مصر: «السيد البدوي» يعيد الجدل حول «تجمعات الموالد»

مع تداول صور حاشدة للزوار

مولد السيد البدوي حضرته حشود من الزوار (محافظة الغربية)
مولد السيد البدوي حضرته حشود من الزوار (محافظة الغربية)
TT

مصر: «السيد البدوي» يعيد الجدل حول «تجمعات الموالد»

مولد السيد البدوي حضرته حشود من الزوار (محافظة الغربية)
مولد السيد البدوي حضرته حشود من الزوار (محافظة الغربية)

أعاد الحضور الحاشد في الليلة الكبيرة لمولد السيد البدوي، بطنطا، في محافظة الغربية (دلتا مصر) الجدل حول تجمعات الموالد، ومدى شرعية الاحتفال بالمولد، بين من يرى الظاهرة احتفالات شعبية وروحية محببة واعتيادية لدى شريحة واسعة من المصريين، ومن يرفض بعض مظاهرها.

وتصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، السبت، بعد انتشار صور ومقاطع فيديو لحشود هائلة في الليلة الكبيرة للمولد التي وافقت 16 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وولد أحمد البدوي، وفق المراجع الموثقة، في مدينة فاس بالمغرب عام 1199 ميلادية، وسافر إلى مكة مع أسرته وهو صغير، ثم قرر الهجرة إلى مصر، والإقامة في مدينة طنطا التي كانت تدعى قديماً «طنتدي» بحسب ما ورد في طبقات الشعراني، وتوفي عام 1275 وعرف بـ«شيخ العرب» و«السطوحي».

شوارع طنطا المحيطة بالسيد البدوي شهدت زحاماً حاشداً (محافظة الغربية)

وتناول الإعلامي عمرو أديب ظاهرة المولد والحشود التي ظهرت في مولد السيد البدوي، متسائلاً عبر برنامجه «الحكاية» على قناة «mbc »: «ما الذي يحدث في مولد السيد البدوي، لماذا يحرص الكثيرون على الذهاب للمولد؟»، مجيباً في الوقت نفسه أن «ما يحدث هو أمر مذهل بكل المقاييس، وأن بعض الأرقام تتحدث عن 2 و3 ملايين شخص كانوا موجودين في المولد، والأرقام المحافظة تتحدث عن مليون شخص، وهي ظاهرة وشيء غير مفهومين، وأن الليلة الكبيرة التي حضر فيها الشيخ التهامي شهدت زخماً كبيراً، والناس لديها حالة دهشة»، ولفت أديب إلى مظاهر دينية غير مفهومة في المولد، مثل التبرك بالبدوي، وقال: «شي لله يا سيد يا بدوي»، وإن التوجه بالدعاء وطلب المدد يكون لله من دون وسيط.

وأشار الدكتور سعد الهلالي، الأستاذ بجامعة الأزهر، في مداخلة بالبرنامج حول موقف الأزهر من ظاهرة الموالد، إلى أن «وظيفة الأزهر هي أن يبين أن الله هو النافع والضار ولا أحد يعلم الغيب إلا الله عز وجل، أما الحديث عن الموالد فهو واقع يعيش فيه الأميون، ومن يساعد عليه يساعد على الأمية وسؤال غير الله والتعلق بغير الله».

وأثارت الفيديوهات والصور المرتبطة بالمولد والحشود التي حضرته ردود فعل متباينة وجدلاً بين مستخدمي «السوشيال ميديا»، ونشر الكابتن أحمد شوبير تعقيباً على ردود الفعل، وكتب على صفحاته «السوشيالية» ما يفيد بأن «الحشود المليونية أمر طبيعي جداً في مولد السيد البدوي»، مؤكداً أنه بصفته من أبناء مدينة طنطا التي تشهد المولد شاهد هذه الحشود وشارك فيها منذ صغره ويحضرها ضيوف من كل المحافظات ومن دول مجاورة، كما يحضرها كبار القراء والمنشدين، عادّاً هذه المناسبة الأهم لمحلات الحلويات المنتشرة في طنطا، ولفت إلى حضور سفراء كثر للمولد، من بينهم سفير أميركي سابق، وأكد أن سبب علامات التعجب والتساؤلات حول الحضور المليوني الحاشد – وهو الطبيعي في رأيه – أن المولد توقف لفترة طويلة بسبب الأحداث ثم جائحة «كورونا»، وعودته بهذا العدد يفسر شوق الناس للمولد، وربما هو ما أدى لاستغراب البعض، مؤكداً تحفظه على بعض المظاهر التي ليست لها علاقة بالمولد.

