التخوين والتنمر… الحرب الخفية على أصوات السودانيين

صناعة وهم تأييد الحرب عبر ترهيب ميداني ورعب إلكتروني

أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
TT

التخوين والتنمر… الحرب الخفية على أصوات السودانيين

أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)

لم يعد السودانيون يميّزون بين دويّ المدافع وضجيج الشتائم، كلاهما يسلب الحياة، وإن اختلفت الأدوات، فمنذ اندلاع الحرب بالسودان في أبريل (نيسان) 2023، تمدّدت الجبهة من الخنادق إلى الهواتف، ومن خطوط التماس إلى قاعات المحاكم، ومن السماء التي تشقّها الطائرات المسيّرة إلى المنصّات الرقمية التي تمطر تعليقات ساخرة وتهديدات بالتخوين والفضيحة.

هكذا نشأت حرب موازية: «حرب على الأصوات»، تريد أن تصنع صمتاً عاماً يُسوَّق بوصفه «تأييداً للحرب»، وأن تحوّل خوف الناس إلى «شرعية» تناسب مَن يقتاتون على طول النزاعات.

في هذه الحرب الموازية، مَن يهمس بالسلام يُتَّهم بـ«التخابر»، مَن يسأل عن مصير المفقودين، يُقدَّم للجمهور على أنه «طابور خامس»، ومَن يختار الصمت يُصنَع منه نموذج للمواطن «العاقل الذي يعرف مصلحته»، مع أن صمته في الحقيقة ليس اقتناعاً، بل رعب.

وبين هذا وذاك، تُمارس آليات يومية دقيقة: اعتقالات ببلاغات فضفاضة، ومحاكمات تُبنى على اعترافات قسرية. وتنمّر إلكتروني ممنهج، يسبق غالباً الاعتقال الفعلي، أو الحملة المشهّرة.

الخوف وصناعة الوهم

في أحاديث الحقوقيين والناشطين يطفو توصيف بات متداولاً: «الخلية الأمنية»، وهي ليست مؤسَّسة رسمية واحدة بقدر ما هي شبكة مترابطة من إسلاميين وعناصر ذات مرجعية إسلامية، ومدنيين يبحثون عن وجاهة أو مكسب أو ليتجنبوا الحساب، ومؤثرين على السوشيال ميديا يوفرون الغطاء الدعائي.

للشبكة التي اسمها «الخلية الأمنية» وظيفة مزدوجة: «على الأرض تدير الاعتقال والتنكيل و(حفلات الإذلال)، وعلى الميديا تنظّم حملات السخرية والتخوين، وتضرب سمعة الضحايا قبل أن يُستدعوا إلى النيابة».

والنتيجة المتوخّاة بسيطة وخطيرة معاً: «إنتاج وهم إجماع، بأن يبدو الشارع كله خلف الإسلاميين، وأن يُوصم أي اعتراض بأنه خيانة». ولا يعود المطلوب إقناع الناس بوجاهة الحرب، بل يكفي أن يخافوا من سؤال أو «إعجاب» أو مشاركة منشور، وأن يشعروا بأن المجتمع كله سيتبرأ منهم إن تحدثوا، فيختارون الصمت؛ والصمت يسوّق تأييداً.

من البيت إلى الزنزانة

عناصر مسلحة في شوارع الخرطوم أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الخامسة من فجر يوليو (تموز) 2023، داهمت قوة عسكرية منزل المعلم والناشط المدني الشريف الحامدابي في مروي، «غُطيت عيناه، كبّلت يداه ورجلاه، وأُلقي به في صندوق عربة تاتشر (تسمية شعبية للعربة تويوتا رباعية الدفع)».

قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه تعرَّض للضرب بالخرطوش، والركل، والحرق بالسجائر في أثناء التحقيق، الذي لم يكن بحثاً عن حقيقة، بل كان بحثاً عن جملة مكتوبة مُسبقاً: «اعترف بأنك دعامي.. أنت من قوى الحرية والتغيير. إذن أنت مع (الدعم السريع)».

