سكان الفاشر السودانية يعانون الجوع في ظل أعنف هجمات منذ بدء الحرب

يتم فحص أطفال سودانيين بحثاً عن سوء التغذية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عبورهم عند نقطة حدود جودا الجنوبية بولاية أعالي النيل جنوب السودان (رويترز - أرشيفية)
يتم فحص أطفال سودانيين بحثاً عن سوء التغذية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عبورهم عند نقطة حدود جودا الجنوبية بولاية أعالي النيل جنوب السودان (رويترز - أرشيفية)
TT

سكان الفاشر السودانية يعانون الجوع في ظل أعنف هجمات منذ بدء الحرب

يتم فحص أطفال سودانيين بحثاً عن سوء التغذية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عبورهم عند نقطة حدود جودا الجنوبية بولاية أعالي النيل جنوب السودان (رويترز - أرشيفية)
يتم فحص أطفال سودانيين بحثاً عن سوء التغذية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد عبورهم عند نقطة حدود جودا الجنوبية بولاية أعالي النيل جنوب السودان (رويترز - أرشيفية)

في مدينة الفاشر المُحاصَرة بإقليم دارفور غرب السودان، أخذت الحرب منحى عنيفاً في الأسابيع الأخيرة، بينما لا يجد السكان مفراً من الجوع والموت.

منذ أكثر من عام، تحاصر «قوات الدعم السريع» الفاشر، عاصمة شمال دارفور، وهي العاصمة الوحيدة في الإقليم الشاسع التي لا تزال تحت سيطرة الجيش، إلا أن شهود عيان وطواقم إغاثة يتحدثون في الأسابيع الأخيرة عن هجمات لـ«الدعم السريع» هي الأعنف منذ بدء الحرب، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودخلت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» عامها الثالث، وقد أودت بعشرات الآلاف، وأجبرت الملايين على النزوح، بينما ينتشر الجوع في معظم أنحاء البلاد.

أطفال فروا من السودان الذي مزقته الحرب يصلون إلى مركز المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الرنك بالقرب من نقطة عبور الحدود بمقاطعة الرنك بولاية أعالي النيل بجنوب السودان (رويترز - أرشيفية)

وأدت الحرب إلى تقسيم السودان إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على شمال وشرق البلاد، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على معظم إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب.

وعلى وقع انفجار القذائف المدفعية المستمر يعيش عشرات الآلاف في الفاشر دون مأوى أو طعام كافٍ، بينما تنتشر عدوى الكوليرا في غياب المياه النظيفة والرعاية الصحية.

فقدت حليمة هاشم، أم لـ4 أطفال وتبلغ 37 عاماً، زوجها في قصف مدفعي العام الماضي «حين كان يحاول شراء مستلزمات البيت»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت: «بعد مقتل زوجي انتقلنا لمخيم زمزم (للنازحين في ضواحي الفاشر)، لكن قوات الدعم السريع هاجمته فرجعنا إلى الفاشر»، مضيفة: «الوضع صعب، لكن الخروج (من الفاشر) خطر ومكلف ونحن لا نملك المال».

في الأشهر الأخيرة، كثَّفت «قوات الدعم السريع» هجماتها على إقليم دارفور، وكردفان بجنوب البلاد في محاولة لإيجاد توازن مع الجيش الذي أخرجها من العاصمة الخرطوم ومدن رئيسية أخرى في وسط البلاد.

ومنذ ذلك الحين تشهد الفاشر ومخيمات اللجوء المحيطة بها أعمال عنف متواصلة تستهدف أسواقاً وأحياء مدنية.

في أبريل (نيسان) أودى قصف مدفعي عنيف على مخيم زمزم، أحد أكبر مخيمات النازحين المحيطة بالفاشر، بالمئات، وأدى إلى فرار نحو نصف مليون من سكانه انتهى بهم المطاف في شوارع الفاشر ومدن شمال دارفور.

وتحذِّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن الفاشر أصبحت «بؤرة لمعاناة الأطفال».

