مجلس الأمن السوداني يرحب بمبادرات السلام ويواصل التعبئة

«بارا» تنزف... جثث على الطرقات وموجات نزوح جماعية ومسيرات تضرب «الفولة»

البرهان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)
البرهان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)
TT

مجلس الأمن السوداني يرحب بمبادرات السلام ويواصل التعبئة

البرهان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)
البرهان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)

رحب مجلس الأمن والدفاع السوداني بالجهود الدولية ومبادرات «بعض الدول والأصدقاء» المبذولة لإحلال السلام، ورفع معاناة السودانيين، بما في ذلك المقترح الأميركي لوقف الحرب الدائرة في السودان، ووجَّه شكره لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، على جهوده من أجل السلام في السودان، لكنه أعلن في المقابل مواصلة التعبئة العامة واستنفار الشعب لمواجهة «قوات الدعم السريع».

جانب من اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (الثلاثاء) (اعلام مجلس السيادة)

وكانت تقرير إعلامية أفادت بأن مجلس الأمن والدفاع السوداني سيدرس، الثلاثاء، مقترحاً أميركياً مسنوداً من المجموعة الرباعية، (الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات المتحدة) يقضي بتوقيع «هدنة إنسانية» لمدة 3 أشهر، تمهد لوقف الحرب في السودان. لكن وزير الدفاع الفريق حسن كبرون لم يشر في بيان صحافي أعقب الاجتماع الذي عقد برئاسة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لمقترح الهدنة بشكل مباشر، لكنه قال إن المجلس، بحث رؤية السودان للعمل الإنساني، وسبل استعادة الأمن والسلام في البلاد.

ودعا بيان المجلس هو أعلى هيئة عسكرية وسياسية في البلاد في المقابل الشعب السوداني إلى مساندة الجيش ضد الدعم السريع «في إطار التعبئة العامة لإنهاء التمرد»، مؤكداً أن الحكومة ستقدم رؤية لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية واستعادة الأمن والسلام في جميع أنحاء البلاد.

لجنة لإعداد رؤية

وأوضح كبرون أن الاجتماع قرر تكليف لجنة لإعداد رؤية السودان للعمل الإنساني وتحقيق الأمن والسلام في السودان، وأبدى ترحيبه بـ«المبادرات الساعية لتحقيق السلام في السودان»، ووجَّه رسالة شكر لمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس على جهود الداعمة لمسار السلام في السودان.

وبحث الاجتماع، وفقاً لما أورد وزير الدفاع، «جرائم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي» التي ارتكبتها «ميليشيا الدعم السريع الإرهابية» في مدينة الفاشر، بحسب الوزير.

كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

ويأتي اجتماع المجلس بعد تصريحات حديثة أدلى بها مستشار الرئيس الأميركي، للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، لصحافيين سودانيين في العاصمة المصرية القاهرة يوم الاثنين، أكد فيها أن كلاً من الجيش و«الدعم السريع» «رحبا بهدنة إنسانية»، وأنهما يناقشان التفاصيل الفنية واللوجيستية التي تسبق التوقيع النهائي على الهدنة.

وأجرى بولس سلسلة اجتماعات في القاهرة خلال الأيام الأخيرة، بهدف وضع اللمسات الأخيرة على مقترح الهدنة الإنسانية الذي قُدّم منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، برعاية «المجموعة الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، بهدف التوصل لهدنة في الحرب الدائرة في السودان تتراوح بين 3 إلى 9 أشهر، تعقبها مفاوضات سلام.

مذكرة لقيادات سودانية

وفي ظل جدل «الهدنة الإنسانية»، دفع نحو 200 شخصية قيادية مدنية سودانية بمذكرة حملت اسم «بارقة أمل... في دعم جهود الرباعية لسلام السودان»، لدول الرباعية، دعت فيها لتكثيف الضغوط على طرفي الحرب، من أجل تفاوض يوقف الحرب، وينهي القتال المستمر منذ أبريل (نيسان) 2023.

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أ.ف.ب)

وقال موقِّعو المذكرة في بيان إنهم سلموا المذكرة لوزراء خارجية الرباعية، مع نسخة للأمين العام للأمم المتحدة ومفوض الاتحاد الأفريقي، طالبتهما فيها بتبنِّي خريطة طريق الرباعية واعتمادها من مجلسي الأمن الدولي والسلم والأمن الأفريقي، بما يسمح باتخاذ قرارات ملزمة لحماية المدنيين. ورأى الموقِّعون جهود الرباعية الدولية «بارقة أمل لإطفاء حريق البلاد»، وحثوا طرفي القتال لقبول فوري لوقف العدائيات، وإلى التوقيع غير المشروط لـ«هدنة إنسانية» تمهد لسلام سياسي شامل يعيد للسودان وحدته واستقراره.

«بارا» تنزف

وفي سياق العمليات الحربية، تواصلت حملات النزوح القصرية، من مدن ولاية شمال كردفان (غرب السودان)، ومنها «بارا» و«الأُبيِّض»، في اتجاه مدن بالولاية الشمالية، هرباً من عمليات التنكيل التي تقوم بها عناصر من «قوات الدعم السريع»، وسط حديث بتكدس عشرات الجثث في بارا، حيث يمنع المقاتلون ذوي الضحايا من الاقتراب منها.

