سكان الفاشر السودانية يعانون الجوع في ظل أعنف هجمات منذ بدء الحرب

يتم فحص أطفال سودانيين بحثاً عن سوء التغذية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عبورهم عند نقطة حدود جودا الجنوبية بولاية أعالي النيل جنوب السودان (رويترز - أرشيفية)
يتم فحص أطفال سودانيين بحثاً عن سوء التغذية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عبورهم عند نقطة حدود جودا الجنوبية بولاية أعالي النيل جنوب السودان (رويترز - أرشيفية)
TT

سكان الفاشر السودانية يعانون الجوع في ظل أعنف هجمات منذ بدء الحرب

يتم فحص أطفال سودانيين بحثاً عن سوء التغذية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عبورهم عند نقطة حدود جودا الجنوبية بولاية أعالي النيل جنوب السودان (رويترز - أرشيفية)
يتم فحص أطفال سودانيين بحثاً عن سوء التغذية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عبورهم عند نقطة حدود جودا الجنوبية بولاية أعالي النيل جنوب السودان (رويترز - أرشيفية)

في مدينة الفاشر المُحاصَرة بإقليم دارفور غرب السودان، أخذت الحرب منحى عنيفاً في الأسابيع الأخيرة، بينما لا يجد السكان مفراً من الجوع والموت.

منذ أكثر من عام، تحاصر «قوات الدعم السريع» الفاشر، عاصمة شمال دارفور، وهي العاصمة الوحيدة في الإقليم الشاسع التي لا تزال تحت سيطرة الجيش، إلا أن شهود عيان وطواقم إغاثة يتحدثون في الأسابيع الأخيرة عن هجمات لـ«الدعم السريع» هي الأعنف منذ بدء الحرب، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودخلت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» عامها الثالث، وقد أودت بعشرات الآلاف، وأجبرت الملايين على النزوح، بينما ينتشر الجوع في معظم أنحاء البلاد.

أطفال فروا من السودان الذي مزقته الحرب يصلون إلى مركز المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الرنك بالقرب من نقطة عبور الحدود بمقاطعة الرنك بولاية أعالي النيل بجنوب السودان (رويترز - أرشيفية)

وأدت الحرب إلى تقسيم السودان إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على شمال وشرق البلاد، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على معظم إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب.

وعلى وقع انفجار القذائف المدفعية المستمر يعيش عشرات الآلاف في الفاشر دون مأوى أو طعام كافٍ، بينما تنتشر عدوى الكوليرا في غياب المياه النظيفة والرعاية الصحية.

فقدت حليمة هاشم، أم لـ4 أطفال وتبلغ 37 عاماً، زوجها في قصف مدفعي العام الماضي «حين كان يحاول شراء مستلزمات البيت»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت: «بعد مقتل زوجي انتقلنا لمخيم زمزم (للنازحين في ضواحي الفاشر)، لكن قوات الدعم السريع هاجمته فرجعنا إلى الفاشر»، مضيفة: «الوضع صعب، لكن الخروج (من الفاشر) خطر ومكلف ونحن لا نملك المال».

في الأشهر الأخيرة، كثَّفت «قوات الدعم السريع» هجماتها على إقليم دارفور، وكردفان بجنوب البلاد في محاولة لإيجاد توازن مع الجيش الذي أخرجها من العاصمة الخرطوم ومدن رئيسية أخرى في وسط البلاد.

ومنذ ذلك الحين تشهد الفاشر ومخيمات اللجوء المحيطة بها أعمال عنف متواصلة تستهدف أسواقاً وأحياء مدنية.

في أبريل (نيسان) أودى قصف مدفعي عنيف على مخيم زمزم، أحد أكبر مخيمات النازحين المحيطة بالفاشر، بالمئات، وأدى إلى فرار نحو نصف مليون من سكانه انتهى بهم المطاف في شوارع الفاشر ومدن شمال دارفور.

وتحذِّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن الفاشر أصبحت «بؤرة لمعاناة الأطفال».

