مصر تشدد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان

متحدث «الخارجية» أكد لـ«الشرق الأوسط» سعي بلاده لحوار بين القوى كافة

نازحون فارّون من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» إلى بلدة طويلة القريبة (أ.ف.ب)
نازحون فارّون من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» إلى بلدة طويلة القريبة (أ.ف.ب)
TT

مصر تشدد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان

نازحون فارّون من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» إلى بلدة طويلة القريبة (أ.ف.ب)
نازحون فارّون من الفاشر بعد سقوطها في أيدي «قوات الدعم السريع» إلى بلدة طويلة القريبة (أ.ف.ب)

أكدت مصر «أهمية سرعة التوصل إلى هدنة إنسانية فاعلة تُمهد لوقف شامل لإطلاق النار في السودان»، وذلك بعد أيام من سيطرة «قوات الدعم السريع» على مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور في غرب السودان.

جاء ذلك خلال اتصالين هاتفيين تلقاهما وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الخميس، من كبير مستشاري الرئيس الأميركي مسعد بولس، ووكيل السكرتير العام للأمم المتحدة توم فليتشر، تناولا تطورات الأوضاع في السودان.

كما تناولت محادثات جمعت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإريتري أسياس أفورقي، الخميس، في القاهرة «سبل إنهاء الحرب في السودان، وضرورة دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية، ورفض أي محاولات لإنشاء كيانات موازية».

وكانت «قوات الدعم السريع» بالسودان قد أعلنت، الأحد الماضي، سيطرتها على الفرقة السادسة في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور بعد معارك وصفتها بـ«الضارية». وفي المقابل، قال رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إن قيادة الجيش في الفاشر «قررت مغادرة المدينة لِما تعرضت له من تدمير وقتل ممنهج للمدنيين».

وتعددت الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية المصري مع مسؤولين دوليين خلال الساعات الماضية، والتقى، الأربعاء، في القاهرة، وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، في ظل مساعٍ حثيثة للوصول إلى حلول تقود إلى هدنة إنسانية والتعامل مع الأوضاع المتردية في دارفور بعد انسحاب الجيش السوداني من مدينة الفاشر.

طفل في مخيم نازحين فرّوا من الفاشر إلى طويلة شمال دارفور بالسودان في 27 أكتوبر 2025 (رويترز)

وبحسب بيان صادر عن «الخارجية المصرية»، الخميس، فقد تضمن الاتصال الهاتفي مع توم فليتشر «تبادلاً للرؤى بشأن سبل تعزيز الاستجابة الدولية للأزمة الراهنة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات (الأكثر تضرراً)». كما أشار فليتشر إلى «اعتزامه تقديم إحاطة لمجلس الأمن حول الانتهاكات السافرة التي يشهدها السودان».

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلّاف، لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تتابع عن كثب التطورات الأخيرة في السودان، وتكثف من اتصالاتها مع الأطراف كافة بهدف الدفع نحو وقف فوري لإطلاق النار وتهيئة بيئة مواتية للحوار السياسي الشامل، بما يجنب الشعب السوداني مزيداً من المعاناة».

وأوضح خلّاف أن «القاهرة تعزز جهودها الإنسانية لتقديم الدعم والإغاثة للمتضررين، وتعمل على تنسيق المساعدات عبر المنافذ الحدودية، بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية»، مضيفاً: «هناك ثوابت تدعو مصر من خلالها لضرورة الحل السلمي للأزمة السودانية عبر حوار وطني جامع يحقق تطلعات الشعب السوداني في الأمن والتنمية والاستقرار».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان بالقاهرة في منتصف أكتوبر الجاري (الرئاسة المصرية)

وشدد عبد العاطي خلال اتصاله، الخميس، مع مسعد بولس على «ضرورة الالتزام بتنفيذ بيان (الرباعية الدولية) الصادر في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وأهمية سرعة التوصل إلى هدنة إنسانية فاعلة تمهد لوقف شامل ودائم لإطلاق النار، وتؤسس لعملية سياسية شاملة يقودها السودانيون أنفسهم».