ويقول محمد خميس دودة، عامل إغاثة نزح من مخيم زمزم إلى الفاشر في أبريل، إن «المدينة تعاني من المجاعة... وكوارث أخرى».

وأوضح دودة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن الأمراض منتشرة، بينما لا توجد مياه نظيفة أو أدوية؛ ما يؤثر بشكل خاص على المصابين بالشظايا أو طلقات الرصاص.

وشدَّد: «نحن نرسل صوتنا لكل الجهات؛ للتدخل الفوري لاحتواء أزمة انتهاك حقوق الإنسان بشكل صارخ، وإجبار المقاتلين من الطرفين» على وقف الحرب «وإنقاذ مَن تبقَّى».

طريق تملأه الجثث

بينما تحاصر الحرب مئات الآلاف داخل الفاشر، يقول مَن حاولوا الفرار للمدن المحيطة، إن الطريق تملأه الجثث.

وبفعل الحصار والهجمات العنيفة، لا تدخل المساعدات إلى المدينة التي لم تشهد حركة تجارية منذ أشهر، بينما انقطعت عنها الاتصالات؛ ما يجعل الحصول على صور عن الحياة اليومية تحدياً كبيراً.

ويفيد السكان بأن تصوير أماكن معينة قد يعرِّضهم للهجمات.

وتوضِّح لقطات نادرة حصلت عليها «وكالة الصحافة الفرنسية»، مجموعات من 5 أو 6 أشخاص يتشاركون طبقاً واحداً في تكية (مطبخ جماعي) يملأها الدخان، بينما يبدو عليهم الهزال.

بالقرب منهم تستخدم نساء عصياً خشبية لتقليب معجون بني ثقيل يغلي في قدور وُضعت على مواقد من جذوع الشجر، بينما ينخل الرجال مسحوقاً من دقيق الدخن والذرة إذا توافر، ويستبدلون به علفاً حيوانياً في كثير من الأيام.

يخيّم على المشهد صمت ثقيل لا تقطعه إلا أصوات طلقات الرصاص.

متطوعون سودانيون يعدّون وجبات مجانية لبعض سكان مدينة الفاشر في منطقة دارفور... 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وفي الآونة الأخيرة، باتت تقدّم التكايا وجبةً مجانيةً واحدةً في اليوم، بدلاً من اثنتين، في ظل نقص المواد الغذائية.

الأسبوع الحالي، توفيت أم وأطفالها الـ3، وجدتاهم بعدما تغذوا لأسابيع على العلف الحيواني، بحسب متطوعين إغاثيِّين.

وأعلنت الأمم المتحدة المجاعة في مخيمي «زمزم» و«أبو شوك» بالقرب من الفاشر، محذِّرةً من أن 40 في المائة من الأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد، أو سوء التغذية الحاد الشديد.

وقال آدم عيسى، أحد المتطوعين المحليين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه خلال الشهر الحالي، بلغ معدل وفيات الأطفال في مخيم «أبو شوك» وحده 5 أطفال يومياً.

يأخذ إبراهيم عيسى (47 عاماً) وزوجته أطفالهما الـ6 إلى التكية «حينما تكون الأوضاع هادئة لنتناول الوجبة، ثم تعود زوجتي للمنزل مع الأطفال، وأذهب أنا لإحضار المياه». ويقول: «أما في حالة القصف فنظل بالمنزل وندخل الخندق الذي حفرناه قبل 9 أشهر».

الأمن أو الطعام

خلال 10 أيام فقط في أغسطس (آب) الحالي، قتلت الهجمات العنيفة 89 شخصاً على الأقل في الفاشر ومخيم أبو شوك، بحسب الأمم المتحدة.

واستهدفت هجمات «الدعم السريع» كذلك مطار الفاشر، وأحياء سكنية، ومقراً للشرطة المحلية.

في محاولة للنجاة، يتجه كثيرون غرباً إلى مدينة طويلة على بعد نحو 70 كيلومتراً، إلا أن بعضهم يفقد حياته من الجوع والعطش على الطريق، وفقاً لمتطوعين محليين.