5 أشهر من التنقل بين الزنازين تتوَّج بتسجيل اعتراف قسري، لكنه لم يقنع النيابة، فأطلقت سراحه مع التهديد بأنه إذا تكلم فسيعود مرة أخرى للمعتقل. لكنه وما أن خرج لم يجد غير المنفى، يقول الحامدابي: «الخيار كان بين الصمت أو اللجوء، اخترت اللجوء لأستطيع الكلام، فالصمت يساعدهم على العودة».

قصة الحامدابي ليست قصة معزولة، بل هي «الدرس الأول» الذي تُريد الخلية أن يراه الجميع: «شايف.. الكلام بجيب البل» - عبارات دارجة تُستخدَم بكثافة في التعبئة الحربية - فعندما تنشر على المنصّات نسخة مجتزأة من «اعترافاته، يكون قد اكتمل الفعل: ليس المهم ماذا قال، المهم كيف سيشعر المشاهد العادي وهو يقلب هاتفه عند الفجر، قائلاً: يا زول خلّيك بعيد».

الأجساد إلى السلاح

لم تكن المحامية حنان حسن تتخيّل أن ملامح وجهها ستصبح موضوعاً سياسياً، فمنذ عملها في «لجنة مراجعة قانون الأحوال الشخصية» عام 2020، فُتحت عليها أبواب جحيم إلكتروني فصارت: «أم نخرة»، و«العانس». كلمات ووابل من إهانات جسدية وجنسية، تحضر معها جيوش حسابات وهمية وأخرى حقيقية.

ومع اشتعال الحرب، قفز التنمر إلى خانة التخوين: «عميلة، بل حتى عاهرة»، لرسم صورة أن الجسد بذاته دليل على الانحلال، وتصبح صورة امرأة في المرافعة القضائية قرينة على مؤامرة. لاحقاً حُرمت حنان من تجديد جواز سفرها، وبذلك تعذّرت لقاءات الأمومة مع أطفالها اليتامى المقيمين في بلد آخر، ثم انتهى بها الأمر في كمبالا، لكنها لم تفلت من التهديدات.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «عادة أتلقى رسائل تهديد بالقتل والاغتصاب، بعضها ممهور بتوقيع جماعات متطرفة مثل (كتائب البراء ابن مالك)». وتتابع: «لا يستهدفونني وحدي، بل يستهدفون كل امرأة تفتح فمها، يريدوننا دروساً في الصمت».

حفلة بيت الأشباح

الحرب التي تدمر البشر قبل الحجر (رويترز)

في يناير (كانون الثاني) 2025، أُخذت الطالبة الجامعية ضحى شعيب من دار إيواء لنازحين في منطقة كرري بمدينة أم درمان، إلى منزلٍ حوَّله عناصر الخلية الأمنية إلى معتقل غير رسمي، وهناك صودِر هاتفها وأُجبرت على فتحه.

بعد ساعات من ضرب الذكور، سلّموها لمجموعة «نساء مُستنفرات» وقِيل لهن: «اعملوا لها حفلة»، والحفلة - كما هو متعارف عليه - جلسة تعذيب ليلية تُستخدَم فيها الإهانات والتهديدات واللكمات، وربما «التعليق من الأيدي والأرجل».

لم تقصّر المستنفرات، بل أوسعنها ضرباً، وحاولت إحداهن تشويه وجهها، وسط التهديد بمواجهة الإعدام، لاحقاً وُجِّهت لها تهمٌ بـ«تقويض النظام الدستوري، وتهديد الأمن والسلامة، والتعاون مع (الدعم السريع)، وجرائم ضد الإنسانية».

أمضت الطالبة الصغيرة 6 أشهر بين بيوت التعذيب والتحقيق و«سجن أم درمان»، قبل أن تُشطَب قضيتها لعدم كفاية الأدلة، لكن شطب القضية لم يكن شطباً للخوف داخلها، فقد عرفت أن النيابة استأنفت الحكم.

غادرت ضحى البلاد هرباً بمعاونة صديقاتها إلى أوغندا. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أظن البراءة نهاية القصة، فعرفت أن الاعتقال ينتظرني عند أول نقطة تفتيش».

