ملفات «سجناء العشرية السوداء» ومعتقلي الحراك تعود إلى الواجهة

العفو عن الكاتب صنصال يشعل النقاش ويكسر الصمت في الجزائر

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته (الشرق الأوسط)
TT

ملفات «سجناء العشرية السوداء» ومعتقلي الحراك تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته (الشرق الأوسط)

رغم حالة الغضب التي أظهرها قطاعٌ واسعٌ من الجزائريين حيال الإفراج عن الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال، فإن هذا القرار سمح للنشطاء المعارضين والحقوقيين بإعادة ملف «السجناء السياسيين» إلى واجهة الأحداث، من خلال المطالبة بإصدار إجراءات عفو رئاسي تشملهم، أسوة بالعفو الذي استفاد منه الروائي السبعيني، الذي أسهم إطلاق سراحه في تخفيف حدة التوترات الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، ومهّد لترتيب لقاء بين رئيسَي البلدين خلال قمة «مجموعة العشرين» المقررة الأسبوع المقبل في جوهانسبرغ.

خلّف خروج صاحب رواية «2084: نهاية العالم» من السجن، الأربعاء الماضي، هزّات ارتدادية بالنظر إلى ردود الفعل الحادة الصادرة عن الأوساط السياسية والإعلامية في البلاد. وقد سمحت هذه القضية بإعادة ملف «المساجين السياسيين» إلى واجهة الأحداث. وهؤلاء ينقسمون إلى فئتين:

الفئة الأولى: تضم نحو 160 سجيناً من الإسلاميين الموجودين في السجن منذ أكثر من 30 سنة. ويرى المتعاطفون معهم أنه طالما استفاد صنصال من عفو رئاسي، فلا مانع من أن يصدر الرئيس إجراءً مماثلاً، خصوصاً أن غالبيتهم متقدمون في السن ويعانون أمراضاً مزمنة.

لخضر بركان من مساجين فترة الاقتتال مع الإرهاب في تسعينات القرن الماضي (الشرق الأوسط)

وتشمل هذه الفئة نشطاء «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة منذ 1992، حيث تمت متابعتهم وسجنهم بأحكام قاسية من طرف «المحاكم الخاصة» التي استحدثت مطلع تسعينات القرن الماضي، لمعالجة ملفات الإرهاب الذي اندلع إثر تدخل الجيش لإلغاء نتائج انتخابات البرلمان التي فاز بها «الإنقاذ» نهاية 1991. ويقضي هؤلاء عقوبات طويلة بالسجن، وغالبيتهم تجاوز الستين من العمر، وتؤكد عائلاتهم أنهم أصيبوا بأمراض خلال فترة سجنهم.

وداخل هذه الفئة توجد مجموعة أخرى تتكون من 20 ناشطاً من «جبهة الإنقاذ»، تم سجنهم العام الماضي على خلفية إصدارهم بياناً ينتقدون فيه الأوضاع الاقتصادية ويحمّلون السلطة مسؤولية «القمع» الذي تشهده الحريات.

أما الفئة الثانية فتتمثل في مساجين الحراك الشعبي (نحو 200)، غالبيتهم شباب معارضون حوكموا بتهم ذات طابع سياسي مرتبطة برفضهم للظروف التي جاء فيها الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم نهاية عام 2019. ويقضي معتقلو الحراك عقوبات بتهم «إضعاف معنويات الجيش» و«الإساءة إلى رموز الدولة» و«المس بالوحدة الوطنية»، والتهمة الأخيرة يشتركون فيها مع بوعلام صنصال، وعلى هذا الأساس يطالب محاموهم بإصدار عفو رئاسي لفائدتهم كما استفاد منه صنصال.

إسلام لطرش أحد معتقلي الحراك (حسابات ناشطين)

العفو الرئاسي لا ينبغي أن يميز بين المساجين

معروف أن العفو الذي أقره الرئيس عبد المجيد تبون للكاتب المثير للجدل، جاء عقب وساطة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، وقُدّم رسمياً على أنه «خطوة إنسانية» بحكم معاناة صنصال من المرض، إلا أنّه أعاد فتح تساؤلات سياسية وأخلاقية ودبلوماسية على المستويين الداخلي والخارجي.

