المناقل السودانية... مدينة نجت من الحرب وصمدت بوجه الحصار

ثانية مدن ولاية الجزيرة وأحد أكبر الأوعية الزراعية في البلاد

زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
TT

المناقل السودانية... مدينة نجت من الحرب وصمدت بوجه الحصار

زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

عندما سيطرت «قوات الدعم السريع» على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة في وسط السودان، في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2023، بدا أن الطريق إلى مدينة المناقل، ثانية كبريات مدن الولاية والواقعة على بعد نحو 156 كيلومتراً من الخرطوم، بات مفتوحاً. لكن المدينة الزراعية والصناعية الكبيرة ظلت تحت سيطرة الجيش، رغم أنها كانت – بحسب بعض سكانها – «قاب قوسين أو أدنى من السقوط».

تتوسط المناقل «مشروع امتداد المناقل الزراعي»، الذي يمثّل الجزء الأكبر من «مشروع الجزيرة»، وتبلغ مساحته نحو 2.2 مليون فدان، ما يجعلها شرياناً مهماً للإنتاج الزراعي.

متسوقون في مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

لكن المدينة افتقرت قبل الحرب إلى مقوّمات الصمود العسكري، إذ لم تكن تضم سوى فرع صغير للاستخبارات العسكرية وقوات شرطة مسلحة بأسلحة خفيفة، بحسب ما يقول مواطنون مؤيدون للجيش، بحسب ما توضح شهاداتهم.

ومع دخول «قوات الدعم السريع» لمدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة، شهدت المناقل حركة نزوح وتوقف شبه كامل لعمل المؤسسات، في ظل توتر يومي يتصاعد مع كل تقدم ميداني يحققه مقاتلو «الدعم السريع« في ولاية الجزيرة، بحسب ما يقول سكان في هذه المدينة.

انهيار الخدمات

المعلم بالمرحلة المتوسط مصعب عبد الله (الشرق الأوسط)

يقول المدرّس في المرحلة المتوسطة مصعب عبد الله (35 عاماً) إنه لم يتخيّل أن يرى مدينته مغلقة بالكامل، بما في ذلك توقف المدارس. ويضيف: «ظللت قابعاً في داري بلا عمل، رغم ضرورة توفير الاحتياجات اليومية لأسرتي الصغيرة».

ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لجأت إلى العمل اليدوي في البناء والتشييد بأجر زهيد، وأحياناً لا أجده، وبعد توقف ذلك النشاط، تحوّلت إلى عامل زراعي بالمياومة، بأجر زهيد أيضاً».

ويقول: «في نهاية المطاف، قررت تحويل منزلي إلى مدرسة خاصة لتدريس التلاميذ من أجل كسب الرزق وتوفير لقمة العيش، وللإسهام في الحيلولة دون تفشي الأمية والجهل في أوساط الأطفال داخل منطقتي».

مدينة المناقل بعد أشهر من استعادة الجيش السيطرة على ولاية الجزيرة (الشرق الأوسط)

فراغ عسكري وحصار خانق

قبل اندلاع القتال، لم تكن بالمناقل أي وحدات للجيش عدا فرع الاستخبارات العسكرية وبعض وحدات الشرطة، ومع تمدد المعارك في ولاية الجزيرة، برزت المخاوف من ترك المدينة دون غطاء عسكري.

يقول مصطفى الخليفة، نائب رئيس «المقاومة الشعبية والاستنفار» السابق، لـ«الشرق الأوسط»: «إلى حين تأهيل المدينة عسكرياً، أعطى قائد الفرقة الأولى مشاة بمدينة ود مدني اللواء ركن أحمد الطيب الموافقة على أن تنتقل قيادة اللواء الثالث إلى المناقل، فوصلت قوة قوامها 200 إلى 300 فرد بتسليح خفيف، واستقرت في مقر المحلية بقيادة العميد أحمد المنسي، دون أي معينات عسكرية إضافية، وكانت المؤن الغذائية ضعيفة نتيجة الانشغال بالحرب».

ويضيف: «اشتدت الأزمة بصورة غير مسبوقة في المناقل بسبب الحصار المفروض على المنطقة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه وانعدام الوقود وشح السلع الغذائية، وكان الموتى يشيّعون إلى المقابر بالعربات التي تجرها الدواب (الكارو)».

