التخوين والتنمر… الحرب الخفية على أصوات السودانيين

صناعة وهم تأييد الحرب عبر ترهيب ميداني ورعب إلكتروني

أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
TT

التخوين والتنمر… الحرب الخفية على أصوات السودانيين

أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)

لم يعد السودانيون يميّزون بين دويّ المدافع وضجيج الشتائم، كلاهما يسلب الحياة، وإن اختلفت الأدوات، فمنذ اندلاع الحرب بالسودان في أبريل (نيسان) 2023، تمدّدت الجبهة من الخنادق إلى الهواتف، ومن خطوط التماس إلى قاعات المحاكم، ومن السماء التي تشقّها الطائرات المسيّرة إلى المنصّات الرقمية التي تمطر تعليقات ساخرة وتهديدات بالتخوين والفضيحة.

هكذا نشأت حرب موازية: «حرب على الأصوات»، تريد أن تصنع صمتاً عاماً يُسوَّق بوصفه «تأييداً للحرب»، وأن تحوّل خوف الناس إلى «شرعية» تناسب مَن يقتاتون على طول النزاعات.

في هذه الحرب الموازية، مَن يهمس بالسلام يُتَّهم بـ«التخابر»، مَن يسأل عن مصير المفقودين، يُقدَّم للجمهور على أنه «طابور خامس»، ومَن يختار الصمت يُصنَع منه نموذج للمواطن «العاقل الذي يعرف مصلحته»، مع أن صمته في الحقيقة ليس اقتناعاً، بل رعب.

وبين هذا وذاك، تُمارس آليات يومية دقيقة: اعتقالات ببلاغات فضفاضة، ومحاكمات تُبنى على اعترافات قسرية. وتنمّر إلكتروني ممنهج، يسبق غالباً الاعتقال الفعلي، أو الحملة المشهّرة.

الخوف وصناعة الوهم

في أحاديث الحقوقيين والناشطين يطفو توصيف بات متداولاً: «الخلية الأمنية»، وهي ليست مؤسَّسة رسمية واحدة بقدر ما هي شبكة مترابطة من إسلاميين وعناصر ذات مرجعية إسلامية، ومدنيين يبحثون عن وجاهة أو مكسب أو ليتجنبوا الحساب، ومؤثرين على السوشيال ميديا يوفرون الغطاء الدعائي.

للشبكة التي اسمها «الخلية الأمنية» وظيفة مزدوجة: «على الأرض تدير الاعتقال والتنكيل و(حفلات الإذلال)، وعلى الميديا تنظّم حملات السخرية والتخوين، وتضرب سمعة الضحايا قبل أن يُستدعوا إلى النيابة».

والنتيجة المتوخّاة بسيطة وخطيرة معاً: «إنتاج وهم إجماع، بأن يبدو الشارع كله خلف الإسلاميين، وأن يُوصم أي اعتراض بأنه خيانة». ولا يعود المطلوب إقناع الناس بوجاهة الحرب، بل يكفي أن يخافوا من سؤال أو «إعجاب» أو مشاركة منشور، وأن يشعروا بأن المجتمع كله سيتبرأ منهم إن تحدثوا، فيختارون الصمت؛ والصمت يسوّق تأييداً.

من البيت إلى الزنزانة

عناصر مسلحة في شوارع الخرطوم أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الخامسة من فجر يوليو (تموز) 2023، داهمت قوة عسكرية منزل المعلم والناشط المدني الشريف الحامدابي في مروي، «غُطيت عيناه، كبّلت يداه ورجلاه، وأُلقي به في صندوق عربة تاتشر (تسمية شعبية للعربة تويوتا رباعية الدفع)».

قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه تعرَّض للضرب بالخرطوش، والركل، والحرق بالسجائر في أثناء التحقيق، الذي لم يكن بحثاً عن حقيقة، بل كان بحثاً عن جملة مكتوبة مُسبقاً: «اعترف بأنك دعامي.. أنت من قوى الحرية والتغيير. إذن أنت مع (الدعم السريع)».

5 أشهر من التنقل بين الزنازين تتوَّج بتسجيل اعتراف قسري، لكنه لم يقنع النيابة، فأطلقت سراحه مع التهديد بأنه إذا تكلم فسيعود مرة أخرى للمعتقل. لكنه وما أن خرج لم يجد غير المنفى، يقول الحامدابي: «الخيار كان بين الصمت أو اللجوء، اخترت اللجوء لأستطيع الكلام، فالصمت يساعدهم على العودة».

قصة الحامدابي ليست قصة معزولة، بل هي «الدرس الأول» الذي تُريد الخلية أن يراه الجميع: «شايف.. الكلام بجيب البل» - عبارات دارجة تُستخدَم بكثافة في التعبئة الحربية - فعندما تنشر على المنصّات نسخة مجتزأة من «اعترافاته، يكون قد اكتمل الفعل: ليس المهم ماذا قال، المهم كيف سيشعر المشاهد العادي وهو يقلب هاتفه عند الفجر، قائلاً: يا زول خلّيك بعيد».

الأجساد إلى السلاح

لم تكن المحامية حنان حسن تتخيّل أن ملامح وجهها ستصبح موضوعاً سياسياً، فمنذ عملها في «لجنة مراجعة قانون الأحوال الشخصية» عام 2020، فُتحت عليها أبواب جحيم إلكتروني فصارت: «أم نخرة»، و«العانس». كلمات ووابل من إهانات جسدية وجنسية، تحضر معها جيوش حسابات وهمية وأخرى حقيقية.

