تحذير أميركي لـ«إخوان» السودان من التعاون مع «الحرس» الإيراني

إدارة ترمب تكشف لـ«الشرق الأوسط» عن استراتيجية شاملة لأفريقيا من سد النهضة إلى الصحراء

ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)
ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)
TT

تحذير أميركي لـ«إخوان» السودان من التعاون مع «الحرس» الإيراني

ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)
ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)

رسمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تصريحات حصرية لـ«الشرق الأوسط»، استراتيجية شاملة هي الأوضح حتى الآن في أفريقيا؛ إذ وجهت تحذيراً شديداً لجماعة «الإخوان المسلمين» السودانية ومقاتليها الذين يتلقون «تدريباً ودعماً» من «الحرس الثوري» الإيراني، منذرة بالمزيد من العقوبات. وعبرت عن تفاؤل بإمكان حل الأزمة الليبية استناداً إلى مبادرة قدمها أخيراً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الذي يعمل أيضاً على جبهات متعددة لتسوية أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، ونزاع الصحراء على أساس مبادرة الحكم الذاتي.

وجاءت هذه التصريحات المكتوبة رداً على أسئلة «الشرق الأوسط» الموجهة إلى مسؤول كبير في إدارة الرئيس ترمب، لتُغطّي الجهودَ الدبلوماسية المكثّفة التي تبذلها في بعض أشد أزمات القارة إلحاحاً، من التمسك بوحدة الصومال إلى مواجهة الجماعات الإرهابية المتنامية في منطقة الساحل والقرن الأفريقي.

السودان وإيران

وفيما يتعلق بالسودان، كان المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية واضحاً لا لبس في كلامه؛ إذ أكد أنه لا سبيل عسكرياً لحل الأزمة. وقال إن الولايات المتحدة «ملتزمة بإنهاء الصراع المروع في السودان. لا يوجد حل عسكرياً لهذا الصراع. يجب على الأطراف المتحاربة السعي إلى تسوية تفاوضية، من دون شروط مسبقة، تُنهي العنف وتُخفف المعاناة الهائلة للشعب السوداني».

وأضاف أن واشنطن تعمل، بقيادة الرئيس ترمب، «مع شركائنا وغيرهم لتيسير هدنة إنسانية وإنهاء الدعم العسكري الخارجي للأطراف، الذي يُغذي العنف»، مع «ضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، ودعم مسار نحو انتقال مدني وسلام دائم». وشدد على أنه «لا يمكن للسودان أن يعود إلى حكم مدني مستقل، ويحافظ على وحدته، ويحقق تطلعات شعبه، إلا من خلال السلام والاستقرار».

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

وتطرق المسؤول الأميركي إلى دور جماعة «الإخوان المسلمين السودانية» التي صنفتها وزارة الخارجية الأميركية في مارس (آذار) الماضي «منظمة إرهابية عالمية ومنظمة إجرامية أجنبية»، فلفت إلى أن هذه المنظمة «تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع في السودان ونشر آيديولوجيتها الإسلامية المتطرفة»، موضحاً أن «مقاتليها، الذين تلقى العديد منهم تدريباً ودعماً من (الحرس الثوري) الإيراني، نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق المدنيين».

وذكَّر أيضاً بأن الإدارة صنفت ما يسمى «لواء البراء بن مالك» التابع للجماعة في سبتمبر (أيلول) 2025 «لدوره في الحرب الوحشية في السودان وعلاقاته بإيران»، وهي «الدولة الرائدة عالمياً في رعاية الإرهاب»، مضيفاً أن «النظام الإيراني موّل ووجه نشاطات خبيثة على مستوى العالم من خلال (الحرس الثوري) الإيراني».

وحذر من أن «الولايات المتحدة ستستخدم كل الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة (الإخوان المسلمين) من الموارد اللازمة للانخراط في الإرهاب أو دعمه»، علماً بأن «تصنيف فروع جماعة (الإخوان المسلمين) في مصر والأردن ولبنان والسودان جماعاتٍ إرهابية يعكس الجهود المتواصلة والحثيثة الرامية إلى التصدي للعنف وعدم الاستقرار الذي تمارسه فروع الجماعة أينما وُجدت، بما في ذلك من خلال تصنيفات إرهابية إضافية عند الاقتضاء».