ويتابع: «طبّقنا نظام الحياة التكافلية، ولم ننشئ دور إيواء للنازحين الفارين من جحيم الحرب ببقية أنحاء الجزيرة والبلاد، لكن المستشفيات كانت مغلقة والدواء منعدم، لذلك لجأ الناس للتداوي بالأعشاب الطبيعية».

خشية من انهيار متسلسل

نائب رئيس المقاومة الشعبية والاستنفار مصطفى الخليفة (الشرق الأوسط)

يقول الخليفة إن «قوات الدعم السريع» اقتحمت مناطق ولاية الجزيرة بعربات قتالية بتسليح قوامه الرشاشات الثقيلة، و«قتلت ما بين 50 إلى 60 شخصاً في كل قرية وأمام أعين الناس»، بحسب ما جاء في إفادته.

ويضيف: «كان الناس يخشون سقوط محلية القرشي التي تقع بها المدينة، لتتبعها المحليات الأخرى المتبقية بيد الجيش، فينفتح الطريق إلى مدينة الأبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان... كانت هذه هي مخاوف الناس».

ويقول: «كانت غرفة السيطرة تعتقد أن مدينة المناقل آيلة للسقوط بعد اجتياح عناصر (الدعم السريع) لمدن الحصاحيصا والكاملين ورفاعة وود مدني وكل شرق ولاية الجزيرة، لكن قائد القوات البرية اللواء أحمد حنان صبير، وجّه بنقل القوات المنسحبة من مواقعها إلى المناقل مع ضمان توفير المؤن الغذائية لها».

صيدلية بيطرية في المناقل (الشرق الأوسط)

ويستطرد: «بعد يومين من وصول القائد اللواء أحمد المنسي، نحن في المقاومة الشعبية عبّأنا المخازن بالمؤن الغذائية التي تكفي لمدة 7 أشهر، وبعد ذلك بدأنا في امتلاك الأسلحة وشراء العربات القتالية، وهي الخطوة الأولى التي أمنت المناقل».

ويتابع: «عندما حددت قوات الدعم السريع موعداً لاجتياح المناقل، كانت المدينة بلا مفارز أمنية تحميها سوى مفرزتين متفرقتين، لذلك اضطر رجال الأعمال في المدينة للإسهام في حملة تسليح المدينة، وفي يوم واحد تسلمنا نحو 25 عربة جديدة، وبعد ذلك أنشأنا خطوط دفاع بطول 8 كيلومترات حول مدينة المناقل».

مدينة آيلة للسقوط

رئيس اللجنة المالية للمقاومة الشعبية شوقي بلة (الشرق الأوسط)

حالة الخوف التي سادت بعد سقوط ود مدني، دفعت كثيراً من سكان المناقل إلى مغادرتها، وباتت المدينة شبه خالية لفترة. يقول شوقي بلة، رئيس اللجنة المالية لـ «المقاومة الشعبية والاستنفار»، لـ«الشرق الأوسط»: «لو تحركت دارجتان بخاريتان مسلحتان لكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على المناقل، لأن المدينة كانت بلا قوات عسكرية تقريباً».

ويضيف: «لكن القدرة الإلهية حالت دون ذلك، ثم بفضل جهود الجيش السوداني والمستنفرين وهيئة العمليات والقوات المنسحبة من مدن القطينة ورفاعة وبقية مدن ومناطق الجزيرة التي استقبلتها المناقل».

ويتابع: «رغم نقص الغذاء والدواء، بادر أهل المنطقة وشكّلوا لجان مقاومة شعبية قبل صدور قرار تشكيلها في أرجاء البلاد كافة، فجمعنا الأموال، وحصلنا على إسقاط جوي للأسلحة والأدوية والمحاليل الوريدية، ثم بدأنا في شراء السلاح وتقنينه بواسطة هيئة العمليات والاستخبارات العسكرية».

«المناقل.. عاصمة الصمود» بحسب شعار مرفوع على مدخلها (الشرق الأوسط)

ويقول بلة إن معركة قرية «ود حسين» على بعد نحو 30 كيلومتراً غرب ود مدني، شكّلت نقطة تحول، موضحاً: «بعد معارك عنيفة استطعنا هزيمة القوات المهاجمة، وحصلنا على غنائم كثيرة، منها 9 عربات قتالية مدرعة (صرصر)، وكانت معركة فاصلة قصمت ظهر القوات المتمردة».

