المناقل السودانية... مدينة نجت من الحرب وصمدت بوجه الحصار

ثانية مدن ولاية الجزيرة وأحد أكبر الأوعية الزراعية في البلاد

زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
TT

المناقل السودانية... مدينة نجت من الحرب وصمدت بوجه الحصار

زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)
زحمة في أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

عندما سيطرت «قوات الدعم السريع» على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة في وسط السودان، في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2023، بدا أن الطريق إلى مدينة المناقل، ثانية كبريات مدن الولاية والواقعة على بعد نحو 156 كيلومتراً من الخرطوم، بات مفتوحاً. لكن المدينة الزراعية والصناعية الكبيرة ظلت تحت سيطرة الجيش، رغم أنها كانت – بحسب بعض سكانها – «قاب قوسين أو أدنى من السقوط».

تتوسط المناقل «مشروع امتداد المناقل الزراعي»، الذي يمثّل الجزء الأكبر من «مشروع الجزيرة»، وتبلغ مساحته نحو 2.2 مليون فدان، ما يجعلها شرياناً مهماً للإنتاج الزراعي.

متسوقون في مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

لكن المدينة افتقرت قبل الحرب إلى مقوّمات الصمود العسكري، إذ لم تكن تضم سوى فرع صغير للاستخبارات العسكرية وقوات شرطة مسلحة بأسلحة خفيفة، بحسب ما يقول مواطنون مؤيدون للجيش، بحسب ما توضح شهاداتهم.

ومع دخول «قوات الدعم السريع» لمدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة، شهدت المناقل حركة نزوح وتوقف شبه كامل لعمل المؤسسات، في ظل توتر يومي يتصاعد مع كل تقدم ميداني يحققه مقاتلو «الدعم السريع« في ولاية الجزيرة، بحسب ما يقول سكان في هذه المدينة.

انهيار الخدمات

المعلم بالمرحلة المتوسط مصعب عبد الله (الشرق الأوسط)

يقول المدرّس في المرحلة المتوسطة مصعب عبد الله (35 عاماً) إنه لم يتخيّل أن يرى مدينته مغلقة بالكامل، بما في ذلك توقف المدارس. ويضيف: «ظللت قابعاً في داري بلا عمل، رغم ضرورة توفير الاحتياجات اليومية لأسرتي الصغيرة».

ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لجأت إلى العمل اليدوي في البناء والتشييد بأجر زهيد، وأحياناً لا أجده، وبعد توقف ذلك النشاط، تحوّلت إلى عامل زراعي بالمياومة، بأجر زهيد أيضاً».

ويقول: «في نهاية المطاف، قررت تحويل منزلي إلى مدرسة خاصة لتدريس التلاميذ من أجل كسب الرزق وتوفير لقمة العيش، وللإسهام في الحيلولة دون تفشي الأمية والجهل في أوساط الأطفال داخل منطقتي».

مدينة المناقل بعد أشهر من استعادة الجيش السيطرة على ولاية الجزيرة (الشرق الأوسط)

فراغ عسكري وحصار خانق

قبل اندلاع القتال، لم تكن بالمناقل أي وحدات للجيش عدا فرع الاستخبارات العسكرية وبعض وحدات الشرطة، ومع تمدد المعارك في ولاية الجزيرة، برزت المخاوف من ترك المدينة دون غطاء عسكري.

يقول مصطفى الخليفة، نائب رئيس «المقاومة الشعبية والاستنفار» السابق، لـ«الشرق الأوسط»: «إلى حين تأهيل المدينة عسكرياً، أعطى قائد الفرقة الأولى مشاة بمدينة ود مدني اللواء ركن أحمد الطيب الموافقة على أن تنتقل قيادة اللواء الثالث إلى المناقل، فوصلت قوة قوامها 200 إلى 300 فرد بتسليح خفيف، واستقرت في مقر المحلية بقيادة العميد أحمد المنسي، دون أي معينات عسكرية إضافية، وكانت المؤن الغذائية ضعيفة نتيجة الانشغال بالحرب».

ويضيف: «اشتدت الأزمة بصورة غير مسبوقة في المناقل بسبب الحصار المفروض على المنطقة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه وانعدام الوقود وشح السلع الغذائية، وكان الموتى يشيّعون إلى المقابر بالعربات التي تجرها الدواب (الكارو)».