واعتبر المسؤول الأميركي أن الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس دونالد ترمب «يُطلق عملية يتم بموجبها النظر في تصنيف بعض فروع جماعة (الإخوان المسلمين) أو أقسامها الأخرى كجماعات إرهابية». وأشار إلى إمكان اتخاذ مزيد من الإجراءات، مستشهداً بتحذير وزير الخارجية ماركو روبيو بأن واشنطن «تُجري مراجعة مستمرة للجماعات لتصنيفها على حقيقتها: داعمة للإرهابيين، أو ربما إرهابيون أنفسهم، أياً كان الأمر».

تفاؤل حيال ليبيا

ولا تزال ليبيا في قلب الاهتمامات الرئيسية لإدارة الرئيس دونالد ترمب في أفريقيا، خاصة بعد المبادرة التي قدمها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، والتي استقبلت إيجاباً. ورداً على سؤال في شأن الخطوة التالية، وما إذا كان يتوقع انتهاء أزمة الحكومتين المتنافستين قريباً، عبَّر المسؤول الأميركي عن تفاؤل حذر حيال الاستقبال الإيجابي لهذه الجهود، بما في ذلك بيان القيادة العامة للجيش الوطني الليبي الصادر في 18 يونيو (حزيران) الماضي، والبيانات اللاحقة الصادرة عن أعضاء مجلس النواب وقادة البلديات، مضيفاً أن «الليبيين يُظهرون بالفعل فوائد دمج مؤسسات الدولة، من خلال إنجازات مثل الاتفاق على ميزانية وطنية موحدة، والمشاركة المشتركة للقوات الليبية الشرقية والغربية في تدريبات القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)».

عبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع في حكومة الدبيبة يتوسط نائب قائد القيادة الأميركية في أفريقيا ومسعد بولس 25 يونيو (إكس)

ووعد بأن الولايات المتحدة «ستواصل العمل مع الأطراف المعنية البناءة من كل أنحاء ليبيا، ودعم جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل) للمساعدة في تهيئة الظروف اللازمة لحكم موحد وإجراء انتخابات وطنية»، مشدداً على أن «الوحدة هي الأساس الأقوى لتحقيق استقرار دائم وشرعية ديمقراطية، وأي تقدم يجب أن يكون شاملاً، وأن يحدده الشعب الليبي بنفسه في نهاية المطاف».

وكان بولس نشر على منصة «إكس» أخيراً أن إدارة ترمب «تقدر عالياً دعم القيادة العامة للجيش الوطني الليبي للجهود الدبلوماسية الأميركية في ليبيا»، مؤكداً أن الشعب الليبي «يستحق مخرجاً من حالة الجمود الراهن لتحقيق سلام دائم ووحدة وطنية، ومساراً موثوقاً نحو انتخابات ناجحة». ورحب ببيان القيادة العامة للجيش الوطني الليبي «الذي يُؤكد استعداد القيادة العامة لاتخاذ خطوات أكثر أهمية وجرأة من أجل الوحدة والسلام والازدهار في ليبيا».

مصر و«سد النهضة»

وسئل المسؤول الأميركي عما إذا كانت واشنطن تعد خطة لحل يقدم قريباً بين مصر وإثيوبيا حيال سد النهضة، ولا سيما بعد تأكيد الرئيس ترمب في هذا الشأن، خلال اجتماعه أخيراً مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فأجاب أن الرئيس ترمب «يُدرك الأهمية البالغة لنهر النيل لمصر وشعبها، ويرغب في المساعدة على تحقيق نتيجة تضمن تلبية حاجات مصر والسودان وإثيوبيا من المياه على المدى البعيد». وبذلك تُبقي واشنطن الباب مفتوحاً أمام دور وساطة أميركي أكثر فاعلية، مع أنه لم يُقدم أي خطة أو جدول زمني محدد.

وتعليقاً على المعارضة القوية التي ظهرت في المنطقة حول الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال، وعما إذا كانت واشنطن تدعم انفصال المنطقة، قدم المسؤول الأميركي تصريحاً لافتاً، مؤكداً أن «الولايات المتحدة تواصل الاعتراف بسيادة جمهورية الصومال الاتحادية ووحدة أراضيها، والتي تشمل أرض الصومال». ولكنه شدد على أن «لإسرائيل الحق نفسه في إقامة علاقات دبلوماسية كأي دولة ذات سيادة أخرى».