وعلَق المحامي سعيد زاهي، وهو من أشهر المدافعين عن مساجين الحراك في ساحات القضاء، على هذا القرار قائلاً: «بركة الرئيس الألماني حررت حتى من كانوا يخشون التلميح لسجناء الرأي، وها هم اليوم يتحدثون عن العفو علناً... كلمة من الخارج كشفت صمت الداخل».

المحامي عبد الغني بادي (الشرق الأوسط)

كما نشر المحامي الكبير عبد الغني بادي على حسابه بـ«فيس بوك»، صورة لسجين من «جبهة الإنقاذ»، وكتب: «السيد بن يمينة عبد القادر، من ولاية تيارت (غرب البلاد)، مسجون منذ 34 عاماً بموجب حكم صادر عن محكمة غير دستورية، وهي المحاكم الخاصة التي أُلغيت لاحقاً بعد الجدل الذي أثير حول شرعيتها، غير أنّ أحكامها بقيت قائمة ونافذة. السيد عبد القادر، الذي يبلغ من العمر ثمانين عاماً، يعاني من أمراض مستعصية متعددة، ولم يعد قادراً على المشي. فهل من استجابة لنداءات ابنه محمد المتكّررة، ولرجاء أحفاده، حتى يقضي ما تبقى من عمره بينهم؟».

ويرى الرئيس السابق لحزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، الكاتب سعيد سعدي المقيم بفرنسا، أن العفو عن صنصال «كشف عن تناقض عميق: في الجزائر، الإنسانية مثل المحروقات، صالحة للتصدير»، ويقصد أن العفو جاء بعد ضغط أو اهتمام خارجي، مثل تدخل الرئيس الألماني، «وليس بالضرورة نتيجة التزام داخلي صادق بالقيم الإنسانية أو العدالة».

الرئيس السابق لحزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ويوضح سعدي أن هذه الخطوة «تعكس نوعاً من التبعية الأخلاقية للضغط أو الاعتراف الخارجي»، عاداً أن «إنسانية رئيس الدولة لا ينبغي أن تُستثار من طرف رئيس أجنبي».

ورغم ترحيبه بما يمثّله الإفراج من ارتياح لعائلة صنصال، فإنه يرى فيه «مؤشراً على ضعف سياسي وضعف في القضاء الجزائري»، الذي دان صنصال بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ، علماً بأن الكاتب اعتقل في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 إثر تصريحات له أدلى بها لمنصة إخبارية فرنسية، زعم فيها أن «أجزاء واسعة من الغرب الجزائري تتبع تاريخياً للمغرب».

كما يلفت سعدي إلى «التزامن المثير للقلق» بين إطلاق سراح صنصال والحكم بخمس سنوات سجناً على الشاب الشاعر محمد تاجديت، أحد أبرز رموز الحراك الشعبي، قائلاً: «نفس العقوبة، نفس المجتمع، مع ذلك يسلك المصيران دروباً متناقضة».

من جهته أقرّ رئيس حزب «جيل جديد»، سفيان جيلالي، بالطابع الإنساني للعفو، لكنه نبّه إلى أن «عدم تعميمه على سجناء آخرين معتقلين لأسباب أقل وطأة سيُنظر إليه كظلم بيّن». كما يؤكد أن العفو الرئاسي «لا يجب أن يُبنى على شفاعة أجنبية، ولا أن يحدث تمييزاً بين المواطنين».

القاضي المتقاعد حبيب عشي (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

أما القاضي المتقاعد الحبيب عشي، فيرى أنه «ما دامت الدولة والسلطة العليا تحركت في إطار التوازنات الاستراتيجية وبعد النظر الدبلوماسي، فالأخذ بخاطر الدولة الألمانية (التماس عفو عن صنصال) خطوة لا بأس بها، بل قد تكون ضرورية في سياق العلاقات الدولية المتشابكة، خصوصاً إذا كانت تصب في مصلحة الجزائر وصورتها كشريك موثوق ومتزن»، موضحاً أن «الانسجام الداخلي لا يقل أهمية عن التوازن الخارجي»، لذلك يدعو إلى أن يبادر الرئيس عبد المجيد تبون «بعفو ثان يشمل باقي المدانين من النمط نفسه، من منطلق وطني خالص، حتى لا يُفهم الموقف الرسمي على أنه كيل بمكيالين. فمثل هذه الخطوة ستكون رسالة قوة سياسية وأخلاقية، تُظهر أن الدولة لا تخضع للضغوط، بل تتصرف من موقع الثقة والعدل، وأن المصالحة الوطنية ليست ظرفية بل نهج دائم يترجم في الأفعال لا في الأقوال».