ويضيف: «غصت المدينة بالمرضى والجرحى في ظل تعطل خدمة المستشفيات الحكومية والخاصة، وتوقف الكهرباء والمياه وانعدام الوقود. استعنت بمنظومة الطاقة الشمسية الخاصة بمنزلي وكليتي الجامعية ونقلتها إلى مستشفى (إيلا) التخصصي، وبدأنا في علاج المرضى وإجراء العمليات لجرحى العمليات العسكرية».

محام جوال تحت الأشجار

المحامي يوسف عبد الله (الشرق الأوسط)

المحامي يوسف عبد الله يقول لـ«الشرق الأوسط»: «عندما اشتد التضييق والحصار على مدينة المناقل، استخدمت السلطات المختصة مكتبي ضمن مكاتب أخرى لإدارة أعمالها اليومية، فكنت أحمل حقيبتي وفي داخلها الختم وأوراق التوثيق وأجلس تحت بناية أو ظل شجرة لإنجاز معاملاتي اليومية».

ويضيف: «كنت بمثابة المحامي الجوال، أجمع البيانات وأذهب إلى محلات الطباعة التي تعمل بمنظومة الطاقة الشمسية، من أجل كسب الرزق وتوفير الغذاء والدواء لأسرتي».

وتابع: «بسبب انعدام الوقود والمواصلات، سبق أن ذهبت إلى منطقة (الكريمت)، شمال غربي مدينة المناقل بحوالي 13 كيلومتراً، سيراً على الأقدام لاستجلاب دواء الإنسولين لوالدي المريض بداء السكري».

ويقول: «رغم الرهق والتعب استطعت ممارسة عملي لأن واقع الحال يحتم عليك تحمل المعاناة، ورفضت النزوح إلى المدن الآمنة رغم المناشدات المتكررة من الزملاء. ثقتي كانت كبيرة في القوات المسلحة وهي من التأهيل بمكان فيما يتعلق بإدارة خيوط المعركة ما أدخل الطمأنينة إلى قلوبنا».

تكافل وملاذ للنازحين

مشرف مجموعة «أسود المناقل» فياض محمد نور (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول فياض محمود، مشرف مجموعة «أسود المناقل» (كيان شعبي)، إن «صمود مدينة المناقل لم يكن حدثاً عابراً، بل ثمرة تماسك اجتماعي نادر وتكامل أدوار، لعبتها مختلف فئات المجتمع في لحظات الشدة، فقد واجهت المدينة ظروفاً قاسية، لكنها استطاعت أن تنهض بفضل روح التعاون والرغبة الحقيقية في حماية الإنسان والأرض».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «قدم أهل المناقل دعماً واسعاً، تمثّل في توفير المال والسلاح والرجال وتقديم الدعم اللوجيستي للدفاع عن المنطقة وصد أي تهديدات، وكان الإسناد الشعبي محورياً في تعزيز الأمن وبناء جبهة صلبة تكاملت عبرها الجهود الرسمية والشعبية».

ويتابع: «استقبلت المناقل أعداداً كبيرة من نازحي ولاية الجزيرة والنيل الأبيض (جنوب) وسنار (جنوب شرق)، وفتحت لهم المنازل قبل المراكز، فأصبحت المدينة ملاذاً آمناً، يخفف عن المنكوبين قسوة النزوح وفقدان الاستقرار».

أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

ويقول إن المجهودات الشعبية امتدت إلى «إعادة تأهيل وصيانة المرافق الحيوية المهمة، بالدعم الشعبي المباشر بمشاركة الشباب واللجان الطوعية ووجهاء المجتمع، في المستشفيات وصيانة المدارس والمراكز الصحية والطرق، ما ساعد على استمرار الحياة والخدمات الأساسية».

ويختم: «شكلت الروح المعنوية العالية وقيم التكافل والتراحم سنداً أساسياً لصمود مدينة المناقل، كان للكلمة الطيبة والحث على الصبر وتعزيز الروابط الاجتماعية أثر واضح في تجاوز المحنة وبقاء المجتمع متماسكاً».