وتضمّن البيان الصادر عن «المجموعة الرباعية»، وتضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، أنه «لا يوجد حل عسكري يمكن تطبيقه لإنهاء النزاع»، وطالب أطراف النزاع بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ودعا لهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر بشكل مبدئي، مع إطلاق عملية انتقال شاملة وشفافة خلال تسعة أشهر من بدء وقف إطلاق النار.

وبحسب مصدر مصري مطلع، فإن القاهرة تستهدف تسريع تطبيق مسار «الرباعية» على أرض الواقع من خلال هدنة مبدئية لمدة ثلاثة أشهر، على أن يعقبها هدنة أخرى تصل إلى ستة أشهر تنتهي بوقف إطلاق النار بشكل كامل.

وأشار المصدر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن مصر تدعم استمرار «المسار العسكري» عبر «منبر جدة» من خلال انسحاب «قوات الدعم السريع» من المناطق المدنية ودمجها في صفوف الجيش أو الشرطة.

جانب من مؤتمر «القوى السياسية والمدنية السودانية» الذي انعقد العام الماضي في القاهرة (الخارجية المصرية)

وأوضح المصدر المطلع أن دعوة جميع المكونات السياسية لحوار شامل تهدف للتوصل إلى تفاهمات بين القوى المدنية على إدارة المرحلة الانتقالية بواسطة حكومة مدنية تتشكل من كفاءات. وأضاف: «كان ذلك تصوراً للقاء الذي عقدته مصر في يوليو (تموز) من العام الماضي، ومن المتوقع دعوة الحكومة السودانية المعترف بها دولياً».

واستضافت مصر العام الماضي مؤتمر «القوى السياسية والمدنية السودانية»، تحت شعار «معاً لوقف الحرب»، بهدف «تقديم رؤى لإنهاء النزاع»، وذلك بحضور ممثلين لمنظمات إقليمية ودولية، ودبلوماسيين من دول أفريقية وعربية وأوروبية، وغاب عنه في ذلك الحين ممثلون عن الحكومة السودانية و«قوات الدعم السريع».

وشارك في المؤتمر عدد من الأحزاب والكيانات السياسية السودانية، أبرزها مكونات تجمع «الميثاق الوطني»، الذي يضم تجمعَي «الكتلة الديمقراطية» و«قوى الحراك الوطني»، بجانب «مكونات تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (تقدم)، قبل أن تنقسم الآن إلى «تحالف القوى المدنية والديمقراطية» (صمود) الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وتحالف «السودان التأسيسي» الذي يتحالف الآن مع «قوات الدعم السريع»، وطيف واسع من الأحزاب السودانية مثل «حزب الأمة» و«الحزب الاتحادي».


مقالات ذات صلة

خلافات أولوية «نزع السلاح» تُربك مسار «اتفاق غزة»

تحليل إخباري فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قُتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

خلافات أولوية «نزع السلاح» تُربك مسار «اتفاق غزة»

بات اتفاق غزة أمام مسارين، الأول تدفع في اتجاهه واشنطن وإسرائيل بنزع سلاح «حماس»، ومسار ثانٍ عربي يريد تنفيذ استحقاقات الاتفاق كاملة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيسان السيسي وترمب في شرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي (رويترز)

القاهرة تشدد على عمق علاقات الشراكة مع واشنطن

أشاد القائد العام للقوات المسلحة المصرية، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، عبد المجيد صقر، الثلاثاء، بـ«تنامى آفاق التعاون على نحو يلبّي المصالح المشتركة للبلدين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد وزير العمل المصري محمد جبران خلال لقاء بمقر السفارة المصرية في السعودية مساء الأحد (وزارة العمل المصرية)

مصر تستمع لمتطلبات سوق العمل السعودية لمواءمة مهارات العمالة

تستمع مصر إلى متطلبات سوق العمل السعودية الحالية والمستقبلية لبحث سبل الاستجابة لها من خلال العمالة المصرية المؤهلة والمدربة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع وزاري لبحث الميزان المائي في مصر (وزارة الري المصرية)

«ميزان مصر المائي» يُظهر فجوة تتجاوز 23 مليار متر مكعب

أظهر تحديث لـ«ميزان مصر المائي» وجود فجوة بين الموارد والاحتياجات تتجاوز 23 مليار متر مكعب سنوياً، حسب وزارة الري والموارد المائية.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا السياسي المصري المعارض مصطفى النجار (الحساب الرسمي لشقيقته)

لغز اختفاء برلماني مصري معارض يزداد غموضاً مع أنباء عن «مقتله»

تزايدت حالة الغموض التي تكتنف مصير السياسي المصري المعارض عضو مجلس النواب السابق مصطفى النجار، بعد تداول أنباء على لسان إعلامي تشير إلى «مقتله».

