تركيا تُعمّق حضورها في ليبيا عبر اتفاقيات تدريب وتعاون عسكريين

قُبيل مناقشة برلمانية لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية

جانب من زيارة سابقة للدبيبة إلى تركيا (حكومة «الوحدة» الليبية)
جانب من زيارة سابقة للدبيبة إلى تركيا (حكومة «الوحدة» الليبية)
TT

تركيا تُعمّق حضورها في ليبيا عبر اتفاقيات تدريب وتعاون عسكريين

جانب من زيارة سابقة للدبيبة إلى تركيا (حكومة «الوحدة» الليبية)
جانب من زيارة سابقة للدبيبة إلى تركيا (حكومة «الوحدة» الليبية)

تشهد الساحة السياسية الليبية تقارباً متزايداً مع تركيا في الآونة الأخيرة؛ مما يعمق حضورها في البلاد.

وقبل أيام قليلة وقّع عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، خلال زيارة رسمية إلى أنقرة، اتفاقية للتعاون العسكري، عُدّت تعزيزاً لما يربط بين تركيا وغرب ليبيا من تنسيق أمني واستراتيجي. وبالتوازي مع ذلك، برزت مؤشرات على استمرار انفتاح أنقرة على القيادة العامة لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر، المتمركزة في شرق وجنوب البلاد، وذلك بعد خصومة اكتنفت علاقاتهما قبل سنوات. ويأتي ذلك قبيل مناقشة مجلس النواب الليبي اتفاقية ترسيم الحدود، التي وقعها فائز السراج، رئيس حكومة «الوفاق» السابقة، مع أنقرة عام 2019.

أهداف استراتيجية لأنقرة

وفقاً لتقديرات عدد من السياسيين والمراقبين، فإن حرص أنقرة على التنسيق وعقد اتفاقيات التعاون والتدريب العسكري مع مختلف القوى الليبية يحمل في طياته «أهدافاً استراتيجية» أعمق من المعلنة، تتصل بدورها المتنامي في بلد يعاني انقساماً حكومياً وسياسياً.

وعزا رئيس حزب «شباب الغد» الليبي، أحمد المهدوي، التقارب التركي مع سلطات شرق ليبيا، سياسياً وعسكرياً في السنوات الأخيرة، إلى الطابع البراغماتي الذي تتبعه أنقرة في البحث عن مصالحها وتعزيزها، سواء داخل ليبيا أو في المنطقة عموماً.

صدام حفتر خلال زيارة إلى تركيا في أبريل 2024 (رئاسة أركان القوات البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»)

وأشار المهدوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن زيارة الفريق صدام حفتر، رئيس أركان القوات البرية بـ«الجيش الوطني»، إلى أنقرة في أبريل (نيسان) الماضي، «شكّلت تحوّلاً مهماً في استعادة العلاقات بين بنغازي وتركيا، حيث جرت الزيارة بدعوة من العسكريين هناك»، عادّاً إياها «خطوة لمعالجة سياسة أنقرة السابقة التي اتسمت بالعداء للشرق الليبي».

وبحسب رؤية المهدوي، فإن هدف تركيا من هذا التقارب هو «الحصول على حصة من عقود التدريب، التي تحرص القيادة العامة للجيش على إبرامها مع دول عدة، وفق معايير تتعلق برفع قدرات المؤسسة العسكرية وجاهزيتها». مشيراً إلى ما يوفره أي انفتاح عسكري بين الشرق الليبي وأنقرة من تعزيز لنفوذ تركيا، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، لافتاً إلى أن الشركات التركية «تحظى بحصة من عقود مشاريع الإعمار الجارية».

ورغم خلو البيانات الرسمية الصادرة عن «الجيش الوطني» من أي إشارة إلى إبرام اتفاقيات تدريب وتعاون عسكري مع تركيا بشكل رسمي خلال زيارة صدام حفتر إلى تركيا، فإن عدداً من المراقبين والخبراء العسكريين تحدثوا عن «اتفاقيات مبدئية»، تتعلق ببرامج تدريب عسكري لقواته، خاصة بشأن «طريقة تشغيل الطائرات المسيّرة التركية الصنع».