نساء على حبل المشنقة

ويقول محامٍ، طلب عدم ذكر اسمه: «في داخل السجون تنام نساء بأحكام إعدام أو مؤبد، بعضهن مع أطفال يدخلون ويخرجون بعيون لا تفهم، وأخريات وحيدات ينتظرن تنفيذ القرار». إحداهن حُكم عليها بالإعدام، فقط لأن زوجها أرسل لها حوالة عبر تاجر صغير في منطقة تغيّرت السيطرة عليها، لم يسلمها المبلغ، بل انتقم منها و«وشى بها على أنها متعاونة» مع العدو.

وطبيبة ظلت 9 أشهر رهن الاعتقال لأن عيادتها كانت في منطقة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع». قالت في التحقيق: «أنا أعالج المرضى أياً كانوا، هذا واجبي»، فقيل لها: «تعطيهم الدواء ليرجعوا فيحاربوننا». في لحظة مثل هذه، يتحوَّل الطب إلى تهمة، والواجب المهني إلى دليل على الخيانة.

شهور في العدم

الأطباء أيضاً يتعرضون للاختطاف والتعذيب (منظمة الصحة العالمية)

عند نقطة ارتكاز في مدينة دنقلا بشمال البلاد، أُوقِف 3 شباب كانوا عائدين من عمل شاق في التنقيب عن الذهب في مناجم داخل مصر، تنقلوا بين مراكز اعتقال مختلفة في مدينة مروي. أمضوا 11 شهراً دون محاكمة، ودون استحمام، وصار القمل يسير على أكتافهم، وتقطعت ملابسهم على أجسادهم، حتى استطاع محامٍ لقاءهم.

قال أحدهم وهو ينظر إلى قميصه البالي: «هذه هي الفنيلة - تي شيرت - التي قبضوني بها من 11 شهراً، لم أنزعها أو أغسلها، وأهلي ما عارفين عني حاجة».

لاحقاً ستُلغى الأحكام على الشباب الثلاثة في الاستئناف لغياب البيانات، لكن ماذا بعد الحرية؟ «لا أوراق، لا مال، لا مكان، سينامون في المساجد»، حتى عثروا على رجل تبرع بإعادتهم إلى ذويهم، «سيبقون في ذاكرة مَن رآهم، 3 ظلال خرجت من العدم وعادت إليه».

فائزة وصباح وبشارةفي بلدة القرير أُوقفت الشابة فائزة، وهي عروس جاءت من الخرطوم لتلتقي زوجها بشارة العائد من مصر. أُبلغ زوجها باعتقالها، وعند وصوله عصبوا عينيه هو الآخر، وظلّ حبيساً إلى أن أطلقوا سراحه، وأبلغوه بأن زوجته أُرسلت إلى مكان معين، لكنه لم يجدها فيه.

ذهب إلى سجن مروي حيث نُقلت عروسته إلى هناك، وقبل أن يراها سمع أولاً «صوت الجنازير»، دخلت فائزة ببطء لأن القيود الثقيلة تقيد حركتها. انفجر بشارة بالبكاء وهو يُمسك بيديها التي تكافح الحديد، فتبكي هي الأخرى حتى ينقطع نفسها، وهنا يعلن الحارس انتهاء الزيارة فتجرجر جنازيرها عائدة.

تعرفت العروس في السجن على صباح الممرضة، وزوجها فني الأكسجين، اللذين سبقاها إلى الزنزانة، برّأت المحكمة لاحقاً العروس فائزة والممرضة صباح. خرجت الأولى مع زوجها إلى اللجوء بعيداً، أما صباح فكانت لديها رغبة واحدة: «أن تعرف مصير زوجها.

وظلت تطرق أبواب النيابة، وتسمع أخباراً مطمئنة، ثم يأتي اليوم الذي تُبلَّغ فيه بأن زوجها مات في المعتقلات منذ 6 أشهر. تلتفت من حولها فلا تجد إلا نسوة أخريات ينتظرن أخباراً لا تأتي.