الحل في الصحراء

ورداً على سؤال عن «القرار التاريخي» الذي اتخذه الرئيس ترمب منذ سنوات لحل قضية الصحراء المغربية، وما إذا كان بولس يعتقد أن الدور الذي يلعبه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستيفان دي ميستورا لا يزال مُفيداً، ذكر المسؤول الأميركي بأن الرئيس ترمب اعترف بسيادة المغرب على الصحراء وأكد مجدداً دعم الولايات المتحدة لمقترح الحكم الذاتي الجاد والموثوق والواقعي الذي قدمه المغرب كأساس لحل عادل ودائم للنزاع، وقال: «تواصل الولايات المتحدة دعم تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 2797، وتؤيد بقوة العملية التي تقودها الأمم المتحدة»، مثمناً جهود دي ميستورا، الذي «يُعد استمرار مشاركته أمراً أساسياً لتيسير مناقشات حسنة النية، والتوصل إلى حل سلمي ودائم ومقبول من الطرفين، يُعزز الاستقرار الإقليمي».

«حركة الشباب» الصومالية تضاعف المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

وسئل عن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لمكافحة المنظمات الإرهابية في أفريقيا، ومنها «حركة الشباب» في الصومال و«بوكو حرام» في نيجيريا، و«نصرة الإسلام والمسلمين» في دول الساحل، وغيرها من الجماعات التابعة لتنظيم «داعش» أو «القاعدة» في القارة، فأشار المسؤول الأميركي إلى تصريحات قائد «أفريكوم» الجنرال داغفين أندرسون بشأن الضربات الأميركية في الصومال، التي «تعد دعماً بالغ الأهمية لشركائنا، وتصبّ في مصلحة الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، في بونتلاند أخيراً، قدّمنا الدعم لقواتنا الشريكة هناك في هجوم على جبال غوليس ضد تنظيم (داعش)».

وأكد أن «قيادة (أفريكوم) تقوم بتوظيف القدرات الأميركية المتخصصة لدعم شركائنا في دحر التهديدات الأمنية المشتركة في نيجيريا»، حيث «تعد شراكتنا مثالاً رائعاً لشريك مُستعد وكفء للغاية، طلب القدرات الفريدة التي لا تُقدّمها إلا الولايات المتحدة، بما في ذلك بعض خدمات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وبعض خدمات دمج المعلومات الاستخبارية. وعندما نعمل معاً، نكون أكثر فاعلية في مواجهة هذه التهديدات. وعندما نجد شريكاً كفئاً ومستعداً للتعاون، ونستطيع دمج القدرات الفريدة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، نحقق نجاحاً في مواجهة هذه التهديدات».

وختم: «نعمل مع شركائنا لتشجيع تعاون أفضل بين دول الاتحاد الاقتصادي لدول غرب أفريقيا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس). ولمواجهة الإرهاب بفاعلية، لا بد من تعزيز التعاون العسكري وتبادل المعلومات».


مقالات ذات صلة

ترمب يعلن فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على المسيّرات المستوردة

الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)

ترمب يعلن فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على المسيّرات المستوردة

وقّع دونالد ترمب، الخميس، «إعلانا» رئاسيا يفرض رسوما جمركية تصل إلى 100 في المائة على المسيّرات ومكوناتها المستوردة، وهي صناعة تهيمن عليها الصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لعمال يزيلون اسم دونالد ترمب عن واجهة «مركز كينيدي» في واشنطن (إ.ب.أ)

مجلس إدارة «مركز كينيدي» يصوت لصالح إعادة وضع اسم ترمب على مبناه

أفادت تقارير إعلامية بأن مجلس إدارة «مركز كينيدي» للفنون، قد صوّت بالموافقة على حل بديل يتمثل بإضافة عبارة «رممه وجدده الرئيس دونالد جاي ترمب»، على المبنى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من طائرة «مارين ون» في كليفلاند بولاية أوهايو الأميركية (رويترز) p-circle