ويتابع: «طبّقنا نظام الحياة التكافلية، ولم ننشئ دور إيواء للنازحين الفارين من جحيم الحرب ببقية أنحاء الجزيرة والبلاد، لكن المستشفيات كانت مغلقة والدواء منعدم، لذلك لجأ الناس للتداوي بالأعشاب الطبيعية».

خشية من انهيار متسلسل

نائب رئيس المقاومة الشعبية والاستنفار مصطفى الخليفة (الشرق الأوسط)

يقول الخليفة إن «قوات الدعم السريع» اقتحمت مناطق ولاية الجزيرة بعربات قتالية بتسليح قوامه الرشاشات الثقيلة، و«قتلت ما بين 50 إلى 60 شخصاً في كل قرية وأمام أعين الناس»، بحسب ما جاء في إفادته.

ويضيف: «كان الناس يخشون سقوط محلية القرشي التي تقع بها المدينة، لتتبعها المحليات الأخرى المتبقية بيد الجيش، فينفتح الطريق إلى مدينة الأبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان... كانت هذه هي مخاوف الناس».

ويقول: «كانت غرفة السيطرة تعتقد أن مدينة المناقل آيلة للسقوط بعد اجتياح عناصر (الدعم السريع) لمدن الحصاحيصا والكاملين ورفاعة وود مدني وكل شرق ولاية الجزيرة، لكن قائد القوات البرية اللواء أحمد حنان صبير، وجّه بنقل القوات المنسحبة من مواقعها إلى المناقل مع ضمان توفير المؤن الغذائية لها».

صيدلية بيطرية في المناقل (الشرق الأوسط)

ويستطرد: «بعد يومين من وصول القائد اللواء أحمد المنسي، نحن في المقاومة الشعبية عبّأنا المخازن بالمؤن الغذائية التي تكفي لمدة 7 أشهر، وبعد ذلك بدأنا في امتلاك الأسلحة وشراء العربات القتالية، وهي الخطوة الأولى التي أمنت المناقل».

ويتابع: «عندما حددت قوات الدعم السريع موعداً لاجتياح المناقل، كانت المدينة بلا مفارز أمنية تحميها سوى مفرزتين متفرقتين، لذلك اضطر رجال الأعمال في المدينة للإسهام في حملة تسليح المدينة، وفي يوم واحد تسلمنا نحو 25 عربة جديدة، وبعد ذلك أنشأنا خطوط دفاع بطول 8 كيلومترات حول مدينة المناقل».

مدينة آيلة للسقوط

رئيس اللجنة المالية للمقاومة الشعبية شوقي بلة (الشرق الأوسط)

حالة الخوف التي سادت بعد سقوط ود مدني، دفعت كثيراً من سكان المناقل إلى مغادرتها، وباتت المدينة شبه خالية لفترة. يقول شوقي بلة، رئيس اللجنة المالية لـ «المقاومة الشعبية والاستنفار»، لـ«الشرق الأوسط»: «لو تحركت دارجتان بخاريتان مسلحتان لكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على المناقل، لأن المدينة كانت بلا قوات عسكرية تقريباً».

ويضيف: «لكن القدرة الإلهية حالت دون ذلك، ثم بفضل جهود الجيش السوداني والمستنفرين وهيئة العمليات والقوات المنسحبة من مدن القطينة ورفاعة وبقية مدن ومناطق الجزيرة التي استقبلتها المناقل».

ويتابع: «رغم نقص الغذاء والدواء، بادر أهل المنطقة وشكّلوا لجان مقاومة شعبية قبل صدور قرار تشكيلها في أرجاء البلاد كافة، فجمعنا الأموال، وحصلنا على إسقاط جوي للأسلحة والأدوية والمحاليل الوريدية، ثم بدأنا في شراء السلاح وتقنينه بواسطة هيئة العمليات والاستخبارات العسكرية».

«المناقل.. عاصمة الصمود» بحسب شعار مرفوع على مدخلها (الشرق الأوسط)

ويقول بلة إن معركة قرية «ود حسين» على بعد نحو 30 كيلومتراً غرب ود مدني، شكّلت نقطة تحول، موضحاً: «بعد معارك عنيفة استطعنا هزيمة القوات المهاجمة، وحصلنا على غنائم كثيرة، منها 9 عربات قتالية مدرعة (صرصر)، وكانت معركة فاصلة قصمت ظهر القوات المتمردة».