علاء حموده (القاهرة)

ألمانيا تشيد بالتقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا تشيد بالتقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)
عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (أ.ف.ب)

وصل وزير الدولة الألماني للشؤون الخارجية، فون غاير، إلى العاصمة الليبية طرابلس مع وفد مرافق، الأربعاء، والتقى مع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رفقة السفير الألماني لدى ليبيا، رالف طراف. وحسب المكتب الإعلامي بالمجلس الرئاسي، فقد نقل الوزير غاير تحيات المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، مؤكداً حرص بلاده على توطيد أواصر التعاون والشراكة مع ليبيا في مختلف المجالات، إضافة إلى مناقشة المستجدات السياسية والاقتصادية والأمنية، وملفات الهجرة غير الشرعية، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.

وأثنى الوزير الألماني على التقدم المحرز في مسار المصالحة الوطنية الليبية، مشيداً باعتماد الميثاق الوطني للمصالحة، بوصفه خطوة نحو تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ السلم المجتمعي.

من جانبه، أشاد المنفي بالدور المحوري الذي تضطلع به الدبلوماسية الألمانية في دعم المسار الليبي، مؤكداً استمرار الجهود الرامية إلى ترسيخ التعاون الدولي، وتكثيف التنسيق المشترك من أجل تحقيق الاستقرار الشامل والمستدام في البلاد.


الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)

شهدت فترة حكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة في هرم السلطة، شملت وزراء وكبار الموظفين برئاسة الجمهورية.

ويرى مراقبون أن هذه المحاكمات تعكس إصراراً على محاسبة مسؤولين في صدارة المشهد السياسي، ضمن مسعى تضعه السلطة في إطار «أخلقة الحياة العامة».

شهدت فترة حكم عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد (الرئاسة)

في هذا السياق يعيش علي عون، الوزير السابق للصناعة والإنتاج الصيدلاني، على وقع عاصفة قضائية قد تنتهي به إلى السجن، باعتبار أنه ترأس قطاعان اقتصاديان بالغا الأهمية، وسيمثل مطلع شهر فبراير (شباط) المقبل أمام «القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي أمحمد» بالعاصمة.

وبالإضافة إلى ابنه، الذي سيُستدعى للمثول أمام الجهة القضائية نفسها، أفادت جريدة «الشروق» بأن 25 شخصاً سيُستدعون إلى منصة المحكمة بصفتهم متهمين وشهوداً. وتعد التهم الموجهة إلى بعضهم ثقيلة، إذ تتعلق، من بين قضايا أخرى، باختلاسات طالت مؤسسات عمومية، من بينها مجمّع «إيميتال» الحكومي لإنتاج الحديد والصلب، والشركة الوطنية للصناعة الحديدية، وبعض فروعها.

وزير الصناعة وإنتاج الدواء السابق علي عون (الوزارة)

وذكرت الصحيفة نفسها أن المحاكمة ستشمل أيضاً رجل أعمال من وهران، هو شرف الدين عمارة، الرئيس السابق لمجمع «مدار»، وهو مجمّع قابض ذو فروع واسعة النشاط تمتد من تكرير السكر إلى صناعة التبغ، إضافة إلى المسؤول الأول بفندق «الأوراسي» الكبير بالعاصمة، وكذا صاحب علامة سيارات صينية تنشط في الجزائر.

وتتمحور الوقائع المنسوبة إلى المتهمين حول «إبرام صفقات غير قانونية»، تشمل «عمليات مشبوهة» لشراء وبيع نفايات حديدية وغير حديدية، ما ألحق أضراراً مالية جسيمة بالمجمع العمومي. علماً أن شرف الدين عمارة يوجد في الحبس الاحتياطي منذ شهر لاتهامه في قضية فساد تخص «مدار»، وهو متابع أيضاً في ملف آخر يخص فترة رئاسته الاتحاد الجزائري لكرة القدم (2021-2022).