ويقول محمد خميس دودة، عامل إغاثة نزح من مخيم زمزم إلى الفاشر في أبريل، إن «المدينة تعاني من المجاعة... وكوارث أخرى».

وأوضح دودة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن الأمراض منتشرة، بينما لا توجد مياه نظيفة أو أدوية؛ ما يؤثر بشكل خاص على المصابين بالشظايا أو طلقات الرصاص.

وشدَّد: «نحن نرسل صوتنا لكل الجهات؛ للتدخل الفوري لاحتواء أزمة انتهاك حقوق الإنسان بشكل صارخ، وإجبار المقاتلين من الطرفين» على وقف الحرب «وإنقاذ مَن تبقَّى».

طريق تملأه الجثث

بينما تحاصر الحرب مئات الآلاف داخل الفاشر، يقول مَن حاولوا الفرار للمدن المحيطة، إن الطريق تملأه الجثث.

وبفعل الحصار والهجمات العنيفة، لا تدخل المساعدات إلى المدينة التي لم تشهد حركة تجارية منذ أشهر، بينما انقطعت عنها الاتصالات؛ ما يجعل الحصول على صور عن الحياة اليومية تحدياً كبيراً.

ويفيد السكان بأن تصوير أماكن معينة قد يعرِّضهم للهجمات.

وتوضِّح لقطات نادرة حصلت عليها «وكالة الصحافة الفرنسية»، مجموعات من 5 أو 6 أشخاص يتشاركون طبقاً واحداً في تكية (مطبخ جماعي) يملأها الدخان، بينما يبدو عليهم الهزال.

بالقرب منهم تستخدم نساء عصياً خشبية لتقليب معجون بني ثقيل يغلي في قدور وُضعت على مواقد من جذوع الشجر، بينما ينخل الرجال مسحوقاً من دقيق الدخن والذرة إذا توافر، ويستبدلون به علفاً حيوانياً في كثير من الأيام.

يخيّم على المشهد صمت ثقيل لا تقطعه إلا أصوات طلقات الرصاص.

متطوعون سودانيون يعدّون وجبات مجانية لبعض سكان مدينة الفاشر في منطقة دارفور... 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وفي الآونة الأخيرة، باتت تقدّم التكايا وجبةً مجانيةً واحدةً في اليوم، بدلاً من اثنتين، في ظل نقص المواد الغذائية.

الأسبوع الحالي، توفيت أم وأطفالها الـ3، وجدتاهم بعدما تغذوا لأسابيع على العلف الحيواني، بحسب متطوعين إغاثيِّين.

وأعلنت الأمم المتحدة المجاعة في مخيمي «زمزم» و«أبو شوك» بالقرب من الفاشر، محذِّرةً من أن 40 في المائة من الأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد، أو سوء التغذية الحاد الشديد.

وقال آدم عيسى، أحد المتطوعين المحليين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه خلال الشهر الحالي، بلغ معدل وفيات الأطفال في مخيم «أبو شوك» وحده 5 أطفال يومياً.

يأخذ إبراهيم عيسى (47 عاماً) وزوجته أطفالهما الـ6 إلى التكية «حينما تكون الأوضاع هادئة لنتناول الوجبة، ثم تعود زوجتي للمنزل مع الأطفال، وأذهب أنا لإحضار المياه». ويقول: «أما في حالة القصف فنظل بالمنزل وندخل الخندق الذي حفرناه قبل 9 أشهر».

الأمن أو الطعام

خلال 10 أيام فقط في أغسطس (آب) الحالي، قتلت الهجمات العنيفة 89 شخصاً على الأقل في الفاشر ومخيم أبو شوك، بحسب الأمم المتحدة.

واستهدفت هجمات «الدعم السريع» كذلك مطار الفاشر، وأحياء سكنية، ومقراً للشرطة المحلية.

في محاولة للنجاة، يتجه كثيرون غرباً إلى مدينة طويلة على بعد نحو 70 كيلومتراً، إلا أن بعضهم يفقد حياته من الجوع والعطش على الطريق، وفقاً لمتطوعين محليين.