مقالات ذات صلة

مناوي: حملنا السلاح «مجبرين»... والسودان ينهار تحت وطأة الحرب

خاص رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

مناوي: حملنا السلاح «مجبرين»... والسودان ينهار تحت وطأة الحرب

وصف رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور، مشاركة قواته في الحرب إلى جانب الجيش بأنها «ضرورة»، وقال إن الاستهداف طال أرواح السودانيين وتاريخهم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم سابق لقوات «الدعم السريع» في السودان (رويترز)

6 قتلى و15 مصاباً في قصف لـ«الدعم السريع» بجنوب كردفان

أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ستة أشخاص وإصابة 15 آخرين بينهم ست نساء من جراء القصف المدفعي لـ«قوات الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا 
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

«الهويرة»... منشق رابع من «الدعم السريع»

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية.

أحمد يونس (كمبالا) محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة) p-circle

خاص انشقاقات تضرب «الدعم السريع»... هل بدأت مرحلة التفكك؟

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية.

شمال افريقيا نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز) p-circle

6 قتلى في هجوم بمسيّرة شرق دارفور وانشقاقات بصفوف «الدعم السريع»

قُتل 6 أشخاص في هجوم بطائرة مسيرة في مدينة الضعين الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» بشرق دارفور في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
TT

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)

أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، اليوم (الخميس)، سلسلة إضرابات عامة في المحاكم بولايات الجمهورية، بدءاً من يوم الثلاثاء المقبل؛ احتجاجاً على تعطُّل الحوار مع السلطة بشأن «إصلاحات في القطاع، وضمان معايير المحاكمة العادلة واستقلالية القضاء». وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أعلنت الهيئة، عقب الاجتماع الدوري لمجلسها عن جدول تحركاتها الاحتجاجية، والإضرابات على مستوى الولايات على مدى الأسابيع المقبلة وحتى الثامن من يونيو «حزيران» المقبل، قبل الإضراب العام على المستوى الوطني، المقرر يوم 18 من الشهر المقبل.

وينظِّم المحامون، أيضاً، إضراباً عاماً في محاكم ولايات مدنين وقابس وقبلي وتطاوين (جنوب)، في أول يونيو المقبل، مع تجمع بالمحكمة الابتدائية بمدنين. كما تَقرَّر ضمن هذه السلسلة، تنفيذ إضراب عام في محاكم سوسة والمنستير والمهدية (ساحل شرقي) والقيروان والقصرين (وسط)، يوم 8 يونيو المقبل، مع تجمع بالمحكمة الابتدائية في سوسة.

وأوضحت الهيئة أنها «طالبت بالحوار لتحقيق مطالبها، وفي مقدمتها إصلاح مرفق العدالة، وتحسين ظروف العمل، وإصلاح الإطار الترتيبي لصندوق الحيطة (الضمان الاجتماعي) والتقاعد للمحامين، بما يحافظ على ديمومته، إلا أنها لم تجد تفاعلاً من وزارة العدل»، مبرزة أن «الوزارة واصلت تجاهلها للمطالب، مما أدى إلى تدهور أوضاع المحاكم، وتعطُّل سير المرفق في كثير منها؛ بسبب تدهور البنية التحتية، والنقص الحاصل في الإطارَين القضائي والإداري».

وانتقدت في السياق ذاته «تعطيل إرساء المجلس الأعلى للقضاء، والاعتماد عوضاً عن ذلك على آلية المذكرات غير المدروسة، ونقل القضاة دون تعويضهم ودون سد الشغورات، ما أضرَّ بمصلحة المتقاضين»، وفق قولها.

وتسود حالة من التوتر في صفوف المحامين بتونس؛ احتجاجاً على تعطُّل إصلاحات مطلوبة في القطاع، وذلك على خلفية مطالب مهنية وحول ظروف العمل، وسير جلسات المحاكمات، وما تعدّه هيئة المحامين تضييقاً من قبل السلطة على حق الدفاع، وضرباً لاستقلالية القضاء. واحتجَّ محامون بشكل خاص ضد تنظيم محاكمات عن بُعد لسياسيين من المعارضة في قضية «التآمر على أمن الدولة»، وملاحقات قضائية لمحامين؛ بسبب شبهات فساد مالي. وقالت الهيئة، في بيان لها، إنَّ وزارة العدل «واصلت تجاهلها للمطالب، مما أدى إلى تدهور أوضاع المحاكم، وتعطُّل سير المرفق في كثير منها؛ بسبب تدهور البنية التحتية، والنقص الحاصل في الإطارَين القضائي والإداري».