محامية في مرمى الهدف

المحامية ازدهار جمعة وهي مغمى عليها وملقاة على الأرض في الصحراء (متداولة)

تجسِّد قصة المحامية أزدهار جمعة ذروة هذا الخط البياني: «من قاعة الدفاع إلى سرير العمليات، ومن نصّ القانون إلى الاعتراف الجاهز». بدأت حكايتها من قاعدة أصولية حفظها طلاب القانون: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، واختارت أن تعمل حيث تشتد الريح: «قضايا التخابر وتقويض النظام، الدفاع عن متهمين تصّر النيابة أنهم خطر على الدولة».

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أستطيع أن أترك إنساناً في محنة وأنا قادرة على العون. التقاعس خيانة للمهنة». لم يكن هذا النوع من الدفاع مُرحَّباً به، ففي إحدى المرات أصدر شخص أمر قبض بحقها، بعد أن زعموا أن في هاتفها رسائل تدينها، لكن المشكلة أن الهاتف كان قد نُهب منها يوم اختطافها.

في يوم الاختطاف أُغلق الطريق بقوة مسلحة من الجهتين، ضُربت حتى تكسّرت عظام يديها. المهاجمون حاولوا فقء عينيها، ثم رميت في صحراء وسط جبال «وادي الضباع»، وعثر عليها معدّنون أهليون، ثم لفوها ببطانية لنقلها.

تقول: «كان الألم لا يُطاق، كلما احتكّت العظام المكسورة أصرخ»، ثم نقلوها إلى مدينة كريمة «المستشفى الصيني»، وخضعت هناك لعملية استغرقت 12 ساعة. خلال ذلك كانت رسائل تصل إلى بريد النيابة من خاطفيها أنفسهم: «افتحوا ضدها بلاغاً تحت المواد (51/50/26) من القانون الجنائي، وإلا سنقوم بتصفيتها داخل المستشفى».

بعد 8 أيام يصل خطاب يطلب فتح بلاغات ضدها، فتتحرك وكيلة نيابة - من تنظيم إسلامي معروف - لمخاطبة النائب العام برفع الحصانة عنها، ليوافق ويخاطب نقابة المحامين، فتمنح إذن المقاضاة دون أن تكلف نفسها سؤال صاحبة الشأن.

تتوالى المفارقات في حكاية ازدهار، تقول: «الجهاز نفسه الذي غطى على واقعة الاعتداء، بات الآن هو الاتهام، والهاتف المنهوب يعاد للنيابة مع إضافة محتويات تناسب التهمة الملفقة»، ثم يَظهر ضابط سبق أن هدّدها بالتصفية في حوادث كريمة، ليعترف علناً: «هسه بخش بصفيها جوه».

تواجه ازدهار مشهداً دراماتيكياً في المحاكم: «أفراد يملأون القاعات، شهود يُعتَقلون عند الأبواب، محامون يُؤمرون بالجلوس (تحت) في غرف التحقيق، سيارات قتالية مزوّدة برشاشات الدوشكا قبالة السلالم».

وتقول ازدهار: «القانون صار ديكوراً لإخفاء العصا». دفعت أسرة ازدهار أثماناً مركبة: زوج يترك عمله ليلازمها، ابن يودّع دراسة الطيران ليحرسها في الطريق، أخت تُفصَل عن العمل، وأطفال يدخلون ويخرجون في بيتٍ لم يعد بيتاً، ومع ذلك تقول بجملة تكرّرها كثيراً: «انسحاب وين؟ قدّام بس».

التشهير الإلكتروني

في العالم الموازي، حيث تلمع الشاشات الصغيرة، تُدار الحملة بذكاء: حسابات وهمية ترمي الطعم، مؤثرون يلتقطون مقطعاً مبتوراً ويُضيفون عليه قصة جاهزة، صفحات محلية تعيد توزيع المادة 100 مرة، وتكفي عشرات التعليقات التي تكرّر كلمات: «دعامة»، و«خونة»، و«قحاتية»، لتخلق انطباعاً بأن الناس مقتنعون.

