الجنوب الليبي للخروج من «العزلة السياسية» بتكتل «نخب فزان»

يجمع نشطاء وأكاديميين من مؤيدي نظام القذافي و«ثورة فبراير»

اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

الجنوب الليبي للخروج من «العزلة السياسية» بتكتل «نخب فزان»

اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)

في خطوة تعكس حراكاً سياسياً متصاعداً في جنوب ليبيا، أعلن أكاديميون وباحثون وشخصيات اجتماعية ووطنية عن تأسيس «التجمع السياسي الوطني فزان»، في محاولة لإعادة تموضع الإقليم في المشهد الوطني، بعد سنوات من التهميش والصراعات التي جعلت الجنوب، وفق مؤسسي المبادرة، «ورقة تفاوض» أكثر منه شريكاً فاعلاً في» صناعة القرار.

ويأتي الإعلان في وقت تشهد فيه منطقة فزان حالة من الهدوء النسبي مقارنة بسنوات سابقة، وبالتوازي مع جهود قبلية ومجتمعية متواصلة لترسيخ المصالحة بين مكونات الإقليم، الذي يضم العرب والطوارق والتبو، ويُعدّ أحد الأقاليم التاريخية الثلاثة في ليبيا.

منظر للسيول الأخيرة التي ضربت مدينة غات بالجنوب الليبي الذي يشتكي التهميش (الهلال الأحمر الليبي)

وقالت رانيا الصيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور وعضو مؤسس للتجمع الليبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهمية المبادرة تكمن في أنها تجمع للمرة الأولى مختلف التيارات السياسية والاجتماعية في فزان تحت إطار واحد.

رانيا الصيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور وعضو مؤسس للتجمع الليبي

وأضافت رانيا موضحة أن فزان شهدت خلال الأشهر الماضية «حواراً غير مسبوق جمع شخصيات تنتمي إلى اتجاهات سياسية وفكرية متباينة، من أنصار ثورة فبراير (شباط)، إلى شخصيات محسوبة على النظام السابق، وأنصار النظام الملكي ومستقلين، وتمكنا من الجلوس إلى طاولة واحدة، والاتفاق على تشخيص المشكلات، ووضع تصورات للحلول في إطار وطني».

ويشير البيان التأسيسي للتجمع، الذي صدر الثلاثاء ولم يحمل أسماء المشاركين فيه، إلى أن المشروع الجديد لا يحمل أي أبعاد انفصالية أو جهوية، بل ينطلق من التمسك بوحدة ليبيا وسيادتها، ويهدف إلى معالجة ما وصفه بـ«الاختلالات التنموية والسياسية التاريخية»، التي عانى منها الجنوب، عبر الحوار الوطني والعمل السلمي، وتقديم مبادرات تدعم الاستقرار وبناء الدولة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

وشدد البيان على أن أبواب التجمع مفتوحة أمام جميع أبناء فزان بمختلف توجهاتهم، وانتماءاتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، مع التأكيد على مبدأ الشراكة المتكافئة واحترام التنوع، بصفته أحد عناصر القوة في الإقليم.

ويُنظر إلى الحراك الجديد على أنه محاولة من نخب الجنوب للخروج من دائرة التهميش السياسي والاقتصادي، واستمرار الانقسام الذي اشتكى منه سكان فزان منذ سنوات، وتعثر المسارات السياسية المؤدية إلى انتخابات عامة.

وتشير الصيد إن الجنوب الليبي ظل لسنوات «ضحية للعزلة السياسية والصراع في البلاد»، مبرزة أن فزان استخدمت مراراً كورقة تفاوض بين الأطراف المتنافسة، من دون أن تحظى بتمثيل يعكس ثقلها الجغرافي والاستراتيجي.

كما أوضحت أن النخب المنضوية في التجمع «تسعى إلى تقديم مشروع وطني متوازن، يفتح باب المصالحة الوطنية، ويقوم على احترام الاختلاف السياسي وتوسيع دائرة المشاركة، بعيداً عن سياسات الإقصاء والعزل لبعض التيارات، التي أضعفت كثيراً من المبادرات السابقة».

ويعتقد متابعون أن هذه المبادرة هي بمثابة محاولة من قطاعات في فزان لتسجيل موطئ قدم في ترتيبات مرحلة انتقالية مرتقبة في ليبيا، خصوصاً بعد اقتراح الحوار المهيكل، الذي رعته الأمم المتحدة، ضرورة أن يتم اختيار الحكومة و«المجلس الرئاسي» المقبلين من بين أعضاء «لجنة الحوار»، لولاية محددة لا تزيد على عامين. بموازاة مبادرة منسوبة لواشنطن منذ أشهر لتقاسم السلطة بين الفاعلين الرئيسيين في شرق ليبيا وغربها.