وزير العمل السابق تيجاني حسان هدام (الوزارة)

وعلى خلاف باقي المتهمين، سيمثل علي عون في حالة سراح. علماً أنه كان قد أدين بالفساد سنة 2007، بوصفه رئيساً لمجمع «صيدال» للدواء العمومي (1995- 2008)، وتمت تبرئته سنة 2022. وقد أُقيل عون من منصبه وزيراً للصناعة وإنتاج الدواء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 عقب تفجر القضية الحالية.

تورط أقارب المسؤول في الفساد

تُمثل قضية نسيم ضيافات، الوزير المنتدب السابق المكلف بالمؤسسات الناشئة والمصغرة (2020–2022)، تحولاً لافتاً في المسار القضائي الجزائري، كونه أول وزير في عهد الرئيس عبد المجيد تبون يُدان في قضايا فساد. ففي فبراير (شباط) 2024، أصدر القضاء حكماً بسجنه خمس سنوات نافذة بعد ملاحقات بدأت في أبريل (نيسان) 2023، شملت تهم «تبديد الأموال العامة، وإساءة استغلال المنصب، واستغلال النفوذ».

وقد كشفت التحقيقات عن تجاوزات في صفقات مرتبطة بشركة «ألريم» للهياكل المعدنية، وتورط الوزير في تمكين أفراد من عائلته من مشروعات حكومية مستغلاً سلطته الوظيفية. كما توقفت المحكمة عند إنفاق غير مبرر للمال العام، تمثل في تمويل هدايا باهظة الثمن لمسؤولين، من بينها «مجسم سيف الأمير عبد القادر»، وهي وقائع بررها ضيافات بأنها «أعراف إدارية»، و«تنفيذ لتعليمات الوزير الأول الأسبق» عبد العزيز جراد، وهو ما لم يمنع إدانته مع عدد من مسؤولي الشركات.

رئيس مجمَع الحديد والصلب شرف الدين عمارة (صحيفة المجاهد الحكومية)

وتبرز أهمية هذه القضية في كونها شملت شبكة من الأقارب والموظفين السامين، مما عزز توجه السلطة نحو تكريس مبدأ المساءلة ليشمل المسؤولين المباشرين في صدارة المشهد السياسي الحالي.

وتندرج «قضية تيجاني حسان هدام» ضمن تصفية ملفات التسيير المرتبطة بنهاية الحقبة السابقة، حيث شغل منصب وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي في الفترة ما بين أبريل (نيسان) 2019 ويناير(كانون الثاني) 2020، وهو ما يجعله من المسؤولين، الذين ورثهم الرئيس تبون عن آخر حكومة سبقت توليه الرئاسة في نهاية 2019.

وقد واجه هدام ملاحقات قضائية بتهم ثقيلة تتعلق بـ«تبديد أموال عمومية، وإبرام صفقات مخالفة للتشريع» خلال إدارته لـ«الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية»، وانتهى المسار القضائي بإدانته في سبتمبر (أيلول) 2025 بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، في قضية تسببت في تبديد ما يقارب 45.6 مليون دولار.

الفساد يطال المحيط المباشر للرئيس

يعد «ملف محمد بوعكاز» من أبرز قضايا الفساد التي مست الدائرة الضيقة للرئاسة، حيث شغل منصب مستشار رئيس الجمهورية والمدير العام للتشريفات منذ ديسمبر (كانون الأول) 2019، وكان يصنف أحد أكثر المقربين من الرئيس تبون. غير أن هذا المسار انتهى بإقالته في يونيو (حزيران) 2024 بسبب «أخطاء جسيمة»، حسب بيان الرئاسة الذي أعلن عزله.

وأحيل بوعكاز لاحقاً على القضاء بتهم «استغلال الوظيفة والإثراء غير المشروع».