مقالات ذات صلة

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون مجريات الحملة الانتخابية (السلطة)

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

وجَّهت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» ما يشبه تحذيراً إلى المترشحين، يخص مخلفات قانونية محتملة قد تؤدي إلى عقوبات قضائية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية مشاجرة عنيفة بين مشجعي منتخبي الأرجنتين والجزائر لكرة القدم في نيويورك (رويترز)

«مونديال 2026»: شجار بين جماهير الجزائر والأرجنتين يثير أزمة في نيويورك

اندلعت مشاجرة عنيفة بين حشود من مشجعي منتخبي الأرجنتين والجزائر لكرة القدم، في ميدان «تايمز سكوير» الشهير بنيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا عناصر الشرطة قبل تنفيذ مداهمة حي بشرق البلاد تسيطر عليه عصابة (الشرطة الجزائرية)

الجزائر تعلن الحرب على عصابات الشوارع لتعزيز الأمن

بحث وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود مع مسؤولين حكوميين تسريع تفعيل «استراتيجية أمنية» تم إطلاقها لمواجهة عصابات الأحياء.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية ليونيل ميسي في تدريبات الأرجنتين استعداداً للجزائر (أ.ف.ب)

الأرجنتين حذرة قبل لقاء الجزائر في مستهل مشوارهما بالمونديال

قال المدرب ليونيل سكالوني، الاثنين، إنَّ الأرجنتين ستخوض مباراتها الافتتاحية في كأس العالم لكرة القدم ضد الجزائر بحذر واحترام.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا محكمة القطب الجزائي المختص في قضايا الفساد بالجزائر (الإذاعة الحكومية)

السجن 7 سنوات لوزير السكن الجزائري السابق عبد الوحيد طمار

أصدرت محكمة العاصمة الجزائرية المتخصصة في قضايا الإجرام المالي والفساد، الاثنين، حكماً بالسجن 7 سنوات حبساً نافذاً على وزير السكن السابق عبد الوحيد طمار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

أكد القيادي البارز المستقيل من حكومة «حميدتي»، فارس النور أن السودان لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للمضي نحو إنهاء الحرب الدائرة في البلاد، مستنداً إلى الحراك والجهود الدولية المتزايدة الرامية إلى فرض هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات للمتضررين وتفتح الباب أمام عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية.

وشغل النور، عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً للخرطوم. وشغل أيضاً لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال إنه ينظر بإيجابية إلى هذه المساعي الدولية ويدعم كل الجهود التي تهدف إلى وقف القتال ووضع حد لمعاناة السودانيين، مضيفاً: «أنا الآن مصطف مع القوى التي تنادي بوقف الحرب، وأرى أن هذه هي الأولوية الوطنية القصوى التي ينبغي أن تتوحد حولها جميع الأطراف السودانية». ودعا النور إلى الاستفادة من التجربة الخليجية واستلهام ما وصفه بـ«الحكمة الخليجية الراسخة» في إدارة الأزمات، مشيراً بصورة خاصة إلى الموقف السعودي الأخير الذي عكس تماسك دول الخليج ووحدة مواقفها في مواجهة التحديات الإقليمية.

وأوضح أن الاتصال الهاتفي الذي أجراه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وما تضمنه من إدانة للاعتداءات الإيرانية والتأكيد على وقوف المملكة إلى جانب الإمارات واستعدادها لتسخير إمكاناتها دفاعاً عن أمنها واستقرارها، يمثلان نموذجاً عملياً يجسد عمق الروابط الخليجية ووحدة المصير بين دول المنطقة.

وأضاف النور أن السودان في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه المواقف التي تقوم على التضامن والتكامل وتغليب المصالح المشتركة، قائلاً: «نحن في السودان ما أحوجنا لمثل هذه المواقف. ونتمنى أن تمتد هذه الروح الأخوية وأن تسود الحكمة الخليجية الراسخة لتكون سنداً لجهود إحلال السلام في السودان، وأن تسهم في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، ودعم الحلول السلمية التي تنهي معاناة الشعب السوداني وتفتح الطريق أمام التنمية والاستقرار وإعادة بناء الدولة».

