستقرت في مقر المحلية بقيادة العميد أحمد المنسي، دون أي معينات عسكرية إضافية، وكانت المؤن الغذائية ضعيفة نتيجة الانشغال بالحرب».

ويضيف: «اشتدت الأزمة بصورة غير مسبوقة في المناقل بسبب الحصار المفروض على المنطقة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه وانعدام الوقود وشح السلع الغذائية، وكان الموتى يشيّعون إلى المقابر بالعربات التي تجرها الدواب (الكارو)».

ويتابع: «طبّقنا نظام الحياة التكافلية، ولم ننشئ دور إيواء للنازحين الفارين من جحيم الحرب ببقية أنحاء الجزيرة والبلاد، لكن المستشفيات كانت مغلقة والدواء منعدم، لذلك لجأ الناس للتداوي بالأعشاب الطبيعية».

خشية من انهيار متسلسل

نائب رئيس المقاومة الشعبية والاستنفار مصطفى الخليفة (الشرق الأوسط)

يقول الخليفة إن «قوات الدعم السريع» اقتحمت مناطق ولاية الجزيرة بعربات قتالية بتسليح قوامه الرشاشات الثقيلة، و«قتلت ما بين 50 إلى 60 شخصاً في كل قرية وأمام أعين الناس»، بحسب ما جاء في إفادته.

ويضيف: «كان الناس يخشون سقوط محلية القرشي التي تقع بها المدينة، لتتبعها المحليات الأخرى المتبقية بيد الجيش، فينفتح الطريق إلى مدينة الأبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان... كانت هذه هي مخاوف الناس».

ويقول: «كانت غرفة السيطرة تعتقد أن مدينة المناقل آيلة للسقوط بعد اجتياح عناصر (الدعم السريع) لمدن الحصاحيصا والكاملين ورفاعة وود مدني وكل شرق ولاية الجزيرة، لكن قائد القوات البرية اللواء أحمد حنان صبير، وجّه بنقل القوات المنسحبة من مواقعها إلى المناقل مع ضمان توفير المؤن الغذائية لها».

صيدلية بيطرية في المناقل (الشرق الأوسط)

ويستطرد: «بعد يومين من وصول القائد اللواء أحمد المنسي، نحن في المقاومة الشعبية عبّأنا المخازن بالمؤن الغذائية التي تكفي لمدة 7 أشهر، وبعد ذلك بدأنا في امتلاك الأسلحة وشراء العربات القتالية، وهي الخطوة الأولى التي أمنت المناقل».

ويتابع: «عندما حددت قوات الدعم السريع موعداً لاجتياح المناقل، كانت المدينة بلا مفارز أمنية تحميها سوى مفرزتين متفرقتين، لذلك اضطر رجال الأعمال في المدينة للإسهام في حملة تسليح المدينة، وفي يوم واحد تسلمنا نحو 25 عربة جديدة، وبعد ذلك أنشأنا خطوط دفاع بطول 8 كيلومترات حول مدينة المناقل».

مدينة آيلة للسقوط

رئيس اللجنة المالية للمقاومة الشعبية شوقي بلة (الشرق الأوسط)

حالة الخوف التي سادت بعد سقوط ود مدني، دفعت كثيراً من سكان المناقل إلى مغادرتها، وباتت المدينة شبه خالية لفترة. يقول شوقي بلة، رئيس اللجنة المالية لـ «المقاومة الشعبية والاستنفار»، لـ«الشرق الأوسط»: «لو تحركت دارجتان بخاريتان مسلحتان لكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على المناقل، لأن المدينة كانت بلا قوات عسكرية تقريباً».

ويضيف: «لكن القدرة الإلهية حالت دون ذلك، ثم بفضل جهود الجيش السوداني والمستنفرين وهيئة العمليات والقوات المنسحبة من مدن القطينة ورفاعة وبقية مدن ومناطق الجزيرة التي استقبلتها المناقل».

ويتابع: «رغم نقص الغذاء والدواء، بادر أهل المنطقة وشكّلوا لجان مقاومة شعبية قبل صدور قرار تشكيلها في أرجاء البلاد كافة، فجمعنا الأموال، وحصلنا على إسقاط جوي للأسلحة والأدوية والمحاليل الوريدية، ثم بدأنا في شراء السلاح وتقنينه بواسطة هيئة العمليات والاستخبارات العسكرية».