ويفيد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في طويلة بأن معظم النازحين إليها يعانون من الصدمة والإرهاق، بالإضافة إلى إصابة كثير بطلقات الرصاص.

حاول إبراهيم عيسى بالفعل الفرار من الفاشر مع عائلته في مايو (أيار)، ولكن الاشتباكات العنيفة منعتهم.

أما صالح عيسى (42 عاماً) فمشى مع عائلته لـ3 أيام حتى وصلوا إلى طويلة.

وقال: «كنا نسير في الليل لتفادي نقاط التفتيش، ونقضي النهار في ظل شجرة، وبعد 3 أيام بلغنا طويلة».

الوضع في طويلة «أمان... لا يوجد قصف» بحسب عيسى، لكن «الحصول على الأكل والمياه صعب».


مقالات ذات صلة

«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

خاص صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)

«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

تحولت «التكايا» وهي مبادرات تطوعية لإطعام المحتاجين، إلى شريان حياة لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها، وأصبحت عاجزة عن تأمين وجباتها بسبب الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
رياضة عربية فرحة أحمد سالم بهدف الهلال الثاني في إيجل نوار (نادي الهلال)

«أبطال أفريقيا»: الهلال السوداني يهزم إيجل نوار بملعبه

سجل الهلال السوداني هدفاً في كل شوط ليفوز 2 - صفر على مضيّفه إيجل نوار في بوروندي في ذهاب الدور التمهيدي بدوري أبطال أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (بوجومبورا (بروندي))
تحليل إخباري جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

تحليل إخباري هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

لم تعد المخاوف من تحول حرب السودان إلى نزاع إقليمي مجرد تقديرات يطرحها مراقبون، بل تجاوزتها إلى ضربات واتهامات متبادلة ما يثير القلق الدولي

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا قاعدة أصوصا

السودان يرصد تحركات عسكرية على الحدود مع إثيوبيا

قال محافظ مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، عبد العاطي محمد الفكي، إن الجيش «يمتلك زمام المبادرة» رغم هجمات المسيّرات من إثيوبيا.

وجدان طلحة (الخرطوم)
الاقتصاد بائع يبيع الفاكهة في سوق بمدينة أم درمان بالخرطوم (أ.ف.ب)

انهيار جديد للجنيه السوداني يُعمّق التدهور المعيشي جراء الحرب

سجل الجنيه السوداني انهياراً جديداً ليعادل نحو 6400 جنيه مقابل الدولار خلال أيام قليلة ليفقد أكثر من 90 % من قيمته وهو أدنى مستوى له منذ اندلاع الحرب 

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مصر وباكستان تؤكدان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
TT

مصر وباكستان تؤكدان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)

أكَّدت مصر وباكستان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في 18 يونيو (حزيران) الماضي بين الولايات المتحدة وإيران، والتوصل إلى اتفاق شامل ومستدام يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي ويجنب المنطقة اتساع نطاق الصراع.

جاء ذلك في اتصال هاتفي جرى أمس السبت بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، في إطار الحرص المشترك على التنسيق والتشاور المستمر بشأن التطورات الإقليمية، وفق بيان للخارجية المصرية اليوم الأحد.

وطبقاً للبيان، تبادل الوزيران التقييمات إزاء الملفات الإقليمية، والجهود المبذولة لاحتواء التصعيد واستعادة الهدوء.

واتفق الوزيران خلال الاتصال على ضرورة استمرار التشاور والتنسيق الوثيق خلال المرحلة المقبلة، على المستوى الثنائي وفي إطار آلية الأطراف الإقليمية الأربعة، بما يدعم المساعي المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتصاعدت حدة المواجهة مرة أخرى بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الماضية، وضرب الجيش الأميركي ثلاث ناقلات إيرانية للنفط الخام، إحداها قبالة جزيرة خرج، رداً على إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين، فيما بدا اتساعاً لحرب الناقلات في مضيق هرمز.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تسيطر على «هرمز»، وقلل من أهميته مستقبلاً، كما لوَّح بضرب «جبل الفأس» قرب نطنز «قريباً جداً» إذا رصدت واشنطن تطورات تثير قلقها.


فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
TT

فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

أعلنت الحماية المدنية الجزائرية، السبت، أن فرق الإنقاذ عثرت على الطفل أيوب البالغ 10 سنوات ميتاً، بعد جهود مضنية بُذلت لإخراجه من بئر ارتوازية جافة وقع فيها قبل 4 أيام في ولاية البيّض بجنوب غربي البلاد.

وجاء في بيان للحماية المدنية: «تبعاً لعملية إنقاذ طفل سقط في بئر ارتوازية جافة بالمكان المسمى قرية الركنة بلدية غسول بولاية البيّض، تم العثور على مكان الطفل، وانتشاله متوفى، رحمة الله عليه».

وكان الطفل قد سقط داخل البئر، يوم الأربعاء الماضي، في قرية الركن الواقعة بين الطريقين الوطنيين رقم 107 و47 بولاية البيّض، قبل أن تتدخل فرق الحماية المدنية لبدء عملية إنقاذ معقدة بسبب ضيق البئر وعمقه.

ويبلغ عمق البئر نحو 80 متراً، فيما لا يتجاوز قطره 40 سنتيمتراً، ما جعل الوصول إلى الطفل وانتشاله مهمة بالغة الصعوبة، واستدعى تسخير إمكانيات بشرية ومادية كبيرة، بمشاركة السلطات المحلية ومختلف الهيئات.

وبعد أيام من عمليات الحفر والبحث، تمكنت فرق الإنقاذ من تحديد موقع الطفل داخل البئر، قبل انتشاله، لتؤكد الحماية المدنية لاحقاً وفاته.


«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
TT

«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)

تحولت «التكايا»، وهي مطابخ خيرية تديرها مبادرات تطوعية لتقديم الطعام إلى المحتاجين والمتضررين من الحرب في السودان، إلى شريان حياة لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها، وأصبحت عاجزة عن تأمين وجباتها اليومية في ظل الغلاء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وفي مدينة أم درمان، يجد نازحون وسكان أنهكتهم الحرب في هذه المطابخ ملاذاً للحصول على ما تيسر من الطعام، بعدما بات شراء الاحتياجات الأساسية يفوق قدرة كثير من الأسر، نتيجة تدنّي الدخول، وتعطل النشاط الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، لكن المبادرات التي تسد جانباً من الفجوة الغذائية باتت تواجه بدورها نقصاً حاداً في التمويل وارتفاعاً في تكاليف التشغيل؛ ما يجعل استمرارها مرهوناً بتبرعات فاعلي الخير ودعم الجهات المانحة، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر التي تعتمد عليها للحصول على وجبة يومية.

أوضاع معيشية قاسية

يقول الصادق صديق، المشرف على إحدى التكايا، إن مبادرته انطلقت في يونيو (حزيران) 2023 بقدر واحدة من «البليلة العدسية»، وهي وجبة شعبية تُعد من العدس، تم توزيعها على الجيران والمارة، قبل أن يقوم بإضافة قدر أخرى من الفول، بمساعدة بعض المتبرعين. ومع التعريف بأنشطة التكية عبر منصات التواصل الاجتماعي، اتسعت تدريجياً دائرة الداعمين.

مجموعة من الشباب يساعدون في توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

ويضيف صديق لـ«الشرق الأوسط» أن التكية وسّعت أنشطتها مع استمرار الحرب وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، وأصبحت تُعد يومياً نحو 20 قدراً كبيرة من الطعام للنازحين والمتضررين في أم درمان، يستفيد منها قرابة 5 آلاف شخص، ينتمون إلى نحو 700 أسرة. ويشير إلى أن نقص التمويل تسبب في توقف التكية عن العمل مرات عدة، لكنها كانت تستأنف نشاطها في كل مرة لتلبية احتياجات الأسر، فضلاً عن توفير وجبات إفطار لطلاب المدارس.

وعلى الرغم من عودة أعداد من النازحين إلى مناطقهم بعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم، لا تزال الأوضاع المعيشية لكثير من الأسر بالغة الصعوبة. ويؤكد صديق أن «استمرار عمل التكية أصبح ضرورة لا غنى عنها».