شريك استراتيجي

في المقابل، يتحدث المحلل السياسي الليبي، إسلام الحاجي، عن «مصالح وأهداف استراتيجية غير معلنة تسعى القوى المسلحة الليبية في شرق البلاد وغربها لتحقيقها من وراء عقد اتفاقيات التدريب والتعاون العسكري مع الجانب التركي، وعدّه شريكاً استراتيجياً لهما».

وأوضح الحاجي لـ«الشرق الأوسط»، أن حكومة «الوحدة الوطنية»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تعد أنقرة في مقدمة الحلفاء الداعمين لبقائها في السلطة؛ ولذا تحرض على تعزيز ارتباطها بها عبر توقيع عدد من الاتفاقيات خلال السنوات الماضية في مجالات أمنية وعسكرية واقتصادية ونفطية.

أما فيما يتعلق بـ«الجيش الوطني»، فقد أوضح الحاجي أنه يحاول بدوره تجسير هوة الخلاف مع تركيا، في محاولة للظهور كطرف منفتح على الجميع، وغير محسوب على معسكر أو دولة بعينها مثل روسيا. مبرزاً المكاسب التي تصب في صالح أنقرة، من جراء توسع نفوذها في ملف التعاون العسكري شرقاً وغرباً، وموضحاً أن كسب تركيا لثقة الفرقاء المحليين سيعزز صورتها أمام المجتمع الدولي عامة، وواشنطن خاصة، بوصفها طرفاً محايداً ووسيطاً موثوقاً، يمكن الاعتماد عليه في أي حل للأزمة السياسية، مقارنة بأدوار دول أخرى، كما أنه قد يدفع حفتر إلى تقليص تحالفه مع موسكو.

وكانت وزارة الدفاع التركية، كشفت مطلع الشهر الحالي، عن زيارة ثلاثة وفود عسكرية من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» إلى تركيا، عقب زيارة صدام حفتر.

وبعد أيام من زيارة صدام حفتر إلى تركيا لبّى مدير إدارة الاستخبارات العسكرية بالقوات التابعة لحكومة «الوحدة»، اللواء محمود حمزة، دعوة رسمية لزيارة أنقرة. وأُعلن عن بحث تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، ما دفع بعض المراقبين إلى ترجيح وجود تنسيق أميركي - تركي لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، عبر التنسيق بين القيادات العسكرية في شرق ليبيا وغربها.

من جهته، دعا الناشط السياسي الليبي، عصام التاجوري، إلى ضرورة التفريق بين نتائج الانفتاح بين شرق ليبيا وتركيا على مدار العامين الماضيين، والاعتماد المتواصل للقوى المسلحة والسلطات في الغرب الليبي على تركيا بوصفها حليفاً رئيسياً.

وقال التاجوري لـ«الشرق الأوسط»: «رغم تقاربه مع تركيا سياسياً وعسكرياً، لم يهمل الشرق الليبي علاقاته مع باقي الدول، التي طالما ساندته؛ وهو يسعى دائماً للانفتاح على قوى ودول أخرى، وعقد الشراكات معها في المجالات ذاتها».

وأضاف التاجوري موضحاً: «في المقابل، فإن علاقة أنقرة منذ البداية مع بعض القوى والمؤسسات في طرابلس، وباقي مدن المنطقة الغربية تفتقر للتكافؤ؛ حيث تحوّلت تلك القوى إلى ما يشبه الأدوات المنفذة للأجندة التركية في الداخل الليبي والمنطقة».

ويتفق التاجوري مع ما يطرحه البعض بشأن إمكانية الاستفادة من الحضور التركي في المشهد الليبي للدفع نحو تشكيل «حكومة جديدة موحدة» للبلاد، وقال بهذا الخصوص: «بحكم علاقاتها القوية مع المنطقة الغربية، قد تنجح أنقرة في تحييد بعض المجموعات الرافضة لأي توجّه لإزاحة حكومة الدبيبة، وهو ما قد يفتح المجال فعلياً لتشكيل حكومة جديدة، مع الانتباه إلى أن هذه الحكومة لن ترى النور دون توافق روسي - أميركي».