وشارك الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، في الاحتفال الذي أقيم بساحة مسجد السيد أحمد البدوي بمحافظة الغربية بمناسبة المولد الأحمدي الشريف، بحضور اللواء أشرف الجندي، محافظ الغربية، وعبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، والدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء وعضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية ومفتي الجمهورية الأسبق.

المولد أقرب للاحتفالات الشعبية الفولكلورية (محافظة الغربية)

وأكد وزير الأوقاف أن «اجتماع المصريين على مائدة الذكر والمحبة في رحاب الأولياء الصالحين يمثل صورة مشرقة من صور التلاحم الوطني والروح الإيمانية التي تميز الشعب المصري»، موضحاً أن «مصر بلد الأولياء والعلماء، ومحفوظة بحفظ الله تعالى وبركة أوليائه الصالحين».

ورحب محافظ الغربية بضيوف المحافظة من العلماء والقيادات الدينية، مؤكداً أن المولد الأحمدي الشريف حدث ديني وروحي عالمي يضع مدينة طنطا على خريطة السياحة الدينية في مصر والعالم العربي.

وزير الأوقاف ومحافظ الغربية ورئيس الطرق الصوفية والمفتي الأسبق يشاركون بندوة في المولد (محافظة الغربية)

من جانبه، وصف الدكتور يسري رشدي جبر، من علماء الأزهر، والمنتمي للطريقة الشاذلية الصوفية، الموالد بأنها «فولكلور ديني»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الموالد التي تقام للصالحين موجودة في أماكن كثيرة مثل إندونيسيا وبنغلاديش وغيرها، وعليها إقبال كثير لأن وجدان المسلمين مرتبط بمحبة الصالحين، وهذه المحبة ناتجة عن محبة المسلمين للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك محبة آل البيت ناتجة عن محبة النبي»، ولفت العالم الأزهري إلى أن «هذه الموالد متنفس للأسر البسيطة وأقرب للنزهات العائلية، فالأسر تسافر من بلاد بعيدة إلى مكان المولد، ويجدون هناك نزهة كاملة، وثلاث وجبات مجانية يومياً يقدمها بعض التابعين للطرق الصوفية».

وعن الجدل الذي يثار حول شرعية الموالد يوضح: «هذا الجدل لا علاقة له بالواقع، فزيارة الأولياء والصالحين والدعاء عند قبورهم مستحبة، لأن قبور الصالحين روضة من رياض الجنة، وفي الموالد نقابل مشايخ الأزهر وعلماءه، يعقدون جلسات يتحدثون فيها عن شمائل النبي ويقرأون دلائل الخيرات وغيرها من السير والأذكار»، وأشار جبر إلى «وجود بعض المظاهر السلبية التي تحدث في الموالد نتيجة الزحام، وهو أمر وارد في أي مكان به حشود، لكن في النهاية المولد بوصفه فولكلوراً دينياً واحتفالاً شعبياً له طابع روحي، ومناسبة لتكريم الصالحين، أمر لا خلاف عليه»، على حد تعبيره.

دار الإفتاء المصرية (الموقع الإلكتروني لدار الإفتاء)

وكانت دار الإفتاء المصرية أصدرت الفتوى رقم 606 عام 2005 رداً على سؤال حول حكم الموالد التي تقام للصالحين وترفع فيها الزينات والأنوار، وجاءت الفتوى لتؤكد أن «إحياء ذكرى الأولياء والصالحين وحبهم والفرح بهم أمرٌ مرغَّبٌ فيه شرعاً؛ لما في ذلك من الباعث على التأسي بهم والسير على طريقهم».

