أوبئة تنهك السودان وسط انهيار النظام الصحي

مخلفات الحرب ومياه الأمطار أصبحت «مرتعاً» للميكروبات

عبد الرشيد طه يغالب الحمى في أحد المراكز الصحية بالخرطوم (الشرق الأوسط)
عبد الرشيد طه يغالب الحمى في أحد المراكز الصحية بالخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

أوبئة تنهك السودان وسط انهيار النظام الصحي

عبد الرشيد طه يغالب الحمى في أحد المراكز الصحية بالخرطوم (الشرق الأوسط)
عبد الرشيد طه يغالب الحمى في أحد المراكز الصحية بالخرطوم (الشرق الأوسط)

على سريرٍ حديدي في مركز صحي مكتظ في العاصمة السودانية الخرطوم، يتقلب عبد الرشيد طه محاولاً تخفيف حرارة جسده المرتجف بالحمى، ويقول بصوتٍ متقطع: «أُصبت قبل أسبوع، وعندما وصلت للمركز وجدت العشرات يفترشون الأرض بانتظار الفحص. لم أجد سريراً، وتنقلت بين المراكز بلا جدوى. اكتفيت بالمحاليل وأقراص البندول، لكن حالتي لم تتحسن».

تختصر قصة عبد الرشيد مأساة آلاف السودانيين الذين عادوا إلى منازلهم بعد شهور من النزوح واللجوء، ليجدوا أنفسهم في مواجهة وباء متسارع الانتشار، تقوده حمى الضنك والكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي والملاريا، ويزيده ضعف المناعة وانتشار أمراض أخرى.

أرقام صادمة

مركز لعلاج الكوليرا في العاصمة السودانية الخرطوم (أرشيف منظمة الصحة العالمية)

كشف التقرير الأسبوعي لمركز عمليات الطوارئ بوزارة الصحة الصادر الثلاثاء الماضي، أرقاماً رسمية صادمة ومأساوية عن الوضع الصحي في البلاد؛ إذ ذكر أن خمس ولايات من ولايات السودان البالغة 18 ولاية، سجلت 1378 إصابة جديدة بحمى الضنك، وأن ولاية الخرطوم هي الأعلى في حالات الإصابة.

كما أعلن عن 1501 حالة كوليرا مؤكدة في 13 ولاية من ولايات البلاد، و102 إصابة بالتهاب الكبد الفيروسي في ولاية الجزيرة وحدها، أما ولاية كسلا في شرق البلاد فقد سجلت وحدها 5 وفيات من بين 258 إصابة مؤكدة بالكوليرا.

وقال الصحافي محمد سلمان على صفحته في منصة «فيسبوك» إن مواطني مدينته القضارف يعيشون معاناة بالغة في مواجهة حمى الضنك، التي أصابت الآلاف. وأضاف: «يقضي معظم مواطني القضارف يومهم بين رحلة البحث عن العلاج ومقابلة الأطباء».

ووجّه سلمان انتقادات قاسية لإدارة الصحة المحلية، واصفاً إياها بالمتقاعسة عن مكافحة الناقل، وتابع: «المرض يكلف حسب بروتوكوله العلاجي ما بين 50 و150 ألف جنيه سوداني، ولا يملك المواطنون قدرة على تحمل نفقاته».

هذه الأرقام لا تشمل المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في ولايات دارفور الخمس، وبعض أجزاء ولايات غرب وجنوب كردفان التي تشهد معارك متواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، حيث يتعذر الوصول، في حين تواجه الخدمات الصحية فيها صعوبات كبيرة مثل انعدام الدواء وقلة الكادر الطبي ودمار المنشآت الصحية.

مطالبات بإعلان الطوارئ

مياه الأمطار الغزيرة تغمر الشوارع وتخلف بركاً راكدة (أ.ف.ب)

طالبت اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء - وهي نقابة منتخبة - بإعلان الطوارئ الصحية في كسلا، مشددة على ضرورة توفير مراكز العزل، وضمان الإمداد الدوائي، وتعزيز حملات التوعية وإصحاح البيئة. ودعت النقابة إلى تكاتف الجهود لحماية الأرواح، محذّرة الولايات المجاورة، ومطالبةً إياها باتخاذ الحيطة والتنسيق عبر المنافذ الحدودية ومداخل الولايات.

سمية قاسم، ربة منزل من أم درمان، ترقد في أحد مستوصفات الخرطوم، روت بمرارة: «أُصبت أنا وثلاثة من أبنائي بحمى الضنك، وكاد المرض الوبيل يقتل طفلي الصغير محمد». وتابعت: «عدنا من النزوح إلى بيتنا، لكن الحمى تحاصرنا الآن. حتى عندما نذهب للفحص نقضي ساعات في الطابور ولا نحصل على علاج كافٍ».