مقالات ذات صلة

اعتماد اتفاق «4 + 4» يفاقم الخلاف على «النصاب» داخل «النواب» الليبي

شمال افريقيا من جلسة مجلس النواب في بنغازي أمس الاثنين (مجلس النواب)

اعتماد اتفاق «4 + 4» يفاقم الخلاف على «النصاب» داخل «النواب» الليبي

تعمّق الانقسام السياسي بشرق ليبيا عقب اعتماد مجلس النواب لاتفاق «4 + 4»، إثر تشكيك عشرات النواب في نصاب الجلسة، وتلويحهم بالطعن القضائي.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)

تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

تكثف الأمم المتحدة تحركاتها في ليبيا لدفع التوافق الوطني والتمهيد للانتخابات، عبر توحيد المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية بالتنسيق مع الشركاء الدوليِّين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز - أرشيفية)

مؤسسة النفط الليبية: قد نضطر لإعلان حالة القوة القاهرة بعد إغلاق حقول

علّقت ليبيا الإنتاج والعمليات في ثلاثة حقول نفطية بعد إغلاق غير قانوني لخط رئيسي، محذرة من إعلان القوة القاهرة إذا استمر التعطيل.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
العالم العربي وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

بحث وزيرا العمل في مصر وليبيا تنظيم أوضاع العمالة المصرية وتسهيل إجراءات دخولها، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التشغيل والتأهيل والربط الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عربية المغربي سفيان بوفال إلى الاتحاد الليبي (نادي الاتحاد)

المغربي سفيان بوفال إلى الاتحاد الليبي

أعلن نادي الاتحاد المنافس في الدوري الليبي لكرة القدم الاثنين تعاقده مع لاعب الوسط الهجومي المغربي سفيان بوفال.

«الشرق الأوسط» (طرابلس (ليبيا))

اعتماد اتفاق «4 + 4» يفاقم الخلاف على «النصاب» داخل «النواب» الليبي

من جلسة مجلس النواب في بنغازي أمس الاثنين (مجلس النواب)
من جلسة مجلس النواب في بنغازي أمس الاثنين (مجلس النواب)
TT

اعتماد اتفاق «4 + 4» يفاقم الخلاف على «النصاب» داخل «النواب» الليبي

من جلسة مجلس النواب في بنغازي أمس الاثنين (مجلس النواب)
من جلسة مجلس النواب في بنغازي أمس الاثنين (مجلس النواب)

استمرَّ الانقسام داخل مجلس النواب الليبي، عقب اعتماده الاتفاق النهائي للجنة الحوار المصغرة «4 + 4»، بعدما شكَّك عشرات النواب في اكتمال النصاب القانوني، في تطور قد يعمِّق الانقسام داخل المؤسسات السياسية في شرق ليبيا.

وقالت مصادر ونواب رافضون للجلسة، التي عُقدت الاثنين، إن النصاب القانوني لم يكتمل، موضحين أن عشرات النواب ظلوا خارج القاعة احتجاجاً على جدول الأعمال، وطريقة الدعوة إلى الجلسة، التي قاطعها 64 نائباً، وتمسَّكوا بأن النصاب المطلوب يبلغ 87 نائباً، محذِّرين من أنَّ أي مخرجات تصدر في غياب النصاب ستكون عرضةً للطعن أمام القضاء المختص.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لعقيلة)

وتباينت أيضاً الروايات بشأن عدد النواب، الذين شاركوا فعلياً في الجلسة، ونقلت وسائل إعلام محلية عن عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي أن 40 نائباً كانوا داخل قاعة الجلسة، بينما أشار آخرون إلى أنَّ نواباً آخرين ظلوا خارج القاعة.

في المقابل، قال النائب علام الفلاح إن عقيلة صالح كان داخل القاعة برفقة 17 نائباً آخرين، بينما بقي 78 نائباً خارجها.

وفي مواجهة الاعتراضات، قدَّم عضو مجلس النواب علي التكبالي رواية مختلفة، حيث قال إن المجلس «اعتمد مخرجات (4 + 4) بمَن حضروا»، وإن مَن لم يحضر لأي سبب «ليس له أن يعترض»، مضيفاً أن اعتماد القرارات بحضور مَن يشاركون في الجلسة أمر اعتاد عليه المجلس.

وتكشف هذه المواقف عن خلاف لا يتعلق فقط بمضمون اتفاق «4 + 4»، وإنما يمتد إلى طريقة اتخاذ القرار داخل مجلس النواب، ومَن يملك حقَّ تمثيل المجلس في هذه المرحلة.

