هل مولت الولايات المتحدة بناء «سد النهضة» الإثيوبي؟

أديس أبابا تنفي... والقاهرة تستبشر بتصريحات ترمب

آبي أحمد يعلن اكتمال مشروع سد النهضة ويجري الاستعداد لتدشينه رسمياً (صفحته على «فيسبوك»)
آبي أحمد يعلن اكتمال مشروع سد النهضة ويجري الاستعداد لتدشينه رسمياً (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هل مولت الولايات المتحدة بناء «سد النهضة» الإثيوبي؟

آبي أحمد يعلن اكتمال مشروع سد النهضة ويجري الاستعداد لتدشينه رسمياً (صفحته على «فيسبوك»)
آبي أحمد يعلن اكتمال مشروع سد النهضة ويجري الاستعداد لتدشينه رسمياً (صفحته على «فيسبوك»)

في أقل من شهر انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرتين ما وصفه بـ«تمويل الولايات المتحدة» لـ«سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل، خلال سنوات سابقة. ورغم النفي الإثيوبي لذلك، فإن تصريحات ترمب المتكررة طرحت تساؤلات حول حقيقة تمويل واشنطن للسد، الذي يثير توترات مع دولتي المصب مصر والسودان.

وفي منتصف يونيو (حزيران) الماضي، خرج ترمب بتصريح مثير للجدل قال فيه إن «الولايات المتحدة موّلت بشكل غبي (سد النهضة) الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر».

والاثنين الماضي، كرر الحديث نفسه في مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، بالبيت الأبيض، قائلاً: «إن الولايات المتحدة موّلت السد، وإنه سيكون هناك حل سريع للأزمة».

ورد وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هبتامو إتيفا، على تصريحات ترمب الأولى، قائلاً عبر موقع «إكس»: «(سد النهضة) مشروع محلي بناه الشعب من أجل الشعب، وليس بمساعدات أجنبية».

ترمب والسيسي في لقاء سابق بواشنطن خلال ولاية الرئيس الأميركي الأولى (الرئاسة المصرية)

وانتقد الأكاديمي الإثيوبي الدكتور أبيل أباتي ديميسي، وهو زميل مشارك في «برنامج أفريقيا» بـ«معهد تشاتام هاوس» بلندن، تصريحات ترمب قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إنها «مليئة بالمغالطات».

وأوضح: «الولايات المتحدة لم تموّل بناء السد بالطبع، فقد عارضت البناء منذ البداية، خشية نشوب توتر مع مصر، كما حاول ترمب التوسط بين أديس أبابا والقاهرة، لكن الوساطة فشلت في النهاية».

ديميسي المقيم في أديس أبابا، يرى أن أميركا «تتوسط مرة أخرى بين مصر وإثيوبيا، مع الأخذ في الاعتبار أن مغالطات ترمب ستؤثر على روح جهود الوساطة وحسن نيتها ونتائجها، لكن إثيوبيا لن ترفضها قطعاً، خصوصاً أن التوتر بين أديس أبابا والقاهرة له تداعيات سلبية عدة، ليس فقط على مشاريع نهر النيل، لكن أيضاً على استقرار المنطقة».

يتفق معه الباحث السياسي الإثيوبي فهد العنسي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الادعاءات الأميركية عارية تماماً عن الصحة، ولا تستند إلى أي دليل موثوق»، لافتاً إلى أن «مخطط مشروع (سد النهضة) كان قائماً على أساس أن يتم الانتهاء منه خلال فترة زمنية لا تتجاوز خمس سنوات، إلا أن غياب التمويل الخارجي، واعتماد الحكومة الإثيوبية بشكل كامل على التمويل المحلي، أدّيا إلى تأخير كبير في التنفيذ، وامتداد فترة البناء إلى ما يقارب 14 عاماً».

«سد النهضة» الإثيوبي (حساب رئيس الوزراء الإثيوبي على «إكس»)

المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية، ديفيد دي روش، فسّر ما قد يعنيه ترمب بـ«تمويل أميركا للسد الإثيوبي» قائلاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «الرئيس ترمب ذو خلفية تجارية، لا حكومية. لذلك، لديه رؤية أكثر واقعية لقابلية استبدال الأموال، مقارنةً بالمسؤولين الحكوميين الحاليين».

وأوضح: «لم تُسهم الولايات المتحدة بشكل مباشر في بناء (سد النهضة)، لكنها قدمت في السنوات الأخيرة مساعدات لإثيوبيا بمعدل يزيد على مليار دولار سنوياً... ربما يعني ترمب، أن الحكومة الإثيوبية استخدمت هذه الأموال لتمويل برامجها، ما أتاح لها توفير أموال لبناء سد النهضة».

ويعد دي روش، الذي يعمل حالياً أستاذاً في «مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية» (NESA) بـ«جامعة الدفاع الوطني» في واشنطن، من المقربين لإدارة ترمب.