وفي أبريل 2025 أدانته «محكمة بئر مراد رايس» في العاصمة بالسجن خمس سنوات نافذة. وقد شهدت المحاكمة لحظات مؤثرة ودرامية، حيث انهار بوعكاز خلال الجلسة صارخاً ببراءته، ومذكراً بما وصفه بـ«أفضاله على الدولة» وتفانيه في خدمتها، نافياً استغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية، إلا أن المحكمة قضت بإدانته بناءً على الأدلة المقدمة، وألزمته بتعويض الخزينة العمومية عن الأضرار الناجمة عن أفعاله.

وبعد استقالة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من أبريل 2019، تحت ضغط الشارع، شنت السلطات حملة اعتقالات وسجن، طالت عدداً كبيراً من كبار المسؤولين المدنيين بتهمة «الفساد»، من بينهم ثلاثة رؤساء حكومات سابقين.

ووفق الصحافة، فقد تابع القضاء أكثر من 30 وزيراً، كما تم سجن العديد من المسؤولين بالجيش، بالتهمة ذاتها، منهم رئيسا جهاز الأمن الداخلي الجنرال بشير طرطاق، والجنرال واسيني بوعزة، وقائد سلاح الدرك الجنرال مناد نوبة، زيادة على سجن مديري الشرطة عبد الغني هامل وفريد بن الشيخ.


لماذا تثير زيارة مستشار ترمب إلى ليبيا هواجس السياسيين؟

الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
TT

لماذا تثير زيارة مستشار ترمب إلى ليبيا هواجس السياسيين؟

الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)

خلّفت زيارة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، إلى طرابلس وبنغازي عدة أسئلة في الأوساط السياسية الليبية، وزادت من «هواجس» البعض، لا سيما بعد توقيع اتفاقية نفطية ضخمة.

وفي طرابلس، لفت مراقبون إلى اللقاء الذي عقده بولس على هامش قمة الطاقة التي عقدت في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري، مع رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، حيث جرى توقيع اتفاقية نفطية طويلة الأمد لتطوير قطاع النفط مع شركتي «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية، باستثمارات أجنبية تتجاوز 20 مليار دولار.

وفي الشرق الليبي، التقى بولس، رفقة القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيرمي برنت، مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار» بالقاسم حفتر، وبحثا آليات التنسيق، والإعداد للنسخة الثانية من المنتدى الليبي–الأميركي، المزمع عقده في مايو (أيار) المقبل بمدينة بنغازي.

وفي الشرق أيضاً، التقى بولس نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر، في خطوة عدت تأكيداً على حرص واشنطن على بناء علاقات متوازنة مع القوى المسلحة في شرق البلاد وغربها، «بما يضمن بيئة آمنة للاستثمارات الأميركية، ويحد من نفوذ المنافسين، لا سيما الدور الروسي».

وبحسب محللين وسياسيين، فإن إعطاء الأولوية لـ«الصفقات الاقتصادية النفطية، والملفات الأمنية»، ضاعف هواجس «تعاطي المقاربة الأميركية ببرغماتية كبيرة مع واقع الانقسام الراهن، على حساب العملية السياسية».

في هذا السياق يعتقد عضو مجلس النواب الليبي، سليمان سويكر، أن زيارة بولس «لا تفتح أفقاً لتسوية سياسية حقيقية، بقدر ما تكرس واقعاً قوامه ليبيا المنقسمة سياسياً، الموحدة نفطياً، والمنضبطة أمنياً».

رئيس الوحدة الليبية خلال استقبال بولس في طرابلس (أ.ب)

وحذر سويكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن هذا النهج «قد يوفر هدوءاً مؤقتاً، لكنه يؤسس لأزمة طويلة الأمد، ويبقي أسئلة الدولة الموحدة، والسيادة، والشرعية مؤجلة إلى أجل غير معلوم»، مؤكداً أن «الخطر لا يكمن في استمرار الانقسام فحسب، بل في تحوله إلى صيغة مقبولة دولياً تدار من خلالها ليبيا كملف مصالح، لا كمشروع دولة».