من جانبه، قال الهادي برقيق، رئيس مجلس أمازيغ ليبيا، إن ما يحدث في المشهد السياسي لن يحقِّق أي نتائج، عادّاً أنه قد يقود في آخر المطاف إلى «نهاية لكل الفاسدين، ولكل مَن كان سبباً في تأزيم الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي».

وانتقد برقيق في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أداء مجلس النواب، قائلاً إن قراراته كانت تصدر عملياً على مدى سنوات من شخص عقيلة صالح، بوصفه صاحب القرار. وعزا استمرار هذا الوضع إلى فشل المجلس في تجديد شرعيته، وإجراء الانتخابات.

وفي كلمته خلال الجلسة، لم يقدِّم عقيلة صالح اعتماد «4 + 4»، بوصفه خروجاً عن موقف مجلس النواب، بل قال إن ما جاء في مقترح اللجنة «متوافق مع رؤية المجلس». وربط ذلك خصوصاً بالقواعد المنظمة للترشح للانتخابات، ومنها السماح للعسكريين بالترشح وفق القانون رقم 28 لسنة 2023، والسماح لحاملي الجنسية الأجنبية بالترشح، شريطة التخلي عنها قبل أداء اليمين.

صالح دعا إلى تشكيل حكومة واحدة تتولى الإشراف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية (هيئة الانتخابات)

كما دعا صالح إلى تشكيل حكومة واحدة تبسط سلطتها على كامل الأراضي الليبية، وتتولى الإشراف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، محذِّراً من أن استمرار الانقسام السياسي بات يستنزف مؤسسات الدولة، ويمس أمن المواطنين وسيادة البلاد.

وبحسب الرواية الرسمية التي أعلنها عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم المجلس، لم يقتصر التصويت على الاتفاق السياسي نفسه، حيث طرح عقيلة خيارين بشأن مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، عبر اعتماد مقترح مجلس الدولة، أو اعتماد مخرجات لجنة «4 + 4»، قبل أن يصوت المجلس بالإجماع لمصلحة مخرجات اللجنة.

وقال بليحق إن القرار يشمل تسمية رئيس جديد للمفوضية، وإضافة عضوين إلى مجلس إدارتها، كما أعلن تشكيل لجنتين لدراسة مقترح جدول موحد للمرتبات، وأسباب عدم تنفيذ زيادة مرتبات المتقاعدين، قبل تعليق الجلسة.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وفي طرابلس، تبنى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خطاباً أكثر تحفظاً تجاه طريقة إدارة التسوية السياسية، حيث جدَّد خلال لقائه مساء الاثنين بالسفير الفرنسي، تيري فالات، تمسكه بما وصفها بـ«الملكية الليبية الكاملة» لأي تسوية أو اتفاق سياسي، مؤكداً أن إنهاء الانقسام، وترسيخ الاستقرار يتطلبان مساراً وطنياً جامعاً يحظى بالقبول الليبي، بعيداً عن ترتيبات تفرضها المصالح الضيقة، أو تعيد إنتاج الانقسام.

كما أكد دعمه للمسارات التي تستهدف إنهاء المراحل الانتقالية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس دستوري وقانوني واضح.


الجزائر: هيئة الانتخابات تكثف لقاءاتها الحزبية لإنجاح الانتخابات البلدية

طاقم هيئة تنظيم الانتخابات (إعلام الهيئة)
طاقم هيئة تنظيم الانتخابات (إعلام الهيئة)
TT

الجزائر: هيئة الانتخابات تكثف لقاءاتها الحزبية لإنجاح الانتخابات البلدية

طاقم هيئة تنظيم الانتخابات (إعلام الهيئة)
طاقم هيئة تنظيم الانتخابات (إعلام الهيئة)

يُكثّف رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر، سعد عروس، منذ أسبوع لقاءاته مع قادة الأحزاب، استعداداً للانتخابات البلدية المقررة في 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ في ظل مخاوف من تكرار «العزوف» الذي طغى على الاقتراع التشريعي الذي نظم في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، حيث لم تتجاوز نسبة التصويت حينها 21 في المائة.