وكشف النور عن تطلعه للعمل مع دول الخليج من أجل بلورة نهج جديد يمكن أن يسهم في معالجة الأزمة السودانية ووقف الحرب، مشيراً إلى أهمية أن تتبع عملية السلام خطة تنموية وإعمارية واسعة النطاق، أشبه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار السودان وتعويض ما دمرته الحرب من بنى تحتية ومؤسسات وخدمات.

وشدد النور على أن موقفه الحالي يقوم على الانحياز الكامل لخيار السلام ورفض استمرار الحرب، مؤكداً أن هذا الموقف يعبر عن تطلعات غالبية السودانيين الذين أنهكتهم المعاناة الإنسانية والاقتصادية الناتجة عن الصراع المستمر.

وقال: «أنا اليوم أصطف مع موقف واضح عنوانه: لا للحرب. وهذا هو خيار كل السودانيين الذين يتطلعون إلى الأمن والاستقرار. كما أنني مع الحل السياسي الشامل الذي لا يستثني أحداً، حتى لا تتكرر أسباب الحرب مستقبلاً. نحن لا نريد معالجة الأعراض وترك المرض، بل نريد حلولاً متكاملة وشاملة للأزمة السودانية تعالج جذورها الحقيقية وكل القضايا المرتبطة بها».

نقف مع الحكم المدني

وأكد النور دعمه لأي جهة سياسية أو مدنية سودانية تعمل بجدية من أجل وقف الحرب والدفع نحو تسوية سياسية شاملة، موضحاً أنه يقف إلى جانب كل المبادرات الوطنية التي تسعى إلى بناء جبهة مدنية واسعة تتجاوز الانقسامات والاستقطابات القائمة. وأضاف: «مهم ان تعمل القوى المدنية، سواء في صمود أو الكتلة الديمقراطية أو غيرهما من المجموعات السياسية والمدنية، أن تؤسس جبهة عريضة تنادي بوقف الحرب وتعمل من أجل السلام. السودان يحتاج اليوم إلى قوى مخلصة تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، كما يحتاج إلى حكومة مدنية تعمل بإخلاص وتخطط لمستقبل أفضل للسودانيين».

وكان فارس النور قد أعلن، عبر صحيفة «الشرق الأوسط»، استقالته من جميع المناصب التي كان يشغلها داخل «قوات الدعم السريع» وكذلك من التحالف السياسي الداعم لها، مبرراً قراره بتفاقم حالة الانسداد السياسي واستمرار الحرب وما نتج عنها من أوضاع إنسانية مأساوية ألقت بظلالها على ملايين السودانيين في مختلف أنحاء البلاد. وأوضح النور أن قراره جاء انطلاقاً من قناعة راسخة بضرورة فتح المجال أمام حوار سوداني شامل يضم مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية، بعيداً عن الاستقطابات العسكرية والسياسية الحادة التي أسهمت في تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع.

وأكد أن الهدف من هذه الخطوة هو الإسهام في خلق مناخ أكثر ملاءمة للوصول إلى تسوية وطنية شاملة تنهي الأزمة الراهنة، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على التوافق الوطني والسلام المستدام وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق تطلعات السودانيين للأمن والاستقرار والتنمية.


«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
TT

«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)

فتحت طبيبة مصرية ملفاً شائكاً حول «أخلاقيات المهنة» وفجَّرت جدلاً واسعاً بعدما تحدثت عن «تجاوزات» تعرضت لها سيدات من بعض عناصر الطواقم الطبية خلال خضوعهن لعمليات ولادة، شملت تنمراً وتحرشاً وعنفاً، على حد قولها.

وأشارت الطبيبة الشابة أمنية سويدان، في تدوينة على صفحتها على «فيسبوك» يوم الاثنين، إلى «تجاوزات» قالت إنها شهدتها داخل «مستشفى الشاطبي الجامعي» بمحافظة الإسكندرية في شمال مصر حين كانت في مرحلة الامتياز عام 2021، تضمنت كذلك التدخل بإجراءات طبية غير ضرورية دون إذن المرضى، والامتناع عن أداء الخدمة أو التهديد بالامتناع عنها.