وتتنازع حكومتان في ليبيا؛ الأولى «الوحدة» المؤقتة التي تتخذ من العاصمة طرابلس غرب البلاد مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

وفي يوليو (تموز) 2025 تكررت تلك الهواجس عقب زيارة بدأها بولس من طرابلس، وختمها في بنغازي، تاركاً وراءه «أسئلة وشكوكاً» متعددة.

واعتبر المحلل السياسي الليبي، صلاح البكوش، أن زيارة بولس «أكدت استمرار تركيز المقاربة الأميركية، منذ العام الماضي، على ملف الاقتصاد، ولا سيما دعم مؤسستي النفط والمصرف المركزي، مع تعزيز التنسيق بين القوى المسلحة في الشرق، والغرب».

ورأى البكوش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة «أعادت إنتاج المقاربة ذاتها، عبر التركيز العملي على الاقتصاد، والأمن، وتكرار حديث بروتوكولي عن دعم خريطة البعثة الأممية، دون اهتمام فعلي بالانتخابات، أو بتشكيل حكومة جديدة».

ورغم إقراره بأن «الاهتمام الأميركي بالاقتصاد الليبي ينطلق من مصلحة ذاتية»، أشار البكوش إلى أن واشنطن تسعى في الوقت ذاته إلى «احتواء تطورات سلبية متسارعة قد تقود إلى انهيار الدولة».

ورجح البكوش «وجود موافقة ضمنية من القوى الفاعلة في الشرق على الاتفاقيات النفطية، بما يضمن استمرارها وعدم عرقلة الإنتاج»، لافتاً إلى «اختفاء أي اعتراضات علنية من قبل أصوات سياسية وازنة في الشرق الليبي حولها، كما كان الحال مع أي اتفاق تعقده حكومة «الوحدة».

من جانبه، رأى هاني شنيب، رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية–الليبية، أن واشنطن باتت تتعامل مع الخلاف السياسي بوصفه «ملفاً طويل الأمد، جرى ترحيله لصالح دعم الاقتصاد بهدف تحقيق حد أدنى من الاستقرار، قد يفتح لاحقاً المجال لاستئناف التفاوض السياسي».

وأوضح شنيب لـ«الشرق الأوسط» أن العقود النفطية الموقعة لا يمكن وصفها بـ«المثالية»، غير أن الأطراف الليبية «لم تكن في موقع يسمح لها برفضها، أو إعادة التفاوض عليها»، مرجعاً ذلك «لوضعية الانقسام، وتدهور القطاع النفطي، والحاجة للدعم الأميركي».

وأشار شنيب إلى أن بولس «يركز على إبراز الحضور الأميركي في ليبيا، ومنع تحولها إلى ساحة نفوذ روسي خالص»، معتبراً أن ذلك «مكسب سياسي لا يقل أهمية عن العوائد الاقتصادية».

وفيما يتعلق بالمكاسب الليبية، لفت شنيب إلى أن «عودة الشركات الأميركية تمثل تحولاً مهماً في تبديد صورة الفوضى الأمنية، وعدم الاستقرار، وهو ما سيشجع دولاً أخرى على القدوم، والاستثمار بالبلاد، فضلاً عن رفع الإنتاج النفطي».

ويقترب إنتاج النفط في ليبيا من 1.4 مليون برميل يومياً، بمتوسط إيرادات يبلغ نحو 20 مليار دولار سنوياً، غير أن تحفظات المستثمرين لا تزال قائمة خشية تأثر الإنتاج بالإغلاقات المتكررة للحقول نتيجة الخلافات السياسية.

أما أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة، الليبي إبراهيم هيبة، فوصف زيارة بولس بكونها «فرصة جديدة لواشنطن لتعظيم مصالحها الاقتصادية في ظل توظيفها للانقسام القائم». وقال هيبة لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف القوى الليبية دفعها إلى تلبية الشروط الأميركية، مما أتاح توقيع اتفاقيات طويلة الأمد قد يصعب تعديلها مستقبلاً».

ورغم التركيز على الصفقات، رجح هيبة أن «تكون مباحثات بولس مع القوى الفاعلة في شرق وغرب البلاد تناولت مجدداً الدعوة إلى حكومة مشتركة بينهما، دون الاقتراب من ملف الانتخابات، الذي لا يبدو أولوية في المرحلة الراهنة».