وفي الخرطوم، قالت حياة إبراهيم (اسم مستعار)، صحافية مقيمة هناك: «في كل بيت تقريباً هناك حالتان من الحمى، بين ملاريا وضنك». وتابعت: «البيئة صارت طاردة للحياة؛ الذباب يملأ الأسواق والمنازل، وأسراب البعوض لا تنقطع ليلاً».

وأضافت إبراهيم أن أحد المراكز الصحية في منطقتها أغلق أبوابه أمام المرضى الجدد نتيجة لضغط الأعداد الكبيرة وقلة الكادر الطبي، في وقتٍ ما تزال فيه برك المياه ومخلفات الحرب مرتعاً لنواقل الأوبئة.

إصابات حمى الضنك

مرضى يتلقون العلاج في مستشفى بمدينة القضارف بشرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

في إفادة شخصية لافتة، كشف عبد المنعم أبو إدريس، نقيب الصحافيين السودانيين، لـ«الشرق الأوسط» عن إصابته بحمى الضنك، قائلاً: «للوهلة الأولى كنت أظنها الملاريا التي اعتاد عليها أهل السودان». وتابع: «قبل ثلاثة أشهر ذهبت من بورتسودان إلى مدينة كسلا، وهناك أحسست بحمى وصداع، وهي أعراض الملاريا، لكن عندما وصلت إلى عيادة الطبيب طلب فحص الدم، وجاءت النتيجة: الصفائح انخفضت إلى 245 من 450 المعدل الطبيعي».

وأضاف: «بعد 24 ساعة في مدينة مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، فقدت الصفائح 150 وصارت تتناقص حتى وصلت إلى 60 فقط، وهو الحد الذي يجعلك تنزف، وبالفعل بدأ النزيف، لكنه لم يستمر طويلاً».

ووصف النقيب، بحسب خبرته مع المرض، حمى الضنك بأنها «لا علاج لها سوى مسكن بندول لخفض الحرارة، والمحافظة على تناول السوائل». وقال: «قضيت 40 يوماً أعاني من أعراضها التي تشتد ليلاً، وكنت أمسك الورقة مراراً لأكتب وصيتي ثم أتراجع. وبعد أن شُفيت، قال لي أهلي: كنا نظن أنك لن تخرج منها».

«حمى مجهولة»

قال طبيب اختصاصي أمراض باطنية لـ«الشرق الأوسط» إن انتشار البعوض والذباب، إلى جانب انقطاع الكهرباء ونقص مياه الشرب، ساهم بشكل مباشر في تفاقم الأزمة. وأوضح أن ضعف المناعة الناتج عن الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة رفع من معدلات الإصابة وخفض نسب الشفاء، مع انتشار أمراض أخرى مثل التيفويد وحمى الشيكونغونيا والملاريا وغيرها في كل ولايات البلاد.

وندد الطبيب بالصعوبات التي تواجه وصول المساعدات الإنسانية من أغذية ومعدات صحية وغيرها للمواطنين، مبيناً أن بعضها يُتداول في الأسواق، فضلاً عن صعوبة وصولها إلى مناطق القتال.

ونقلت تقارير صحافية محلية ظهور ما أُطلق عليه طبياً «حمى مجهولة» في بعض مناطق ولاية الجزيرة بوسط البلاد، أعراضها حمى شديدة تودي بالمصاب خلال يوم أو يومين، ولا تتطابق مع أعراض حمى الضنك أو الملاريا. وأشارت إلى تسجيل وفيات يومية تتراوح بين 5 و6 حالات في مدينة الحصاحيصا والمناطق المحيطة بها، وفق ما رصدت صحيفة «التغيير الإلكترونية» المستقلة.

جهود المكافحة

رئيس الوزراء كامل إدريس يشارك في حملة نظافة بالخرطوم (الشرق الأوسط)

أعلنت وزارة الصحة عن حملات للرش الضبابي ضد البعوض والذباب عن طريق الطائرات في الخرطوم، إضافة إلى توزيع الناموسيات وتنظيم مبادرات شبابية لتنظيف الأحياء وردم البرك الراكدة، لكنها تبقى جهوداً محدودة ومجزأة.

وأدى ضعف الإمداد الدوائي وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي وانقطاع الكهرباء إلى تقليل فاعلية الاستجابة. ويقول مواطنون إن عربات الرش لا تصل إلى المناطق الطرفية التي هي أكثر تضرراً، في حين يواجه الكادر الطبي نقصاً في المحاليل والمضادات الحيوية؛ ما يجعل المعركة مع الضنك والكوليرا والملاريا أشبه بسباق غير متكافئ مع المرض.

وسخر نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي من الحملات، وقال بعضهم: «يبدو أن المبيدات تغذي البعوض والذباب بدل القضاء عليه!»، في حين علق آخرون على توزيع الناموسيات في ولاية الجزيرة: «يتم صرف ناموسية واحدة لكل أسرة، هل تنام الأسرة كلها تحتها؟!».