«المناقل.. عاصمة الصمود» بحسب شعار مرفوع على مدخلها (الشرق الأوسط)

ويقول بلة إن معركة قرية «ود حسين» على بعد نحو 30 كيلومتراً غرب ود مدني، شكّلت نقطة تحول، موضحاً: «بعد معارك عنيفة استطعنا هزيمة القوات المهاجمة، وحصلنا على غنائم كثيرة، منها 9 عربات قتالية مدرعة (صرصر)، وكانت معركة فاصلة قصمت ظهر القوات المتمردة».

ويضيف: «غصت المدينة بالمرضى والجرحى في ظل تعطل خدمة المستشفيات الحكومية والخاصة، وتوقف الكهرباء والمياه وانعدام الوقود. استعنت بمنظومة الطاقة الشمسية الخاصة بمنزلي وكليتي الجامعية ونقلتها إلى مستشفى (إيلا) التخصصي، وبدأنا في علاج المرضى وإجراء العمليات لجرحى العمليات العسكرية».

محام جوال تحت الأشجار

المحامي يوسف عبد الله (الشرق الأوسط)

المحامي يوسف عبد الله يقول لـ«الشرق الأوسط»: «عندما اشتد التضييق والحصار على مدينة المناقل، استخدمت السلطات المختصة مكتبي ضمن مكاتب أخرى لإدارة أعمالها اليومية، فكنت أحمل حقيبتي وفي داخلها الختم وأوراق التوثيق وأجلس تحت بناية أو ظل شجرة لإنجاز معاملاتي اليومية».

ويضيف: «كنت بمثابة المحامي الجوال، أجمع البيانات وأذهب إلى محلات الطباعة التي تعمل بمنظومة الطاقة الشمسية، من أجل كسب الرزق وتوفير الغذاء والدواء لأسرتي».

وتابع: «بسبب انعدام الوقود والمواصلات، سبق أن ذهبت إلى منطقة (الكريمت)، شمال غربي مدينة المناقل بحوالي 13 كيلومتراً، سيراً على الأقدام لاستجلاب دواء الإنسولين لوالدي المريض بداء السكري».

ويقول: «رغم الرهق والتعب استطعت ممارسة عملي لأن واقع الحال يحتم عليك تحمل المعاناة، ورفضت النزوح إلى المدن الآمنة رغم المناشدات المتكررة من الزملاء. ثقتي كانت كبيرة في القوات المسلحة وهي من التأهيل بمكان فيما يتعلق بإدارة خيوط المعركة ما أدخل الطمأنينة إلى قلوبنا».

تكافل وملاذ للنازحين

مشرف مجموعة «أسود المناقل» فياض محمد نور (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول فياض محمود، مشرف مجموعة «أسود المناقل» (كيان شعبي)، إن «صمود مدينة المناقل لم يكن حدثاً عابراً، بل ثمرة تماسك اجتماعي نادر وتكامل أدوار، لعبتها مختلف فئات المجتمع في لحظات الشدة، فقد واجهت المدينة ظروفاً قاسية، لكنها استطاعت أن تنهض بفضل روح التعاون والرغبة الحقيقية في حماية الإنسان والأرض».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «قدم أهل المناقل دعماً واسعاً، تمثّل في توفير المال والسلاح والرجال وتقديم الدعم اللوجيستي للدفاع عن المنطقة وصد أي تهديدات، وكان الإسناد الشعبي محورياً في تعزيز الأمن وبناء جبهة صلبة تكاملت عبرها الجهود الرسمية والشعبية».

ويتابع: «استقبلت المناقل أعداداً كبيرة من نازحي ولاية الجزيرة والنيل الأبيض (جنوب) وسنار (جنوب شرق)، وفتحت لهم المنازل قبل المراكز، فأصبحت المدينة ملاذاً آمناً، يخفف عن المنكوبين قسوة النزوح وفقدان الاستقرار».

أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

ويقول إن المجهودات الشعبية امتدت إلى «إعادة تأهيل وصيانة المرافق الحيوية المهمة، بالدعم الشعبي المباشر بمشاركة الشباب واللجان الطوعية ووجهاء المجتمع، في المستشفيات وصيانة المدارس والمراكز الصحية والطرق، ما ساعد على استمرار الحياة والخدمات الأساسية».

ويختم: «شكلت الروح المعنوية العالية وقيم التكافل والتراحم سنداً أساسياً لصمود مدينة المناقل، كان للكلمة الطيبة والحث على الصبر وتعزيز الروابط الاجتماعية أثر واضح في تجاوز المحنة وبقاء المجتمع متماسكاً».


مقالات ذات صلة

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

جانب من المؤتمر الصحافي لوزير الري وبجواره رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة مساء الأحد (الشرق الأوسط)

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

كشفت مصر، الأحد، عن موافقتها على بناء سد في جنوب السودان، واعتبرت سد النهضة الإثيوبي «غير شرعي» في ضوء استمرار أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية.

محمد محمود (القاهرة )
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

تشديد مصري جديد على أهمية وحدة السودان في محادثات جديدة مع واشنطن

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)

هل يؤثر سد جنوب السودان الجديد على حصة مصر المائية؟

وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور كور، أكد في تصريحات حديثة عن استعداد بلاده للمضي في ذلك المشروع المعروف باسم «سد فولا».

محمد محمود (القاهرة )
الاقتصاد عمال يكسرون الصخور في منجم للذهب بالقرب من «أبو دليق» في ولاية القضارف بالسودان (رويترز)

شركات التعدين تهدد بوقف إنتاج الذهب في السودان

هدد اتحاد شركات التعدين في السودان بوقف إنتاج الذهب بدءاً من مطلع أكتوبر المقبل احتجاجاً على آلية شراء وتسعير الذهب المطبقة حالياً من قِبل بنك السودان المركزي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.


«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
TT

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

كشف تحرُّك رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، المفاجئ نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن «خلية تخريبية» متهمة باستهداف منشآت حيوية في طرابلس، عن تباين جديد داخل المؤسسات الليبية، في وقت تتمسك فيه وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالتحقيقات المحلية الراهنة، وتنفي «وجود أي توجُّه للتفاوض بشأن القضية».

وقال المنفي -في بيان مساء السبت- إن ليبيا «تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، من خلال وزارة الخارجية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للحصول على دعم فني وتقني وقانوني، وتعزيز التعاون في التحقيقات الجارية».

وأشار إلى أن الطلب يستند إلى الإعلان الذي قدمته ليبيا بموجب المادة 12/ 3 من نظام روما، مضيفاً أن «السلطات أبدت استعدادها لتوسيع نطاق التعاون وفقاً للمادة 15، بشأن إحالة الوقائع والمعلومات ذات الصلة».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري تفكيك «خلية تخريبية» منظمة، تضم 5 عناصر ليبيين وأجانب، تورطت في هجمات بالمُسيَّرات الانتحارية، استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية. وقالت إن وزارة الدفاع «أحبطت مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية».

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وبشأن التحقيقات الأولية الجارية مع الخلية، أوضح المنفي أنها أظهرت استهداف خزانات وقود ومحطات كهرباء في إطار «خطة إرهابية موسعة» تستهدف البنية التحتية المدنية، لافتاً إلى أن التقييم القانوني للسلطات الليبية المختصة يعتبر هذه الأفعال -حسب طبيعتها- جرائم قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية»، وهي جرائم تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وفق نظام روما الأساسي.

تعهُّد بـ«الإفصاح»

وتوجه المنفي، الأحد، إلى مدينة نيويورك الأميركية، في زيارة رسمية تستمر أياماً عدة، للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال قبل سفره إن أجهزة الأمن و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من الحد من هذه العمليات «التخريبية» وإجهاض بعضها؛ مشيراً إلى تورط «عناصر أجنبية يحملون جنسيات دول أعضاء في اتفاقية روما، وليبيين يحملون جنسيات وجوازات سفر أخرى».

ولم يذكر في بيانه ما إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد قبلت الطلب، أو بدأت أي إجراء بشأنه، كما لم ترُد المحكمة على طلب للتعليق على هذه الخطوة.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية»: «إن التحقيقات في قضية الخلية التخريبية مستمرة بهدف كشف جميع المتورطين والجهات المرتبطة بها».