ويضيف: «غصت المدينة بالمرضى والجرحى في ظل تعطل خدمة المستشفيات الحكومية والخاصة، وتوقف الكهرباء والمياه وانعدام الوقود. استعنت بمنظومة الطاقة الشمسية الخاصة بمنزلي وكليتي الجامعية ونقلتها إلى مستشفى (إيلا) التخصصي، وبدأنا في علاج المرضى وإجراء العمليات لجرحى العمليات العسكرية».

محام جوال تحت الأشجار

المحامي يوسف عبد الله (الشرق الأوسط)

المحامي يوسف عبد الله يقول لـ«الشرق الأوسط»: «عندما اشتد التضييق والحصار على مدينة المناقل، استخدمت السلطات المختصة مكتبي ضمن مكاتب أخرى لإدارة أعمالها اليومية، فكنت أحمل حقيبتي وفي داخلها الختم وأوراق التوثيق وأجلس تحت بناية أو ظل شجرة لإنجاز معاملاتي اليومية».

ويضيف: «كنت بمثابة المحامي الجوال، أجمع البيانات وأذهب إلى محلات الطباعة التي تعمل بمنظومة الطاقة الشمسية، من أجل كسب الرزق وتوفير الغذاء والدواء لأسرتي».

وتابع: «بسبب انعدام الوقود والمواصلات، سبق أن ذهبت إلى منطقة (الكريمت)، شمال غربي مدينة المناقل بحوالي 13 كيلومتراً، سيراً على الأقدام لاستجلاب دواء الإنسولين لوالدي المريض بداء السكري».

ويقول: «رغم الرهق والتعب استطعت ممارسة عملي لأن واقع الحال يحتم عليك تحمل المعاناة، ورفضت النزوح إلى المدن الآمنة رغم المناشدات المتكررة من الزملاء. ثقتي كانت كبيرة في القوات المسلحة وهي من التأهيل بمكان فيما يتعلق بإدارة خيوط المعركة ما أدخل الطمأنينة إلى قلوبنا».

تكافل وملاذ للنازحين

مشرف مجموعة «أسود المناقل» فياض محمد نور (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول فياض محمود، مشرف مجموعة «أسود المناقل» (كيان شعبي)، إن «صمود مدينة المناقل لم يكن حدثاً عابراً، بل ثمرة تماسك اجتماعي نادر وتكامل أدوار، لعبتها مختلف فئات المجتمع في لحظات الشدة، فقد واجهت المدينة ظروفاً قاسية، لكنها استطاعت أن تنهض بفضل روح التعاون والرغبة الحقيقية في حماية الإنسان والأرض».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «قدم أهل المناقل دعماً واسعاً، تمثّل في توفير المال والسلاح والرجال وتقديم الدعم اللوجيستي للدفاع عن المنطقة وصد أي تهديدات، وكان الإسناد الشعبي محورياً في تعزيز الأمن وبناء جبهة صلبة تكاملت عبرها الجهود الرسمية والشعبية».

ويتابع: «استقبلت المناقل أعداداً كبيرة من نازحي ولاية الجزيرة والنيل الأبيض (جنوب) وسنار (جنوب شرق)، وفتحت لهم المنازل قبل المراكز، فأصبحت المدينة ملاذاً آمناً، يخفف عن المنكوبين قسوة النزوح وفقدان الاستقرار».

أحد أسواق مدينة المناقل (الشرق الأوسط)

ويقول إن المجهودات الشعبية امتدت إلى «إعادة تأهيل وصيانة المرافق الحيوية المهمة، بالدعم الشعبي المباشر بمشاركة الشباب واللجان الطوعية ووجهاء المجتمع، في المستشفيات وصيانة المدارس والمراكز الصحية والطرق، ما ساعد على استمرار الحياة والخدمات الأساسية».

ويختم: «شكلت الروح المعنوية العالية وقيم التكافل والتراحم سنداً أساسياً لصمود مدينة المناقل، كان للكلمة الطيبة والحث على الصبر وتعزيز الروابط الاجتماعية أثر واضح في تجاوز المحنة وبقاء المجتمع متماسكاً».