بين أرقام رسمية صادمة، وإفادات مرضى يروون تجارب قاسية، وتحذيرات نقابية وطبية متزايدة، تبدو الأوبئة في السودان قد تحولت إلى أزمة وطنية شاملة. حمى الضنك والكوليرا والملاريا، ومعها أمراض جديدة مجهولة السبب، تضرب المدن والقرى، في حين تنهك الحرب جهاز المناعة وتقوّض النظام الصحي.

ومع دعوات الأطباء لإعلان الطوارئ وتكاتف الجهود، يبقى المواطن السوداني في قلب الحرب، يصارع المرض بأدوات بسيطة، منتظراً استجابة قد تحدد الفارق بين الحياة والموت.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

شمال افريقيا طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل

«الشرق الأوسط» (بورت سودان)
شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

أكدت مصر حرصها على استمرار العمل في إطار «الرباعية الدولية» (تضم السعودية، ومصر، والولايات المتحدة والإمارات) للتوصل إلى هدنة إنسانية شاملة في السودان.

أحمد جمال (القاهرة)

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
TT

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)

تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مساء الخميس، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين مصر والولايات المتحدة إزاء القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفقاً لبيان للمتحدث باسم الخارجية المصرية.

وأفاد البيان بأن الاتصال «تناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا في ظل العلاقات المتميزة التي تربط الرئيس (المصري) عبد الفتاح السيسي والرئيس (الأميركي) دونالد ترمب وبين البلدين الصديقين، حيث أشاد الجانبان بما تمثله العلاقات المصرية-الأميركية من ركيزة أساسية لدعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين ويدعم الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وشهد الاتصال بحث آخر المستجدات في قطاع غزة، حيث تبادل الجانبان الرؤى بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث تم التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب الإعلان عن تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وفقاً للبيان.

كما تناول الاتصال مستجدات الأوضاع الإقليمية، لا سيما فى إيران، حيث تم التأكيد على ضرورة العمل على خفض التصعيد وحدة التوتر، وتحقيق التهدئة تفاديا لانزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار والفوضى، وضرورة تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

من جانبه، ثمن ستيف ويتكوف الدور المصري المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وجهود مصر المتواصلة في احتواء الأزمات الإقليمية المختلفة والدفع نحو حلول سياسية تسهم في تهدئة الأوضاع بالمنطقة.


الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه تم «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة" ولكن "بحلول نهاية مارس (آذار) سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع».

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

وتشهد البلاد منذ نحو ثلاثة أعوام حربا بين الجيش وقوات الدعم السريع ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح 11 مليونا على الأقل داخل البلاد وخارجها، بينهم من يعيش في مراكز إيواء مكتظة بالكاد تفي الحاجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي حاجته إلى 700 مليون دولار أميركي لاستكمال نشاطاته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

ولم تنجح الجهود الدبلوماسية للرباعية الدولية بشأن السودان، المؤلفة من الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، بعد في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين.

واستضافت القاهرة الأربعاء اجتماعا رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ودولا أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق الكثير من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة أكد نهاية العام الماضي انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومترا شمال كادقلي وكلاهما محاصرتان من قبل قوات الدعم السريع) يواجهون ظروفا تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقا لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليونا في أنحاء السودان الجوع الشديد.

وخلال زيارته لمدينة دنقلا الخميس، قال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك إن العديد من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين أن النساء لديهن وصول محدود إلى خدمات الدعم.

ودعا إلى بذل جهد شامل من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي لتمكين توصيل المساعدات الإنسانية الحيوية.

- جهود غير كافية -

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونصفهم من الأطفال.

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

وقالت المنظمة في بيان إن المساعدات المقدمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة احتدم القتال في منطقة كردفان جنوبي السودان مع توسع قوات الدعم السريع عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد في المواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين إلى جلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق الكثير من المطابخ العامة أبوابها، بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم الخميس دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر منذ بدء حصار قوات الدعم السريع لها قبل أكثر من 18 شهرا، نظمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جهته، أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس دخول 1,3 طن متري من المساعدات الإنسانية إلى الفاشر.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

- آمال دبلوماسية -

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب العمل على إنهاء الحرب في السودان بعد مناشدة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

منذ ذلك الحين، واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة قوات الدعم السريع، وهي تهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية ورفض التدخل الخارجي.

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة إلى مصر وأن بلاده مستعدة لاتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية أمن السودان.

وتعتبر القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.

من جهته، اعتبر مبعوث الأمم المتحدة للسودان رمطان لعمامرة اجتماع الأربعاء فرصة مؤاتية للأطراف الفاعلة لتوحيد الجهود، إلا أن مصدرا دبلوماسيا قال لوكالة فرانس برس إنه لا توجد في الوقت الحالي مقترحات جديدة لاتفاق هدنة.


«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.