وبينما نفت من حيث المبدأ «وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذه القضية مع أي طرف كان»، أكدت التزامها بالإفصاح عن نتائج التحقيقات للرأي العام فور استكمالها.

استهداف البنية التحتية

وشهدت العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية في الآونة الأخيرة عمليات استهدفت منشآت نفطية وكهربائية، بينها خزانات وقود ومحطات كهرباء.

وقال المجلس الرئاسي إن العمليات «كانت جزءاً من خطة أوسع تستهدف البنية التحتية المدنية»، وإن الأجهزة الأمنية و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من احتواء بعضها، والحيلولة دون وقوع خسائر أكبر.

وحسب مراقبين محليين، يضع تحرك المنفي الملف في إطار القانون الجنائي الدولي، بعدما قال المجلس الرئاسي إن الهجمات على خزانات الوقود ومحطات الكهرباء «قد ترقى -وفق التقييم القانوني للسلطات المختصة- إلى جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، بينما تتعامل وزارة الدفاع مع القضية بوصفها ملفاً أمنياً يخضع للتحقيق الوطني».

ويأتي الإعلان عن التحقيقات والتحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً بين مؤسسات ومراكز قوى متنافسة، بما في ذلك استمرار الخلافات حول المسؤوليات الأمنية والقضائية.

تباين المواقف

ولم يتضح بعد ما إذا كان التحرك الذي أعلنه المجلس الرئاسي سيؤدي إلى دور مباشر للمحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات، أو ما إذا كانت السلطات الليبية ستواصل معالجة القضية من خلال أجهزتها الوطنية.

ويتابع الشارع الليبي تطورات المسألة باهتمام بالغ؛ خصوصاً مع تداعيات الهجمات على الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والوقود، وما خلَّفته من مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية واستقرار المناطق المتضررة.

وبرز الانشغال الشعبي بتطورات ما بات يعرف باسم «خلية طرابلس» على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث عبَّر كثيرون عن مخاوفهم من تكرار استهداف خزانات الوقود ومحطات الكهرباء، معتبرين أن مثل هذه العمليات تمس حياة المواطنين مباشرة، وتفاقم أزمة الخدمات التي يعانون منها أصلاً.

وانقسمت الآراء حول لجوء المجلس الرئاسي إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ فبينما رأى فريق أن الخطوة ضرورية لملاحقة العناصر الأجنبية وضمان عدم الإفلات من العقاب، اعتبر آخرون أنها قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تسييس الملف على حساب التحقيقات الوطنية.

وأثار التباين بين بيان المنفي وموقف الحكومة نقاشاً حول غياب التنسيق بين المؤسسات، وتساؤلات بشأن قدرة الدولة على التعامل الموحد مع التهديدات الأمنية.

وبرزت أصوات تطالب بالشفافية الكاملة ونشر نتائج التحقيقات بسرعة، وأخرى تدعو إلى تجنب تحويل القضية إلى ساحة للصراع السياسي؛ كما ظهرت دعوات متكررة لحماية المنشآت الحيوية وتعزيز الإجراءات الأمنية، مع تحذيرات من أن استمرار الانقسام الرسمي قد يضعف الثقة الشعبية في قدرة المؤسسات على مواجهة مثل هذه الخلايا.


طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
TT

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)

في إطار تعزيز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت، حققت مصر طفرة في موانئها أخيراً، فضلاً عن تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط.

وأكد وزير النقل المصري كامل الوزير أن «خطة تطوير النقل البحري تستهدف تحويل الموانئ إلى مراكز لوجستية متكاملة، وتطوير الموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وإنشاء 5 موانئ جديدة ليصل الإجمالي إلى 19 ميناءً تجارياً».

وقال في إفادة رسمية، الأحد، خلال الاحتفال بـ«اليوم البحري العالمي» الذي أقيم بمدينة الإسكندرية، إن مصر «تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تنموية متكاملة تربط موانئ البحرين الأحمر والمتوسط ومحور قناة السويس بالموانئ الجافة والمناطق الصناعية والزراعية والتعدينية، عبر شبكة السكك الحديدية وشبكة القطار الكهربائي السريع والطرق الحرة والسريعة، بما يسهم في خفض زمن التداول والتكلفة، ويعزز تنافسية الاقتصاد المصري، ويربط مصر بدول الخليج والمشرق العربي وأفريقيا وشمال وشرق ووسط أوروبا وآسيا».