ومع اشتعال الحرب، قفز التنمر إلى خانة التخوين: «عميلة، بل حتى عاهرة»، لرسم صورة أن الجسد بذاته دليل على الانحلال، وتصبح صورة امرأة في المرافعة القضائية قرينة على مؤامرة. لاحقاً حُرمت حنان من تجديد جواز سفرها، وبذلك تعذّرت لقاءات الأمومة مع أطفالها اليتامى المقيمين في بلد آخر، ثم انتهى بها الأمر في كمبالا، لكنها لم تفلت من التهديدات.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «عادة أتلقى رسائل تهديد بالقتل والاغتصاب، بعضها ممهور بتوقيع جماعات متطرفة مثل (كتائب البراء ابن مالك)». وتتابع: «لا يستهدفونني وحدي، بل يستهدفون كل امرأة تفتح فمها، يريدوننا دروساً في الصمت».

حفلة بيت الأشباح

الحرب التي تدمر البشر قبل الحجر (رويترز)

في يناير (كانون الثاني) 2025، أُخذت الطالبة الجامعية ضحى شعيب من دار إيواء لنازحين في منطقة كرري بمدينة أم درمان، إلى منزلٍ حوَّله عناصر الخلية الأمنية إلى معتقل غير رسمي، وهناك صودِر هاتفها وأُجبرت على فتحه.

بعد ساعات من ضرب الذكور، سلّموها لمجموعة «نساء مُستنفرات» وقِيل لهن: «اعملوا لها حفلة»، والحفلة - كما هو متعارف عليه - جلسة تعذيب ليلية تُستخدَم فيها الإهانات والتهديدات واللكمات، وربما «التعليق من الأيدي والأرجل».

لم تقصّر المستنفرات، بل أوسعنها ضرباً، وحاولت إحداهن تشويه وجهها، وسط التهديد بمواجهة الإعدام، لاحقاً وُجِّهت لها تهمٌ بـ«تقويض النظام الدستوري، وتهديد الأمن والسلامة، والتعاون مع (الدعم السريع)، وجرائم ضد الإنسانية».

أمضت الطالبة الصغيرة 6 أشهر بين بيوت التعذيب والتحقيق و«سجن أم درمان»، قبل أن تُشطَب قضيتها لعدم كفاية الأدلة، لكن شطب القضية لم يكن شطباً للخوف داخلها، فقد عرفت أن النيابة استأنفت الحكم.

غادرت ضحى البلاد هرباً بمعاونة صديقاتها إلى أوغندا. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أظن البراءة نهاية القصة، فعرفت أن الاعتقال ينتظرني عند أول نقطة تفتيش».

نساء على حبل المشنقة

ويقول محامٍ، طلب عدم ذكر اسمه: «في داخل السجون تنام نساء بأحكام إعدام أو مؤبد، بعضهن مع أطفال يدخلون ويخرجون بعيون لا تفهم، وأخريات وحيدات ينتظرن تنفيذ القرار». إحداهن حُكم عليها بالإعدام، فقط لأن زوجها أرسل لها حوالة عبر تاجر صغير في منطقة تغيّرت السيطرة عليها، لم يسلمها المبلغ، بل انتقم منها و«وشى بها على أنها متعاونة» مع العدو.

وطبيبة ظلت 9 أشهر رهن الاعتقال لأن عيادتها كانت في منطقة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع». قالت في التحقيق: «أنا أعالج المرضى أياً كانوا، هذا واجبي»، فقيل لها: «تعطيهم الدواء ليرجعوا فيحاربوننا». في لحظة مثل هذه، يتحوَّل الطب إلى تهمة، والواجب المهني إلى دليل على الخيانة.

شهور في العدم

الأطباء أيضاً يتعرضون للاختطاف والتعذيب (منظمة الصحة العالمية)

عند نقطة ارتكاز في مدينة دنقلا بشمال البلاد، أُوقِف 3 شباب كانوا عائدين من عمل شاق في التنقيب عن الذهب في مناجم داخل مصر، تنقلوا بين مراكز اعتقال مختلفة في مدينة مروي. أمضوا 11 شهراً دون محاكمة، ودون استحمام، وصار القمل يسير على أكتافهم، وتقطعت ملابسهم على أجسادهم، حتى استطاع محامٍ لقاءهم.

قال أحدهم وهو ينظر إلى قميصه البالي: «هذه هي الفنيلة - تي شيرت - التي قبضوني بها من 11 شهراً، لم أنزعها أو أغسلها، وأهلي ما عارفين عني حاجة».

لاحقاً ستُلغى الأحكام على الشباب الثلاثة في الاستئناف لغياب البيانات، لكن ماذا بعد الحرية؟ «لا أوراق، لا مال، لا مكان، سينامون في المساجد»، حتى عثروا على رجل تبرع بإعادتهم إلى ذويهم، «سيبقون في ذاكرة مَن رآهم، 3 ظلال خرجت من العدم وعادت إليه».

