الجزائر: إطلاق ترتيبات لإدانة جرائم الاستعمار الفرنسي

مؤشرات رغبة الحكومة في الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال تثير جدلاً حاداً

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
TT

الجزائر: إطلاق ترتيبات لإدانة جرائم الاستعمار الفرنسي

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

لم يمنع تتابع مؤشرات الصلح بين الجزائر وباريس، الحكومة الجزائرية من إطلاق إجراءات في الميدان تخص توثيق الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي (1830-1962) بحق البيئة. في حين يثار جدال كبير حول طلب رفعه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، للإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال الذي يُعد سجنه أحد أسباب توتر العلاقة مع فرنسا.

مراسم إطلاق ترتيبات لتجريم جرائم الاستعمار بحق البيئة (وزارة البيئة)

وأُعلن، الاثنين، بالجزائر العاصمة عن تشكيل «لجنة وطنية متعددة القطاعات» مكلفة بتوثيق «الجرائم البيئية التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر ودراسة آثارها»، بخاصة في المناطق المتضررة من الأنشطة المدمّرة للطبيعة، وعلى رأسها التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر مطلع ستينات القرن الماضي.

وجرت مراسم إطلاق اللجنة بمقر وزارة البيئة، بإشراف وزيرة القطاع كوثر كريكو ووزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تشريف، وبحضور المستشار لدى رئيس الجمهورية المكلف بالطاقة والمناجم والبيئة، أمين معزوزي.

وتندرج هذه المبادرة، حسب الحكومة، في إطار «مشروع الذاكرة البيئية الاستعمارية»، تماشياً مع التوصيات المنبثقة عن مؤتمر نُظم في الثالث من الشهر الجاري بالجزائر العاصمة، بحث في «المخلفات البيئية للاستعمار في أفريقيا: حقائق تاريخية وتداعيات إيكولوجية – حالة الجزائر».

وزيرا البيئة والمجاهدين (إعلام وزاري)

تُشرف على «اللجنة» هيئتان وطنيتان هما «المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954» التابع لوزارة المجاهدين، و«المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة» التابع لوزارة البيئة. وتضم اللجنة ممثلين عن قطاعات الدفاع الوطني والداخلية والنقل والزراعة والتنمية الريفية والصيد البحري والموارد المائية والتعليم العالي والبحث العلمي والصحة.

وفي كلمة لها بالمناسبة، وصفت الوزيرة كريكو هذا المشروع بأنه «حجر الزاوية في مسار ترسيخ مفهوم الذاكرة البيئية، بوصفه محوراً أساسياً من محاور الذاكرة الوطنية»، مشددة على أهمية «حصر وتوثيق جميع المناطق المتضررة من ويلات الاستعمار في الجزائر وأفريقيا، ورصد آثاره البيئية والبشرية التي ما تزال قائمة إلى اليوم».

ولفتت الوزيرة إلى أن إطلاق المشروع «يتزامن مع اليوم الدولي لمنع استغلال البيئة في الحروب والنزاعات المسلحة، المصادف لـ6 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، ما يشكّل مناسبة لتجديد التأكيد على أن البيئة ليست ساحة معركة، بل فضاء مشترك للحياة والأمن واستقرار الشعوب».

لقطات مركّبة لأحد مواقع التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (أرشيفية)

ومن جانبه، أكد وزير المجاهدين أن الجزائر «تطمح إلى أداء دور ريادي على الصعيد الأفريقي، في توثيق وجمع المعلومات المتعلقة بتداعيات التدمير المنظم الذي طال الإنسان والطبيعة خلال الاستعمار»، موضحاً أن «هذه الجهود ترمي إلى إحياء الوعي الجماعي حول تلك المرحلة المظلمة من تاريخ الأمة الجزائرية».

ووفق الوزير نفسه «يمثل مشروع الذاكرة البيئية الاستعمارية خطوة نوعية في توسيع مفهوم الذاكرة الوطنية، من خلال مقاربة تسليط الضوء على البعد الإنساني والبيئي لجرائم الاستعمار الفرنسي».

وأشار إلى أن هذا العمل المشترك بين قطاعي المجاهدين والبيئة «يعكس إرادة الدولة الجزائرية في توثيق جميع الأبعاد التاريخية والإنسانية والبيئية للجرائم الاستعمارية، بما يكرّس العدالة التاريخية والبيئية على المستويين الوطني والأفريقي».