رئيس هيئة الانتخابات مع أمين عام حزب «حركة النهضة» (إعلام حزبي)

واستقبل عروس بين يومي الخميس والثلاثاء، رئيس «حركة البناء الوطني»، عبد القادر بن قرينة، والسكرتير الأول لـ«جبهة القوى الاشتراكية»، يوسف أوشيش، ورئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» عثمان معزوز. كما التقى رئيس حزب «جيل جديد» لخضر مقران، والأمين العام لـ«حركة النهضة» محمد ذويبي، ورئيسة حزب «تجمع أمل الجزائر» فاطمة الزهراء زرواطي، بالإضافة إلى رئيسة حزب «جبهة المواطنين الأحرار» نجية وجدي، وزعيمة «حزب العمال» لويزة حنون، ورئيس حزب «صوت الشعب» الأمين عصماني، الذي وصف لقاءه برئيس سلطة الانتخابات بـ«البنّاء»، موضحاً أنه جرى في «أجواء ديمقراطية ومفتوحة».

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات سعد عروس (السلطة)

ووفق بيان لـ«التجمع من أجل الثقافة»، فقد أكدت قيادته أن معزوز سلم عروس مذكرة تتضمن «النقائص التي تخللت الاستحقاقات الانتخابية السابقة، فضلاً عن الصعوبات التي تم رصدها بالفعل في المراحل الأولى لتحضير الانتخابات المحلية». وتطرق الحزب في المذكرة بشكل خاص إلى شروط الترشح، و«نظام الرعايات» (التزكيات)، والتأطير الانتخابي، والأعطال في المنصات الرقمية الخاصة بتسيير العمليات الانتخابية، وشفافية الإجراءات، وآليات الطعن، مع التأكيد على ضرورة حياد الإدارة.

كما قدم الحزب مقترحات تهدف، بحسب بيانه، إلى ضمان عملية انتخابية «شفافة وعادلة وموثوقة»، داعياً إلى «تعزيز التشاور مع التشكيلات السياسية، وتحقيق المساواة بين جميع المتنافسين، وتوفير الظروف الكفيلة باستعادة ثقة المواطنين في ممارسة سيادتهم بكل حرية».

قيادة حزب «جيل جديد» أثناء المشاورات مع سلطة الانتخابات (إعلام حزبي)

من جهته أكد «جيل جديد» في بيان، أصدره إثر اجتماع قيادته برئيس سلطة الانتخابات، أن قرار مشاركة الحزب، في الانتخابات المحلية «يعكس خيارنا لتبني معارضة فاعلة ومسؤولة، ترفض سياسة المقعد الفارغ، وتسعى إلى صناعة التغيير». موضحا أن «الثقة في المسار الانتخابي لا تُفرض بمرسوم، بل تُبنى عبر ضمانات ملموسة، وممارسات تتسم بالشفافية».

وأوضح البيان أن قيادة الحزب شددت خلال لقائها بسعد عروس على المساواة في المعاملة بين جميع الأحزاب وقوائم المرشحين، وتطبيق موضوعي وشفاف للأحكام المتعلقة بالترشيحات، لا سيما المادتين 184 و200 من قانون الانتخابات، وهو نص أثار جدلاً كبيراً في الانتخابات البرلمانية الماضية، بسبب استناد سلطة الانتخابات لهاتين المادتين لإقصاء مئات المترشحين، بناء «على شبهة مال فاسد».

كما طالب «جيل جديد»، وفق بيانه، بتقديم تبرير دقيق لكل قرار إقصاء من الترشح، مع كفالة حق حقيقي وفعال في الطعن. وبالحفاظ على حياد الإدارة، ومنع استغلال الوسائل العمومية لأغراض انتخابية، وضمان حقوق ممثلي المترشحين داخل مكاتب الاقتراع. كما طالب أيضا بالشفافية في تتبع عمليات فرز الأصوات وحرية تداول المحاضر، ونشر نتائج تفصيلية وقابلة للتحقق. مؤكدا أنه لا «يطالب بمعاملة خاصة؛ فنحن لا نطلب أي امتياز، بل نطالب بتطبيق القواعد ذاتها على الجميع»، موضحاً أن اقتراع 28 نوفمبر «لا ينبغي أن يكون مجرد استحقاق إضافي، بل يجب أن يكون موعداً مع الثقة والمسؤولية، القرب من المواطن، والتغيير، فهدفنا بسيط يتعلق بأن يتولد لدى كل مواطن يقين راسخ بأن صوته حر، محترم، وله قيمة فعلية».