مقالات ذات صلة

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

شمال افريقيا لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

قتلت «مسيّرات» تابعة لطرفَي النزال في السودان؛ الجيش و«قوات الدعم السريع»، عشرات المواطنين وجرحت آخرين، خلال عمليات عسكرية استهدفت مناطق سيطرة كل منهما.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

خاص الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

تحليل إخباري بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

احتواء توتر أمني بغريان الليبية عقب مناوشات مسلّحة

اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
TT

احتواء توتر أمني بغريان الليبية عقب مناوشات مسلّحة

اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)
اللافي مع عمداء بلديات المنطقة الغربية بالزاوية (صفحة اللافي على فيسبوك)

احتوت الأجهزة الأمنية في غرب ليبيا توتراً أمنياً في مدينة غريان جنوب غربي العاصمة طرابلس، وذلك إثر مناوشات وقعت مساء السبت بين أفراد من «اللواء 444 قتال» و«القوة العاشرة للدعم والإسناد»، التابعين لحكومة «الوحدة» بسبب خلاف تأمين «بوابة الهيرة».

وقالت مصادر محلية، إن آمر «اللواء 444 قتال» محمود حمزة، أخلى سبيل ناصر شطيبة، آمر «القوة العاشرة»، بعد أن أوقفته دورية تابعة لـ«اللواء» قرب بوابة الهيرة.

وأدى الحادث إلى مناوشات محدودة شارك فيها عناصر من «الكتيبة 420»، لكنها انتهت سريعاً بإفراج حمزة، عن شطيبة والمرافقين له، فيما أكد شطيبة انتهاء ما وصفه بـ«الإشكالية البسيطة، وعودة الاستقرار الأمني الكامل إلى مدينة غريان».

وجاءت هذه التوترات لتعيد التساؤلات عن تفاهمات جرت خلال اجتماع عقد العام الماضي، بحضور حمزة وشطيبة، وعماد الطرابلسي وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة، لبحث تمركزات «اللواء 444» و«القوة العاشرة» و«الأمن العام» في غريان.

ويتبع «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، و«القوة العاشرة» بقيادة ناصر شطيبة، المرتبطة بوكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، رسمياً، وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس. ومع ذلك، تتمتع هذه الوحدات باستقلالية واسعة، وغالباً ما تتنافس على النفوذ والسيطرة على الطرق والموارد في المنطقة الغربية.

خالد حفتر يتفقد قوات الجيش في الجفرة (شعبة الإعلام الحربي)

من جهة أخرى، تفقد رئيس أركان «الجيش الوطني»، الفريق خالد حفتر، منطقة الجفرة، وزار غرفة العمليات ومقرّ «اللواء 87 مهام خاصة»، واطّلع على سير العمل ومستوى الجاهزية، كما التقى جنود الجيش في تمركزاتهم.

وأشاد خالد حفتر بـ«جهود وانضباط الجنود»، مؤكداً أهمية الحفاظ على أعلى درجات الاستعداد والجاهزية لتنفيذ المهام الموكلة إليهم. وأعلن «الجيش الوطني» تفعيل مكتب الشكاوى والتظلمات التابع لرئاسة أركان وحداته الأمنية، بهدف تعزيز التواصل مع المواطنين والنظر في شكواهم ومعالجة التظلمات بكل شفافية.

في شأن مختلف، أكد عضو المجلس الرئاسي الليبي، عبد الله اللافي، أن استقرار ليبيا «خط أحمر» لا يمكن المساس به، محذراً من أن «أي عبث سيقوض التوازن الهش ويدخل البلاد في مسارات غير محسوبة».

وشدّد اللافي خلال لقائه مساء السبت بمدينة الزاوية، مع عمداء بلديات المنطقة الغربية، على حق الليبيين في «سلطة شرعية موحدة تستمد مشروعيتها من انتخابات حرة تنهي انقسام المؤسسات»، داعياً إلى «تبني الحكمة والتسامح لتجاوز الاستقطاب السياسي الحالي».

كما أكد اللافي «على وحدة ليبيا وعدم قابليتها للقسمة»، مشيداً «بدور القيادات الاجتماعية في دعم السلم الأهلي، والدفع نحو استكمال المسار السياسي واستعادة هيبة الدولة».


لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أعاد حادث مصرع 22 مهاجراً غير نظامي قبالة سواحل اليونان، بعد انطلاق قارب كان قد أقلَّهم من مدينة طبرق بشرق ليبيا، طرح التساؤلات عن أسباب فشل الجهود الليبية والأوروبية في صدِّ هؤلاء الفارين قبل أن يقضوا في البحر المتوسط.

المنظمة الدولية للهجرة تجري مقابلات مع مهاجرين داخل مركز إيواء في شرق طرابلس (جهاز مكافحة الهجرة)

وحسب خفر السواحل اليوناني، انطلق القارب الذي كان يقل 48 مهاجراً، من شاطئ طبرق الليبية في 21 مارس (آذار) الحالي، إلا أن 22 منهم لقوا مصرعهم بعدما علقوا 6 أيام في قارب مطاطي بمياه البحر.

وفي ظل تعدد حوادث غرق مهاجرين غير نظاميين، أو إعادة غيرهم من عرض البحر، تفرض أسئلة كثيرة نفسها عن حقيقة الجهود المبذولة للحد من تسربهم إلى الشواطئ الأوروبية، والأسباب التي تقف وراء استمرار تدفق مجموعات منهم على ليبيا.

عرض لمهاجرين داخل جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا بعد ضبطهم بشقة بمدينة البيضاء شرق البلاد (الجهاز)

ويسود اعتقاد لدى حقوقيين وسياسيين ليبيين، بـ«تورط نافذين من شخصيات عسكرية وقيادات ميليشياوية» في عمليات تهريب المهاجرين عبر البحر، وهو الأمر الذي أكَّده مسؤول أمني سابق كان يتبع جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في غرب ليبيا لـ«الشرق الأوسط».

وقال المسؤول السابق الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «عمليات تهريب البشر تدر عوائد مالية ضخمة على هؤلاء النافذين شرقاً وغرباً، وكثير من القوارب التي تنطلق من ليبيا محمَّلة بالمهاجرين، تُدار عبر رجالهم وأجهزتهم».

وكثيراً ما تعلن الأجهزة العسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها عن ضبط مهاجرين، وإدخالهم إلى مراكز الإيواء قبيل ترحيلهم إلى بلدانهم، أو توقيف وإعادة قوارب من البحر إلى البلاد.

غير أن المصدر الأمني قال إن «مئات المهاجرين ممن يعادون إلى غرب ليبيا، يتم الدفع بهم إلى مركز إيواء بئر الغنم؛ وهو مقر سيئ السمعة، وعليه علامات استفهام كبيرة». و«بئر الغنم» هو مقر لتجميع المهاجرين غير النظاميين، جنوب غربي العاصمة، ويضم مئات الأطفال المصريين، ومن جنسيات أخرى.

المنظمة الدولية للهجرة تجري مقابلات مع مهاجرين داخل مركز إيواء في شرق طرابلس (جهاز مكافحة الهجرة)

وسبق أن تحدث الحقوقي الليبي طارق لملوم عن «قيام زوارق خفر السواحل، ليلة العيد، بنقل أكثر من 80 مهاجراً، غالبيتهم من الجنسية المصرية، بعد إعادتهم من البحر إلى ميناء الشعاب».

ونقل لملوم عن مصادر أن «غالبية المهاجرين تم نقلهم إلى مركز احتجاز بئر الغنم سيئ السمعة، وهو المركز الذي سبق أن زعم وزير الداخلية بحكومة (الوحدة الوطنية) وجهاز مكافحة الهجرة، أنه غير قانوني».

وقال لملوم إن «نقل مهاجرين من وسط طرابلس، وهم في حالة هلع وخوف، ويحتاجون إلى رعاية صحية عاجلة، إلى مخازن وعنابر في بئر الغنم، يمثل مؤشراً واضحاً على وجود تنسيق بين جهات أمنية في طرابلس وقيادات داخل جهاز الهجرة».

ولم تعلِّق الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في شرق ليبيا على واقعة مصرع 22 مهاجراً. وخلال الأشهر الماضية عملت السلطات في شرق ليبيا وغربها على تعزيز العمل مع الجانب الأوروبي، للحد من تهريب المهاجرين.

وأُنقذ 26 شخصاً، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية» لم تُحدد جنسياتهم، بينهم امرأة وقاصر، بواسطة قارب تابع لـ«الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود» (فرونتكس) قبالة جزيرة كريت اليونانية، وفقاً لبيان مقتضب صادر عن خفر السواحل اليونانيين.