مصر تشدد على دعم «أمن الخليج» وتسوية سلمية لـ«حرب إيران»

بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تشدد على دعم «أمن الخليج» وتسوية سلمية لـ«حرب إيران»

بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على «دعمها الكامل لأمن واستقرار الدول الخليج العربي الشقيقة، ورفض أي اعتداءات تستهدف المساس بسيادتها واستقرارها». كما دعت إلى تسوية سلمية لـ«حرب إيران». وأكدت: «تمثل الحلول الدبلوماسية والتسويات السلمية السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار».

التأكيدات المصرية جاءت خلال مشاركة وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، الخميس، في اجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي.

واستعرض عبد العاطي التحديات المتشابكة التي يشهدها النظام الدولي والاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن «الدول النامية تتحمل العبء الأكبر من تداعيات هذه الأزمات».

وتناول في هذا الإطار تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، وما يشهده الإقليم من تصعيد بسبب «الحرب الإيرانية»، يهدد الاستقرار سواء الإقليمي والدولي، ويؤثر سلباً على أمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء. كما تحدث عن الجهود التي تبذلها مصر لاحتواء التوتر وخفض التصعيد ومنع اتساع نطاق الصراع.

وتؤكد القاهرة بشكل متكرر «تضامنها الكامل قيادةً وحكومةً وشعباً مع أشقائها بالخليج في مواجهة التحديات الأمنية، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميَّين».

اجتماع وزراء خارجية «بريكس» الخميس (الخارجية المصرية)

وجدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال محادثات مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الإسكندرية، السبت الماضي، التأكيد على «موقف بلاده الثابت الداعم لأمن واستقرار الدول العربية».

كما شدّد السيسي خلال لقاء سكرتير عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، على هامش قمة «أفريقيا - فرنسا» في نيروبي على «دعم بلاده الكامل لدول الخليج الشقيقة، ورفض أي اعتداءات على سيادتها وأمنها».

ووفق إفادة لمتحدث وزارة الخارجية، تميم خلاف، الخميس، تناول الوزير عبد العاطي المبادرات التي طرحتها بلاده في إطار «البريكس»، ومن بينها إنشاء «مركز لوجستي للحبوب» في شرق بورسعيد لتعزيز الأمن الغذائي، بما يسهم في دعم التعاون الصناعي والتجاري والاستثماري بين الدول الأعضاء.

القضية الفلسطينية كانت محوراً في حديث وزير الخارجية خلال اجتماع «مجموعة البريكس»، حيث «أدان الممارسات الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية المحتلة». وشدّد على «ضرورة ضمان نفاذ المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية دون عوائق إلى قطاع غزة، بما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية، إلى جانب التمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وصولاً إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع رئيس وزراء الهند الخميس (الخارجية المصرية)

أيضاً أكد خلال لقاء مع رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الخميس، «أهمية استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وضرورة ضمان تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية دون قيود، بما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، إلى جانب التمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وتمكين (اللجنة الوطنية الفلسطينية) من الاضطلاع بمسؤولياتها، وصولاً إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية».

وحسب «الخارجية المصرية» أعرب عبد العاطي خلال لقاء مع مودي عن الاعتزاز بالتطور اللافت الذي تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين، والذي تجسد في تبادل الزيارات رفيعة المستوى، ورفع العلاقات إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية».

كما أشاد بانطلاق الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين البلدين في 2025، مؤكداً «الحرص على عقده بشكل دوري بالتناوب بين الجانبين»، مشدداً على «أهمية تبادل الرؤى لتعزيز التعاون الثنائي في إطار هذه الآلية، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية».


اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
TT

اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا تصعيداً غير مسبوق، بعد تبادل الاتهامات السياسية والعسكرية بين البلدين بشأن دعم جماعات مسلحة وشن هجمات بطائرات مسيرة، وسط تحركات عسكرية على الحدود المشتركة، وتزايد المخاوف من انزلاق الأزمة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

ويأتي هذا التوتر في وقت يمر فيه السودان بظروف داخلية شديدة التعقيد بسبب الحرب المستمرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الخرطوم على التعامل مع أزمة خارجية جديدة، وما إذا كانت الاتهامات المتبادلة ستظل ضمن إطار التصعيد السياسي والأمني، أم أنها قد تتطور إلى صدام عسكري مباشر بين البلدين.

وتتجه الأنظار إلى ما توقعه الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في شؤون السودان والقرن الأفريقي، كاميرون هدسون، بشأن تدهور العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإثيوبيا، وحشد الخرطوم لقوات عسكرية قرب الحدود المشتركة، وذلك بعد أيام من اتهام الجيش السوداني لأديس أبابا بالضلوع في أعمال عدائية استهدفت السودان، والسماح باستخدام قاعدة «بحر دار» الإثيوبية منصة لانطلاق طائرات مسيرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع».مخاوف أميركية

وقال هدسون، في تدوينة نشرها عبر منصة «إكس»، إن السودان «قطع علاقاته الدبلوماسية مع إثيوبيا، وحشد قوات جديدة على الحدود»، معرباً عن قلقه من تداعيات التوتر التاريخي بين البلدين واحتمالات تحوله إلى مواجهة أوسع، في وقت يعيش فيه السودان أوضاعاً شديدة الحساسية بسبب الحرب الداخلية المستمرة منذ عام 2023. ورغم عدم صدور إعلان رسمي سوداني يؤكد قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، فإن الحكومة السودانية استدعت سفيرها لدى إثيوبيا، عقب اتهام الجيش السوداني لأديس أبابا ودولة الإمارات العربية المتحدة بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مطار الخرطوم ومواقع أخرى.

وكان الجيش السوداني قد أعلن، الأسبوع الماضي، أن الهجمات الأخيرة انطلقت من مطار «بحر دار» الإثيوبي، وهو ما نفته أديس أبابا بشكل قاطع، ووصفت الاتهامات بأنها «لا تستند إلى أي أساس».

وجاءت هذه التطورات بعد أشهر من تقرير استقصائي نشرته وكالة «رويترز»، تحدث عن وجود معسكر سري داخل إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«قوات الدعم السريع» في إقليم «بني شنقول» المحاذي للسودان، استناداً إلى مصادر ميدانية وصور أقمار اصطناعية.

كما أشار التقرير إلى أن هذا المعسكر يمثل مؤشراً على اتساع نطاق الحرب السودانية إقليمياً، بينما لم تصدر إثيوبيا تعليقاً رسمياً على تلك المعلومات. وفي السياق نفسه، تحدث تقرير صادر عن مختبر البحوث الإنسانية التابع لجامعة ييل عن رصد مؤشرات على وجود دعم عسكري إثيوبي لـ«قوات الدعم السريع» في قاعدة بمدينة «أسوسا» خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي.

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)

وفي المقابل، ردت إثيوبيا باتهامات مضادة؛ إذ أعلنت وزارة خارجيتها أن السودان يدعم جماعات معادية في إقليم «تيغراي»، وينتهك سلامة الأراضي الإثيوبية، كما اتهمت الخرطوم باستخدام عناصر من متمردي «تيغراي» في الحرب ضد «قوات الدعم السريع»، مشيرة إلى أنها تجنبت سابقاً إعلان هذه الاتهامات حفاظاً على العلاقات الثنائية.تاريخ من الاتهامات

ويستند التصعيد الحالي إلى تاريخ طويل من الشكوك والصراعات غير المعلنة بين البلدين؛ فقد استضافت إثيوبيا، خلال مراحل مختلفة، قوى معارضة سودانية، كما لعبت أدواراً سياسية في الوساطة بين الفرقاء السودانيين، خصوصاً مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق. وعقب اندلاع الحرب السودانية الحالية، استضافت أديس أبابا قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، كما احتضنت اجتماعات لقوى مدنية سودانية معارضة، من بينها تحالف «تقدم» بقيادة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك.