فائزة وصباح وبشارةفي بلدة القرير أُوقفت الشابة فائزة، وهي عروس جاءت من الخرطوم لتلتقي زوجها بشارة العائد من مصر. أُبلغ زوجها باعتقالها، وعند وصوله عصبوا عينيه هو الآخر، وظلّ حبيساً إلى أن أطلقوا سراحه، وأبلغوه بأن زوجته أُرسلت إلى مكان معين، لكنه لم يجدها فيه.

ذهب إلى سجن مروي حيث نُقلت عروسته إلى هناك، وقبل أن يراها سمع أولاً «صوت الجنازير»، دخلت فائزة ببطء لأن القيود الثقيلة تقيد حركتها. انفجر بشارة بالبكاء وهو يُمسك بيديها التي تكافح الحديد، فتبكي هي الأخرى حتى ينقطع نفسها، وهنا يعلن الحارس انتهاء الزيارة فتجرجر جنازيرها عائدة.

تعرفت العروس في السجن على صباح الممرضة، وزوجها فني الأكسجين، اللذين سبقاها إلى الزنزانة، برّأت المحكمة لاحقاً العروس فائزة والممرضة صباح. خرجت الأولى مع زوجها إلى اللجوء بعيداً، أما صباح فكانت لديها رغبة واحدة: «أن تعرف مصير زوجها.

وظلت تطرق أبواب النيابة، وتسمع أخباراً مطمئنة، ثم يأتي اليوم الذي تُبلَّغ فيه بأن زوجها مات في المعتقلات منذ 6 أشهر. تلتفت من حولها فلا تجد إلا نسوة أخريات ينتظرن أخباراً لا تأتي.

محامية في مرمى الهدف

المحامية ازدهار جمعة وهي مغمى عليها وملقاة على الأرض في الصحراء (متداولة)

تجسِّد قصة المحامية أزدهار جمعة ذروة هذا الخط البياني: «من قاعة الدفاع إلى سرير العمليات، ومن نصّ القانون إلى الاعتراف الجاهز». بدأت حكايتها من قاعدة أصولية حفظها طلاب القانون: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، واختارت أن تعمل حيث تشتد الريح: «قضايا التخابر وتقويض النظام، الدفاع عن متهمين تصّر النيابة أنهم خطر على الدولة».

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أستطيع أن أترك إنساناً في محنة وأنا قادرة على العون. التقاعس خيانة للمهنة». لم يكن هذا النوع من الدفاع مُرحَّباً به، ففي إحدى المرات أصدر شخص أمر قبض بحقها، بعد أن زعموا أن في هاتفها رسائل تدينها، لكن المشكلة أن الهاتف كان قد نُهب منها يوم اختطافها.

في يوم الاختطاف أُغلق الطريق بقوة مسلحة من الجهتين، ضُربت حتى تكسّرت عظام يديها. المهاجمون حاولوا فقء عينيها، ثم رميت في صحراء وسط جبال «وادي الضباع»، وعثر عليها معدّنون أهليون، ثم لفوها ببطانية لنقلها.

تقول: «كان الألم لا يُطاق، كلما احتكّت العظام المكسورة أصرخ»، ثم نقلوها إلى مدينة كريمة «المستشفى الصيني»، وخضعت هناك لعملية استغرقت 12 ساعة. خلال ذلك كانت رسائل تصل إلى بريد النيابة من خاطفيها أنفسهم: «افتحوا ضدها بلاغاً تحت المواد (51/50/26) من القانون الجنائي، وإلا سنقوم بتصفيتها داخل المستشفى».

بعد 8 أيام يصل خطاب يطلب فتح بلاغات ضدها، فتتحرك وكيلة نيابة - من تنظيم إسلامي معروف - لمخاطبة النائب العام برفع الحصانة عنها، ليوافق ويخاطب نقابة المحامين، فتمنح إذن المقاضاة دون أن تكلف نفسها سؤال صاحبة الشأن.

تتوالى المفارقات في حكاية ازدهار، تقول: «الجهاز نفسه الذي غطى على واقعة الاعتداء، بات الآن هو الاتهام، والهاتف المنهوب يعاد للنيابة مع إضافة محتويات تناسب التهمة الملفقة»، ثم يَظهر ضابط سبق أن هدّدها بالتصفية في حوادث كريمة، ليعترف علناً: «هسه بخش بصفيها جوه».

تواجه ازدهار مشهداً دراماتيكياً في المحاكم: «أفراد يملأون القاعات، شهود يُعتَقلون عند الأبواب، محامون يُؤمرون بالجلوس (تحت) في غرف التحقيق، سيارات قتالية مزوّدة برشاشات الدوشكا قبالة السلالم».

وتقول ازدهار: «القانون صار ديكوراً لإخفاء العصا». دفعت أسرة ازدهار أثماناً مركبة: زوج يترك عمله ليلازمها، ابن يودّع دراسة الطيران ليحرسها في الطريق، أخت تُفصَل عن العمل، وأطفال يدخلون ويخرجون في بيتٍ لم يعد بيتاً، ومع ذلك تقول بجملة تكرّرها كثيراً: «انسحاب وين؟ قدّام بس».

التشهير الإلكتروني

في العالم الموازي، حيث تلمع الشاشات الصغيرة، تُدار الحملة بذكاء: حسابات وهمية ترمي الطعم، مؤثرون يلتقطون مقطعاً مبتوراً ويُضيفون عليه قصة جاهزة، صفحات محلية تعيد توزيع المادة 100 مرة، وتكفي عشرات التعليقات التي تكرّر كلمات: «دعامة»، و«خونة»، و«قحاتية»، لتخلق انطباعاً بأن الناس مقتنعون.