وبدوره، أكد رئيس «هيئة قناة السويس» أسامة ربيع، أن «القناة آمنة وحركة الملاحة بها منتظمة، وخدماتها تعمل بكفاءة، ومرشديها على أعلى مستويات الأداء والجاهزية»، وأشار خلال الاحتفالية، إلى أن «الاضطرابات والمتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية بشكل عام، ومجتمع التجارة بشكل خاص برهنت على أهمية قناة السويس في تأمين سلاسل الإمداد العالمية»، ورسخت «مكانتها الرائدة عالمياً». كما أثبتت «بما لا يدع مجالاً للشك، عدم وجود طريق بديل ومستدام لقناة السويس، في ظل ما تتمتع به القناة من أعلى مستويات الأمان والسلامة البحرية».

وزير النقل المصري خلال احتفالية «اليوم البحري العالمي» بالإسكندرية الأحد (هيئة قناة السويس)

خبير النقل الدولي أسامة عقيل، تحدث عن الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «ما شهدته الموانئ المصرية من تطوير حقق أعلى معايير الكفاءة وفق المحددات الدولية، حيث كان معظمها قبل التطوير يعاني من ضعف الإمكانات، ولا تتوافر المعدات التكنولوجية اللازمة من أوناش وغيرها، فضلاً عن زيادة زمن الشحن أو التفريغ، وعدم وجود وسائل نقل خارجية سريعة من شاحنات أو قطارات، وكذا عدم وجود مساحات مخصصة للتخزين»، مؤكداً أن «كل هذه المشكلات تم تجاوزها في خطط التطوير، وأصبحت الموانئ المصرية مؤهلة وفق المعايير العالمية، لتصبح مراكز لوجستية متكاملة تدعم حركة التجارة العالمية».

ويشير عقيل، إلى أن «الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية ستجني مزيداً من الثمار بعدما تتوقف حروب المنطقة، فالسلام بالمنطقة سيعزز دور هذه الموانئ أكثر».

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت (هيئة ميناء دمياط)

وأوضح وزير النقل، الأحد، أن «الموانئ المصرية حققت طفرة في 2025، حيث بلغ تداول البضائع 233 مليون طن بزيادة 12 في المائة، وتداول الحاويات 11.1 مليون حاوية بنمو 25 في المائة مقارنة بالعام السابق رغم الظروف الجيوسياسية بالمنطقة».

مدير مركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» أيمن عبد الوهاب، تطرق إلى ما وصفه بـ«الأثر السياسي للطفرة التي حققتها الموانئ المصرية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «بجانب المكاسب الاقتصادية، فإن فاعلية الموانئ المصرية تمنح القاهرة نفوذاً سياسياً كبيراً ومكانةً دوليةً لتصبح فاعلاً في معادلات المستقبل، بما يضيف قوة جديدة إلى ثقلها السياسي والإقليمي الحالي».

وحسب رأي عبد الوهاب، فإن «الصراعات والمواجهات العسكرية الإقليمية والدولية تؤكد أهمية ما تقدمه مصر من بدائل آمنة لحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بما يمنحها قوة سياسية تعزز حضورها الحالي في القضايا الدولية والإقليمية كافة».

وخلال إفادته، الأحد، أكد رئيس «هيئة قناة السويس»، أن التقارير الملاحية أظهرت «تحسناً في معدلات الملاحة بالقناة»، حيث شهدت خلال أغسطس (آب) الماضي «عبور 1358 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 68.3 مليون طن»، محققة إيرادات قدرها 567.1 مليون دولار، وذلك في مقابل عبور 1070 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 45.2 مليون طن بإيرادات قدرها 326 مليون دولار خلال أغسطس من العام الماضي، بنسب زيادة قدرها 27 في المائة في أعداد السفن، و51.1 في المائة في الحمولات الصافية، و56.7 في المائة للإيرادات.