وبعد إلقاء القبض عليها في اليوم التالي بناء على بلاغ مقدم ضدها من جامعة الإسكندرية، قررت جهات التحقيق، مساء الأربعاء، إخلاء سبيلها بكفالة مالية على ذمة التحقيقات.

وواجهت الطبيبة، وهي أيضاً مخرجة أفلام تسجيلية، اتهامات بـ«نشر أخبار كاذبة عن طريق (فيسبوك) وإساءة استخدام حسابها»، وذلك حسبما أوضح المحامي الحقوقي محمد رمضان في تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي عقب انتهاء التحقيق معها.

وذكرت صحف مصرية أن جهات التحقيق أكدت أن «أمنية سويدان لم تعمل سوى لفترة قصيرة بصفتها طبيبة امتياز بالمستشفى قبل نحو 6 سنوات، ولا تعمل حالياً في المجال الطبي، وأنها تعاني من مرض نفسي مزمن وتتلقى علاجاً نفسياً منتظماً، وأن ما صدر عنها جاء نتيجة (شحنة عاطفية) عقب قراءتها منشورات متداولة لبعض السيدات على مواقع التواصل الاجتماعي دون التحقق من صحتها».

نائب وزير الصحة يتفقد أحد المستشفيات في مصر (وزارة الصحة والسكان على فيسبوك)

وقالت أسماء نعيم، إحدى محاميات الدفاع عن أمينة سويدان في تصريحات إعلامية، إن قضية موكلتها ما زالت قيد التحقيق، وإنه يمكن استدعاؤها مجدداً للاستجواب في أي وقت.

توثيق حالات سابقة

توالت خلال الأيام الماضية شهادات بشأن تجاوزات أخرى في مناطق ومستشفيات متفرقة.

وقالت النائبة بمجلس الشيوخ، أميرة صابر، إن لديها معلومات موثقة حول حالات تعرضت فيها نساء للعنف في أثناء الولادة، وإنها عملت من خلال مؤسستها «كيان» - وهي مؤسسة أهلية - بالتعاون مع الطبيبة فريدة محجوب على توثيق حالات من هذا النوع، وفقاً لما نشرته على صفحتها على «فيسبوك».

وطالبت النائبة بـ«اعتماد مدونة سلوك تحدد بوضوح الانتهاكات التي تندرج تحت (العنف التوليدي) لتوجيه الممارسة الصحية، وإنشاء آلية جادة للإبلاغ عن أي انتهاكات تتعرض لها السيدة الحامل أثناء الولادة».

كما ظهرت فريدة محجوب في مقطع فيديو تحدثت فيه عن تعرض نسبة كبيرة من النساء لأشكال متعددة من العنف في أثناء الولادة، والتي تتنوع بين العنف اللفظي والجسدي، مروراً باتخاذ إجراءات دون إذن المريضة، وذلك خلال بحث علمي أجرته داخل مستشفى «القصر العيني» بالقاهرة؛ لافتة إلى أنها لم تستطع نشر البحث لتعرضها لتهديد آنذاك.

كما توالت شهادات من عدة سيدات قلن إنهن تعرضن لعنف خلال الولادة، أو أطباء شهدوا على انتهاكات ارتكبها زملاء بالمهنة بحق مريضات. ولم تقتصر الشهادات على المستشفيات العامة، بل شملت مراكز ومستشفيات خاصة.

تحذير من «التعميم»

في المقابل، برزت حملات مضادة تدافع عن الأطباء، وتحذر من خطورة التعميم أو وصم كيانات تقدم خدمات ضخمة للمواطنين؛ من بينها شهادة زوجة طبيب في «مستشفى الشاطبي» بقسم النساء والتوليد، تحدثت فيها عن المجهود الضخم الذي يقدمه زوجها لعمله، وعن سفريات عديدة في أجواء غير آمنة كانت القيادة خلالها بسرعات كبيرة وعلى طرق مظلمة، من أجل حالة في وضع خطر.

كما حذرت النائبة أميرة صابر، في منشورها، من «مخاطر تعميم الانتقادات للمنظومة الطبية كلها».