يصف مهندس معلوماتية من الخرطوم، طلب عدم ذكر اسمه، المشهد: «هناك منشورات واضحة، ومجموعات ولجان تحرّك الوسوم، لكن الأخطر الحسابات الحقيقية التي ترفع معنوياً وتحفِّز المتنمرين، وتظهرهم كأنهم مقاومة وطنية، وخلط متعمّد بين النقد المشروع والتحريض على الأذى».

ويضيف: «الهدف ليس فقط إحراج الضحية، بل تهيئة الأرضية للاعتقال، وعندما يصل الاستدعاء أو المداهمة يكون الرأي العام قد أُعِد للتقبل سلفاً». ويستطرد: «لن يتعاطف كثيرون مع مَن رأوه لأيام يُجلد على المنصات بالسخرية والتخوين».

إعدامات خارج القانون

مظاهر التسلح تنتشر في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

في أواخر مارس (آذار) 2025، وثَّقت منظمات ومحامون عمليات قتل خارج نطاق القضاء في أحياء بري والجريف والصحافات ومايو والكلاكلات في الخرطوم، ومشاهد صادمة في مدن أخرى، من بينها إلقاء شاب من أعلى «جسر حنتوب» في ود مدني وهو مقيّد، ثم إطلاق النار عليه، وجثامين «تشخر» والدم يسيل من أعناقها التي ذبحت ولم يحسن الذبح... وبالطبع هذه مشاهد تجعل من الصمت خياراً «حكيماً».

يقول محامٍ، هذه ليست «فلتات» غضب، بل ممارسة متكررة رافقتها حملة دعائية تبررها. ويتابع: «عند هذه النقطة تتجاوز الانتهاكات عتبة الجريمة الفردية، إلى جرائم حرب وفق اتفاقات جنيف، بل إلى جرائم ضد الإنسانية عندما تصاغ في نمط عام».

مشروع سياسي

يقول الأكاديمي السوداني الدكتور أبو بكر شبو لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يحدث ليس انحرافاً طارئاً، بل مشروع يستثمر الحرب، لاستعادة سلطة عرفت كيف تدير المجتمع بالخوف.

ويذكّر بمفاخرة الرئيس المخلوع عمر البشير بأنه صانع «الدعم السريع»، بينما هو ورجال نظامه ينعمون الآن بامتيازات رفاهية، في حين يساق مواطنون بسطاء إلى مشانق ومحاكمات صورية لأنهم «ظلّوا» في بيوتهم عندما تبدَّلت السيطرة.

وبحسب الأكاديمي، فإن هذا التحليل يعطي معنى لاستخدام تعبيرات مثل «قانون الوجوه الغريبة» الذي يعرّفه بأنه «قانون غير مكتوب، لكنه فاعل، يتيح الشك في كل قادمٍ من حيّ أو ولاية، ويُحوّل بطاقة الهوية ومكان الإقامة إلى قرينتين على الولاء». ويقول: «ليس القصد أمناً، بقدر ما هو إرهاب مدنيين ومنع تشكّل كتلة رافضة للحرب».

استراتيجية التخوين

يؤكد بعض علماء النفس أن «الخوف يسبق التفكير»، لذلك عندما يرى الناس محامياً يسحب إلى عربة «بوكس» فقط لأنه دافع عن متّهم، أو شاهِداً يُعتَقل بعد أن قال كلمته في القاعة، أو محاميةً تُكسر ذراعاها وتُرمى في الصحراء، ثم تُلاحق بتهم «تقويض النظام»، يتعلمون الدرس: «ابعد عن الشر وغني له».

وعندما تتكرر هذه اللقطات على «فيسبوك» و«تيك توك» و«تويتر» مصحوبة بضحكاتٍ مكتوبة وإيموجيات ساخرة، يتكون مناخ عام يقول: «أحسن تسكت».

ويقول ناشط: «ينتج وهم الإجماع هكذا... الصامتون - وهم الأغلبية - يُسوَّقون كأنهم مؤيدون. المنخرطون في الحملات الإلكترونية يُقدَّمون بوصفهم صوت الشعب. المعترضون يخوَّنون، والنتيجة السياسية واضحة: إطالة عمر الحرب، وإضعاف أي مبادرة للسلام، وإعادة تدوير سلطات تتغذّى على زمن الطوارئ».

أين العدالة؟

ثمة قضاة شجعان، بشهادات محامين، يتركون للمتهمين مساحة دفاع حقيقية، وتأتي أحكامهم منضبطةً للنصوص، لكن ثمة أيضاً محاكمات تُبنى على أوراق خاوية واعترافات مُنتزعة بالترهيب والتعذيب.

وبموازاة ذلك، يطرح حقوقيون توصيات عملية: «عدم قبول أي اعتراف قضائي بعد احتجاز طويل دون ضمانات، حظر استخدام محتويات الأجهزة المصادَرة ما لم تُراعَ إجراءات السلسلة والحيازة، تمكين المتهم من محامٍ منذ لحظة القبض عليه، حماية الشهود ومنع اعتقالهم بعد الإدلاء بإفاداتهم، وإبعاد المسلحين عن محيط المحاكم».