ونقل البيان عن الناجين أن القارب غادر منطقة طبرق في شرق ليبيا في 21 مارس، متجهاً إلى اليونان التي تعد بوابة لكثير من الساعين للجوء في الاتحاد الأوروبي. وأفاد البيان بأن «الركاب فقدوا خلال الرحلة اتجاههم، وبقوا في البحر 6 أيام من دون ماء ولا طعام»، وأوقفت السلطات شابين من جنوب السودان سنهما 19 و22 عاماً، للاشتباه بأنهما مهرِّبان.

وأعلنت «جمعية الهلال الأحمر» في طبرق، الأربعاء الماضي، إنقاذ مركب لمهاجرين غير نظاميين كان يقل 32 مهاجراً من جنسيات مختلفة، مشيرة إلى أنه تم اقتيادهم إلى نقطة الإنزال بقاعدة طبرق البحرية، وتقديم الإسعافات الأولية والرعاية الإنسانية اللازمة لهم، بدعم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

عرض لمهاجرين داخل جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا بعد ضبطهم بشقة بمدينة البيضاء شرق البلاد (الجهاز)

وفي السياق، أعلنت رئاسة «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في شرق ليبيا، ضبط 18 مهاجراً داخل شقة بمدينة البيضاء، كانوا يستعدون للهجرة عبر «قوارب الموت» إلى أوروبا.

وأوضح الجهاز في بيان، أن معلومات وردت إلى مكتب الدوريات الصحراوية بالجبل الأخضر تفيد بوجود مجموعة من المهاجرين داخل شقة بمدينة البيضاء، تُستخدم من قبل مهربين كموقع للتجميع والإيواء قبيل التهريب إلى أوروبا عبر البحر. وقال إنه تبيَّن بعد مداهمة الشقة وجود 18 مهاجراً من الجنسية البنغلاديشية، جميعهم من دون أوراق ثبوتية، وكانوا في حالة استعداد تمهيداً لتهريبهم عبر البحر باتجاه السواحل الأوروبية، لافتاً إلى أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وجارٍ التحقيق معهم، إلى حين تسليمهم إلى مركز إيواء البيضاء.

وسبق أن أعلنت «المنظمة الدولية للهجرة»، اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا، خلال الفترة من 2 إلى 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة، و851 طفلاً.


الجزائر تودع اليامين زروال... جنرال المرحلة الانتقالية و«رجل المواجهة مع الإنقاذ»

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجزائر تودع اليامين زروال... جنرال المرحلة الانتقالية و«رجل المواجهة مع الإنقاذ»

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

يجسّد الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال، الذي توفي ليل السبت-الأحد عن عمر ناهز 84 سنة، لدى غالبية الجزائريين سيرة رجل زاهد في السلطة، سيّر البلاد في أحلك ظرف مرّت به في تاريخها.

أما بالنسبة لخصومه الإسلاميين، فقد ارتبط اسمه بالمشاركة في تكريس «الانقلاب على الشرعية»، عندما حرم الجيش «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» من الوصول إلى السلطة مطلع تسعينات القرن الماضي.

توفي اليامين زروال بالمستشفى العسكري بالعاصمة، حيث نُقل على جناح السرعة قبل يومين من منزله بمدينة باتنة (400 كلم شرق العاصمة)، إثر تدهور حالته الصحية.

الرئيس تبون عند وصوله إلى المستشفى العسكري حيث توفي الرئيس الراحل زروال (الرئاسة)

ووفقاً لمصادر صحافية من باتنة، فإن تشييع جنازته سيكون ظهر الاثنين بمسقط رأسه، وذلك خلافاً لما جرى مع الرؤساء السابقين الذين دُفنوا في «مقبرة العالية» بالعاصمة. وأكدت المصادر ذاتها أن اختيار مكان دفنه بناءً على رغبته الشخصية، كما أنه عندما غادر السلطة في 1998 رفض الإقامة في السكن الرسمي الذي تخصصه الدولة للرؤساء السابقين.