ويفيد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في طويلة بأن معظم النازحين إليها يعانون من الصدمة والإرهاق، بالإضافة إلى إصابة كثير بطلقات الرصاص.

حاول إبراهيم عيسى بالفعل الفرار من الفاشر مع عائلته في مايو (أيار)، ولكن الاشتباكات العنيفة منعتهم.

أما صالح عيسى (42 عاماً) فمشى مع عائلته لـ3 أيام حتى وصلوا إلى طويلة.

وقال: «كنا نسير في الليل لتفادي نقاط التفتيش، ونقضي النهار في ظل شجرة، وبعد 3 أيام بلغنا طويلة».

الوضع في طويلة «أمان... لا يوجد قصف» بحسب عيسى، لكن «الحصول على الأكل والمياه صعب».


مقالات ذات صلة

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

العالم العربي سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)

العيد والحرب في السودان

يدخل السودانيون عيد الأضحى هذا العام فيما تدخل الحرب عامها الرابع، وسط واقع إنساني واقتصادي قاس غيّر ملامح العيد، وأفقده كثيراً من معانيه الاجتماعية الراسخة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جانب من مؤتمر «قوى إعلان المبادئ السوداني» الذي انعقد بالعاصمة الكينية نيروبي يومي الجمعة والسبت (إعلام محلي)

قوى سودانية تتوافق على مسار جديد لوقف الحرب

أجازت قوى سياسية ومدنية سودانية في العاصمة الكينية نيروبي ميثاق «إعلان المبادئ الثاني» وخريطة طريق لوقف الحرب والانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الخليج طغت دموع الفرح ومشاعر الوصول على مشاق الانتظار والسفر (الشؤون الإسلامية)

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

في مشهدٍ يفيض بالروحانية والخشوع، رصدت «الشرق الأوسط» اللحظات الأولى لوصول دفعة الحجاج السودانيين إلى مقر إقامتهم في أحد الفنادق الكبرى بوسط مكة المكرمة.

عمر البدوي (مكة المكرمة)
العالم العربي أعمدة الدخان تتصاعد من داخل مطار الخرطوم على أثر اشتباكات سابقة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة قادمة من إثيوبيا

أعلن الجيش السوداني، اليوم السبت، إسقاط مسيرة معادية بولاية النيل الأزرق قادمة من إثيوبيا. وقال الجيش السوداني، في بيان صحافي اليوم، إن «القوات المسلحة…

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الأحزاب المصرية والمساعدات العينية… دور مثير للجدل

قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)
قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)
TT

الأحزاب المصرية والمساعدات العينية… دور مثير للجدل

قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)
قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)

مثل غيره من الأعياد والمناسبات الكبرى، يبرز عيد الأضحى في مصر كمسرح مناسب لظهور النشاط الاجتماعي للأحزاب السياسية، سواء عبر تنظيم ساحات صلاة العيد وتوزيع الهدايا و«العيديات»، أو من خلال مبادرات اجتماعية سبقت العيد بطرح لحوم وسلع غذائية وملابس بأسعار مدعمة، في مشهد يتكرر، خاصة في المواسم الدينية.

وشهدت محافظات عدة نشاطاً مكثفاً لأحزاب الأغلبية البرلمانية، مثل «مستقبل وطن» و«الجبهة الوطنية»، و«حماة الوطن»، التي تقول إن هذه التحركات تندرج ضمن «الدور المجتمعي»؛ بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، في حين يرى معارضون أنها «تمثل خلطاً بين العمل السياسي والعمل الخيري، ومحاولة لاكتساب الشعبية في ظل الضغوط الاقتصادية».

قيادي في حزب «حماة الوطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)

وكان هناك حضور لافت لـ«مستقبل وطن» في محافظة الإسكندرية بشمال مصر في أول أيام عيد الأضحى، حيث نظم ساحات لصلاة العيد في أحياء كرموز والورديان واللبان والدخيلة، مع توزيع الهدايا والحلوى على الأطفال، بمشاركة واسعة من قيادات الحزب ونوابه.

كما شهدت محافظات الدلتا، من كفر الشيخ إلى دمياط، فعاليات مشابهة نظمتها كوادر «حماة الوطن» و«مستقبل وطن»، تضمنت توزيع الألعاب و«العيديات» على الأطفال، وتنظيم لقاءات مباشرة مع الأهالي.

وفي الصعيد، حرصت «الجبهة الوطنية» على الحضور في ساحات صلاة العيد بمحافظات عدة، بينها أسيوط، مع توزيع الهدايا و«العيديات» على الأطفال، في إطار إبراز الدور المجتمعي للحزب وتعزيز التواصل مع المواطنين.

وقبل حلول عيد الأضحى، أطلق حزب «مستقبل وطن» مبادرة «أضحى الخير 2026» لتوزيع اللحوم والمواد الغذائية على الأسر الأولى بالرعاية، إلى جانب مبادرة لبيع الملابس بأسعار مخفضة قبل العيد؛ في حين أعلن حزبا «الجبهة الوطنية» و«حماة الوطن» مبادرات مماثلة لطرح اللحوم والسلع الأساسية بأسعار مدعمة عبر منافذ ثابتة وأخرى متنقلة في عدد من المحافظات.

الظروف الاقتصادية

ويبدي قطاع من المواطنين ارتياحاً لهذه المبادرات التي لا تُعدّ الأولى من نوعها؛ إذ سبق أن كثفت الأحزاب نفسها أنشطتها خلال شهر رمضان وعيد الفطر الماضيين، عبر توزيع صناديق المواد الغذائية وحقائب رمضان واللحوم على الأسر الأكثر احتياجاً، ضمن حملات ومبادرات تحمل طابعاً خدمياً واجتماعياً.

قيادي في حزب «الجبهة الوطنية» خلال توزيع هدايا على الأطفال في أسيوط بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)

ويرى منظمو هذه المبادرات أن الأحزاب تؤدي دوراً مطلوباً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، خاصة مع موجات الغلاء الأخيرة وارتفاع أسعار الوقود وما تبعها من زيادة في أسعار السلع واللحوم والأضاحي، حيث تراوحت الزيادات في بعض الأنواع بين 10 و22 في المائة مقارنة بالعام الماضي، واقترب سعر كيلوغرام اللحم البلدي من 500 جنيه في بعض المناطق.

وقال حسام الخولي، الأمين العام لـ«مستقبل وطن»، إن المبادرات التي ينظمها الحزب تستهدف «التخفيف عن المواطن البسيط في ظل الظروف الاقتصادية الحالية»، مؤكداً أن الحزب «جزء من الدولة المصرية»، وأن دعم المواطنين يمثل «واجباً وطنياً واجتماعياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المبادرات «لن يكون لها مبرر عندما تصل البلاد إلى مستوى أفضل من الرفاهية الاقتصادية»، مشيراً إلى أن الحزب يعمل على «حشد جهود رجال الأعمال في مبادرات منظمة تضمن عدالة التوزيع بدلاً من الجهود الفردية».

قيادي في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع مساعدات عينية قبل عيد الأضحى (الصفحة الرسمية للحزب)

وتهيمن الأحزاب الثلاثة على الكتلة الأكبر داخل البرلمان المصري بغرفتيه؛ إذ يسيطر «مستقبل وطن» على نحو 227 مقعداً في مجلس النواب، أي قرابة 40 في المائة، مقابل نحو 87 مقعداً لـ«حماة الوطن»، أي بنسبة 15 في المائة، و65 مقعداً لـ«الجبهة الوطنية»، أي 11 في المائة. أما في مجلس الشيوخ، فيتصدر «مستقبل وطن» بنحو 118 مقعداً، يليه «حماة الوطن» بنحو 72 مقعداً، ثم «الجبهة الوطنية» بنحو 45 مقعداً.

جدال حول دور الأحزاب

في المقابل، يرى معارضون أن هذه الأنشطة تعكس ابتعاد الأحزاب عن أدوارها السياسية الأساسية.

وقال أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس «الحركة المدنية» المعارضة، لـ«الشرق الأوسط» إن المساعدات التي تقدمها بعض الأحزاب «تستهدف بالأساس كسب شعبية»، وإنها «تمثل تحولاً من العمل السياسي إلى أدوار أقرب للجمعيات الأهلية».

وأضاف: «الأحزاب يفترض أن تنشغل بتنشيط الوعي السياسي وصياغة السياسات القادرة على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من الاكتفاء بتوزيع إعانات موسمية»، مشيراً إلى أن هذه المساعدات «لا تمثل حلاً حقيقياً للفقر بقدر ما تغطي على اتساعه».

وأبدى عماد جاد، نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» السابق، تحفظات مماثلة، عادَّاً أن لجوء الأحزاب الكبرى إلى توزيع مساعدات خلال الأعياد يمثل «خروجاً عن دورها الرئيسي».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة الأساسية للأحزاب هي «طرح برامج سياسية تنحاز للمواطن البسيط وتساعده في الحصول على حقوقه الأساسية في الغذاء والسكن والتعليم والصحة»، مضيفاً أن الدور الأصيل للأحزاب يتمثل أيضاً في «تقديم نواب برلمانيين قادرين على محاسبة الحكومة ومراقبة أدائها، وليس الاكتفاء بأدوار خدمية موسمية».

واستطرد قائلاً: «إذا كانت الأحزاب ترغب في تقديم مساعدات للمواطنين، فمن الأفضل أن يكون ذلك عبر المبادرات الحكومية أو الجمعيات الأهلية، بدلاً من الظهور المباشر قبيل الأعياد بصورة موسمية تذكّر المواطن بوجودها».

وبين الرأيين، يبرز اتجاه ثالث يرى أن الإشكال لا يتعلق بتقديم الدعم نفسه، بل بمدى الشفافية وعدم استغلال هذه المساعدات لتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى نماذج دولية تسمح للأحزاب بأداء أدوار اجتماعية، مقابل وجود رقابة واضحة على التمويل وآليات الإنفاق، بما يمنع العمل الخدمي من أن يتحول أداةً للدعاية السياسية الموسمية، وهي رؤية مصطفى ثابت، الكاتب بصحيفة «الفجر» الإلكترونية.


19 ميناء و70 صومعة مطوَّرة... مصر تسعى للتحول «مركزاً دولياً للحبوب»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)
TT

19 ميناء و70 صومعة مطوَّرة... مصر تسعى للتحول «مركزاً دولياً للحبوب»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)

تدفع تحركات حكومية متواصلة في مصر نحو احتضان مركز عالمي لإمدادات الحبوب، وسط اضطرابات تواجهها السلاسل الغذائية مع كل تصعيد بالمنطقة.

وتستند تحركات مصر لتدشين ذلك المركز إلى موقعها المتميز ووجود 19 ميناء تجارياً وصوامع تم تطويرها وزيادة سعتها مؤخراً، وهو ما يراه خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، «توجهاً مصرياً للعب دور أكبر في استقرار الأمن الغذائي بالمنطقة وتأمين إمدادات العالم».

وفي تصريحات متلفزة الاثنين الماضي، قال عضو اتحاد الغرف التجارية بمصر، عمرو عبده، إن توجه الدولة لإنشاء مركز عالمي واستراتيجي لتخزين الحبوب «ضرورة حتمية» في ظل الاضطرابات والحروب الإقليمية المتلاحقة، لافتاً إلى أن شراكتها الاستراتيجية مع روسيا - أكبر مورد للحبوب بالعالم - تمنحها خبرات فنية وتقنيات حديثة في التخزين وتقليل الفاقد والرطوبة، إلى جانب تأمين واردات القمح بأسعار تنافسية.

ووفق ما ذكره وزير التموين شريف فاروق في لقاء مع وزيرة الزراعة بالاتحاد الروسي، أوكسانا لوت، في ختام المنتدى الدولي الخامس للحبوب الذي استضافته مدينة سوتشي من 20 إلى 23 مايو (أيار) الجاري؛ تستهدف مصر إنشاء «مركز لوجستي عالمي متكامل للحبوب والزيوت الصالحة للأكل، باعتباره أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التي تستهدف تحويلها إلى محور إقليمي وعالمي لتخزين وتداول وتصنيع الحبوب والغذاء».

صوامع لتخزين حبوب القمح في محافظة القليوبية المصرية (رويترز)

وأكد الوزير أن موقع مصر الجغرافي الاستراتيجي، وما تشهده من تطوير واسع في الموانئ والمناطق الاقتصادية وشبكات النقل، يوفر فرصاً واعدة للشركات والمؤسسات الروسية للمشاركة في هذا المشروع، سواء من خلال الاستثمار المباشر أو نقل التكنولوجيا والخبرات المتقدمة في مجالات التخزين والنقل وإدارة الصوامع والخدمات اللوجستية.

«نقلة نوعية»

تضم مصر الآن 70 صومعة على مستوى محافظاتها، مصممة بأحدث الأساليب التقنية، في إطار مشروع قومي يهدف إلى زيادة السعة التخزينية للقمح والحبوب والحفاظ على احتياطي استراتيجي لتأمين احتياجات الدولة، وفق بيانات مجلس الوزراء.

ويرى الخبير الاقتصادي وعضو اللجنة الاستشارية الاقتصادية في مجلس الوزراء، مدحت نافع، أن مصر تمتلك إمكانيات كثيرة لتنفيذ ذلك المشروع، مشيراً إلى موقعها المتميز ووجود 19 ميناء تجارياً بها وصوامع تم تطويرها وزيادة سعتها، بخلاف بنية تحتية للتخزين وإمكانية أن تكون ترانزيت للتصدير.

وأشار إلى أن تحويل مصر لمركز إقليمي يحتاج إنفاقاً استثمارياً كبيراً على السعة التخزينية والرقمنة وتطوير شبكات النقل، وقال إن التحول «يبدو واقعياً في ظل شراكة مع روسيا، المصدّر الأكبر للحبوب».

بدوره، قال رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي، إن «توجه مصر نحو تأسيس مركز عالمي للحبوب من شأنه أن يحقق للبلاد نقلة نوعية وحضارية غير مسبوقة، لتلعب دوراً أكبر في تأمين سلاسل الإمدادات عالمياً، في ظل موقعها الجغرافي المتميز الذي يربط بين الشرق والغرب، وكونها البوابة الرئيسية للقارة الأفريقية».

وأكد أن «مصر تمتلك كل المقومات المؤهلة لتكون أكبر مركز لوجستي عالمي لتجارة الحبوب في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس»، التي قال إنها من أكثر المواقع ملاءمة وقدرة على النفاذ إلى مختلف أنحاء العالم.

مناقشات مستمرة

في 20 أبريل (نيسان) الماضي، عقد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي اجتماعاً لمتابعة مستجدات إنشاء مركز عالمي لتخزين وتوريد وتجارة الحبوب والزيوت، وسط تأكيد بأن دراسات فنية تُعَد لمناقشة الأمر بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وقيادات عدة دول، بهدف تعزيز التعاون في هذا المجال لتحقيق الأمن الغذائي.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مجتمعاً بعدد من وزراء اللجنة الاقتصادية (أرشيفية - مجلس الوزراء)

وفي 26 أبريل، أعلنت الهيئة البحرية الروسية أن مساعد الرئيس الروسي ورئيس الهيئة البحرية، نيكولاي باتروشيف، ناقش خلال اجتماع في القاهرة مع وزير النقل المصري، كامل الوزير، آفاق إنشاء مركز للحبوب والطاقة في مصر، حسب ما نقلته شبكة «روسيا اليوم» وقتها.

وأضاف المسؤول الروسي أن بلاده، باعتبارها المصدر الأول للغذاء عالمياً، تنوي توجيه حصة كبيرة من صادراتها نحو جنوب آسيا وأفريقيا عبر الأراضي المصرية.

ويؤكد نافع أهمية ضخ استثمارات أجنبية كبيرة من دول عديدة في هذا المشروع باعتبارها ستكون مستفيدة منه، متوقعاً عوائد مالية كبيرة تقلل فاتورة الاستيراد المصري واضطرابات الأمن الغذائي بالعالم.

وقال الشافعي إن المشروع «واعد للغاية في حال توفرت النية الصادقة والتعاون المشترك لتفعيله، والعمل بشكل مستمر وفعال لتأسيسه وتوقيع الاتفاقيات اللازمة مع الدول المنتجة للحبوب»، لافتاً إلى أن الحبوب في الوقت الراهن تتطلب مناطق وملاذات آمنة لتخزينها وتداولها.

وأقر بوجود تحديات أمام المشروع، لكنه أضاف: «خطوات مصر في هذا الصدد وعلاقاتها قادرة على تجاوز تلك التحديات ونيل دعم دولي لرؤيتها في ألا تقتصر على كونها مركزاً لتجارة الحبوب فحسب، بل مركزاً تجارياً ولوجستياً عالمياً».


إلى أي مدى يسهم التحرك التركي في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
TT

إلى أي مدى يسهم التحرك التركي في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)

بعد أكثر من عقد على الانقسام العسكري والأمني في ليبيا، أعادت المناورات العسكرية التي استضافتها تركيا مؤخراً، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد العام، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة تحركات أنقرة على دفع هذا المسار المعقّد إلى الأمام.

وشهدت مناورات «أفس - 2026»، التي أُجريت بمدينة إزمير غرب تركيا في 21 مايو (أيار) الحالي، مشاركة 331 عنصراً من شرق ليبيا التابعين لـ«الجيش الوطني الليبي»، و171 عنصراً من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب البلاد، ضمن تدريبات ضمّت وفوداً عسكرية من نحو 30 دولة.

وتؤكد أنقرة في خطابها الرسمي، دعمها لفكرة «ليبيا واحدة وجيش واحد»، عبر تعزيز التنسيق والتدريب المشترك بين الأطراف الليبية.

المشير حفتر خلال حضوره مناورة «درع الكرامة 2» - 21 مايو (إعلام القيادة العامة)

وتلقى المشاركون الليبيون تدريبات في مجالات القوارب والزوارق، والألغام والعبوات الناسفة، والتحصينات، وعمليات القوات الخاصة، ووحدات الدعم الجوي والبري، والإسعافات الأولية، والعمليات البرمائية، وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية، إضافة إلى مهام البحث والإنقاذ في ساحات المعارك.

غير أن دوائر بحثية تركية ترى أن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية بشكل كامل «لا يزال مبكراً». وقال المحلل السياسي التركي الدكتور جواد جوك، إن تركيا تسعى إلى دعم التوافق السياسي والعسكري بين الطرفين عبر قيادات عسكرية مقبولة من الجانبين، والعمل على تعزيز العلاقات بين معسكري بنغازي وطرابلس، موضحاً أن المناورات «تفتح قنوات تواصل مباشرة بين العسكريين الليبيين من الشرق والغرب، وتدعم فكرة التدريب الموحد، وبناء قدر من الثقة بين الطرفين».

وأضاف جوك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن استضافة تركيا لمناورات «أفس - 2026» تمثل «خطوة مهمة للغاية»، لكونها المرة الأولى منذ الانقسام السياسي والعسكري عام 2014 التي تُجرى فيها مناورات خارج الأراضي الليبية بمشاركة قوات من الجانبين. وأشار في الوقت نفسه، إلى أن أهداف هذه المناورات «تبدو سياسية أكثر منها عسكرية»، في إطار سعي أنقرة إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، خصوصاً في الملف الليبي.

ضباط مشاركون في مناورات «أفس - 2026» بتركيا (رئاسة أركان قوات غرب ليبيا)

وتقول تركيا، إنها دربت أكثر من 23 ألف عسكري ليبي، لا سيما من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب البلاد، داخل مراكز تدريب في تركيا وليبيا، إلى جانب استمرار برامج الدعم المتعلقة بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والإرهاب.

وجاءت هذه المناورات بعد تمرين «فلينتلوك - 2026» متعدد الجنسيات، الذي استضافته مدينة سرت الليبية وكوت ديفوار الشهر الماضي، بمشاركة قوات ليبية مشتركة من الشرق والغرب، وبدعم من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

من جانبه، رأى المحلل العسكري الليبي محمد الترهوني، أن «هناك توافقاً دولياً متزايداً خلال الفترة الأخيرة بشأن ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإنهاء حالة الانقسام»، مشيراً إلى أن هذا المسار تدعمه، بحسب وصفه، «قوة عسكرية احترافية في الجيش الوطني الليبي».

وقال الترهوني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة الغربية لا تضم حتى الآن تكويناً عسكرياً مماثلاً من حيث الهيكلة والانضباط، رغم وجود بعض الأطراف التي يمكن البناء عليها مستقبلاً لتشكيل مؤسسة عسكرية موحدة».

وبحسب رؤيته، فإن العائق الرئيسي في غرب ليبيا يتمثل في «وجود تيار الإسلام السياسي المدعوم من مفتي غرب البلاد الصادق الغرياني»، لافتاً إلى أن التكتلات المسلحة في مدينتي مصراتة والزاوية «ترفض بصورة كبيرة مشروع توحيد الجيش»، باعتبار أن ذلك «يعني نهاية نفوذ الميليشيات التي سيطرت خلال السنوات الماضية على موارد الدولة ومفاصل الحكم ومعيشة المواطنين».

جندي ليبي خلال عملية إنزال ضمن مناورة «درع الكرامة 2» في شرق ليبيا (إعلام القيادة العامة)

ولم تحظَ المناورات التركية باهتمام واسع من وسائل الإعلام التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، التي ركزت بصورة أكبر على مناورات «درع الكرامة 2» التي أُقيمت مؤخراً في شرق البلاد بمشاركة أكثر من 25 ألف جندي، في حين لاقت «أفس - 2026» اهتماماً ملحوظاً في غرب البلاد، خصوصاً مع مشاركة رئيس أركان قوات «الوحدة» الفريق أول صلاح الدين النمروش، على رأس وفد من الضباط الليبيين.

ووفق هذه المعطيات، يعتقد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية شريف بوفردة، أن المؤسسة العسكرية الليبية «لا تزال بعيدة عن التوحيد وفق المعايير المهنية والاحترافية». وعزا ذلك إلى «الخلل البنيوي القائم على مستوى تسلسل القيادة، وطبيعة العلاقة بين القيادات السياسية والعسكرية، فضلاً عن التباين في العقيدة العسكرية والمرجعية الشرعية بين الشرق والغرب».

وقال بوفردة لـ«الشرق الأوسط»، إن المكون العسكري الموجود حالياً في شرق وغرب ليبيا، يمثل «إطاراً لمؤسسة عسكرية» أكثر من كونه مؤسسة عسكرية مكتملة بالمعنى الاحترافي، مشيراً إلى أن الانقسام السياسي والأمني انعكس بصورة مباشرة على بنية التشكيلات المسلحة وآليات عملها.

وأضاف أن المناورات والتدريبات المشتركة؛ سواء عبر «فلينتلوك - 2026» أو التدريبات التي استضافتها تركيا، تستهدف أساساً تطوير بعض الوحدات العسكرية في المؤسستين بالشرق والغرب، وتهيئتها للعمل ضمن غرف عمليات مشتركة للتعامل مع ملفات أمنية وعسكرية محددة.

وخلص بوفردة إلى أن هذه الجهود تتركز بصورة رئيسية على مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومواجهة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، عادّاً محاولات توحيد المؤسسة العسكرية لا تزال تصطدم بتحديات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز البعد العسكري وحده.