أما نقابة المحامين فمطالبها أكبر من بيانات، تقول محامية لـ«الشرق الأوسط»: «لا بد من انتخابات حرّة تعيد للنقابة شرعيتها واستقلالها، ومن آلية طوارئ قانونية للدفاع عن أعضاء المهنة الذين أصبحوا هدفاً مباشراً».

درس قصة ازدهار

أرغمت الحرب السودانية آلاف الأسر على الفرار من مساكنها واللجوء إلى المخيمات (رويترز)

تضع قصة ازدهار جمعة كل الخيوط على الطاولة: «محامية تؤمن بأن المتهم بريء، تُدافع عن العروس والممرضة، وتبكي مع الشباب الثلاثة، وتواجه رجالاً يبتسمون أمام صرخات العظام المكسورة، ثم تجد نفسها في قلب ماكينة تريد أن تقنع الناس بأن مَن يُدافع عن القانون عدوّ الدولة».

وقال ناشط حقوقي: «إن لم يقف المدافعون في وجه التخوين اليوم، فلن يجدوا غداً مَن يقف معهم عندما تتبدَّل الأدوار». ويتابع: «إن تُركت الساحة للتنمر الإلكتروني والاعتقالات الاستعراضية، فسيتحوّل المجتمع كله إلى قاعة محكمة ذات قاضٍ واحد وميكروفون مفتوح، مَن يصرخ أعلى يفز».

الخوف أطول عمراً من الرصاص

ما يجري في السودان ليس فقط حرباً على الأرض، بل حرب على الكلمة، تُستعمَل فيها أدوات ناعمة وخشنة: من بوست (منشور) مسيّس إلى حفلة تعذيب، من سيارة بوكس دون لوحات إلى تريند على (تيك توك)، من اتهامٍ بالتخابر إلى رصاصٍ يُطلَق على مقيّد يُرمى من أعلى جسر.

والقاسم المشترك: «إسكات الأصوات وصناعة صمت، يباع للعالم بوصفه تأييداً، ولأن الخوف لا يرى ولا يحصى، فهو أطول عمراً من أي هدنة، وأقوى من أي بندقية».

ويضيف الناشط الحقوقي: «كسر هذه الحلقة يبدأ من الاعتراف بأن التنمر الإلكتروني ليس مزاحاً، وأن التخوين ليس حماساً وطنياً، وأن العدالة ليست ورقة تُملأ، بل شبكة ضمانات تحمي الإنسان عندما يُصبح الجميع ضده».

ويقول محامٍ: «الأمر يبدأ من حماية المحامين والشهود، ومن وضع حدودٍ صلبة لعسكرة القضاء، ومن استعادة النقابات والمجتمع المدني أدواراً أفرغتها الحرب من معناها».

ويتابع: «عندها فقط يمكن أن تعود الكلمات إلى أماكنها، ويصبح الاتهام اتهاماً يُثبت أو يُلغى، والاختلاف يصبح اختلافاً يُحترَم، والسخرية تعود فنّاً لا أداة قتل معنوي». ويستطرد: «عندها فقط يمكن أن تُقاس المعارك بخرائط أخرى، مثل خريطة تُظهر كيف استعاد المجتمع صوته، وكيف صار الكلام - مرة أخرى- حياة».


مقالات ذات صلة

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

شمال افريقيا أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أثار رفض أهالي منطقة في شمال السودان لاستقبال نازحين جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقطة من فناء «دار الفتيات فاقدات السند» بأم درمان (الشرق الأوسط)

«فتيات بلا سند»... مشكلة فاقمتها الحرب في السودان

تفاقمت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتأثرت بها بشدة الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة واحتياجاً، ووقع التأثير بضراوة على الفتيات «فاقدات السند».

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)

حميدتي يُبلغ مبعوث الأمم المتحدة استعداده للتعاون لوقف الحرب السودانية

شدد قائد «الدعم السريع» على «أهمية إجراء تحقيق شفاف وعادل بشأن الانتهاكات التي تعرَّض لها السودانيون، وعلى رأسها استخدام السلاح الكيميائي».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة سابقة تجمع البرهان مع مساعديه ورئيس هيئة الأركان (الجيش السوداني)

البرهان يعيد تشكيل قيادة الجيش السوداني... ومؤشرات إلى تغيير في هيكلية السلطة

عززت القرارات التي اتخذها القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بإعفاء قادة كبار وإعادة تعيينهم مساعدين له، تكهنات عن تغيير وشيك في السلطة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان في ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش يوم الاثنين (مجلس السيادة)

السودانيون يحيون ذكرى السادس من أبريل... والإطاحة بنميري والبشير

يحتفل السودانيون عادة بيوم 6 أبريل، ففيه عام 1985 أطاحوا في ثورة شعبية بجعفر نميري، وفي 6 أبريل 2019 بدأ اعتصامهم الذي أطاح بالبشير في 11 أبريل 2019.