وأضافت الفتوى: «أما ما قد يحدث في هذه المواسم من أمور محرمة؛ كالاختلاط الفاحش بين الرجال والنساء، فيجب إنكارها وتنبيه أصحابها إلى مخالفة ذلك للمقصد الأساس الذي أقيمت من أجله هذه المناسبات الشريفة».


مقالات ذات صلة

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

يوميات الشرق محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق حملات للتفتيش والرقابة على المراكز الطبية (وزارة الصحة المصرية)

«سما فيلر» تنضم لقائمة «الأطباء المزيفين» في مصر

تتواصل الجرائم المتهم فيها منتحلو صفة أطباء في مصر، وتنضم لقائمة تلك الجرائم التي ضُبطت أخيراً، صاحبة مركز تجميل تحت اسم «سما فيلر».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج أمير رمسيس (فيسبوك)

مخرج مصري في مرمى الانتقادات لتشبيهه التخلص من الكلاب بـ«أفعال النازية»

تعرّض المخرج المصري أمير رمسيس لانتقادات حادة عقب ظهوره في برنامج «الحكاية» مع الإعلامي عمرو أديب في حلقة ناقشت أزمة «كلاب الشوارع».

داليا ماهر (القاهرة )
شمال افريقيا ملتقى توظيفي لشركة «فالكون» في مايو الماضي (الصفحة الرسمية للشركة على «فيسبوك»)

مصر: جدل حول «ممتلكات نخنوخ» بعد القبض عليه

اتسع الجدل في مصر حول مصير ممتلكات رجل الأعمال المتهم بـ«البلطجة والخطف وحيازة الأسلحة» صبري نخنوخ، خصوصاً شركة الأمن والحراسة «فالكون».

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق تضبط الجهات الرقابية في مصر منتحلي صفة الأطباء بين الحين والآخر (وزارة الصحة المصرية)

مصر: «أطباء مزيفون» يتصدرون «منصات التواصل» بنصائح «مضللة»

لا تزال أصداء النصائح «المضللة» التي يقدمها «أطباء مزيفون» عبر مواقع التواصل الاجتماعي تثير الاهتمام في مصر، مع إبراز ما يقولونه ليتصدر «الترند».

أحمد عدلي (القاهرة )

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: مصر توافق على يحيى دياب قائماً بأعمال سفير سوريا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: مصر توافق على يحيى دياب قائماً بأعمال سفير سوريا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

صرح مصدران سوريان، أحدهما بوزارة الخارجية، لـ«الشرق الأوسط»، بأن مصر أبلغت سوريا بموافقتها على ترشيح السفير يحيى دياب على رأس البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة، بعد تحفظاتها على المرشح السابق.

وقال مصدر سوري مطلع على الملف، إنه «تم إبلاغ دياب بالفعل بوصول موافقة القاهرة على ترشيحه، وبأنه حالياً يعمل على إنهاء ارتباطاته خارج سوريا للعودة إلى دمشق من أجل اتخاذ اللازم لتسلم مهامه في مصر».

لكن المصدر أوضح أن دياب «لم يتم إبلاغه بما إذا كان ترشيحه لمصر سفيراً أم قائماً بالأعمال»، مضيفاً: «في حال ترشيحه سفيراً، فالقرار سيصدر به مرسوم رئاسي موجه إلى مصر؛ لكن القائم بالأعمال يكون الترشيح بقرار من وزير الخارجية».

يحيى دياب (منصة الذاكرة السورية)

فيما كشف مصدر آخر مسؤول بوزارة الخارجية السورية، أن ترشيح دياب سيكون «قائماً بأعمال السفير السوري لدى مصر»، مرجحاً أن يكون أيضاً «المندوب الدائم لسوريا لدى جامعة الدول العربية، ما لم يتم ترشيح غيره لهذا المنصب الذي لا يحتاج إلى موافقة السلطات المصرية».