يصف مهندس معلوماتية من الخرطوم، طلب عدم ذكر اسمه، المشهد: «هناك منشورات واضحة، ومجموعات ولجان تحرّك الوسوم، لكن الأخطر الحسابات الحقيقية التي ترفع معنوياً وتحفِّز المتنمرين، وتظهرهم كأنهم مقاومة وطنية، وخلط متعمّد بين النقد المشروع والتحريض على الأذى».

ويضيف: «الهدف ليس فقط إحراج الضحية، بل تهيئة الأرضية للاعتقال، وعندما يصل الاستدعاء أو المداهمة يكون الرأي العام قد أُعِد للتقبل سلفاً». ويستطرد: «لن يتعاطف كثيرون مع مَن رأوه لأيام يُجلد على المنصات بالسخرية والتخوين».

إعدامات خارج القانون

مظاهر التسلح تنتشر في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

في أواخر مارس (آذار) 2025، وثَّقت منظمات ومحامون عمليات قتل خارج نطاق القضاء في أحياء بري والجريف والصحافات ومايو والكلاكلات في الخرطوم، ومشاهد صادمة في مدن أخرى، من بينها إلقاء شاب من أعلى «جسر حنتوب» في ود مدني وهو مقيّد، ثم إطلاق النار عليه، وجثامين «تشخر» والدم يسيل من أعناقها التي ذبحت ولم يحسن الذبح... وبالطبع هذه مشاهد تجعل من الصمت خياراً «حكيماً».

يقول محامٍ، هذه ليست «فلتات» غضب، بل ممارسة متكررة رافقتها حملة دعائية تبررها. ويتابع: «عند هذه النقطة تتجاوز الانتهاكات عتبة الجريمة الفردية، إلى جرائم حرب وفق اتفاقات جنيف، بل إلى جرائم ضد الإنسانية عندما تصاغ في نمط عام».

مشروع سياسي

يقول الأكاديمي السوداني الدكتور أبو بكر شبو لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يحدث ليس انحرافاً طارئاً، بل مشروع يستثمر الحرب، لاستعادة سلطة عرفت كيف تدير المجتمع بالخوف.

ويذكّر بمفاخرة الرئيس المخلوع عمر البشير بأنه صانع «الدعم السريع»، بينما هو ورجال نظامه ينعمون الآن بامتيازات رفاهية، في حين يساق مواطنون بسطاء إلى مشانق ومحاكمات صورية لأنهم «ظلّوا» في بيوتهم عندما تبدَّلت السيطرة.

وبحسب الأكاديمي، فإن هذا التحليل يعطي معنى لاستخدام تعبيرات مثل «قانون الوجوه الغريبة» الذي يعرّفه بأنه «قانون غير مكتوب، لكنه فاعل، يتيح الشك في كل قادمٍ من حيّ أو ولاية، ويُحوّل بطاقة الهوية ومكان الإقامة إلى قرينتين على الولاء». ويقول: «ليس القصد أمناً، بقدر ما هو إرهاب مدنيين ومنع تشكّل كتلة رافضة للحرب».

استراتيجية التخوين

يؤكد بعض علماء النفس أن «الخوف يسبق التفكير»، لذلك عندما يرى الناس محامياً يسحب إلى عربة «بوكس» فقط لأنه دافع عن متّهم، أو شاهِداً يُعتَقل بعد أن قال كلمته في القاعة، أو محاميةً تُكسر ذراعاها وتُرمى في الصحراء، ثم تُلاحق بتهم «تقويض النظام»، يتعلمون الدرس: «ابعد عن الشر وغني له».

وعندما تتكرر هذه اللقطات على «فيسبوك» و«تيك توك» و«تويتر» مصحوبة بضحكاتٍ مكتوبة وإيموجيات ساخرة، يتكون مناخ عام يقول: «أحسن تسكت».

ويقول ناشط: «ينتج وهم الإجماع هكذا... الصامتون - وهم الأغلبية - يُسوَّقون كأنهم مؤيدون. المنخرطون في الحملات الإلكترونية يُقدَّمون بوصفهم صوت الشعب. المعترضون يخوَّنون، والنتيجة السياسية واضحة: إطالة عمر الحرب، وإضعاف أي مبادرة للسلام، وإعادة تدوير سلطات تتغذّى على زمن الطوارئ».

