انتقادات مصرية متصاعدة ضد «التظاهر أمام السفارات»... والاتهامات تشير لـ«الإخوان»

«الخارجية» اتهمت منظميها بـ«تزييف الحقائق» لتقويض دور القاهرة في القضية الفلسطينية

مصر أكدت أن المظاهرات تخدم إسرائيل وجددت التأكيد أنها لم تغلق معبر رفح قط (محافظة شمال سيناء)
مصر أكدت أن المظاهرات تخدم إسرائيل وجددت التأكيد أنها لم تغلق معبر رفح قط (محافظة شمال سيناء)
TT

انتقادات مصرية متصاعدة ضد «التظاهر أمام السفارات»... والاتهامات تشير لـ«الإخوان»

مصر أكدت أن المظاهرات تخدم إسرائيل وجددت التأكيد أنها لم تغلق معبر رفح قط (محافظة شمال سيناء)
مصر أكدت أن المظاهرات تخدم إسرائيل وجددت التأكيد أنها لم تغلق معبر رفح قط (محافظة شمال سيناء)

في حين عدّت القاهرة رسمياً تنظيم مظاهرات أمام السفارات والبعثات الدبلوماسية المصرية بالخارج وقيام البعض بالاعتداء عليها «تشويهاً ممنهجاً للدور المصري ولا يخدم القضية الفلسطينية إنما يصب في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي»، فقد تسببت تلك المظاهرات وخصوصاً التي نظمت أمام السفارة المصرية بتل أبيب في توجيه أصابع الاتهام إلى جماعة «الإخوان» المصنفة «إرهابية» في مصر.

وأكد مصدر مصري مسؤول لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل ما يحدث ضد السفارات المصرية عن الحملات المستمرة التي يقوم بها عناصر الإخوان الهاربين في الخارج لتشويه واستهداف السلطات المصرية، حتى إنهم حولوا قضية العرب التاريخية وهي القضية الفلسطينية، إلى وسيلة للمكايدة والتشويه بغض النظر عن أن ما يفعلونه يضر بمصالح أهل غزة ويخدم الاحتلال»، موضحاً في الوقت نفسه أن «بحثهم عن المكايدة لمصر، دفعهم لكشف نفسهم أمام العالم بتنظيم مظاهرة أمام السفارة المصرية في إسرائيل وبتصريح من سلطات إسرائيل التي هي دولة الاحتلال ومن تقوم بالقتل والتجويع لأهل غزة».

وعدّت «الخارجية المصرية» في بيان، مساء الخميس، أن التظاهرات أمام السفارات المصرية «تصب تماماً في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي وتقدم له هدية مجانية»، مؤكدة أن «هناك محاولات متعمدة للتشويه والتشكيك في الدور المصري بصورة ممنهجة، وتعمداً لتزييف الحقائق بهدف تقويض ذلك الدور وإحباط الشعوب العربية وإحداث انقسامات بينها وإضعاف الصمود الفلسطيني».

كما عدّت التظاهر أمام السفارات المصرية يسهم في تشتيت الرأي العام الدولي والعربي عن المسؤول الحقيقي عن الكارثة الإنسانية في قطاع غزة وتخفيف الضغوط الدولية المتصاعدة خلال الفترة الأخيرة للتوقف عن الانتهاكات الإسرائيلية السافرة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني.

فلسطينية تحمل ابنتها التي تعاني من سوء التغذية في انتظار العلاج بمستشفى ناصر بخان يونس (أ.ف.ب)

وجددت «الخارجية المصرية» نفي إغلاق القاهرة معبر رفح الواصل بقطاع غزة، وأكدت أن المعبر لم يغلق من الجانب المصري منذ بدء الحرب الغاشمة على غزة وبوابة المعبر مفتوحة من الجانب المصري؛ إلا أن إغلاق البوابة الفلسطينية على الجانب الآخر (أي من قبل إسرائيل) يحول دون دخول المساعدات.

وجاء بيان «الخارجية المصرية» بعد ساعات من قيام مجموعة من الشخصيات من بينها رئيس الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر، رائد صلاح، ونائبه كمال الخطيب، بتنظيم مظاهرة أمام السفارة المصرية في تل أبيب، تنديداً بما وصفوه بـ«الحصار والتجويع والحرب على قطاع غزة». وكان لافتاً أن المظاهرة لم ترفع أي لافتة تنديداً بإسرائيل بل كانت اللافتات كلها تنتقد مصر، وهو ما أثار حالة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة بعد تأكيد مسؤولين من السلطة الفلسطينية أن «تلك المظاهرة حصلت على تصريح رسمي من السلطات الإسرائيلية».

عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، مصطفى بكري، علق على مثل هذه المظاهرات، قائلاً «هذه مؤامرة إخوانية برعاية إسرائيلية، المتظاهرون ينتمون للتيار الإسلامي، وحصلوا على تصريح من وزارة الأمن القومي الإسرائيلي، وكانوا يحملون العلم الإسرائيلي، وهذا يكشف عن حجم التعاون والتخطيط المشترك، والهدف التغطية على جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين وتحميلها لمصر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «جماعة (الإخوان) هي التي تقف وراء تلك المظاهرات بدعم غربي إسرائيلي، و(حماس) للأسف ساعدت على ذلك بإصدارها بياناً يشير إلى أن المساعدات المصرية وهمية، كما أن تصريحات رئيس حركة (حماس) خليل الحية، كانت لها تداعياتها وأثارت استياء مصرياً عارماً».

تجدر الإشارة إلى أن حركة «حماس» لم تصدر بيانات رسمية تتحدث عن أي تقصير من مصر فيما يتعلق بالمساعدات، لكن لجنة الطوارئ المركزية في قطاع غزة قالت، الأربعاء، إن البيانات المصرية الرسمية بشأن المساعدات والإخلاء الطبي من القطاع لا تعكس الواقع إطلاقاً، وتُسهم بتضليل الرأي العام و«تجميل صورة» تقصير فادح ومؤلم في تلبية الحد الأدنى من احتياجاته.

اللافتات في المظاهرة أمام السفارة المصرية بتل أبيب لم تشر إلى إسرائيل مطلقاً (متداولة)

كذلك أثارت تصريحات لخليل الحية تساءل فيها الأسبوع الماضي عن دور القاهرة في «مجاعة غزة»، غضباً مصرياً، واتهم برلمانيون وإعلاميون الحية بـ«المزايدة» على دور القاهرة، حتى إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس وزرائه مصطفى مدبولي وعدداً من الوزراء خرجوا للإعلام بكلمات فندوا فيها الادعاءات التي تتهم مصر بالتقصير أو المساعدة في تجويع غزة، وعددوا حجم الدعم المقدم لوجيستياً ودبلوماسياً من مصر لوقف معاناة الفلسطينيين.

وبدأت منذ الأسبوع الماضي، حملة للتظاهر أمام السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج والدعوة لإغلاقها، إثر قيام أحد الشباب المصريين بإغلاق مقر السفارة المصرية في هولندا على العاملين من الخارج بأقفال، زاعماً أن «هذا مماثل لما تفعله مصر بإغلاق معبر رفح وتقول إن إسرائيل هي مَن تغلقه»، تبع ذلك احتجاجات أمام سفارات مصر بدول عدة منها، لبنان، وسوريا، وبريطانيا، والدنمارك، وكندا، وتوس، وليبيا، وجنوب أفريقيا، وأخيراً في تل أبيب.

أشخاص يتفقدون أنقاض مبنى متضرر إثر قصف إسرائيلي في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني المقيم في لندن، كامل حواش قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه الاحتجاجات في جزء كبير منها يأتي بسبب الإحباط من مشاهد القتل والتجويع للأطفال في غزة ومحاولة الضغط على مصر لتقوم بدور أكبر في وقف هذه المعاناة، على اعتبار أن المعبر مصري - فلسطيني وليس لإسرائيل دور فيه»، على الرغم من أنه أقر «بفتح مصر للمعبر من الجانب المصري واحتلال إسرائيل له من الجانب الفلسطيني».

وأوضح أن «المحتجين ضد السفارات المصرية لا يستطيعون الاقتراب من السفارات الإسرائيلية والأميركية بسبب الحماية الأمنية الكبيرة، لكن الواضح أن الحماية للسفارات المصرية غائبة». وأشار إلى أن «هناك حالة استغراب من قيام مظاهرة ضد السفارة المصرية بتل أبيب من جانب من يحملون جوازات سفر إسرائيلية وبعضهم يحمل الجنسية الإسرائيلية، وترخيص للمظاهرة من السلطات الإسرائيلية حسب ما نشره الإعلام، لأنهم موجودون في إسرائيل التي تقوم بالقتل والتجويع وكان عليهم مطالبتها هي بذلك وليس مصر، حتى وإن كان لمصر مكانة كبيرة، وكان التعويل عليها أيضاً كبيراً في وقف هذه المعاناة بثقلها السياسي والتاريخي».

فيما أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأمة في غزة، الدكتور حسام الدجني لـ«الشرق الأوسط» أن «البوصلة الحقيقية والفعالة، هي التظاهر ضد الاحتلال، وكان يمكن لمن تظاهر أمام السفارة المصرية أن يحشد الجماهير لدعم حراك الإسرائيليين في تل أبيب لوقف الحرب وعودة الأسرى، وهذا يمكن أن يشكل تحولاً داخل المجتمع الإسرائيلي لوقف الإبادة والتجويع».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.