من جهته، أكد مدير «المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة»، كريم عراب، أن الدراسات المنجزة في مجال البيئة «كشفت حجم وفظاعة الجرائم التي ارتُكبت خلال الحقبة الاستعمارية»، مؤكداً أن «هذه اللجنة الوطنية ستُعمق الدراسات وفق مقاربة علمية دقيقة لتحديد الأضرار الناتجة عن الممارسات المخالفة للقوانين والمعايير الدولية».

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وتضع الجزائر «اعتراف فرنسا بجرائم الاستعمار» ضمن مطالبها المتعلقة بـ«الذاكرة»، مقابل تردد فرنسا في الاستجابة لهذا الطلب، ما شكّل أحد أكبر المشكلات بين البلدين، وتسبب في تغذية التوترات التي تعيشها العلاقات الثنائية منذ أكثر من عام، والتي اندلعت بسبب اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء.

وظهرت في الأسابيع الماضية مؤشرات انفراجة، من خلال تصريحات إيجابية تم تبادلها بين ضفتي البحر المتوسط. كما يرتقب أن تزور الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية آن ماري ديكوت الجزائر، في مستقبل قريب، لاستئناف الحوار حول مسائل الهجرة السرية ومحاربة الإرهاب، التي توقفت بسبب الأزمة الدبلوماسية.

صورة مركبة للرئيسين الجزائري والألماني نشرتها الرئاسة الجزائرية بمناسبة طلب الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال

وفي السياق، أثار نشر الرئاسة الجزائرية، الاثنين، رسالة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى الرئيس عبد المجيد تبون، تضمنت «بادرة إنسانية» لصالح الكاتب الفرنسي - الجزائري المسجون بوعلام صنصال، تتمثل في إصدار عفو عنه، جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث علّق العديد من الناشطين السياسيين والصحافيين، بأن السلطات الجزائرية «أظهرت مؤشرات قوية على قرب الإفراج عن صنصال»، برغم أنها كانت تتهمه حتى وقت قريب بـ«الخيانة والتعاون مع جهات أجنبية».

الكاتب بوعلام صنصال (حسابات ناشطين معارضين لسجنه)

وجاء في رسالة الرئيس الألماني: «لقد طلبت من نظيري الجزائري العفو عن بوعلام صنصال، وستكون هذه المبادرة تعبيراً عن روح إنسانية ورؤية سياسية مستنيرة، كما تعكس أيضاً علاقتي الشخصية الوطيدة بالرئيس تبون والعلاقات الممتازة بين بلدينا».

وأكدت الصحافة الألمانية أن طلب شتاينماير تضمن أيضاً رغبة برلين في نقل صنصال إلى ألمانيا للعلاج.

وأشار ناشطون باستهجان، عبر حساباتهم، إلى رفض الحكومة طلبات متكررة للإفراج عن نشطاء الحراك الذين يفوق عددهم 180 والذين دانتهم المحاكم بسبب مواقفهم من سياساتها. كما أثيرت قضية المؤرخ محمد الأمين بلغيث المسجون بسبب تصريحات عُدّت مسيئة للأمازيغية والناطقين بها.

أستاذ التاريخ محمد الأمين بلغيث (متداولة)

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ناشد تبون، في مناسبات عدّة، إطلاق سراح الكاتب السبعيني الذي اعتُقل منذ عام وحكم عليه بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ، بسبب تصريحات لمنصة إخبارية محسوبة على اليمين الفرنسي المتشدد، زعم فيها أن «أراضي واسعة من غرب الجزائر تعود إلى المغرب»، وأن الاستعمار الفرنسي اجتزأها منه.

اقرأ أيضاً

«ستكون هذه المبادرة تعبيراً عن روح إنسانية ورؤية سياسية مستنيرة، كما تعكس أيضاً علاقتي الشخصية الوطيدة بالرئيس تبون والعلاقات الممتازة بين بلدينا».

الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير


مقالات ذات صلة

الجزائر في قلب معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية

شمال افريقيا من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر في قلب معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية

شرعت تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بشأن «معتوهين يريدون قطع العلاقة بالجزائر» الباب أمام مواجهة سياسية مفتوحة بين التيارات الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

تتصاعد في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي - الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية لوكا زيدان (رويترز)

لوكا زيدان يعاني من كسر في الفك والذقن

أعلن غرناطة أن حارس مرماه ومنتخب الجزائر لكرة القدم لوكا زيدان مصاب بكسر في الفك والذقن اثر اصطدام تعرض له الأحد في المرحلة السابعة والثلاثين من دوري الدرجة.

«الشرق الأوسط» (غرناطة )
شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.