ونعت الرئاسة الجزائرية زروال، بينما أقرّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني، وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وتم إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الرئيس الراحل، الأحد، في الإقامة الرسمية (قصر الشعب) بالعاصمة، بحضور الرئيس تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، والوزير الأول سيفي غريب وأعضاء الحكومة، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، والسفراء والقناصل الأجانب المعتمدين في الجزائر.

عبد المجيد تبون وقائد الجيش أسعيد شنقريحة أمام جثمان الرئيس الراحل اليامين زروال (الرئاسة)

واحتفظ الراحل زروال بصداقة قوية مع الرئيس تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال غربي العاصمة، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد (1979-1992)، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية، في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب في استحقاق تعددي، وذلك في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن في 11 سبتمبر (أيلول) 1998 إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

وتهاطلت بيانات التعازي والتعبير عن المواساة من الطبقة السياسية في الساعات الأولى من الأحد. وأكد «التجمع الوطني الديمقراطي»، وهو الحزب الذي كان زروال أحد مؤسسيه عام 1997، في بيان، أن الجزائر «فقدت برحيله أحد أبنائها البررة، ورجلاً من رجال الدولة الذين خدموا الوطن بإخلاص وتفانٍ، وتركوا بصمات راسخة في مسار بناء الدولة الجزائرية».

وأفادت «جبهة التحرير الوطني» (الحزب الواحد سابقاً)، في بيان، أن زروال «كان رمزاً من رموز الوطنية الصادقة، ورجل دولة حكيماً، أسهم بحنكة ومسؤولية في قيادة البلاد خلال مرحلة دقيقة من تاريخها، وساهم في إرساء مسار الوئام الوطني حفاظاً على وحدة الجزائر واستقرارها». مبرزاً أن «رحيل هذا الرجل العظيم يُعد خسارة جسيمة للجزائر، التي فقدت أحد أبنائها البررة الذين أحبّوها بصدق وأخلصوا لها العطاء».

من جهتها، أشارت «حركة البناء الوطني» إلى «الظروف التي دفعت الرئيس الراحل لحمل همّ الدولة بكل صدق مسهماً في صون مؤسساتها وتعزيز استقرارها، مستنداً إلى حس وطني عالٍ وروح مسؤولية راسخة، عرفه الجزائريون بوصفه رجل دولة متزناً متسامحاً، زاهداً، وفياً لمبادئه، بإرادة ثابتة تجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار»، في إشارة إلى قبوله عرض قيادة الجيش، رئاسة الدولة عام 1994 في وقت كانت المعركة ضارية مع الجماعات الإسلامية المتشددة.

الرئيسان الراحلان اليامين زروال وعبد العزيز بوتفليقة (حسابات ناشطين سياسيين)

ووفق البيان، «ترك الراحل إرثاً من المواقف التي ستبقى شاهدة على إخلاصه وتفانيه في خدمة الجزائر، وسيظل حضوره في الذاكرة الوطنية مرتبطاً بقيم التضحية والحوار والدفاع عن السيادة من أجل المصلحة العليا للبلاد».

ويجمع السياسيون والمثقفون، ومعهم عامة الشعب، على نظافة الذمة المالية للرئيس زروال، وعلى كونه حالة نادرة في الترفع عن صراعات مراكز القوى التي شهدتها البلاد في التسعينات.

وبهذا الخصوص كتب صحافي الإذاعة العمومية زين شرفاوي: «قد نختلف على نقاط عديدة طبعت فترة حكمه، بجوانبها الإيجابية والسلبية، لكن لا يمكننا الاختلاف على أن الرجل كان شجاعاً ووطنياً مخلصاً؛ فقد قَبِلَ تحمل المسؤولية في وقت كان الجميع يرفضها. لقد كانت البلاد تمر حينها بأخطر وأحلك مرحلة منذ الاستقلال: إرهاب في غاية العنف، مشهد سياسي فوضوي، وانهيار اقتصادي شامل، إلى درجة أن الدولة كانت تجد صعوبة في دفع أجور العمال والموظفين، لا سيما بعد سقوط أسعار النفط إلى ما دون 11 دولاراً للبرميل. كما يجب أن نُقر للرئيس زروال بفضله في العمل على تحديد الولايات الرئاسية بعهدتين فقط في دستور 1996، وهو ما يعد دليلاً بلا شك على أنه لم يكن يرغب في البقاء طويلاً في السلطة، وهي صفة نادرة في دول الجنوب».