رئيس «التجمع من أجل الثقافة» المعارض مع رئيس سلطة الانتخابات (إعلام حزبي)

وجاءت اجتماعات سلطة الانتخابات مع الأحزاب في إطار ديناميكية من المشاورات، بدأها رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مع مجمل الطبقة السياسية الوطنية مع اقتراب موعد الاقتراع المحلي.

وكانت السلطة قد أعلنت في بداية سبتمبر (أيلول) الحالي عن فتح هذه المشاورات، موضحة أنها ستتم وفق جدول زمني وضعه سعد عروس، وأنها تأتي استجابة لتعهد هيئة الانتخابات بالاستماع إلى مختلف الشركاء في العملية الانتخابية، وفي مقدمتهم الأحزاب السياسية. وكان هذا الانفتاح على الحوار قد طالبت به عدة تشكيلات في أعقاب الانتخابات التشريعية الماضية.

وتأتي هذه الجلسات عقب الإعلان الرسمي من قبل سلطة الانتخابات في 8 من الشهر الحالي عن معايير الأهلية، وكيفيات تشكيل الملفات الإدارية، وشروط التزكية بالنسبة للمجالس الشعبية البلدية والولائية.

أحد التجمعات الانتخابية في الاقتراع التشريعي الذي ميزه عزوف كبير عن الصناديق (جبهة القوى الاشتراكية)

وبحسب المراقبين، تهدف هذه المشاورات إلى استخلاص الدروس من الاختلالات التي شابت الانتخابات التشريعية الأخيرة، خصوصاً ما يتعلق بشروط الترشح، وتعقيد التزكيات، وإجراءات الطعن، والأعطال الرقمية المتكررة، وذلك بهدف معلن يكمن في ضمان اقتراع شفاف، وإعادة بناء ثقة الناخبين.


تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)
الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)
TT

تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)
الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)

كثَّفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تحركاتها السياسية والأمنية خلال الأيام الأخيرة، في مسعى لدفع مسار التوافق بين الأطراف الليبية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، بالتزامن مع بحث ملفات الأمن، والتنمية، والهجرة غير النظامية.

وفي أحدث هذه التحركات، بحث سالم الزادمة، نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، ستيفاني خوري، مستجدات الوضع السياسي، وجهود البعثة الأممية، إلى جانب المبادرات والمسارات السياسية المطروحة، ونتائج اجتماعات خطة «4 + 4»، وما أسفرت عنه من توصيات ومخرجات.

الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» مع خوري (مكتب الزادمة)

وشدَّد الزادمة خلال اللقاء، بحسب بيان أصدره مكتبه، على أهمية حضور مختلف المناطق الليبية في الأطر والمسارات السياسية، مؤكداً «ضرورة إشراك فزان بصورة فاعلة في أي مسار سياسي موحد، وضمان حصولها على حقوقها في التمثيل السياسي، بما يعكس مكانتها ودورها في المشهد الوطني».

كما تناول اللقاء عدداً من الملفات المتعلقة بالمنطقة الجنوبية، من بينها دعم جهود التنمية، وتحسين مستوى الخدمات، بما يسهم في تعزيز، والاستجابة لتطلعات المواطنين في فزان ومختلف مناطق الجنوب.

وأكد الجانبان أهمية استمرار الحوار والتنسيق ودعم الجهود، الرامية إلى تحقيق الاستقرار والسلام في ليبيا، والتَّوصُّل إلى حلول سياسية توافقية تراعي مصالح مختلف المناطق والمكونات الليبية.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

ووقَّع أعضاء لجنة «4 + 4» على الاتفاق النهائي برعاية أممية في نهاية الشهر الماضي، في خطوة تهدف إلى دفع المسار الانتخابي؛ بينما كانت واشنطن تعمل على «مبادرة أميركية»، تقول إنها تستهدف إنهاء الانقسام السياسي والعسكري والأمني في ليبيا.

غير أن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، قال: «إن المبادرتين الأميركية والأممية مكملتان لبعضهما». وأضاف خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي في دبي الثلاثاء: «شجعنا ونسقنا الاتفاق الأخير بإشراف الأمم المتحدة»، في إشارة إلى ما نتج عن «4 + 4». وأوضح أن المبادرة الأميركية في ليبيا ستتركز أساساً على «كيفية إدارة مرحلة السنتين اللتين ستمهدان للانتخابات». وقال بهذا الخصوص: «نعمل مع الأتراك ومصر والإمارات وقطر وغيرهم على إنجاح توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية؛ فليبيا من أغنى البلدان العربية والأفريقية، وشعبها يستحق العيش في رفاهية».

