ملفات «سجناء العشرية السوداء» ومعتقلي الحراك تعود إلى الواجهة

العفو عن الكاتب صنصال يشعل النقاش ويكسر الصمت في الجزائر

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته (الشرق الأوسط)
TT

ملفات «سجناء العشرية السوداء» ومعتقلي الحراك تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته (الشرق الأوسط)

رغم حالة الغضب التي أظهرها قطاعٌ واسعٌ من الجزائريين حيال الإفراج عن الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال، فإن هذا القرار سمح للنشطاء المعارضين والحقوقيين بإعادة ملف «السجناء السياسيين» إلى واجهة الأحداث، من خلال المطالبة بإصدار إجراءات عفو رئاسي تشملهم، أسوة بالعفو الذي استفاد منه الروائي السبعيني، الذي أسهم إطلاق سراحه في تخفيف حدة التوترات الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، ومهّد لترتيب لقاء بين رئيسَي البلدين خلال قمة «مجموعة العشرين» المقررة الأسبوع المقبل في جوهانسبرغ.

خلّف خروج صاحب رواية «2084: نهاية العالم» من السجن، الأربعاء الماضي، هزّات ارتدادية بالنظر إلى ردود الفعل الحادة الصادرة عن الأوساط السياسية والإعلامية في البلاد. وقد سمحت هذه القضية بإعادة ملف «المساجين السياسيين» إلى واجهة الأحداث. وهؤلاء ينقسمون إلى فئتين:

الفئة الأولى: تضم نحو 160 سجيناً من الإسلاميين الموجودين في السجن منذ أكثر من 30 سنة. ويرى المتعاطفون معهم أنه طالما استفاد صنصال من عفو رئاسي، فلا مانع من أن يصدر الرئيس إجراءً مماثلاً، خصوصاً أن غالبيتهم متقدمون في السن ويعانون أمراضاً مزمنة.

لخضر بركان من مساجين فترة الاقتتال مع الإرهاب في تسعينات القرن الماضي (الشرق الأوسط)

وتشمل هذه الفئة نشطاء «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة منذ 1992، حيث تمت متابعتهم وسجنهم بأحكام قاسية من طرف «المحاكم الخاصة» التي استحدثت مطلع تسعينات القرن الماضي، لمعالجة ملفات الإرهاب الذي اندلع إثر تدخل الجيش لإلغاء نتائج انتخابات البرلمان التي فاز بها «الإنقاذ» نهاية 1991. ويقضي هؤلاء عقوبات طويلة بالسجن، وغالبيتهم تجاوز الستين من العمر، وتؤكد عائلاتهم أنهم أصيبوا بأمراض خلال فترة سجنهم.

وداخل هذه الفئة توجد مجموعة أخرى تتكون من 20 ناشطاً من «جبهة الإنقاذ»، تم سجنهم العام الماضي على خلفية إصدارهم بياناً ينتقدون فيه الأوضاع الاقتصادية ويحمّلون السلطة مسؤولية «القمع» الذي تشهده الحريات.

أما الفئة الثانية فتتمثل في مساجين الحراك الشعبي (نحو 200)، غالبيتهم شباب معارضون حوكموا بتهم ذات طابع سياسي مرتبطة برفضهم للظروف التي جاء فيها الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم نهاية عام 2019. ويقضي معتقلو الحراك عقوبات بتهم «إضعاف معنويات الجيش» و«الإساءة إلى رموز الدولة» و«المس بالوحدة الوطنية»، والتهمة الأخيرة يشتركون فيها مع بوعلام صنصال، وعلى هذا الأساس يطالب محاموهم بإصدار عفو رئاسي لفائدتهم كما استفاد منه صنصال.

إسلام لطرش أحد معتقلي الحراك (حسابات ناشطين)

العفو الرئاسي لا ينبغي أن يميز بين المساجين

معروف أن العفو الذي أقره الرئيس عبد المجيد تبون للكاتب المثير للجدل، جاء عقب وساطة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، وقُدّم رسمياً على أنه «خطوة إنسانية» بحكم معاناة صنصال من المرض، إلا أنّه أعاد فتح تساؤلات سياسية وأخلاقية ودبلوماسية على المستويين الداخلي والخارجي.

وعلَق المحامي سعيد زاهي، وهو من أشهر المدافعين عن مساجين الحراك في ساحات القضاء، على هذا القرار قائلاً: «بركة الرئيس الألماني حررت حتى من كانوا يخشون التلميح لسجناء الرأي، وها هم اليوم يتحدثون عن العفو علناً... كلمة من الخارج كشفت صمت الداخل».