تحليل إخباري ترمب يراهن «بهدوء» على الضغط الاقتصادي ضد إيران

ليس من طبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يبقى بعيداً عن الأضواء، لكنه يقول إن هذه هي الاستراتيجية التي يفضلها الآن في الحرب ضد إيران، مراهنًا على الضغط…

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مارّة بشارع أمام لوحة دعائية بطهران تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» في 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

الإعلام الإيراني يسخر من ترمب بسبب تبديل طائرته لدواعٍ أمنية

سخرت وسائل إعلام إيرانية رسمية من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعد ظهور تفاصيل جديدة عن تبديله طائرته سراً خلال زيارة إلى تركيا.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
الولايات المتحدة​ ضباط ملثمون بينهم عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (آيس) يدخلون محكمة الهجرة في فينيكس أريزونا (رويترز)

الإدارة الاميركية تزوّد «آيس» بقفازات قادرة على صعق المهاجرين

قررت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تزويد عملاء «آيس» بقفازات يمكنها إطلاق صعقات كهربائية، لاستخدامها في عمليات قمع المهاجرين الذين يمكن أن يقاوموا التوقيف.

علي بردى (واشنطن)

هجمات المسيّرات تشعل 3 جبهات في السودان

حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
TT

هجمات المسيّرات تشعل 3 جبهات في السودان

حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)

احتدم القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الخميس، على محورَي كردفان والنيل الأزرق، بالإضافة إلى العاصمة الخرطوم، بعدما شنّت الأخيرة واحدة من أكبر هجماتها المباغتة خلال الحرب، في محاولة لاستعادة مدن وبلدات استراتيجية خسرتها الشهر الماضي.

وتزامنت المعارك البرية مع غارات مكثفة بالطائرات المسيّرة استهدفت، لليوم الثاني على التوالي، العاصمة الخرطوم ومدينة الأُبيِّض، كبرى مدن إقليم كردفان، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة آخرين. وأعلنت «قوات الدعم السريع» السيطرة على مدينة الكُرمُك ذات الأهمية الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد قرب الحدود مع إثيوبيا، بعد معارك مع الجيش والحركات المسلحة المتحالفة معه. وقال المتحدث باسم القوات، الفاتح قرشي، في بيان، إن قواته فرضت سيطرتها على المدينة، وطاردت وحدات الجيش المنسحبة، واستولت على مركبات قتالية ودبابات وكميات من الأسلحة والذخائر. وبثّت «الدعم السريع» مقاطع مصورة قالت إنها تظهر انتشار عناصرها داخل الكُرمُك ومقر «اللواء 16» التابع لـ«الفرقة 14 مشاة»، لكن تعذر التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه المقاطع.

ولم يصدر تعليق رسمي من الجيش بشأن فقدان المدينة، في حين قالت السلطات المحلية في الكرمك إنها تعرضت خلال الأيام الثلاثة الماضية لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة الاستراتيجية والانتحارية، إلى جانب قصف مدفعي قالت إنه جاء من «الجوار الإقليمي». وأكدت أن الجيش يواصل التصدي للهجمات وحماية المدينة ومؤسساتها.

خريطة ولاية النيل الأزرق السودانية توضح موقع مدينة الكرمك

وتتهم الحكومة السودانية الموالية للجيش إثيوبيا بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها منطلقاً للهجمات، وهو اتهام سبق أن نفته أديس أبابا. غير أن مصادر محلية تقول إن طول الحدود وصعوبة ضبطها يجعلان المنطقة ممراً مهماً للإمدادات العسكرية.

وجاء هجوم الكرمك بعد يومين من إعلان «الدعم السريع» وحلفائها في قوات «تأسيس» السيطرة على مدينة قيسان، التي تبعد نحو 170 كيلومتراً عن الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق. واتهمت السلطات المحلية القوات المهاجمة باستهداف المزارعين في حقولهم، مشيرة إلى أن الجيش يرد على الهجوم.

اشتعال جبهة كردفان

وفي موازاة ذلك، اشتعلت جبهة شمال كردفان مجدداً، بعدما هاجمت «قوات الدعم السريع» محاور جبرة الشيخ وبارا وأم قرفة والعيارة، في محاولة لتعويض خسائرها العسكرية المتتالية واستعادة الطريق الاستراتيجي الرابط بين أم درمان والأُبيّض. وقال مصدر عسكري إن الهجوم نُفذ بأعداد كبيرة من المركبات العسكرية، وسبقته ضربات بالمسيّرات، بالتزامن مع قصف مدفعي على بارا. وأفادت مصادر ميدانية بأن معارك شديدة دارت في تلك المحاور، في حين قالت منصات موالية للجيش إن قواته و«القوة المشتركة» تصدتا للهجوم وأجبرتا القوات المهاجمة على التراجع.