وأضاف: «تجري الآن الترتيبات لأخذ الاعتمادات اللازمة من القاهرة، من أجل أن تبدأ البعثة السورية الجديدة عملها في أقرب وقت».

ولم يتسنَّ لـ«الشرق الأوسط» التواصل مع وزارة الخارجية المصرية للتأكيد.

«استجابة للجانب المصري»

كان مصدر مسؤول في «الخارجية» السورية قد كشف لـ«الشرق الأوسط»، قبل نحو أسبوع، عن اسم السفير الجديد الذي رشَّحته بلاده لتمثيلها بمصر، بدلاً من محمد طه الأحمد، الذي تحفَّظت القاهرة على ترشيحه.

وأوضح المصدر وقتها أن المرشح الجديد هو يحيى دياب، وأن ترشيحه «جاء استجابة للجانب المصري، ورغبة في دفع العلاقات بين البلدين إلى آفاق أعمق وأرحب».

وحينها ذكر مصدر مصري مسؤول لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ الحكومة السورية قدَّمت مرشحاً آخر لرئاسة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة، مشيراً إلى أن الأمور «تسير في طريق اعتماد المرشح الجديد، من جانب السلطات المصرية». وأوضح أن «الأمور تمضي بشكل طبيعي وجيد مع الجانب السوري».

ودياب هو عضو المكتب التنفيذي وعضو مكتب العلاقات الخارجية والدبلوماسيين في «التجمع الوطني الحر للعاملين في مؤسسات الدولة السورية»، وعمل قبل الثورة السورية في مهام عدة ضمن بعثات دبلوماسية في كل من روما وأبوظبي والكويت وبلغراد، كما تولَّى رئاسة اللجنة النقابية في «الخارجية» السورية، وهو حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يجري مباحثات موسعة مع نظيره المصري بدر عبد العاطي خلال زيارته القاهرة الشهر الماضي (الخارجية السورية)

وكان تقرير نشرته «الشرق الأوسط» في 1 يونيو (حزيران) الحالي، قد نقل عن مصدر مطلع اعتراض القاهرة على ترشيح طه الأحمد سفيراً لسوريا لدى مصر، وعن «تحفظات مصرية» تعرقل استقبال عدد من أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية.

آفاق للتعاون

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة؛ بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً صوب تعاون اقتصادي.

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

والسبت الماضي، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار.

جاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).

وفي الحدث ذاته، أعلن رئيس مجلس إدارة مجمع مصر الصناعي، هيثم حسين، عن توجه مصري لإنشاء منطقة صناعية كبيرة في سوريا خلال المرحلة المقبلة، بهدف دعم العملية الإنتاجية وتوفير فرص العمل.

وأوضح حسين أن المشروع المقترح سيركز على الصناعات الغذائية والنسيجية والزراعية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بإعادة الإعمار، مشيراً إلى أهمية إقامة مدن صناعية متكاملة تواكب متطلبات المرحلة المقبلة.


لقاء ماكرون مع صدام حفتر في الإليزيه يعيد فرنسا إلى قلب المشهد الليبي

ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)
ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)
TT

لقاء ماكرون مع صدام حفتر في الإليزيه يعيد فرنسا إلى قلب المشهد الليبي

ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)
ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)

تكثّف فرنسا من تحركاتها في الملف الليبي عبر مسارات سياسية وأمنية، في محاولة لإعادة التموضع في قلب المشهد الراهن، وذلك بالتزامن مع طروحات أميركية لـ«تقاسم السلطة».

ويأتي ذلك، حسب دبلوماسيين ومحللين، استباقاً لجلسة مرتقبة لمجلس الأمن هذا الشهر، يُنتظر أن تستعرض خلالها مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه مخرجات «الحوار المهيكل»، وسط تقديرات بأنها قد تمهّد لتشكيل سلطة انتقالية جديدة.