أحمد يونس (كمبالا)

مصر تطالب بوقف فوري للعدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان

جانب من محادثات نواف سلام مع وزير الخارجية المصري في بيروت الشهر الماضي (الخارجية المصرية)
جانب من محادثات نواف سلام مع وزير الخارجية المصري في بيروت الشهر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بوقف فوري للعدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان

جانب من محادثات نواف سلام مع وزير الخارجية المصري في بيروت الشهر الماضي (الخارجية المصرية)
جانب من محادثات نواف سلام مع وزير الخارجية المصري في بيروت الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

طالبت مصر بـ«ضرورة الوقف الفوري للتصعيد العسكري في لبنان». وحذرت من «خطورة الانزلاق إلى مزيد من التوتر قد يفضي إلى تداعيات خطيرة بالمنطقة». وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام؛ لبحث التصعيد الإسرائيلي الخطير في لبنان الشقيق، الذي استهدف مناطق لبنانية عديدة.

وأعرب عبد العاطي، خلال الاتصال، عن إدانة مصر القاطعة واستنكارها البالغ للعدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان الذي استهدف مناطق عديدة من الجمهورية اللبنانية الشقيقة، وأسفر عن وقوع مئات من الضحايا والمصابين، مؤكداً «رفض مصر الكامل المساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه».

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية تميم خلاف، الخميس، فإن الوزير عبد العاطي أكد أن «استمرار استهداف البنية التحتية والمنشآت المدنية في لبنان يمثل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني والأعراف الدولية، فضلاً عن كونه خرقاً جسيماً لقرار مجلس الأمن (رقم 1701)، بما يهدد بتوسيع دائرة الصراع وتقويض الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها». وأشار إلى أنه جارٍ تكثيف الاتصالات مع الشركاء الإقليميين والدوليين لوقف العدوان.

سيارات محترقة في منطقة كورنيش المزرعة ببيروت إثر استهدافه بقصف إسرائيلي الأربعاء (أ.ف.ب)

وكانت مصر قد أدانت، مساء الأربعاء، «سلسلة الضربات والغارات الإسرائيلية السافرة التي استهدفت مناطق واسعة في الجمهورية اللبنانية الشقيقة، وأسفرت عن مقتل وإصابة المئات من المدنيين، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية».

وأعربت مصر، في بيان لوزارة الخارجية، عن استهجانها وإدانتها الكاملة لهذا العدوان الغاشم، وما يتضمنه من استهداف متعمد وممنهج للمنشآت المدنية الحيوية والبنية التحتية، بما يمثل تعدياً سافراً على سيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه، وخرقاً فاضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.

وأكدت القاهرة أن «هذه الانتهاكات الإسرائيلية السافرة، التي تأتي بعد يوم واحد من إعلان الولايات المتحدة وإيران وقف إطلاق النار، تتعارض تماماً مع الروح البناءة والإيجابية التي تولدت في المنطقة عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار، وتعكس نية مُبيتة لمحاولة إفشال الجهود الدؤوبة التي تبذلها أطراف إقليمية ودولية لخفض التصعيد وتغليب الحوار والدبلوماسية، ومحاولة جديدة من إسرائيل لجر المنطقة لفوضى شاملة».

وأهابت بجميع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة التدخل الفوري لوقف هذا التصعيد الإسرائيلي المتهور والخطير لمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار.

مبانٍ مدمرة إثر غارات إسرائيلية على منطقة عين المريسة في بيروت (أ.ف.ب)

ونوهت وزارة الخارجية بأن السفارة المصرية في لبنان على تواصل مع الجالية المصرية في بيروت لتقديم أشكال الدعم المطلوبة كافة، وأشارت إلى أن أحوال الجالية مطمئنة حتى الآن، ولم ترصد السفارة بلاغات عن إصابات لأبناء الجالية المصرية.

وجدد عبد العاطي خلال الاتصال الهاتفي مع سلام، الخميس، التأكيد على تضامن مصر الكامل مع لبنان الشقيق في هذا الظرف الدقيق، مشدداً على «دعم مصر لتمكين المؤسسات الوطنية اللبنانية، وجهودها في بسط سيادتها على كامل أراضيها، وتعزيز دورها في حفظ الأمن والاستقرار».

وتناول الاتصال أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد الراهن، بما يضمن حماية المدنيين والحفاظ على مقدرات الشعب اللبناني، خاصة في ظل نزوح أعداد كبيرة من اللبنانيين.

وثمّن رئيس الوزراء اللبناني المواقف المصرية الثابتة والداعمة للبنان في ظل الظروف الدقيقة الراهنة، معرباً عن تقديره للجهود التي تبذلها مصر لوقف العدوان الإسرائيلي.


تيسيراً على المسافرين... «بطاقات الجوازات الورقية» تغادر مطار القاهرة

وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
TT

تيسيراً على المسافرين... «بطاقات الجوازات الورقية» تغادر مطار القاهرة

وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

في خطوة تنهي عقوداً من التعاملات الورقية التقليدية، وضمن استراتيجية الدولة المصرية للتحول الرقمي، تغادر «بطاقات الجوازات الورقية» مطار القاهرة الدولي بهدف «التيسير على المسافرين وتحقيق انسيابية أكبر في حركة الركاب، ورفع كفاءة التشغيل وفق أحدث المعايير الدولية».

وقالت وزارة الطيران المدني إنه في إطار توجهات الدولة نحو التحول الرقمي وتيسير الإجراءات الحكومية بما يعزز من مرونة وسلاسة حركة السفر، تقرر اعتباراً من السبت المقبل إلغاء العمل بـ«كارت الجوازات الورقي» للركاب المصريين في السفر والوصول بجميع مباني الركاب بمطار القاهرة الدولي.

