معركة الفاشر «حرب استنزاف» طويلة المدى... ودون حسم

الجيش السوداني يصد أكثر من 200 هجوم على المدينة قتل فيها الآلاف

سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
TT

معركة الفاشر «حرب استنزاف» طويلة المدى... ودون حسم

سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)

تستمر معركة الفاشر في إقليم دارفور غرب السودان منذ شهور طويلة، دون حسم لصالح الجيش السوداني أو لـ«قوات الدعم السريع»، في حين تحوّلت المواجهات «حرب استنزاف» طويلة المدى، ومع تصاعد غير مسبوق في الهجمات بوتيرة متسارعة في الآونة الأخيرة، لا تزال قوات الجيش والقوة المساندة لها تقاتل بضراوة للدفاع عنها ومنع سقوطها، وتشن هجمات مضادة على أطرافها المحاصرة.

 

حرب استنزاف

 

صدّ الجيش السوداني 222 هجوماً على الفاشر، تخللتها اشتباكات عنيفة قُتل فيها الآلاف من طرفي القتال والمدنيين، وهو ما وصفه الخبير العسكري، اللواء معتصم عبد القادر الحسن، بـ«حرب استنزاف» يسعى من خلالها الجيش السوداني، الذي عُرف بعقيدة دفاعية، للحفاظ على المدينة، وفي الوقت نفسه إنزال أكبر قدر من الخسائر في صفوف «قوات الدعم السريع». مشيراً إلى أن الجيش السوداني استخدم هذه الاستراتيجية في استعادة مقر قيادته العامة وسط العاصمة الخرطوم، بعد 21 شهراً من الحصار الخانق، كما صدّت قواته عشرات الهجمات على سلاحي المدرعات والمهندسين في الخرطوم.

جنود سودانيون خلال وصولهم إلى سوق اللفاح في منطقة تمت استعادتها من «قوات الدعم السريع» جنوب الخرطوم (أ.ب)

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط» إن حرب الفاشر «معركة مصيرية لـ(قوات الدعم السريع)، بعد الهزائم المتلاحقة التي تلقتها على أيدي الجيش، وخسارتها الخرطوم ووسط البلاد، وإجبارها على الانسحاب إلى إقليم كردفان، وهي تسعى لإسقاط المدينة لإطباق السيطرة التامة على إقليم دارفور؛ بهدف زيادة الضغط على الحكومة السودانية، ودفعها إلى التفاوض وتقاسم السلطة، وحال فشل ذلك ستتجه إلى إعلان حكومة منفردة في دارفور، بمشاركة من حلفائها في تحالف تأسيس».

وأوضح عبد القادر أن عناصر الجيش السوداني يتلقون تدريبات عسكرية عالية على الدفاع والهجوم، والانسحاب المنظم، بالإضافة إلى تقنيات قتالية متقدمة في الحفاظ على مواقعها، بعكس «ميليشيا الدعم السريع»، التي تعتمد على أسلوب أقرب إلى «حرب العصابات والمدن»، وذلك بتنفيذ هجوم سريع وخاطف، يسمونه «كثافة النيران»، لكنها تفتقر للخطط الدفاعية في الحفاظ على الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها.

واستبعد عبد القادر، وهو مستشار يعمل حالياً في الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، قدرة «قوات الدعم السريع» على إسقاط الفاشر؛ وذلك بسبب تراجع قوتها الهجومية، وخسارة أعداد كبيرة من قواتها الصلبة المقاتلة في المعارك، التي تدور راهناً في كردفان، ومقتل معظم قياداتها العسكرية في غارات بمسيَّرات، من خلال عمليات استخباراتية دقيقة حصل عليها الجيش السوداني بفضل اختراقه صفوف الميليشيا.

وأضاف الخبير العسكري والأمني موضحاً أن سقوط الفاشر «مسألة حساسة بالنسبة للحركات المسلحة في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، وقد يعقد مشاركتها في الحكومة المركزية؛ لذلك تحشد قواتها وتشارك في العمليات العسكرية لاستعادة المدينة». مبرزاً أن الجيش وضع خطة استراتيجية كبرى لفك الحصار عن مدينة الفاشر عبر ثلاثة مسارات: تقدم بري من القوات المحاصرة داخل المدينة، ومن اتجاه كردفان المجاور لإقليم دارفور، والمحور الأخير للقوات المتحركة من حدود الولاية الشمالية إلى المناطق المتاخمة في مليط والمالحة صوب الفاشر، ورأى أن محاولات «الدعم السريع» للاستيلاء على المدينة «بعيدة المنال».

 

* محاولات التوغل إلى الفاشر

 

كثفت «قوات الدعم السريع» خلال الأيام الماضية محاولاتها للتوغل إلى مدينة الفاشر عبر المحور الجنوبي، في مسعى للوصول إلى مركز المدينة الاستراتيجية، لكنها لم تنجح بعدُ في اختراق الدفاعات المتقدمة للجيش في تلك المناطق التي يسطر عليها.