شمال كردفان محط الأنظار

ولقي عدد من الأشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون بقصف جوي نفذته طائرة مسيَّرة يرجح أنها تابعة للجيش السوداني، استهدفت أحياءً سكنية في مدينة «الفولة» حاضرة ولاية غرب كردفان، وأكدت مصادر موالية للجيش تنفيذ ضربات جوية دقيقة على مواقع تابعة للدعم السريع، أفضت لمقتل قادة كبار.

وأعلنت «شبكة أطباء السودان»، الثلاثاء، أن عشرات الجثث مكدسة داخل المنازل في مدينة بارا بولاية شمال كردفان بوسط البلاد، مشيرة إلى أن «الدعم السريع» تمنع ذوي الضحايا من الاقتراب منها. وقالت الشبكة، في بيان، إنها تتابع بقلق ما يجري في مدينة بارا من جرائم مروعة ترتكبها «الدعم السريع» بحق المدنيين العزل، في مشهد يلخص أبشع صور الانتهاك الإنساني والقتل الممنهج.

وأشارت إلى أن التقارير الميدانية تفيد بأن «عشرات الجثث مكدسة داخل المنازل بعد أن منعت (الدعم السريع) ذوي الضحايا من دفنهم، ليبقى الموتى محاصرين في بيوتهم، والأحياء محاطين بالرعب والجوع والعطش»، لافتة إلى تزايد أعداد المفقودين يومياً، مع انقطاع كامل للاتصالات وانعدام أي وجود طبي أو إنساني فاعل في المدينة.

جانب من الدمار الذي ألحقته في وقت سابق مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض بإقليم كردفان (متداولة)

وأضافت أنه «في ظل هذا الجحيم، تتواصل موجات النزوح الجماعي من بارا في ظروف بالغة القسوة، حيث يفر المدنيون سيراً على الأقدام نحو المجهول، دون غذاء أو دواء أو مأوى، بينما تنهار الخدمات الصحية تماماً، وتنتشر الأمراض وسوء التغذية بين الأطفال والنساء وكبار السن».

وأكدت «شبكة أطباء السودان» أن «ما يحدث في بارا جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس، واستمرار الصمت الدولي تجاهها يمثل تواطؤاً مخزياً». وطالبت الشبكة الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية والطبية، والمجتمع الدولي كافة، بالتحرك الفوري والجاد لوقف هذه الانتهاكات، وفتح ممرات آمنة للمدنيين، من دفن موتاها بكرامة.

وفي هذه الأثناء، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو إلى وقف فوري للعنف في السودان، محذراً من تدهور الوضع، بينما حض طرفي النزاع إلى التفاوض. وقال غوتيريش على هامش القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في الدوحة: «ضعوا حداً لكابوس العنف هذا الآن»، مضيفاً: «أدعو القوات المسلحة السودانية و(قوات الدعم السريع) للعمل مع مبعوثي الشخصي إلى السودان، (رمطان لعمامرة) للتوصل إلى تسوية تفاوضية... أقبِلوا على طاولة المفاوضات».

وأضاف أن الأمم المتحدة تلقت «تقارير موثوقاً بها عن عمليات إعدام واسعة النطاق وهجمات عشوائية على المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات، فضلاً عن حالات عنف قائمة على النوع الاجتماعي والعرق».

مسيرات تستهدف «الفولة»

في سياق ثانٍ، نقلت مصادر محلية أن مسيرة استهدفت أحياءً سكنية بمدينة «الفولة» عاصمة ولاية غرب كردفان، أدى الاستهداف لمقتل عدد من المواطنين، وإصابة آخرين بجراح متفاوتة، وإلى تدمير منازل ومحلات تجارية، لكن الجيش لم يعلق على الخبر رسمياً بعد. وحملت جهات مناوئة للجيش المسؤولية عن القصف، ووصفته بأنه «جريمة حرب»، وبثوا مقاطع فيديو وصوراً لأشخاص قالوا إنهم الضحايا.

بيد أن مؤيديه ذكروا أن «سلاح الجو» نفذ ضربات دقيقة، الأحد، على مواقع تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في منطقة «أبو زبد» القريبة، وزعموا أنها أفضت إلى مقتل قادة بارزين في «الدعم السريع»، ودمرت مركبات قتالية.

من جهة أخرى، زعمت «قوات الدعم السريع»، أنها أسقطت طائرة عسكرية من طراز «إليوشن» روسية الصنع، تابعة للجيش في سماء مدينة «بابنوسة» بولاية غرب كردفان، صباح الثلاثاء، ومصرع طاقهما، دون صدور ردود فعل رسمية من الجيش.

وتحاصر «قوات الدعم السريع» الفرقة 22 التابعة للجيش في مدينة بابنوسة، وتقطع عنها الإمداد منذ أكثر من عام، ونقلت مصادر عسكرية، الأيام الماضية، عن تنفيذ الجيش لعمليات إسقاط جوي للجنود المحاصرين خلال الأيام الماضية، وآخرها ما حدث يوم الثلاثاء.

وعادة ما يستخدم الجيش السوداني طائرات النقل الجوي من طراز «إليوشن» و«أنتنوف» في عمليات الإسقاط الجوي، وإلقاء البراميل المتفجرة على خصومه، ووثقت تقارير صحافية سابقة أن «الدعم السريع» أسقطت عدداً منها؛ ما أضعف قدرتها على توصيل المؤن لجنودها المحاصرين في عدد من المناطق.


مقالات ذات صلة

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان


تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.