ووفق إفادة لـ«الطيران المدني»، مساء الثلاثاء، فإنه من المقرر تعميم تطبيق هذه المنظومة تدريجياً في باقي المطارات المصرية خلال المرحلة المقبلة.

وتصدرت مطارات القاهرة والغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم قائمة المطارات الأكثر استقبالاً للسائحين خلال عام 2025، بما يعكس التنوع الجغرافي للمقاصد السياحية المصرية وقُدرتها على جذب شرائح مختلفة من السائحين من أسواق متعددة.

وأكد وزير الطيران المدني سامح الحفني أن إلغاء العمل بـ«كارت الجوازات الورقي» إجراء يعكس توجهاً حكومياً واضحاً نحو تحسين الخدمات المقدمة للمسافرين، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المطار، بما يواكب التطورات العالمية في صناعة النقل الجوي.

وسبق أن قال وزير الطيران المدني المصري، في يناير (كانون الثاني) الماضي، إن الهدف من إلغاء بطاقة الجوازات الورقية «تقليل الوقت الذي يقضيه المسافر في المطار».

وتشمل الإجراءات الجديدة «استخدام قاعدة بيانات إلكترونية بديلة، ما يتيح مراجعة المعلومات مسبقاً لتسهيل دخول المسافرين عند وصولهم». وأشار وزير الطيران المدني في وقت سابق إلى أن التسهيلات تشمل توفير خدمات النقل داخل المطار، بالإضافة إلى زيادة أعداد البنوك لتسهيل إصدار التأشيرات الإلكترونية والفورية عند الوصول.

الخبير السياحي، رئيس «شعبة السياحة والطيران» بالغرفة التجارية الأسبق في مصر، عماري عبد العظيم، يرى أن قرار إلغاء «بطاقات الجوازات الورقية» في المطارات المصرية يُعد خطوة محورية مهمة. ويقول إن «هذه الخطوة تهدف إلى تيسير الإجراءات في مطار القاهرة الدولي، وسوف تسهم في تقليل فترة انتظار الركاب، وتنهي الطوابير التي كانت موجودة أمام مسؤولي الجوازات».

لقطة من داخل مطار القاهرة الدولي في ديسمبر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

ويضيف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»: «جميع البيانات موجودة في الجوازات، والمنظومة الإلكترونية سوف تُسهل الإجراءات، لأن كارت الجوازات الورقي كانت قيمته في الحصول على بيانات المسافر فقط».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

وبحسب مراقبين، فإن الاعتماد على المنظومة الإلكترونية بدلاً من النماذج الورقية التقليدية يمثل عاملاً حاسماً في تحسين تجربة السائح منذ اللحظة الأولى لدخوله مصر.

وأوضح المراقبون أن القرار سيعزز الانطباع الإيجابي عن المطارات المصرية لدى شركات الطيران ومنظمي الرحلات الدولية، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية القوية.

ونفت الحكومة المصرية في أكثر من مناسبة «بيع المطارات»، مؤكدة أنه سيتم إسناد إدارتها وتشغيلها للقطاع الخاص. وقالت في سبتمبر (أيلول) الماضي إنه «سيتم طرح 11 مطاراً للقطاع الخاص ليتولى إدارتها وتشغيلها، ضمن خطة حكومية للتوسع في تخصيص إدارة المنافذ الجوية».

مسافرون مصريون داخل مطار القاهرة في فبراير الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

ويوجد في مصر 23 مطاراً تستهدف الحكومة زيادة طاقاتها الاستيعابية من 66.2 مليون راكب سنوياً إلى 109.2 مليون بحلول 2030، وفق البيانات الرسمية.

وأكدت وزارة الطيران المدني، مساء الثلاثاء، أن إلغاء «كارت الجوازات الورقي» خطوة تأتي أيضاً تأكيداً على مواصلة جهود تطوير منظومة السفر، بما يسهم في تقليل زمن إنهاء الإجراءات وتحقيق انسيابية أكبر في حركة الركاب، ورفع كفاءة التشغيل وفق أحدث المعايير الدولية.

وبحسب إفادة لمجلس الوزراء المصري، مساء الثلاثاء، فإن مطار القاهرة الدولي واصل تحقيق معدلات نمو إيجابية في حركة السفر خلال الربع الأول من عام 2026، سواء في أعداد الركاب أو الرحلات الجوية، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وأشارت البيانات إلى ارتفاع الرحلات الجوية بنسبة 10 في المائة لتصل إلى 59.4 ألف رحلة مقارنة بـ54 ألف رحلة، فيما سجل عدد الركاب زيادة بنسبة 9.5 في المائة ليصل إلى 8.1 مليون راكب مقارنة بـ7.4 مليون راكب.


المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
TT

المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

بعد أسابيع من معاناته من تداعيات الحرب الإيرانية، التي بدأت برفع أسعار المحروقات ثم قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة، يأمل المصري إبراهيم زايد (47 عاماً) أن تحمل الهدنة بدايةً لانحسار هذه الآثار، بعدما تراجع دخله إلى النصف.

يملك زايد محلاً لصيانة وتركيب شبكات البث الهوائي (الدِّش) في إحدى قرى محافظة القليوبية شمالي القاهرة، وتأثر دخله بشدة نتيجة القرارات الحكومية الأخيرة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن قرار الإغلاق يُطبق في ذروة فترة عمله.