سودانيون فارون من ويلات الحرب خلال عبورهم الحدود الفاصلة بين بلدهم وتشاد (رويترز)

وأفادت مصادر عسكرية ومدنية في الفاشر لـ«الشرق الأوسط» بأن خرائط السيطرة لم تشهد أي تغيرات كبرى في الأشهر الماضية. لكنها أوضحت أن «قوات الدعم السريع» باتت تركز هجماتها في نطاق الأحياء الجنوبية، التي تضم مقر (الفرقة السادسة) للجيش، وهو النمط ذاته الذي اتبعته سابقاً في إسقاط أربع فرق للجيش في ولايات بدارفور، وهو ما مكّنها من الاستيلاء عليها. مبرزة أن القوات المهاجمة لم تستطع التوغل إلى قلب المدينة، وأجرت تموضعاً جديداً على أطرافها. غير أن تسجيلات مصورة تظهر تقدماً كبيراً لـ«قوات الدعم السريع»، وتوغلاً داخل مناطق سكنية لا تبعد كثيراً عن القيادة العسكرية للجيش في المدينة، المسماة «الفرقة السادسة مشاة».

وقال ضابط «متقاعد»، برتبة رفيعة في الجيش، إن الوضع في الفاشر «يبدو معقداً، فالجيش يراهن على كسب أكبر وقت ممكن، وإطالة أمد المعركة إلى أن ينجح في تحقيق انتصار عسكري حاسم على (الدعم السريع) في كردفان، ليتقدم بعدها لكسر الحصار على المدينة».

وأضاف الضابط، الذي طلب حجب هويته، قائلاً: «بلا شك الحصار الطويل ينهك القوات في الفاشر، وقد تكون في حاجة إلى تأمين إمداد عسكري عاجل بالأسلحة والذخائر، وإسناد الطيران الحربي في شن غارات لوقف زحف (قوات الدعم السريع) على المدينة. وكل يوم يمر في ظل الحصار واستمرار العمليات العسكرية، يشكل استنزافاً للجيش في معركة طويلة ومكلفة عسكرياً، بلا مصدر تشوين بالذخائر والمؤن، بعد توقف الإمداد عبر الإسقاط الجوي، في مواجهة عدو كل الطرق أمامه سالكة للتزود بالسلاح والمقاتلين».

ووفق المصدر ذاته، فإن «قوات الدعم السريع»، وبعد فشل محاولاتها في إسقاط الفاشر، وتكبدها خسائر كبيرة في محاور القتال، لجأت إلى أسلوب ضرب الأهداف العسكرية بتفكيك الخنادق، عبر هجمات برية خاطفة ومحدودة، والتوغل ببطء إلى العمق الاستراتيجي في المدينة. ومن الملاحظ في المواجهات الأخيرة أن «الدعم السريع» تركز على إضعاف البنية التحتية العسكرية للجيش عبر استهدافها بالقصف المدفعي المكثف، والمسيَّرات الاستراتيجية، لاستنزافه واستدراجه إلى معارك خارج المدينة.

 

* صمود الفاشر

 

عزت مصادر محلية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» صمود الفاشر طيلة هذه الفترة إلى انخراط أعداد كبيرة من المدنيين في القتال في صفوف الجيش، و«القوة المشتركة» المؤيدة للحركات المسلحة في كل المواقع العسكرية.

وقالت مصادر في «الدعم السريع» إنها تسيطر على أجزاء واسعة من الفاشر، وتحاصرها من الجهات الأربع، مؤكدة أنها تقدمت خلال الأيام الماضية أكثر في المحور الجنوبي، وتمكنت من طرد الجيش من الخنادق، واستولت عليها.

وتوغلت في مناطق السوق الكبيرة، التي لا تبعد كثيراً عن مقر قيادة الجيش في المدينة.

بدوره، قال المتحدث الرسمي باسم «المنسقية العامة للنازحين واللاجئين» في إقليم دارفور، آدم رجآل، إن معركة الفاشر يمكن أن تستمر طويلاً قبل أن يتمكن طرف من القضاء على الآخر. مضيفاً «أن إطالة أمد الحرب أنهك الطرفين، وبالتالي فهما يحتاجان إلى الإمداد المتواصل، كما أن الأوضاع الإنسانية المزرية لها انعكاسات أيضاً على الوضع العسكري والميداني وصمود المدينة».