أين العدالة؟

ثمة قضاة شجعان، بشهادات محامين، يتركون للمتهمين مساحة دفاع حقيقية، وتأتي أحكامهم منضبطةً للنصوص، لكن ثمة أيضاً محاكمات تُبنى على أوراق خاوية واعترافات مُنتزعة بالترهيب والتعذيب.

وبموازاة ذلك، يطرح حقوقيون توصيات عملية: «عدم قبول أي اعتراف قضائي بعد احتجاز طويل دون ضمانات، حظر استخدام محتويات الأجهزة المصادَرة ما لم تُراعَ إجراءات السلسلة والحيازة، تمكين المتهم من محامٍ منذ لحظة القبض عليه، حماية الشهود ومنع اعتقالهم بعد الإدلاء بإفاداتهم، وإبعاد المسلحين عن محيط المحاكم».

أما نقابة المحامين فمطالبها أكبر من بيانات، تقول محامية لـ«الشرق الأوسط»: «لا بد من انتخابات حرّة تعيد للنقابة شرعيتها واستقلالها، ومن آلية طوارئ قانونية للدفاع عن أعضاء المهنة الذين أصبحوا هدفاً مباشراً».

درس قصة ازدهار

أرغمت الحرب السودانية آلاف الأسر على الفرار من مساكنها واللجوء إلى المخيمات (رويترز)

تضع قصة ازدهار جمعة كل الخيوط على الطاولة: «محامية تؤمن بأن المتهم بريء، تُدافع عن العروس والممرضة، وتبكي مع الشباب الثلاثة، وتواجه رجالاً يبتسمون أمام صرخات العظام المكسورة، ثم تجد نفسها في قلب ماكينة تريد أن تقنع الناس بأن مَن يُدافع عن القانون عدوّ الدولة».

وقال ناشط حقوقي: «إن لم يقف المدافعون في وجه التخوين اليوم، فلن يجدوا غداً مَن يقف معهم عندما تتبدَّل الأدوار». ويتابع: «إن تُركت الساحة للتنمر الإلكتروني والاعتقالات الاستعراضية، فسيتحوّل المجتمع كله إلى قاعة محكمة ذات قاضٍ واحد وميكروفون مفتوح، مَن يصرخ أعلى يفز».

الخوف أطول عمراً من الرصاص

ما يجري في السودان ليس فقط حرباً على الأرض، بل حرب على الكلمة، تُستعمَل فيها أدوات ناعمة وخشنة: من بوست (منشور) مسيّس إلى حفلة تعذيب، من سيارة بوكس دون لوحات إلى تريند على (تيك توك)، من اتهامٍ بالتخابر إلى رصاصٍ يُطلَق على مقيّد يُرمى من أعلى جسر.

والقاسم المشترك: «إسكات الأصوات وصناعة صمت، يباع للعالم بوصفه تأييداً، ولأن الخوف لا يرى ولا يحصى، فهو أطول عمراً من أي هدنة، وأقوى من أي بندقية».

ويضيف الناشط الحقوقي: «كسر هذه الحلقة يبدأ من الاعتراف بأن التنمر الإلكتروني ليس مزاحاً، وأن التخوين ليس حماساً وطنياً، وأن العدالة ليست ورقة تُملأ، بل شبكة ضمانات تحمي الإنسان عندما يُصبح الجميع ضده».

ويقول محامٍ: «الأمر يبدأ من حماية المحامين والشهود، ومن وضع حدودٍ صلبة لعسكرة القضاء، ومن استعادة النقابات والمجتمع المدني أدواراً أفرغتها الحرب من معناها».

ويتابع: «عندها فقط يمكن أن تعود الكلمات إلى أماكنها، ويصبح الاتهام اتهاماً يُثبت أو يُلغى، والاختلاف يصبح اختلافاً يُحترَم، والسخرية تعود فنّاً لا أداة قتل معنوي». ويستطرد: «عندها فقط يمكن أن تُقاس المعارك بخرائط أخرى، مثل خريطة تُظهر كيف استعاد المجتمع صوته، وكيف صار الكلام - مرة أخرى- حياة».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».