لقاء بين السيسي وآبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية-الروسية» عام 2019 (الرئاسة المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2020، حينما شاركت واشنطن في مفاوضات السد، أدلى ترمب بتصريح يشير إلى أن الولايات المتحدة لعبت دوراً في الوضع، لكنه لم يقل صراحة إن الولايات المتحدة دفعت أموالاً لبناء السد. وبدلاً من ذلك، أشار إلى المساعدات الخارجية التي قدمتها الولايات المتحدة إلى إثيوبيا التي تبلغ في المتوسط 1.5 مليار دولار سنوياً، وأن بلاده فعلت الكثير لإثيوبيا، «ربما هذا ما يقصده من القول بمشاركة الولايات المتحدة في المشروع»، كما يشير الأكاديمي، عضو الحزب الجمهوري الأميركي، فرانك مسمار.

وأوضح مسمار لـ«الشرق الأوسط»، أن «مشروع بناء السد الذي تبلغ تكلفته 4.6 مليار دولار بدأ عام 2011، ولا يزال يتطلب 578,127.83 دولار لإكماله، أي ما يقرب من 7 في المائة من الناتج القومي الإجمالي لإثيوبيا. ورغم النجاح المحلي في جمع التبرعات، قوبلت مساهمات الإثيوبيين والمنحدرين من أصل إثيوبي الذين يعيشون في الخارج، بالتشكيك بسبب البيئة السياسية في إثيوبيا. كما أن الحكومة الصينية قدمت مبلغاً كبيراً من التمويل الدولي للبنية التحتية للطاقة الكهرومائية للسد، ما يسلط الضوء على الدعم العالمي للمشروع، وبالتالي، لا يمكن النجاح في إكمال (سد النهضة) من دون دعم مالي صريح، أو مساعدات من المؤسسات المالية الغربية».

رئيس الوزراء الإثيوبي خلال تفقد أعمال الإنشاءات بـ«سد النهضة» في أغسطس الماضي (قناته على «تلغرام»)

ولم تعلق مصر رسمياً على تصريحات ترمب لكنها استبشرت بإمكانية التدخل الأميركي لحل النزاع.

وعبَّر الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن تقديره لتصريحات ترمب، قائلاً إنها «تبرهن على جدية الولايات المتحدة في تسوية النزاعات ووقف الحروب». وأضاف في بيان، الثلاثاء: «إن مصر تقدر حرص الرئيس ترمب على التوصل إلى اتفاق عادل يحفظ مصالح الجميع حول السد الإثيوبي، وتأكيده على ما يمثله النيل لمصر بوصفه مصدراً للحياة».

ولا يعتقد الخبير المصري في الشؤون الأفريقية، الدكتور رأفت محمود، أن الولايات المتحدة موّلت بناء السد بشكل مباشر، لكنه أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «فكرة بناء السد ذاتها تخطيط أميركي منذ خمسينات القرن الماضي عبر مركز بحوث الزراعة الأميركي الذي ذهب ودرس مواقع لإقامة سدود على نهر النيل ومنها سد النهضة، رداً على قيام مصر ببناء السد العالي وقتها بدعم من الاتحاد السوفياتي».

وبالتالي، فإن واشنطن «خططت ورعت بناء هذا السد وهذا أهم من فكرة التمويل المباشر، فضلاً عن وجود مساعدات أميركية لأديس أبابا لم تتوقف».

«فكرة بناء السد ذاتها تخطيط أميركي منذ خمسينات القرن الماضي عبر مركز بحوث الزراعة الأميركي الذي ذهب ودرس مواقع لإقامة سدود على نهر النيل ومنها سد النهضة، رداً على قيام مصر ببناء السد العالي وقتها بدعم من الاتحاد السوفياتي».

الدكتور رأفت محمود

حقائق

مليار دولار سنوياً

متوسط حجم المساعدات الخارجية التي قدمتها الولايات المتحدة إلى إثيوبيا


مقالات ذات صلة

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

تحليل إخباري رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

أثارت قمة رئاسية بين قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال، تعقد للمرة الثانية خلال نحو 40 يوماً، تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)

رفض مصر نفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر يُعقد حلّ نزاع «سد النهضة»

جددت القاهرة موقفها الرافض لنفاذ إثيوبيا، الدولة الحبيسة بأفريقيا، إلى البحر الأحمر، نافية قبولها ذلك مقابل مرونة من أديس أبابا بشأن «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري ويتسلم رسالة خطية من السيسي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر تتمسك بـ«توافق» دول حوض النيل ورفض الأحادية

تتمسك مصر بضرورة تحقيق التوافق بين دول حوض النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، بما يضمن تحقيق المنفعة المشتركة لجميع الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح «سد النهضة» في سبتمبر الماضي (حسابه على إكس)

«سد النهضة»: مصير غامض للوساطة الأميركية وسط تشدد مصري - إثيوبي

رغم مرور نحو شهر على عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب وساطته بين القاهرة وأديس أبابا، فإن التباين لا يزال واضحاً في مواقف البلدين.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.