المحامي عبد الغني بادي (الشرق الأوسط)

كما نشر المحامي الكبير عبد الغني بادي على حسابه بـ«فيس بوك»، صورة لسجين من «جبهة الإنقاذ»، وكتب: «السيد بن يمينة عبد القادر، من ولاية تيارت (غرب البلاد)، مسجون منذ 34 عاماً بموجب حكم صادر عن محكمة غير دستورية، وهي المحاكم الخاصة التي أُلغيت لاحقاً بعد الجدل الذي أثير حول شرعيتها، غير أنّ أحكامها بقيت قائمة ونافذة. السيد عبد القادر، الذي يبلغ من العمر ثمانين عاماً، يعاني من أمراض مستعصية متعددة، ولم يعد قادراً على المشي. فهل من استجابة لنداءات ابنه محمد المتكّررة، ولرجاء أحفاده، حتى يقضي ما تبقى من عمره بينهم؟».

ويرى الرئيس السابق لحزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، الكاتب سعيد سعدي المقيم بفرنسا، أن العفو عن صنصال «كشف عن تناقض عميق: في الجزائر، الإنسانية مثل المحروقات، صالحة للتصدير»، ويقصد أن العفو جاء بعد ضغط أو اهتمام خارجي، مثل تدخل الرئيس الألماني، «وليس بالضرورة نتيجة التزام داخلي صادق بالقيم الإنسانية أو العدالة».

الرئيس السابق لحزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ويوضح سعدي أن هذه الخطوة «تعكس نوعاً من التبعية الأخلاقية للضغط أو الاعتراف الخارجي»، عاداً أن «إنسانية رئيس الدولة لا ينبغي أن تُستثار من طرف رئيس أجنبي».

ورغم ترحيبه بما يمثّله الإفراج من ارتياح لعائلة صنصال، فإنه يرى فيه «مؤشراً على ضعف سياسي وضعف في القضاء الجزائري»، الذي دان صنصال بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ، علماً بأن الكاتب اعتقل في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 إثر تصريحات له أدلى بها لمنصة إخبارية فرنسية، زعم فيها أن «أجزاء واسعة من الغرب الجزائري تتبع تاريخياً للمغرب».

كما يلفت سعدي إلى «التزامن المثير للقلق» بين إطلاق سراح صنصال والحكم بخمس سنوات سجناً على الشاب الشاعر محمد تاجديت، أحد أبرز رموز الحراك الشعبي، قائلاً: «نفس العقوبة، نفس المجتمع، مع ذلك يسلك المصيران دروباً متناقضة».

من جهته أقرّ رئيس حزب «جيل جديد»، سفيان جيلالي، بالطابع الإنساني للعفو، لكنه نبّه إلى أن «عدم تعميمه على سجناء آخرين معتقلين لأسباب أقل وطأة سيُنظر إليه كظلم بيّن». كما يؤكد أن العفو الرئاسي «لا يجب أن يُبنى على شفاعة أجنبية، ولا أن يحدث تمييزاً بين المواطنين».

القاضي المتقاعد حبيب عشي (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

أما القاضي المتقاعد الحبيب عشي، فيرى أنه «ما دامت الدولة والسلطة العليا تحركت في إطار التوازنات الاستراتيجية وبعد النظر الدبلوماسي، فالأخذ بخاطر الدولة الألمانية (التماس عفو عن صنصال) خطوة لا بأس بها، بل قد تكون ضرورية في سياق العلاقات الدولية المتشابكة، خصوصاً إذا كانت تصب في مصلحة الجزائر وصورتها كشريك موثوق ومتزن»، موضحاً أن «الانسجام الداخلي لا يقل أهمية عن التوازن الخارجي»، لذلك يدعو إلى أن يبادر الرئيس عبد المجيد تبون «بعفو ثان يشمل باقي المدانين من النمط نفسه، من منطلق وطني خالص، حتى لا يُفهم الموقف الرسمي على أنه كيل بمكيالين. فمثل هذه الخطوة ستكون رسالة قوة سياسية وأخلاقية، تُظهر أن الدولة لا تخضع للضغوط، بل تتصرف من موقع الثقة والعدل، وأن المصالحة الوطنية ليست ظرفية بل نهج دائم يترجم في الأفعال لا في الأقوال».


مقالات ذات صلة

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك».

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

«قضية داود» تضع العلاقات الفرنسية - الجزائرية في اختبار دبلوماسي جديد

أعرب وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، عن «أسفه» لإدانة الروائي الجزائري الفرنسي كمال داود بالسجن من طرف محكمة مدينة وهران غرب الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا بعض أحفاد المنفيين في كاليدونيا الجديدة (حسابات ناشطين سياسيين)

الجزائر: تحرك لإنصاف أحفاد منفيي حقبة الاستعمار

أكد وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، أن «ملف أحفاد المنفيين قسراً إلى كاليدونيا الجديدة» يقع في صلب «قضايا الذاكرة»، التي تشكل محل الخلاف مع الطرف الفرنسي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».