وتصدّر الاهتمام بالتحركات الفرنسية استقبال الرئيس إيمانويل ماكرون الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، في قصر الإليزيه مساء الأحد في لقاء غير تقليدي عدّه مراقبون مؤشراً لاهتمام فرنسي متجدد بترتيبات المرحلة المقبلة في ليبيا.

وشملت لقاءات حفتر في باريس أيضاً بول سولير المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي، والجنرال فنسان جيرو رئيس الأركان الخاصة لماكرون، والجنرال ميشيل ديلبي قائد العمليات الخاصة؛ حيث جرى التأكيد على دعم باريس جهود توحيد المؤسسة العسكرية وخروج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح مع السفير الفرنسي تييري فالا في بنغازي الأحد (مجلس النواب)

وتزامن ذلك مع نشاط دبلوماسي وعسكري فرنسي في بنغازي، الأحد، شمل لقاءات للسفير الفرنسي تييري فالا مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر. كما التقى فالا وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» الفريق عبد السلام الزوبي، الاثنين.

ويجيء هذا النشاط المتزايد بالتوازي مع أحاديث داخل الأوساط الليبية عن مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، تقوم على صيغة جديدة لـ«تقاسم السلطة» بين شرق البلاد وغربها.

لقاء بين السفير الفرنسي لدى ليبيا وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع في «الوحدة» يوم الاثنين (سفارة فرنسا)

وتقضي المبادرة بإسناد رئاسة مجلس رئاسي جديد إلى صدام حفتر، مع الإبقاء على رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة على رأس حكومة موحدة، وسط تسريبات غير مؤكدة بشأن لقاءات تجري خارج ليبيا لاختيار بقية أسماء أعضاء السلطة الجديدة.

كما تتقاطع هذه الطروحات في بعض جوانبها مع مخرجات «الحوار المهيكل» الذي رعته الأمم المتحدة، والرامية إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر مجلس رئاسي وحكومة جديدة.

«بلورة ترتيبات تنفيذية»

وحسب رؤية الدبلوماسي الليبي عادل عيسى، فإن «الدور الفرنسي المتزايد» الذي يأتي قبيل جلسة لمجلس الأمن الدولي يمثّل «مؤشراً على اقتراب مرحلة انتقالية جديدة في ليبيا، خصوصاً مع قرب عرض المبعوثة الأممية مخرجات خريطة الطريق وما يرافقها من مبادرات وتحركات دولية موازية».

وقال عيسى لـ«الشرق الأوسط» إن «الدعم الفرنسي المسنود بمواقف أميركية ودولية أكثر وضوحاً يعزّز الانطباع بأن المجتمع الدولي يتجه نحو الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى بلورة ترتيبات تنفيذية لمعالجة الانقسام المؤسسي وتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية».

ويرى الدبلوماسي الليبي أن زيارة صدام حفتر إلى باريس تأتي «ضمن شبكة الاتصالات الدولية الرامية إلى تعزيز فرص التوافق بين الأطراف الليبية وبناء التفاهمات اللازمة لإنجاح أي ترتيبات سياسية وأمنية مرتقبة»، مشيراً إلى أن التحرك الفرنسي يعكس أيضاً «حرص باريس على حماية مصالحها المرتبطة بأمن المتوسط وملف الهجرة غير النظامية، والحفاظ على دور مؤثر في صياغة المرحلة المقبلة».

ويستمر الانقسام في ليبيا بين حكومتين متنافستين؛ الأولى في طرابلس برئاسة الدبيبة، والأخرى في شرق البلاد وجنوبها برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، والد صدام حفتر.

جانب من لقاء صدام حفتر في باريس يوم الأحد (السفارة الفرنسية في ليبيا)

وتعكس التحركات الفرنسية الأخيرة، وفق رؤية المحلل السياسي الليبي حازم الرايس، «محاولة واضحة من باريس لإعادة التموضع داخل الملف الليبي بعد سنوات من التراجع النسبي في مستوى تأثيرها»، متفقاً مع ما يكتسبه توقيت الزيارة من أهمية خاصة مع اقتراب إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن، وما يتردد عن «سيناريوهات سياسية جديدة قد تشمل إعادة تشكيل السلطة التنفيذية أو إطلاق مرحلة انتقالية مختلفة».