في المقابل، لعب السودان أيضاً أدواراً مؤثرة في الصراعات الداخلية الإثيوبية خلال العقود الماضية؛ فقد كشف الزعيم الإسلامي السوداني الراحل حسن الترابي في مقابلات إعلامية عن أن الثوار الإثيوبيين دخلوا أديس أبابا بدبابات سودانية يقودها إثيوبيون، بينما أكد مستشار الأمن القومي السوداني الأسبق الفريق طيار الفاتح عروة أنه قاد الطائرة التي أقلت الرئيس الإثيوبي الأسبق ملس زيناوي من الخرطوم إلى أديس أبابا عام 1991 بعد سقوط نظام منغستو هيلا مريام.

آبي أحمد والبرهان لدى لقاء سابق في بورتسودان (مجلس السيادة السوداني)

غير أن العلاقات بين البلدين دخلت لاحقاً مرحلة توتر حاد عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 في أثناء مشاركته في قمة منظمة الوحدة الأفريقية، حيث اتهمت إثيوبيا ومصر نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير و«الجبهة الإسلامية القومية» بالتورط في العملية، وهو ما نفته الخرطوم آنذاك. كما بقي النزاع الحدودي في منطقة «الفشقة» شرقي السودان أحد أبرز أسباب التوتر المستمر بين البلدين، خاصة بعد أن أعاد الجيش السوداني انتشاره في المنطقة نهاية عام 2020، مستعيداً أراضي كانت تسيطر عليها مجموعات إثيوبية لسنوات، بينما اعتبرت أديس أبابا الخطوة استغلالاً لانشغالها بالحرب في إقليم «تيغراي».مناوشات أم حرب؟

وفي ظل التصعيد الحالي، يبرز سؤال أساسي حول إمكانية تحول هذه الاتهامات المتبادلة إلى حرب مباشرة بين البلدين. ويرى خبراء عسكريون أن احتمالات اندلاع حرب شاملة لا تزال محدودة، نظراً للكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية الباهظة على الطرفين، خصوصاً أن الجيش السوداني يخوض بالفعل حرباً واسعة ضد «قوات الدعم السريع» منذ أبريل عام 2023، في وقت تواجه فيه إثيوبيا اضطرابات داخلية وتحديات أمنية معقدة في عدة أقاليم.

وقال الخبير العسكري والعميد المتقاعد في الجيش السوداني الدكتور جمال الشهيد، إن التصعيد بين السودان وإثيوبيا تجاوز مرحلة الخلافات الدبلوماسية التقليدية، ودخل مرحلة تبادل الرسائل الاستراتيجية والضغوط الأمنية، لكنه استبعد وصول الأمور إلى مواجهة عسكرية شاملة في الوقت الحالي. وأوضح أن التوتر قد يقود إلى مناوشات حدودية محدودة، خاصة في ظل الملفات العالقة المتعلقة بمنطقة الفشقة وسد النهضة وتبادل الاتهامات بدعم جماعات مسلحة، مشيراً إلى أن السودان يركز حالياً على حسم معركته الداخلية واستعادة الاستقرار الوطني، ما يجعل خيار الحرب الخارجية مكلفاً للغاية.

في المقابل، رأى المقدم الطيار المتقاعد الطيب المالكابي أن التصعيد الحالي يتجاوز مجرد الخطاب السياسي، وقد يكون مؤشراً على اقتراب مواجهة إقليمية، لكنه استبعد وجود استعداد عسكري فعلي لدى الجيش السوداني لخوض حرب مفتوحة مع إثيوبيا، معتبراً أن الحديث عن التهديد الخارجي قد يكون أيضاً محاولة لتخفيف الضغوط الناتجة عن تعقيدات الحرب الداخلية.

وبين التصعيد الدبلوماسي، والتحركات العسكرية، وتاريخ الصراعات الحدودية والتدخلات المتبادلة، تبدو العلاقات بين السودان وإثيوبيا أمام اختبار بالغ الخطورة، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية مزمنة وصراعات متشابكة، ما يجعل أي انزلاق نحو مواجهة مباشرة تهديداً إضافياً لاستقرار القرن الأفريقي بأكمله.