وخضعت أكثر من 13 ألف سيدة لعمليات ولادة طبيعية وقيصرية داخل «مستشفى الشاطبي» الجامعي خلال عام 2025، وفق بيانات رسمية.

وكانت جامعة الإسكندرية قد أعلنت، الثلاثاء، فتح تحقيق فيما يجري تداوله عبر وسائل التواصل، واحتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة من نشر مزاعم واتهامات في حال عدم ثبوتها.

وشددت نقابة الأطباء على رفضها القاطع «لأي محاولة للمساس بمجهودات الأطباء المصريين أو التشكيك في دورهم الكبير والمشهود في رعاية المرضى وتقديم الخدمة الطبية»، مشيرة إلى أنها لم تتلق أي شكاوى رسمية في هذا الشأن.

مبنى جامعة الإسكندرية (الشرق الأوسط)

وقال عضو مجلس النقابة شادي صفوت لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة لم تصلها أي شكاوى رسمية إلى الآن، مضيفاً: «لكن وصلني ما يحكيه الأطباء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو على سبيل غير رسمي. وأمام كل ذلك لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل الأمر. المطلوب الآن تقديم شكاوى رسمية للنقابة حتى نستطيع التعامل معها».

وأكد متابعة النقابة لموقف الطبيبة أمنية سويدان، قائلاً: «النقابة لن تتخلى عنها، ففي حال توجهت لها تهم سنرسل لها المستشار القانوني للنقابة، فهي طبيبة والنقابة مسؤولة عن الوقوف بجانبها».

من جانبها، طالبت الناشطة النسوية، شيماء سامي، بتنظيم الشهادات الكثيرة المذكورة على «فيسبوك» والتقدم بها إلى النيابة العامة. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن تتولى النيابة بنفسها هذا الدور، كما سبق وفعلته في قضايا تحرش عديدة عقب انتشارها على مواقع التواصل، وهو ما شجع كثير من الضحايا على الإبلاغ مع اتخاذ إجراءات من شأنها الحفاظ على السرية حتى توجيه التهم للجناة».

وأعلنت جامعة الإسكندرية عن أكثر من طريقة للإبلاغ عن أي انتهاكات في «مستشفى الشاطبي»، مؤكدة في بيانها أن «كرامة المريض وسلامته والحفاظ على أخلاقيات المهنة تمثل مبادئ راسخة لا تقبل التهاون أو التجاوز تحت أي ظرف، وأن حق الشكوى مكفول للجميع».


موريتانيا: المعارضة تناقش «دليل الحوار» المقترح من السلطة

جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: المعارضة تناقش «دليل الحوار» المقترح من السلطة

جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

قررت أحزاب المعارضة الموريتانية عقد اجتماع، (الخميس)، لمناقشة وثيقة قدمتها السلطة بوصفها «الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني»، الذي دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، والذي وصفه بأنه حوار «لا يقصي أي أحد ولا يستثني أي موضوع».

وكان منسق الحوار السياسي، موسى فال، قد سلم جميع الأطراف السياسية وثيقة تشكل الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني، وهي نفس الوثيقة التي سبق أن رفضتها المعارضة بسبب وجود مقترح تقدمت به أحزاب الأغلبية يشير إلى نقاش مواد دستورية تمنع رئيس الجمهورية من الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين.

الرئيس الموريتاني تعهد بتنظيم حوار وطني خلال حملته الانتخابية التي سبقت رئاسيات 2024 (الرئاسة)

وتسببت نقطة المأموريات الرئاسية في تعليق الجلسات التمهيدية للحوار في مارس (آذار) الماضي، حيث رفضت المعارضة أي نقاش حول المواد الدستورية المحصنة، وخاصة تلك التي تتعلق بعدد المأموريات الرئاسية.

وتقول المعارضة إن جهات في أحزاب الأغلبية الرئاسية تسعى لتعديل الدستور من أجل السماح لولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية عام 2029، وهو الذي يحكم موريتانيا منذ 2019، ويمنعه الدستور الحالي من الترشح للانتخابات المقبلة.

وارتفعت أصوات سياسية خلال الأسبوع الماضي تطالب بترشح ولد الغزواني لولاية رئاسية ثالثة، ووصفت المواد الدستورية، التي تمنع ذلك، بأنها لا تمثل وجهة نظر غالبية الشعب الموريتاني، ويجب أن تخضع للمراجعة، والتعديل.