ويعاني ملايين السودانيين تداعيات الحرب المستمرة، في ظل تراجع الدخول وتعطل قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما دفعت الأزمة نحو نصف سكان البلاد إلى دائرة الاحتياج إلى المساعدات الإنسانية، وفق تقديرات أممية.

معاناة مستمرة

من بين المستفيدين أم سترة حامد، وهي امرأة ستينية نزحت من مدينة النهود بولاية غرب كردفان. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «وصلت إلى أم درمان برفقة أطفالي الأيتام بعد رحلة طويلة وشاقة عانينا خلالها كثيراً، وأعيش حالياً في ظروف معيشية بالغة الصعوبة». وتضيف: «لا أملك مصدراً ثابتاً للدخل، ولا أستطيع توفير ما يكفي من الطعام لأطفالي؛ لذلك نعتمد بصورة أساسية على الوجبات التي تقدمها التكية. بالنسبة إلينا، لا تمثل هذه الوجبات مجرد مساعدة، بل وسيلة للبقاء على قيد الحياة في هذه الظروف القاسية».

ولا تختلف معاناة فاطمة يوسف، وهي أم لسبع بنات، كثيراً عن ذلك. وتقول: «نزحت من غرب كردفان برفقة بناتي السبع، وغادرنا منزلنا بالملابس التي كنا نرتديها فقط، وسط ظروف لا إنسانية. ومنذ وصولنا، نواجه صعوبة شديدة في توفير أبسط متطلبات الحياة، وفي مقدمتها الطعام». وتضيف: «وضعنا المعيشي صعب للغاية، ولا نملك ما يكفي لإطعام بناتي. أعتمد على التكية في الحصول على الوجبات، وقد تسلمت اليوم حصتنا من حساء العدس، لكنني لا أمتلك حتى خبزاً جافاً يمكننا تناوله معه».

النازحة فاطمة يوسف تنتظر توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

بدوره، يقول الهادي البدوي، وهو أحد المستفيدين، إن التكايا وقفت إلى جانب السكان منذ اندلاع الحرب، وتحولت بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى مصدر أساسي للطعام مع التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية. ويضيف: «كنت أعتمد على الأعمال اليومية الحرة لتوفير احتياجات أسرتي، لكن الحرب وما خلفته من أوضاع كارثية أدتا إلى تراجع فرص العمل بصورة كبيرة، وأصبحت أقضي أياماً كثيرة من دون عمل أو دخل». ويتابع: «الأوضاع المعيشية متردية للغاية؛ ولذلك أصبحت الوجبات التي تقدمها التكايا سنداً حقيقياً للأسر التي فقدت مصادر دخلها، ولم تعد قادرة على توفير الطعام لأفرادها».

أزمة جوع متفاقمة

في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، تظل التكايا شاهدة على وجه آخر للحرب؛ إذ أصبحت أسر كانت تعتمد على عملها ودخلها في توفير الطعام تنتظر وجبة تقدمها مبادرة خيرية. ومع اتساع دائرة المحتاجين وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تواجه هذه المطابخ بدورها خطر التوقف بسبب شح التمويل، وصعوبة توفير مستلزمات الطهي بصورة منتظمة.

صفوف طويلة من المستفيدين من التكية (الشرق الأوسط)

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده، وأثقلت كاهل مواطنيه، لم تعد وجبة الطعام بالنسبة إلى كثير من الأسر أمراً يمكن عده من المسلَّمات، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء، بينما تحاول التكايا، بإمكاناتها المحدودة، سد جزء من الفجوة المتزايدة. وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قد حذر، في أحدث تحديث لعملياته الإنسانية في السودان خلال أغسطس (آب) الماضي، من أن البلاد لا تزال تواجه أكبر أزمة جوع في العالم، بينما يهدد النقص الحاد في التمويل قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة عمليات الإغاثة، وسط استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد. وذكر البرنامج أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتعطل الإنتاج الزراعي، والارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية.