ليبيا تتحرّك لمواجهة «غسيل الأموال» خشية «المساءلة الدولية»

لجنة حكومية تتحدث عن رصد «أنشطة مشبوهة» يُشتبه بمرورها عبر النظام المالي المحلي

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال الاثنين الماضي (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال الاثنين الماضي (المصرف المركزي)
TT

ليبيا تتحرّك لمواجهة «غسيل الأموال» خشية «المساءلة الدولية»

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال الاثنين الماضي (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال الاثنين الماضي (المصرف المركزي)

تفجرت مخاوف رسمية ليبية من المساءلة القانونية الدولية، بسبب «غسيل الأموال»، وذلك إثر تداول معلومات دولية بشأن «أنشطة مشبوهة يُشتبه بمرورها عبر النظام المالي الليبي»، وهو ما كشفت عنه لجنة حكومية، وتحدث عنه قانونيون وحقوقيون بوصفه «محصلة للانقسام السياسي» في البلاد.

ولم يفصح بيان صدر، الخميس، عن «اللجنة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب»، التي يترأسها محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى، عن تفاصيل تلك «الأنشطة المشبوهة»، التي أقرت اللجنة بأنها تعكس هشاشة المنظومة التشريعية والمؤسسية الحالية. وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مسؤول بـ«المركزي»، معنيّ بهذا الملف، لكن لم يتسنَّ الحصول على رد بشأن ما ذكرته اللجنة عن هذه «الأنشطة المشبوهة».

غير أن العضو السابق بمجلس إدارة المصرف المركزي، مراجع غيث، تحدث عن «شبهات غسيل أموال ضمن عمليات بيع غير قانونية لبطاقات الأغراض الشخصية»، وهي التي تبيعها المصارف للمواطنين بالسعر الرسمي للدولار لأغراض السفر أو العلاج أو الدراسة. علماً أنها كانت تبلغ 4 آلاف دولار، قبل أن يتم تخفيضها إلى النصف بقرار من «المركزي».

وسبق أن أفادت وسائل إعلام تركية بأن السلطات أطلقت تحقيقاً شاملاً في شهر يوليو (تموز) الماضي في شبهات غسيل أموال بقيمة 47.5 مليار ليرة (نحو 3 مليارات دولار) تتعلق بمعاملات عبر ليبيا والعراق.

وأرجع غيث إقحام اسم ليبيا في هذه القضية في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «سوء الأحوال الاقتصادية في البلاد، الذي أجبر قطاعات من المواطنين على إعادة بيع بطاقات الأغراض الشخصية، مقابل مبلغ مالي بالعملة المحلية لبعض التجار والوسطاء، الذين يصرفون الدولار من خارج ليبيا».

وفي غضون ذلك، يبقى التساؤل قائماً حول الوجهة النهائية للدولارات المودعة في هذه البطاقات، وسط شبهات بتوجيه أرصدتها إلى أنشطة غير قانونية، مثل الاتِّجار في الأسلحة أو المخدرات، حسب غيث.

تصنيف سلبي لليبيا

على مدار الأسبوع الماضي كثفت السلطات الليبية تحركاتها بشأن مكافحة غسيل الأموال، إذ عُقد اجتماع لجنة رسمية ترأسها عيسى، وضم ممثلي جهات حكومية في غرب البلاد، كما بحث عيسى الملف نفسه في لقاء مع النائب العام الصديق الصور.

وحصلت «الشرق الأوسط» على صورة ضوئية من رسالة وجهها «المركزي» إلى إحدى الجهات الرسمية في طرابلس، يطالبها بـ«تشكيل فريق إداري كفء مع قرب موعد إخضاع الدولة الليبية العملية التقييم المتبادل، فيما يتعلق بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب».

وحذرت الرسالة من «تصنيف ليبيا ضمن الدول عالية المخاطر، أو غير الممتثلة للمعايير الدولية المكافحة لغسيل الأموال وتمويل الإرهاب، الأمر الذي قد تترتب عليه تداعيات خطيرة على الاستقرار المالي والتعاملات الدولية».

النائب العام الليبي الصديق الصور خلال لقاء مع محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى الأربعاء الماضي (مكتب الصور)

في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي الليبي، علي الصلح، أن استنفار «المركزي» وأجهزته ضد مكافحة غسيل الأموال هو «إعلان عن انتقال جوهري للتخلص من النقود القذرة، والدفع بها خارج الدائرة الاقتصادية»، عاداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تداعيات غسيل الأموال تنعكس على سوق صرف العملات الأجنبية والمصارف، حيث تطارد النقود القذرة نظيرتها النظيفة».

والحديث عن غسيل الأموال ليس بجديد في ليبيا، في ضوء حالة الهشاشة الأمنية التي تعيشها البلاد منذ 2011، إذ سبق أن جمدت السلطات قبل 9 أعوام نشاطات 30 شركة بتهمة غسيل الأموال، وذلك على خلفية حصولها على اعتمادات مستندية وهمية، فيما عُرفت إعلامياً بـ«قضية الحاويات الفارغة».

ووفق تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2024، احتلت ليبيا المرتبة 173 عالمياً من أصل 180 دولة، لتتصدر ترتيب أكثر 10 دول فساداً في العالم.

في المقابل، فإن اللجنة الحكومية التي يترأسها محافظ «المركزي» تشدد على ضرورة الإسراع في اعتماد مشروع قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، تلبيةً لمتطلبات «مجموعة العمل المالي» ومقرها باريس، حسب بيان صادر (الخميس)، وهو أمر يرى الخبير الاقتصادي، مختار الجديد، أنه «يجب أخذه على محمل الجد»، باعتبار أن «دخول قائمة العقوبات سهل، لكن الخروج منها يحتاج إلى جهد مضاعف».

ويلاحظ قانونيون أن «صيغة بيان اللجنة التابعة للمصرف المركزي تعكس الخشية من تصنيف ليبيا سلباً على الصعيد التشريعي، لأنها لم تطوِّر منظومتها القانونية».

ورغم صدور قانون لمكافحة غسيل الأموال عام 2005، فإن أستاذ القانون بجامعة طرابلس، الكوني عبودة، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا القانون «يحتاج إلى تطوير لكي يستجيب لمعايير المنظمة المعنية بالتقييم، لكنه يبقى نافذاً».

أما عن القانون الصادر عن المجلس الرئاسي في عام 2017، فإن «المحاكم لم تطبِّقه لكونه صادراً عن غير مختص»، وفق ما قال عبودة.

وبموازاة المتطلبات القانونية لمكافحة غسيل الأموال، فإن فريقاً من المحللين يرصد صعوبةً في تطبيق المتطلبات والمعايير الدولية، بالنظر إلى «الانقسام السياسي والمؤسسي، الذي طال حتى الجهات السيادية المنوط بها مراقبة تطبيق تلك المعايير والضوابط»، وهي رؤية تبناها الخبير والمحلل المالي، الدكتور خالد الزنتوتي.

ويذهب الزنتوني إلى الاعتقاد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ليبيا أصبحت أحد الملاذات الآمنة والبيئات الجاذبة للأموال المشبوهة في السنوات الأخيرة، واستغلالها ربما من طرف منظمات إجرامية عالمية متخصصة في غسل الأموال».

ويلقي المحلل الاقتصادي الليبي باللائمة على «دول تدَّعي أنها ملتزمة بالمعايير الدولية في محاربة غسيل الأموال، وتتعامل مع بعض الأطراف الليبية في تحويلات مباشرة تصل إلى الملايين يومياً، تدخل في إطار غير شرعي». مشيراً أيضاً إلى «تحويلات وحسابات مشتركة بين أطراف ليبية وأطراف أجنبية أخرى، وبطرق يدوية واتصالات هاتفية لا تدخل في الدورة المستندية للتحويلات النقدية الشرعية، ولا تخضع لرقابة الأجهزة الرقابية الليبية ولا غيره».

وبالنظر إلى الظروف القائمة في لليبيا منذ سنوات، فإن الزنتوني «لا يجد مبرراً لدول تستقبل وتتعامل مع أطراف ليبية غير رسمية، وربما غير مرّخصة، وعن طريق مكاتب صرافة عاملة ومسجلة رسمياً في تلك الدول».


مقالات ذات صلة

ليبيا: تبرئة رجال القذافي تعيد التساؤل عن جدوى «ثورة فبراير»

شمال افريقيا السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)

ليبيا: تبرئة رجال القذافي تعيد التساؤل عن جدوى «ثورة فبراير»

بات أنصار «ثورة فبراير» التي أطاحت نظام الرئيس الليبي معمر القذافي أمام سؤال فرض نفسه بعد تبرئة بعض أعوانه من تهمة «قمع متظاهرين»: لماذا قمنا بهذه الثورة؟

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)

ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

تراهن السلطات في غرب ليبيا على تعافي القطاع السياحي مستندة إلى ما تصفه بتحسن تدريجي بالأوضاع الأمنية وتطور بالبنية التحتية

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)

قوات من شرق وغرب ليبيا تشارك في مناورات عسكرية في تركيا

أعلنت تركيا مشاركة مئات من قوات شرق وغرب ليبيا في مناورات «أفس 2026» في إطار مبدأ «جيش واحد، ليبيا واحدة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)

ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

انخرطت قوات «الجيش الوطني» الليبي بكل وحداتها العسكرية البرية والبحرية والجوية في «مناورات كبرى» انطلقت بعد ظهر الثلاثاء شاركت فيها جميع الألوية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

أكدت نائبة المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» نزهة خان أن قضية الليبي الهيشري تمثل «محطة مفصلية بمسار العدالة لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ليبيا: تبرئة رجال القذافي تعيد التساؤل عن جدوى «ثورة فبراير»

السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)
السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)
TT

ليبيا: تبرئة رجال القذافي تعيد التساؤل عن جدوى «ثورة فبراير»

السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)
السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)

طرحت براءة 31 من قيادات نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي من تهمة «قمع متظاهرين» تساؤلات نشطاء وسياسيين حول جدوى «ثورة 17 فبراير» التي اندلعت عام 2011.

وكانت محكمة استئناف طرابلس قد قضت في 18 من مايو (أيار) الحالي ببراءة 31 من رجال القذافي، من بينهم عبد الله السنوسي رئيس جهاز الاستخبارات الأسبق، والبغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء قبل 2011، ومنصور ضوء، القائد السابق للحرس الشعبي، من تهمة قمع «متظاهري الثورة». كما قضت بـ«سقوط الجريمة» لسبب الوفاة عن سبعة أشخاص، من بينهم سيف الإسلام القذافي، وأبو زيد عمر دوردا، وعبد الحفيظ الزليطني، عن التهمة نفسها.

جانب من محاكمة رموز نظام القذافي أمام محكمة طرابلس عبر الدائرة التلفزيونية

واغتيل سيف الإسلام في 3 فبراير (شباط) الماضي، وحدّد النائب العام هوية ثلاثة متهمين بالتورط في قتله، لكنه لم يكشف عن أسمائهم حتى الآن. وفي نهاية فبراير 2022 توفي دوردا رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية في عهد القذافي، بعد صراع مع المرض في القاهرة عن عمر ناهز 78 عاماً.

وفي أعقاب إعلان المحكمة عن براءة أكبر عدد من رجال القذافي، في قضية قتل «ثوار» خرجوا على النظام آنذاك، سادت تساؤلات في أوساط «أنصار فبراير» عن «جدوى ثورتهم إذا لم تتمكن من محاكمة أنصار نظام أسقطته الجماهير؟». وزادوا من تساؤلاتهم عن «الجاني الحقيقي الذي فتح النار على المتظاهرين في الشوارع والميادين»، في وقت يُبرّأ فيه قيادات النظام السابق من التهمة.

وأمام هذه الغضبة، رد أحمد نشاد محامي السنوسي، وقال إن «الحكم عنوان الحقيقة؛ ولا مسؤولية جنائية على موكله عن (أحداث فبراير)؛ بل الحكم وسام وطنية (للسيد عبد الله) وشهادة بدفاعه عن وطنه».

تساؤلات حول جدوى (ثورة فبراير)

تعد قضية «قمع المتظاهرين» التي تأجلت عدة مرات من قبل، الأطول منذ سقوط نظام القذافي، لأسباب عدة، من بينها أن السنوسي مسجون في معتقل، كان خاضعاً حتى مطلع سبتمبر (أيلول) 2025، لـ«جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة ذي التوجه السلفي.

معمر القذافي (رويترز)

بموازاة ذلك، تداول نشطاء ليبيون صوراً ومقاطع فيديو، تزعم «تحريض» السنوسي (74 عاماً)، عديل معمر القذافي، على متظاهري (فبراير)، لكن أنصاره شككوا في ذلك.

وقال أكرم النجار، رئيس تحرير منصة «علاش» الليبية، ساخراً: «يبدو أن الذين سقطوا في (فبراير) لم يقتلهم أحد، الرصاص، على ما يبدو، كان يتجوّل وحده في الشوارع؛ والقناصة كانوا مجرد إشاعة اخترعها الناس تحت تأثير الخوف».

وفيما أضاف أن «السجون التي ابتلعت الشباب، والمقابر التي امتلأت بهم، ربما كانت هي الأخرى مجرد سوء إدارة للذاكرة»، أبدت صفحات مناوئة للنظام السابق على مواقع التواصل الاجتماعي غضبها. وقالت «أخبار غريان اليوم»: «إذا كان السنوسي بات بريئاً في نظر البعض، وإذا كانت الجرائم تُنسى بمجرد تغير المصالح والتحالفات، فالسؤال الآن: لماذا قامت (ثورة فبراير) من الأساس؟».

سيف القذافي محاطاً بعدد من مؤيديه ومؤيدي نظام والده في طرابلس في أغسطس 2011 (أ.ف.ب)

وأضافت: «هل خرج الليبيون للميادين وضحّوا بآلاف الشهداء والجرحى والمفقودين حتى نعود بعد سنوات لتلميع الوجوه نفسها، التي سبق أن حكمت بالنار والخوف والسجون؟».

ورفض نشاد في حديث إلى «الشرق الأوسط» أي اتهامات توجه لموكله بعد حكم براءته من «قمع متظاهري فبراير». ولا يزال الحكم قابلاً للطعن من قبل النيابة العامة، لكن نشاد قال إن «الطعن لا يعوق الإفراج عن موكلي؛ وإن شاء الله الفرج قريب».

وتأمل أسرة السنوسي وأنصاره في الإفراج عنه قريباً، ويعتقد الحقوقي ناصر الهواري إمكانية إطلاق سراحه قريباً، وقال عبر حسابه على «فيسبوك» إن «الحقد والكراهية لا يبنيان وطناً؛ نعم لخروج كل المعتقلين السياسيين وليس السنوسي فقط؛ تسامحوا تصالحوا... تصافحوا وكونوا عباد الله إخواناً».

تبرئة «جزئية»

تعد هذه التبرئة «جزئية» بالنسبة لبعض من رموز النظام السابق، من بينهم السنوسي، لكونه لا يزال يُحاكم في القضية المعروفة بـ«مذبحة سجن أبو سليم» في طرابلس، التي قُتل فيها نحو 1200 سجين عام 1996.

ودخل الصادق الغرياني، المفتي بغرب ليبيا، على خط الأزمة، ليحرّض على عدم إطلاق سراح رجال القذافي، وقال تعليقاً على حكم البراءة بحق السنوسي وسيف القذافي، عبر فضائية «التناصح»: «تبرئة هؤلاء بحجة أنهم كانوا (يطبقون القوانين السائدة) عذر باطل».

البغدادي المحمودي خلال مؤتمر صحافي في 2011 أرشيف (إ.ب.أ)

ورأى الغرياني أنه «حتى لو وُجد قانون يبيح قتل المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، فهو قانون جائر وظالم ولا يجوز الحكم به شرعاً، والحكم بناءً عليه يعد جوراً».

وفيما وُصِف بأنه «تحريض»، استحسن الغرياني الحكم السابق الصادر ضد سيف الإسلام والسنوسي في 2015 بالإعدام، وعدّ ذلك «عدلاً وصواباً»، زاعماً أن «المتهمين اعترفوا بجريمتهم؛ وأمروا بالقتل بالصوت والصورة؛ وفي الشرع يُقتص من الآمر بالقتل والمباشر له معاً».

وانتهى الغرياني داعياً إلى وجوب رفع هذا الحكم - الذي وصفه بـ«الباطل» - إلى المحكمة العليا لنقضه. وقال: «من يتساهل في إفلات المجرمين من العقاب ينله غضب الله، والدفاع عن القتلة في المحاكم هو إساءة لهم، ومضاعفة لأوزارهم في الآخرة».

منصور ضوء القائد السابق للحرس الشعبي بنظام القذافي (أنصاره على «فيسبوك»)

والسنوسي هو زوج شقيقة صفية فركاش، الزوجة الثانية للرئيس الراحل معمر القذافي، وكان ضمن دائرته المقربة طوال فترة حكمه، التي تجاوزت 42 عاماً، ولا يزال ملاحقاً من المحكمة الجنائية الدولية.

أما منصور ضوء، المودَع في سجن مصراتة العسكري غرب ليبيا، فكان آمراً لحرس القذافي برتبة عميد، وظل إلى جواره حتى اعتُقل معه في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، لكنه نجا من القتل، ومنذ ذلك الحين ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بتهمة التنكيل بمتظاهري (ثورة 17 فبراير)، قبل أن تعلن المحكمة براءته.

وكانت وزيرة العدل بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، حليمة عبد الرحمن، قد أمرت في نهاية عام 2022 بالإفراج الصحي عن ضوء، لكن «جهاز الردع» لم يسمح له بمغادرة سجنه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


العيد في السودان.. الأضحية ترف في زمن الحرب

الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها
الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها
TT

العيد في السودان.. الأضحية ترف في زمن الحرب

الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها
الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها

تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في السودان، وتحولت ملامح الفرح بالمناسبات إلى قلق ثقيل يطارد المواطنين المنهكين بآلام النزوح والتشرد وغلاء المعيشة. ومع دخول الحرب عامها الرابع، ينتظر الناس قدوم «العيد» وشراء الأضحية، لكنّ كثيرين فوجئوا بأسعار خرافية تجاوزت قدرة معظم الأسر. ويظهر ذلك بوضوح في الحظائر وأسواق المواشي، حيث يتجول المواطنون بنظرات مثقلة بالعجز، يكتفون بالسؤال عن الأسعار قبل أن يغادروا بصمت.

وبات شراء «خروف العيد» أمنية مؤجلة لكثير من الأسر السودانية، بعدما التهمت الحرب مدخراتهم وأفقدتهم مصادر رزقهم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع واقع اقتصادي مجهول.

قال عبودي عادل إنه عاجز ولن «يضحي» هذا العام (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية واسعة في أسواق المواشي بمدن الخرطوم وبحري وأم درمان، بدت ملامح الأزمة الاقتصادية واضحة في حركة الأسواق، مع تراجع ملحوظ في الإقبال على شراء الأضاحي والمواشي وسط حالة ركود غير مسبوقة.

وحسب الجولة واستطلاعات رأي هاتفية شملت ولايات الجزيرة (وسط)، والنيل الأبيض (جنوب)، ونهر النيل (شمال)، وكسلا والقضارف (شرق)، تراوح سعر خروف الأضحية بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 175 إلى 375 دولاراً أميركياً، وفق سعر صرف الدولار في السوق الموازية، الذي تجاوز حاجز أربعة آلاف جنيه للدولار الواحد.

وقال عدد من المواطنين إن شراء الأضحية أصبح فوق طاقة كثير من الأسر هذا العام، في ظل تصاعد تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الأعلاف والنقل والمحروقات، الأمر الذي انعكس مباشرةً على أسعار المواشي وأضعف القوة الشرائية بصورة لافتة.

المواطن حسن عبد المنعم يتمنى إدخال فرحة العيد لأطفاله، لكنه بلا دخل (الشرق الأوسط)

وقفز معدل التضخم في السودان خلال أبريل (نيسان) إلى 45.84 في المائة مقارنةً بـ40.84 في المائة في مارس (آذار)، بزيادة بلغت 5 في المائة خلال شهر واحد، حسب الجهاز المركزي للإحصاء، في مؤشر يعكس تصاعد الأزمة الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

ويُعزى هذا الارتفاع إلى استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، مما فاقم موجة الغلاء ودفع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات أعلى.

وأظهرت البيانات ارتفاع التضخم في المناطق الحضرية إلى 49.70 في المائة خلال أبريل، مقارنةً بـ41.33 في المائة في مارس، بينما سجل في المناطق الريفية 43.62 في المائة مقابل 39.53 في المائة الشهر السابق.

أوضاع صعبة

يقول عبودي عادل، (صاحب محل فلافل وطعمية) إنه عاجز عن شراء الأضحية بسبب ضيق الحال، موضحاً أن الحرب دمّرت حياتهم، وأن النزوح المتكرر خلال الفترة الماضية استنزف طاقتهم ومدخراتهم، في وقت أصبحت فيه أسعار الأضاحي فوق قدرة البسطاء، وسط أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة.

ويوضح محمد علي (عامل يومي) أن دخله غير ثابت، إذ يعتمد على العمل اليومي الذي يتوفر أحياناً وينقطع كثيراً، ويشير إلى أن الأسعار أصبحت فوق المعقول، مضيفاً: «أمدد رجلي على قدر لحافي، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها».

وأشار أحمد عوض (صاحب محل خضراوات وفواكه) إلى أنه لم يحسم أمر شراء الأضحية بعد، وينتظر الذهاب إلى السوق لمعرفة الأسعار أولاً، وما إذا كانت مدخراته القليلة تكفي لشراء خروف. ويضيف أنه متزوج وأب لطفلة، وأن زوجته تتفهم ظروفه الاقتصادية الصعبة.

بائع الخضار والفاكهة أحمد عوض يأمل أن تقدّر زوجته ظروفه الاقتصادية (الشرق الأوسط)

أما حسن عبد المنعم (سائق تاكسي) فيؤكد أنه رغم رغبته في إدخال فرحة العيد على أطفاله الخمسة، فإنه غير قادر على شراء الأضحية بسبب توقف العمل وتدهور الأوضاع المعيشية. ويشير إلى أنه أنفق معظم مدخراته قبل شهرين على عقيقة مولوده الجديد وتكاليف عملية قيصرية لزوجته.

ويتحدث حسن عن معاناته خلال سنوات الحرب، قائلاً إنه بقي في أم درمان طوال فترة الحصار، وعانى مع أسرته من الجوع والمرض واستنزاف الموارد.

قوة شرائية ضعيفة

يرى عبد الله يوسف (تاجر خراف) أن أسعار الأضاحي ارتفعت بصورة كبيرة هذا العام، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب المستمرة، أثرت بشكل مباشر على حركة الأسواق وسلاسل الإمداد بين الولايات، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار الأعلاف وتكاليف النقل وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

ويضيف يوسف أن التجار أنفسهم يواجهون ضغطاً اقتصادياً كبيراً، موضحاً أن كثيراً منهم يحاولون البيع بهوامش أرباح محدودة لتفادي الخسائر والمحافظة على استمرار النشاط التجاري في ظل الظروف الحالية.

محمد علي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «يمد رجله على قدر لحافه» (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن ضعف القوة الشرائية لدى المواطنين بات واضحاً هذا الموسم، إذ يكتفي كثيرون بالسؤال عن الأسعار أو تأجيل قرار الشراء بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي فرضتها الحرب على الناس في مختلف المناطق.

تداعيات حرب إيران

رأى الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب لعبت الدور الأكبر في الارتفاع الحاد لأسعار الأضاحي والثروة الحيوانية عموماً، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وتأثر مناطق الإنتاج الرئيسية في دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، مما أدى إلى تراجع تدفق الماشية نحو الأسواق في مختلف ولايات السودان.

وأوضح الناير أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالحرب الداخلية وحدها، بل تفاقمت أيضاً بفعل التوترات الإقليمية الأخيرة، خصوصاً تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالمياً، الأمر الذي انعكس مباشرةً على أسعار المحروقات داخل السودان عبر زيادات متتالية خلال فترة وجيزة.

سودانيون في سوق للمواشي (الشرق الأوسط)

وأكد أن ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل دفع بأسعار الخراف إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وتآكل دخول المواطنين بفعل الأزمة الاقتصادية المستمرة.

وأشار إلى أن غياب المبادرات الحكومية ومشروعات البيع بالأقساط ضاعف معاناة الأسر، بعدما كانت مؤسسات حكومية ونقابات وجهات من القطاع الخاص توفر الأضاحي والسلال الغذائية عبر الاستقطاع الشهري من الرواتب، بما يخفف الأعباء عن العاملين.

وأضاف أن تراجع هذه المبادرات، إلى جانب ضعف الرواتب، جعل حتى موظفي القطاع العام عاجزين عن شراء الأضاحي، في مؤشر يعكس اتساع الأزمة المعيشية واقتراب موسم عيد يثقل كاهل آلاف الأسر السودانية.

وفي بلد أثقلته الحروب المتراكمة والأزمات المستمرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية أو عادة اجتماعية، بل تحولت إلى مؤشر قاسٍ على حجم التدهور الاقتصادي الذي يعيشه المواطنون. وبينما تتواصل موجة الغلاء وتتآكل القدرة الشرائية يوماً بعد آخر، يبقى السؤال حاضراً في بيوت كثيرة: «كيف يصنع الناس فرحة العيد وهم بالكاد يستطيعون تأمين احتياجاتهم الأساسية؟».


الرئيس الموريتاني يبحث مع وفد مغربي تطوير «شراكة متكاملة»

الرئيس الموريتاني مستقبلاً الوفد المغربي بالقصر الرئاسي في نواكشوط (الرئاسة الموريتانية)
الرئيس الموريتاني مستقبلاً الوفد المغربي بالقصر الرئاسي في نواكشوط (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يبحث مع وفد مغربي تطوير «شراكة متكاملة»

الرئيس الموريتاني مستقبلاً الوفد المغربي بالقصر الرئاسي في نواكشوط (الرئاسة الموريتانية)
الرئيس الموريتاني مستقبلاً الوفد المغربي بالقصر الرئاسي في نواكشوط (الرئاسة الموريتانية)

زار وفد حكومي مغربي العاصمة الموريتانية نواكشوط، والتقى أمس الأربعاء بالرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وعدد من الوزراء، والمسؤولين، وذلك من أجل «تعزيز التعاون»، خاصة في مجال الاقتصاد، والاستثمار، والبحث عن «شراكة متكاملة».

وتشير إحصائيات عام 2025 إلى أن المغرب هو أكبر شريك اقتصادي لموريتانيا في أفريقيا، حيث تمثل واردات موريتانيا من المغرب 35 في المائة من وارداتها الأفريقية، فيما سبق أن قفز حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2023 ليصل إلى أكثر من 300 مليون دولار، بزيادة وصلت إلى 58 في المائة.

وتعتمد موريتانيا على المغرب في المنتجات الزراعية والفلاحية بشكل أساسي، وهي تشكل المعبر البري الوحيد للبضائع المغربية المتوجهة نحو الأسواق الأفريقية، كما أن موريتانيا تصدر نحو السوق المغربية منتجات الصيد، والأسماك.

الوفد المغربي خلال زيارته إلى نواكشوط (الرئاسة الموريتانية)

ويسعى البلدان لتعزيز التبادل التجاري، وزيادة مستوى التعاون الاقتصادي، وفق ما أعلن رئيس الوفد الحكومي المغربي الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المغربية المكلف الاستثمار، كريم زيدان، خلال تصريح أمس عقب لقاء مع الرئيس الموريتاني في القصر الرئاسي بنواكشوط.