وأضاف: «الآن أعمل 4 ساعات بدلاً من 8، وتوقفت عن التعاون مع بعض الفنيين لقلة العمل والدخل»، مشيراً إلى أنه لن يستطيع الصمود في ظل هذه الظروف، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار، وتساءل: «هل ستتحسن الأوضاع ونعود للأوقات الطبيعية بعد الهدنة؟».

وتوصلت الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، صباح الأربعاء، إلى هدنة لمدة أسبوعين، يُفتح خلالهما مضيق هرمز، وتُجرى مفاوضات مباشرة في إسلام آباد بدايةً من الجمعة، لوقف الحرب.

وشهد عديد من المؤشرات الاقتصادية تحسناً مع بدء سريان الهدنة، فتراجع سعر برميل النفط عالمياً بنحو 16 في المائة، ليباع بنحو 93 دولاراً بعدما كان قد جاوز 110 دولارات، كما انخفض الدولار في السوق المصرية إلى نحو 53 جنيهاً مصرياً بعدما تجاوز 54 جنيهاً.

ورغم استبشار المصريين بقرار الهدنة، فإنهم انقسموا إلى فريقين؛ الأول متفائل إزاء تحقيق الحكومة وعدها السابق بتحسن الأوضاع بعد وقف الحرب، على اعتبار أن إجراءاتها كانت استثنائية لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، والفريق الآخر لا يتوقع انخفاضاً، ويرى أن وقف الحرب يعني عدم الانزلاق لمزيد من التدهور وليس تحسناً سريعاً ملحوظاً.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

كانت الحكومة المصرية قد قررت بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب، رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وانعكس ذلك على أسعار بقية السلع والخدمات.

تلافي الآثار... يحتاج إلى وقت

تدعم سارة محمود، التي تعمل في مجال خدمة العملاء وتسكن في منطقة دار السلام بجنوب العاصمة، رأي الفريق الثاني، وقالت: «الأسعار حين ترتفع لا تنخفض مهما تغير الظرف الذي أدى إلى ارتفاعها بالأساس، خصوصاً السلع المعمرة».

وتجد سارة صعوبة في استكمال شراء لوازم إتمام زيجتها في ظل ارتفاع الأسعار وإغلاق المحال مبكراً والذي يعوق جولاتها للشراء بعد انتهاء عملها.

كانت الحكومة قد قررت تبكير إغلاق المحال التجارية بدايةً من 28 مارس (آذار) الماضي، ولمدة شهر، ليصبح في التاسعة مساءً يومياً وفي العاشرة يومي الخميس والجمعة، وذلك لترشيد استهلاك الكهرباء. وربطت تجديد القرار باستمرار الحرب أو وقفها.

وعلى العكس من سارة، ما زال لدى زايد، وهو أب لأربعة أبناء، بصيص من أمل في تحسن الأوضاع، وطالب بالعودة عن قرار تبكير إغلاق المحال فوراً نظراً «لتأثيره الكبير على الناس» على حد قوله. وبخصوص الأسعار، قال: «قبل الحرب كنت أشتري أسطوانة الغاز بسعر 240 جنيهاً، أما الآن فقد قفز سعرها إلى 350 جنيهاً».

سوق اليوم الواحد (وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية)

وتستبعد أستاذة علم الاقتصاد في جامعة القاهرة، شيرين الشواربي، أن تشهد مصر تراجعاً سريعاً في القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بسبب الحرب الإيرانية، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حدوث الضرر لا يحتاج إلى وقت طويل، عكس تلافي آثاره، فإنه يحتاج إلى وقت».

وأضافت: «الحكومة لن تتسرع في العودة عن قراراتها وتجعل الناس تأمل في عودة الأوضاع لسابق عهدها قبل الحرب، بينما المفاوضات ما زالت جارية، ولم يحدث وقف للحرب بل تعليق لها».

واستطردت: «حتى لو توقفت الحرب، فآثارها ستمتد، خصوصاً في ظل نمط تكرار الأزمات والضربات الاقتصادية عالمياً».

القدرة على امتصاص الصدمات

وتلقي الحكومة المصرية باللوم على الأزمات الخارجية في التأثير على اقتصادها، بدايةً من الحرب الروسية - الأوكرانية التي تسببت في أزمة عالمية بالقمح، ثم جائحة كورونا، ثم حرب غزة التي تسببت في خسارة مصر نحو 10 مليارات دولار نتيجة تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وانخفاض إيرادات قناة السويس، ثم الحرب الإيرانية الأخيرة.

وتعلق د. شيرين قائلةً: «في ظل عالم تتكرر فيه الحروب والأزمات، هناك اقتصاديات قوية تمتص الصدمات، وأخرى تتأثر بها؛ لذا يجب على الحكومة العمل على بناء اقتصاد قوي لا يتأثر بكل أزمة عالمية».

واتسمت لغة حكومة مصر ورئيسها بتأكيد إدراك وتقدير معاناة المواطنين في ظل آثار الحرب والقرارات التي اتخذتها اضطراراً. وتمثل أحدث هذه القرارات في زيادة أسعار الكهرباء على الفئات العليا والمحال التجارية بنسب تراوحت بين 16 و20 في المائة، وتجنب زيادتها في الشرائح الأقل التي تندرج فيها النسبة الكبرى من المواطنين.

Your Premium trial has ended