وفي ظل هذا الجدل المحتدم، سلم منسق الحوار الوطني نسخة جديدة من وثيقة الحوار حذفت منها جميع الإشارات لموضوع المأموريات الرئاسية، وذلك استجابة لرغبة المعارضة التي ينتظر أن تقرر اليوم موقفها النهائي من الحوار.

وقال مصدر من داخل المعارضة إن أحزابها تتجه للمصادقة على الوثيقة، تمهيداً لبدء جلسات الحوار الوطني، رغم وجود أصوات داخل المعارضة لا تزال تشكك في نوايا أحزاب الأغلبية الرئاسية، وتشير هذه الأصوات إلى أن موضوع المأمورية حذف من الوثيقة، لكنه سيناقش داخل الورشات، معتبرة أن ما يجري هو مجرد فخ.

في غضون ذلك، تضمنت الوثيقة، التي تعد الدليل المرجعي للحوار، ثمانية محاور، لكنها كرست فكرة التوافق بوصفها «قاعدة ذهبية»، وآلية ملزمة أخلاقياً وسياسياً، حيث تُبرز الوثيقة أن مبدأ التوافق هو المحرك الأساسي لكل مراحل الحوار؛ بدءاً من الإعداد والإشراف، وحتى صياغة المخرجات. ولا تقتصر قيمة هذا التوافق على كونه أداة إجرائية، بل تم اعتماده عبر «إعلان وطني للتوافق»، يجعل من النتائج التزامات مشتركة، وملزمة أخلاقياً وسياسياً لجميع الأطراف المشاركة.

من تجمع سابق لقادة المعارضة في نواكشوط (الشرق الأوسط)

كما حاولت الوثيقة تجاوز معضلة «الحوارات الشفهية»، أو التوصيات التي تظل حبيسة الأدراج، وذلك بوضع حزمة ضمانات قانونية، ومؤسسية؛ يتصدرها التزام علني ومباشر من رئيس الجمهورية بتنفيذ المخرجات، يليه اشتراط إنشاء «لجنة فرعية خاصة بآلية متابعة تنفيذ المخرجات»، واقتراح إطار قانوني ومؤسسي لها لضمان تحويل التوصيات إلى إصلاحات ملموسة على أرض الواقع.

وبالانتقال إلى الجانب الإجرائي، يلاحظ وجود توازن رقمي دقيق وبنية ندّية داخل «هيئة الإشراف على الحوار»؛ حيث تم تخصيص المقاعد السياسية بالمناصفة التامة؛ 7 ممثلين لأحزاب الأغلبية، و7 ممثلين لأحزاب المعارضة. ويعمل هذا التوازن المطعّم بتمثيل مستقل من المجتمع المدني والشخصيات المستقلة على ضمان عدم هيمنة أي قطب سياسي على مسار النقاش، والتحكيم.

وبخصوص الورشات، حاولت الوثيقة أن تتميز بالجرأة، والمكاشفة؛ إذ لم تتردد الوثيقة في إدراج أكثر القضايا الحساسة في التاريخ الموريتاني الحديث ضمن أجندة النقاش الرسمي، وتحديداً ملف الإرث الإنساني، والإرث المرتبط بالاسترقاق وآثاره، إلى جانب محاربة التمييز في التوظيف بالقطاع العام، وتعزيز اللغات الوطنية، وهي خطوة تهدف لترسيخ العيش المشترك بشكل جذري.

وفي الأخير، تقترح الوثيقة تنظيم الحوار عبر مسار ثلاثي الأبعاد: ورشات عمل موضوعية مغلقة تقتصر على حاملي بطاقات الاعتماد، تليها فترة مسائية مخصصة «للإعداد والتشاور الداخلي» لكل طرف لمنع الارتجال، وتُختتم بالمرور عبر «مؤتمر وطني ختامي»، يمتد لعدة أيام لمراجعة اتساق التوصيات كلياً قبل التوقيع عليها.

وكان الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قد تعهد بتنظيم حوار وطني خلال حملته الانتخابية التي سبقت رئاسيات 2024، وذلك استجابة لمطالب ظلت ترفعها المعارضة طوال مأموريته الرئاسية الأولى.