وقال زيدان إن المباحثات التي أجراها مع ولد الغزواني تناولت آفاق تطوير العلاقات الثنائية، وسبل تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات، وأضاف أنه نقل إلى الرئيس الموريتاني تحيات العاهل المغربي الملك محمد السادس، و«حرصه على تعزيز علاقات الأخوة والتعاون التي تجمع البلدين».

وأوضح زيدان أن اللقاء كان «مناسبة للتأكيد على عمق الروابط التاريخية والإنسانية بين موريتانيا والمغرب»، مشيراً إلى أن هنالك «إرادة مشتركة لدى قائدي البلدين من أجل إضفاء ديناميكية جديدة على التعاون الثنائي، والارتقاء به إلى مستوى شراكة متكاملة». وخلص إلى تأكيد أنه استمع إلى رؤية الرئيس الموريتاني بشأن «مستقبل العلاقات الثنائية وآفاق تطويرها»، وأعرب عن ثقته في أن المرحلة المقبلة ستشهد «زخماً أكبر في العلاقات بين البلدين»، على حد تعبيره.

من جهة أخرى، أجرى الوفد المغربي لقاءات عمل مع عدد من المسؤولين الحكوميين، والفاعلين الاقتصاديين الموريتانيين، وفي مقدمتهم وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية الموريتاني، عبد الله ولد سليمان ولد الشيخ سيديا، ومدير وكالة ترقية الاستثمارات، التاه أحمد مولود، وفاعلين في الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين.

وبحسب ما نشرت الوكالة الموريتانية للأنباء (رسمية)، فإن اللقاءات جمعت المسؤولين الموريتانيين والمغاربة، وحضرها السفير المغربي بنواكشوط حميد شبار، وتناولت رغبة البلدين في «إحداث نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية الثنائية».

جانب من مباحثات البلدين (الرئاسة الموريتانية)

وأضاف نفس المصدر أن مسؤولي البلدين شددا على ضرورة أن «يتم على النحو الأمثل استثمار المزايا الاقتصادية للبلدين»، وعبر الوفد المغربي عن استعداد الرباط «لتقاسم تجربتها والخبرة التي راكمتها، لا سيما في مجال الاستثمار، مع الفاعلين في موريتانيا».

وقال كريم زيدان إن زيارته إلى نواكشوط تدخل في إطار ما سماه «الدينامية المتجددة»، التي يقودها العاهل المغربي من أجل «تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين المملكة والبلدان الشقيقة، وخاصة الجمهورية الإسلامية الموريتانية».

وشدد الوزير المغربي على أهمية «تعزيز التعاون مع المؤسسات الموريتانية المعنية بالاستثمار»، وقال إن المغرب مستعد لتقديم دعم تقني لهذه المؤسسات، خاصة في مجالات تشجيع الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، وتقييم السياسات العمومية.

وفي هذا السياق عقد الوفد المغربي لقاء مع المدير العام لوكالة ترقية الاستثمار في موريتانيا، التاه أحمد مولود، من أجل وضع أسس تعاون في مجال الاستثمار، عبر تبادل خبرات المؤسسات النظيرة، وتقريب المنظومتين الاقتصاديتين، وتحديد فرص مشتركة بعدد من القطاعات ذات الاهتمام المشترك.

وقال مولود خلال اللقاء إن «الوكالة حريصة على تعزيز تعاونها مع المؤسسات المغربية والشركاء والنظراء في مجال ترقية الاستثمارات، بما يسهم في تيسير المشاريع، وتطوير شراكات اقتصادية ذات منفعة متبادلة».

وكان الوفد المغربي بعضوية المدير العام للوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، علي الصديقي، إضافة إلى مدير التعاون الدولي والشراكات والاتصال عبد المجيد نادري، وفي ختام اللقاءات الرسمية، زار الوفد عدداً من المنشآت الاقتصادية الموريتانية، ومنها ميناء نواكشوط المستقل.