وينصُّ الاتفاق على تعديلات في الإطار الانتخابي، من بينها إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ظلِّ سلطة تنفيذية موحدة، والتزام الأطراف بالعمل على إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. كما ينصُّ على عرض الاتفاق على مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لاعتماده خلال شهر، وإنشاء آلية متابعة لدعم تنفيذ بنوده.

وتشير التسريبات إلى مقترح يقضي بتولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل استمرار رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، على رأس حكومة موحدة.

والتقت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، سفير بنغلاديش لدى ليبيا، محمد حبيب الله، مساء الاثنين، حيث ناقشا التطورات السياسية، بما في ذلك خريطة الطريق التي تيسرها البعثة، إلى جانب قضايا الهجرة غير النظامية. وأشاد السفير بالجهود التي أفضت إلى توقيع اتفاق الاجتماع المصغر، معرباً عن دعم بلاده لجهود الأمم المتحدة، الرامية إلى تعزيز الاستقرار السياسي في ليبيا.

المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في ليبيا خلال لقائها سفير الجامعة العربية لدى ليبيا الشيخ المختار محمد محمود (البعثة الأممية)

كما بحثت تيتيه مع سفير الهند لدى ليبيا، حفيظ الرحمن، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد، بما في ذلك العملية السياسية، التي تيسرها الأمم المتحدة، والاتفاق الذي توصَّل إليه الاجتماع المصغر.

وعلى المسار الأمني، التقت تيتيه، رفقة نائبتها ستيفاني خوري، مساء الاثنين، أعضاء لجنة الترتيبات الأمنية بالمنطقة الغربية، برئاسة الفريق مصطفى يحيى، رئيس اللجنة وعضو اللجنة العسكرية المشتركة «5 + 5». واستعرض الاجتماع التقدم المحرز في تنفيذ الترتيبات الأمنية بمنطقة الساحل الغربي، والجهود الرامية إلى تعزيز التنسيق بين الجهات الأمنية المختلفة، ودعم تنفيذ التدابير المتفق عليها لتعزيز الاستقرار.

في سياق متصل، بحثت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام والمنسقة المقيمة للأمم المتحدة في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون، مع سفير جامعة الدول العربية لدى ليبيا، الشيخ المختار محمد محمود، فرص تعزيز التعاون لدعم أولويات التنمية في البلاد.

وركز اللقاء، بحسب البعثة الأممية، الثلاثاء، على الحوكمة الاقتصادية وتعزيز المؤسسات الوطنية، ودفع التنمية الاقتصادية الشاملة، إلى جانب بحث الاستفادة من تجارب الدول العربية المجاورة في مواجهة الاقتصاد غير المشروع، وشبكات الاتجار بالبشر والتهريب، بما يدعم وحدة أراضي ليبيا وتنميتها المستدامة.

كما ناقش الجانبان تحديات الهجرة التي تواجهها ليبيا، وجهود الأمم المتحدة في دعم السلطات الوطنية لمواجهتها، في ضوء الحوادث الأخيرة التي استهدفت مقار الأمم المتحدة.

وجدَّدت ريتشاردسون التأكيد على أن الأمم المتحدة لم تشارك في أي وقت، ولا تشارك حالياً، في إعادة توطين المهاجرين أو الأجانب في ليبيا، مؤكدة التزام المنظمة بمواصلة العمل مع الشركاء الإقليميِّين والدوليِّين، ومن بينهم جامعة الدول العربية؛ دعماً للسلام والاستقرار والحوكمة الفعالة في البلاد.

وتعكس هذه التحركات تعدد المسارات، التي تعمل عليها البعثة الأممية في ليبيا، بين دفع العملية السياسية، وتعزيز الترتيبات الأمنية ودعم التنمية والحوكمة، بالتوازي مع استمرار المشاورات مع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية؛ بهدف بناء توافق، يمهِّد لإجراء انتخابات وطنية وتحقيق استقرار مستدام.