طفلة سودانية في مخيم أبو النجا (أ.ف.ب)

وأضاف رجآل موضحاً أن العبء الأكبر يقع على آلاف المدنيين المحاصرين في رقعة جغرافية ضيقة، الذين اضطروا إلى حفر ملاجئ تحت الأرض للاحتماء من القصف المدفعي العشوائي لـ«قوات الدعم السريع»، ويكابدون ظروفاً معيشية صعبة للغاية وصلت حد المجاعة. مبرزاً أن مدينة الفاشر «تمثل رمزية تاريخية للجيش السوداني والحركات المسلحة معاً، وبعدما سقطت حاميات الجيش في عواصم ولايات دارفور في نيالا والجنينة وزالنجي والضعين، نقل أعداد كبيرة من قواته إلى شمال دارفور؛ لذلك فهو يستميت في الدفاع عن الفاشر، آخر معاقله في إقليم غرب البلاد.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

شمال افريقيا طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل

«الشرق الأوسط» (بورت سودان)
شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

أكدت مصر حرصها على استمرار العمل في إطار «الرباعية الدولية» (تضم السعودية، ومصر، والولايات المتحدة والإمارات) للتوصل إلى هدنة إنسانية شاملة في السودان.

أحمد جمال (القاهرة)

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
TT

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)

تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مساء الخميس، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين مصر والولايات المتحدة إزاء القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفقاً لبيان للمتحدث باسم الخارجية المصرية.

وأفاد البيان بأن الاتصال «تناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا في ظل العلاقات المتميزة التي تربط الرئيس (المصري) عبد الفتاح السيسي والرئيس (الأميركي) دونالد ترمب وبين البلدين الصديقين، حيث أشاد الجانبان بما تمثله العلاقات المصرية-الأميركية من ركيزة أساسية لدعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين ويدعم الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وشهد الاتصال بحث آخر المستجدات في قطاع غزة، حيث تبادل الجانبان الرؤى بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث تم التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب الإعلان عن تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وفقاً للبيان.

كما تناول الاتصال مستجدات الأوضاع الإقليمية، لا سيما فى إيران، حيث تم التأكيد على ضرورة العمل على خفض التصعيد وحدة التوتر، وتحقيق التهدئة تفاديا لانزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار والفوضى، وضرورة تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

من جانبه، ثمن ستيف ويتكوف الدور المصري المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وجهود مصر المتواصلة في احتواء الأزمات الإقليمية المختلفة والدفع نحو حلول سياسية تسهم في تهدئة الأوضاع بالمنطقة.


الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه تم «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة" ولكن "بحلول نهاية مارس (آذار) سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع».

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

وتشهد البلاد منذ نحو ثلاثة أعوام حربا بين الجيش وقوات الدعم السريع ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح 11 مليونا على الأقل داخل البلاد وخارجها، بينهم من يعيش في مراكز إيواء مكتظة بالكاد تفي الحاجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي حاجته إلى 700 مليون دولار أميركي لاستكمال نشاطاته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

ولم تنجح الجهود الدبلوماسية للرباعية الدولية بشأن السودان، المؤلفة من الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، بعد في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين.

واستضافت القاهرة الأربعاء اجتماعا رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ودولا أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق الكثير من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة أكد نهاية العام الماضي انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومترا شمال كادقلي وكلاهما محاصرتان من قبل قوات الدعم السريع) يواجهون ظروفا تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقا لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليونا في أنحاء السودان الجوع الشديد.

وخلال زيارته لمدينة دنقلا الخميس، قال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك إن العديد من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين أن النساء لديهن وصول محدود إلى خدمات الدعم.

ودعا إلى بذل جهد شامل من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي لتمكين توصيل المساعدات الإنسانية الحيوية.

- جهود غير كافية -

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونصفهم من الأطفال.

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

وقالت المنظمة في بيان إن المساعدات المقدمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة احتدم القتال في منطقة كردفان جنوبي السودان مع توسع قوات الدعم السريع عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد في المواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين إلى جلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق الكثير من المطابخ العامة أبوابها، بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم الخميس دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر منذ بدء حصار قوات الدعم السريع لها قبل أكثر من 18 شهرا، نظمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جهته، أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس دخول 1,3 طن متري من المساعدات الإنسانية إلى الفاشر.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

- آمال دبلوماسية -

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب العمل على إنهاء الحرب في السودان بعد مناشدة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

منذ ذلك الحين، واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة قوات الدعم السريع، وهي تهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية ورفض التدخل الخارجي.

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة إلى مصر وأن بلاده مستعدة لاتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية أمن السودان.

وتعتبر القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.

من جهته، اعتبر مبعوث الأمم المتحدة للسودان رمطان لعمامرة اجتماع الأربعاء فرصة مؤاتية للأطراف الفاعلة لتوحيد الجهود، إلا أن مصدرا دبلوماسيا قال لوكالة فرانس برس إنه لا توجد في الوقت الحالي مقترحات جديدة لاتفاق هدنة.


«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.