وقال الرايس لـ«الشرق الأوسط» إن فرنسا «وجدت نفسها خلال الأعوام الماضية أمام مشهد إقليمي ودولي متغير تراجع فيه نفوذها لمصلحة قوى أخرى، خصوصاً تركيا التي نجحت في ترسيخ حضورها داخل غرب ليبيا ثم اتجهت تدريجياً إلى بناء علاقات متنامية مع قيادة الشرق الليبي».

وأضاف: «الانفتاح الفرنسي على مختلف الأطراف الليبية يعكس إدراكاً بأن أي تسوية مقبلة لن تكون حكراً على طرف واحد»، مشيراً إلى أن باريس تسعى إلى تأمين موقع لها داخل أي ترتيبات سياسية قد تفرزها المرحلة المقبلة.

«البعد الرمزي»

وقد لا يقتصر الحضور الفرنسي المتزايد، خصوصاً في شرق ليبيا، على حسابات النفوذ السياسي المباشر فحسب، بل يرتبط أيضاً بطبيعة العلاقة الخاصة التي جمعت باريس بخليفة حفتر طوال العقد الماضي، بوصفه «شريكاً في مكافحة الإرهاب».

ويعيد الباحث المختص في الشأن الليبي جلال حرشاوي التذكير بأن فرنسا «ظلت منذ عام 2014 الدولة الغربية الأكثر ثباتاً في دعمها لحفتر مقارنة ببقية القوى الغربية»، موضحاً أن هذه العلاقة استمرت رغم التحولات التي شهدها الملف الليبي.

ويُذكّر حرشاوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بمبادرة ماكرون الأولى في الملف الليبي، التي جمعت حفتر ورئيس حكومة «الوفاق» السابق فائز السراج في باريس عام 2017، «في محاولة لتكريس حفتر طرفاً رئيسياً في المعادلة السياسية الليبية»، حسب اعتقاده.

وانتهى حرشاوي إلى أن أحد الدوافع الرئيسية للموقف الفرنسي يرتبط بما وصفه بـ«البعد الرمزي والهيبة السياسية؛ إذ تمنح العلاقة مع سلطات شرق ليبيا فرنسا فرصة الظهور بوصفها شريكاً لقوة سياسية وعسكرية مؤثرة، في حين تستفيد عائلة حفتر من الشرعية والاعتراف اللذَين يوفرهما الانفتاح الفرنسي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
TT

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)

استنكر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب في السودان، والتي أودت هجماتها بحياة أكثر من ألف مدني، في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.

وباتت حرب الطائرات المسيّرة سمة بارزة، بشكل متزايد، في الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش وقوات «الدعم السريع».

وقال تورك، أمام مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة في جنيف: «في السودان، اتسع نطاق الصراع المروّع وتصاعدت وتيرته، وتميَّز ذلك بزيادة حادة في استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب».

وأشار إلى أنه «بين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) 2026، وثَّق مكتبنا مقتل أكثر من ألف مدني جرّاء غارات الطائرات المسيّرة». كما أعرب عن أسفه لتفشّي «الاغتصاب والعنف الجنسي»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلّفت الحرب، التي دخلت عامها الرابع، عشرات الآلاف من القتلى. ويشير بعض التقديرات إلى تجاوز الحصيلة 200 ألف قتيل، وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها، وانتشار المجاعة في بعض المناطق بدارفور وكردفان.

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية، يوم الأحد، مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان السوداني، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات ومخازن وقود.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، التي تقاتل الجيش منذ أكثر من 3 سنوات، وتسيطر على أجزاء من البلاد.

وقال 3 شهود لـ«الشرق الأوسط»، إن الهجمات المكثفة الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض، وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أنه شاهد استهداف 3 خزانات وقود، ما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وقال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن مدينة الرهد في شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وإن قذيفة سقطت على منزل أسرة، تسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.