يشتكي عدد كبير من سكان الجنوب الليبي من الافتقار للبنيات التحتية الضرورية (الشرق الأوسط)

كما تأتي هذه المبادرة بعد يوم واحد من الجدل، الذي أثاره إعلان عدد من بلديات المنطقة الغربية والوسطى إنشاء «إقليم الوسطى»؛ وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الأقاليم التاريخية، وشكل الإدارة المحلية ومستقبل اللامركزية في ليبيا.

ورغم تأكيد مؤسسي «التجمع السياسي الوطني فزان» أن مبادرتهم لا تستهدف إنشاء كيان سياسي موازٍ، أو المطالبة بترتيبات خاصة للإقليم، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً لدى مناطق ليبية عدة نحو البحث عن أطر تنظيمية وسياسية، تعزز حضورها في معادلة السلطة والثروة، في ظل استمرار أزمة الدولة المركزية، وتعثر جهود التسوية الوطنية الشاملة.

بهذا الخصوص، يقول الباحث السياسي الليبي محمد الأمين إن «أي تجمع سياسي جاد في الجنوب لا بد أن يتجاوز البيانات والشعارات العامة، ويطرح رؤية عملية لمعالجة أزمات البنية التحتية والصحة، والتعليم والأمن والحدود والخدمات»، مؤكداً أن هذه الملفات «تمثل جوهر مطالب السكان وأساس أي تغيير حقيقي ومستدام».

كما يأتي تأسيس التجمع بالتوازي مع تحركات يقودها «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» لتعزيز السلم الاجتماعي في المنطقة، حيث ناقش رئيس المجلس، الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، خلال اجتماع مع لجنة المصالحة، الثلاثاء، آليات توسيع جهود المصالحة، وتشكيل لجان فرعية في مختلف المناطق لمعالجة النزاعات المحلية، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش.

وأكد نصر أن حالة الاستقرار النسبي، التي تشهدها فزان حالياً، هي ثمرة لتكاتف أبناء المنطقة وجهود المؤسسات الوطنية، داعياً إلى البناء على هذا المناخ لتعزيز الأمن والتنمية.


مقالات ذات صلة

جدل ليبي حول زيادة رواتب العسكريين رغم الأزمة الاقتصادية

شمال افريقيا صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)

جدل ليبي حول زيادة رواتب العسكريين رغم الأزمة الاقتصادية

حذّر خبراء أمنيون وباحثون ليبيون من تداعيات زيادة رواتب المنتسبين إلى المؤسستين العسكرية والأمنية بالبلاد في ظل ما تفرضه من أعباء على الاقتصاد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا خلال استقبال القيادة العامة في بنغازي وفداً من أعضاء الكونغرس الأميركي 28 يوليو (القيادة العامة)

اتفاق ليبي - أميركي على تأسيس «رفة عمليات عسكرية مشتركة» بسرت

بحثت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي مع وفد من أعضاء الكونغرس الأميركي سبل تعزيز التعاون الدفاعي وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة متداولة لحجم الاحتجاجات في طرابلس العاصمة

الدبيبة يتحرك لامتصاص غضب المحتجين... واستئناف ضخ الغاز

أعلنت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، أن قوات وزارة الدفاع تمكنت من السيطرة الكاملة وتأمين «مجمع مليتة»، بما يضمن سلامة العاملين، وإعادة فتح خطوط الغاز.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا أكدت المؤسسة الوطنية للنفط أن حماية قطاع النفط والغاز ركيزة أساسية لاستقرار الدولة (متداولة)

الحكومة الليبية تعلن استئناف ضخ الغاز بعد احتجاجات

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، اليوم الثلاثاء، استئناف الإنتاج في حقلي الفيل والوفاء بعد أن توقف كلياً في الأول وجزئياً في الثاني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري الدبيبة مستقبلاً رئيس جهاز الاستخبارات في غرب ليبيا داخل مقر وزارة الدفاع أول يوليو (حكومة الوحدة)

تحليل إخباري بلد النفط الغارق في الأزمات... لماذا لا تخرج ليبيا من كبوتها؟

عرفت ليبيا أزمات مختلفة من نوعية شح السيولة، ونقص إمدادات الوقود، وتدني الرواتب الحكومية، وصولاً إلى انقطاع الكهرباء لمدد طويلة تجاوزت 17 ساعة في اليوم.

جمال جوهر (القاهرة)