وفي وقت لاحق، أعلن الجيش السوداني صدّ هجوم شنّته «قوات الدعم السريع» على منطقة جبرة الشيخ في شمال كردفان. وقال المتحدث باسم الجيش، عاصم عوض، إن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تصدّت لقوة مهاجمة تضم أكثر من 250 مركبة قتالية، وألحقت بها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، قبل أن تجبرها على التراجع وتلاحقها باتجاه تخوم إقليم دارفور. وأكد أن العمليات العسكرية ستتواصل حتى استعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع».

في المقابل، نشرت عناصر من «الدعم السريع» مقاطع قالت إنها توثق سيطرتها على بلدة العيارة، غرب الأُبيّض، من دون إمكان التحقق من هذا الادعاء بصورة مستقلة. كما أعلنت القوات أنها صدّت هجوماً لـ«القوة المشتركة» المتحالفة مع الجيش على منطقة أمبرو في شمال دارفور.

وكان الجيش قد استعاد، أواخر يوليو (تموز)، جبرة الشيخ وبارا وبلدات أخرى، وفتح الطريق بين أم درمان والأُبيّض، في تقدم عزز سيطرته على «طريق الصادرات»؛ أحد أهم خطوط الإمداد بين كردفان ودارفور. وجاء الهجوم الجديد بعد ساعات من زيارة عضو «مجلس السيادة»، نائب قائد الجيش، الفريق أول ياسر العطا، لمنطقة أم سيالة، حيث أعلن أن الجيش والقوات المساندة له دمّرت معظم قدرات «الدعم السريع».

وفي سياق التصعيد نفسه، تعرضت الخرطوم، الخميس، لهجمات بالمسيّرات لليوم الثاني على التوالي. وأفاد شهود في أم درمان ووسط الخرطوم والخرطوم بحري برؤية طائرات مسيّرة وسماع دوي انفجارات، في حين أطلقت الدفاعات الجوية التابعة للجيش نيرانها باتجاه الأهداف المهاجمة.

وقال مصدر عسكري إن المضادات الأرضية أسقطت عدداً من المسيّرات. كما أظهرت لقطات مصورة سقوط طائرة مسيّرة في فناء مسجد بمدينة بحري. وكانت هجمات مماثلة قد استهدفت، الأربعاء، خمس مدن يسيطر عليها الجيش، بينها الخرطوم وعطبرة، في أولى ضربات من نوعها على المدينتين منذ مايو (أيار).

وفي الأُبيّض، أفاد شهود بأن ثماني طائرات مسيّرة هاجمت المدينة، ما أدى إلى تفعيل الدفاعات الجوية. وأعلنت «شبكة أطباء السودان» مقتل شخصين وإصابة آخرين داخل مستشفى الأُبيّض، بعدما أصابت شظايا طائرة مسيّرة قسم الطوارئ. وتكتسب الأُبيّض أهمية استراتيجية باعتبارها بوابة رئيسية تربط وسط السودان بدارفور. وتضم المدينة نحو نصف مليون نسمة، بينهم قرابة 100 ألف نازح، في حين أدت هجمات المسيّرات ومحاولات الحصار إلى استنزاف إمدادات الكهرباء والوقود والغذاء والمياه.

وتشهد الحرب، التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، تصعيداً جديداً بعد تعهد قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) باستعادة المواقع التي خسرتها قواته في كردفان، ومواصلة القتال حتى العودة إلى الخرطوم. وقد أسفر النزاع عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص، وفق تقديرات عاملين في مجال الإغاثة، وتشريد أكثر من 12 مليوناً، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.


ارتفاع مرتقب لسعر الخبز يثير مخاوف المواطنين الليبيين

الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
TT

ارتفاع مرتقب لسعر الخبز يثير مخاوف المواطنين الليبيين

الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في زيارة سابقة إلى أحد المخابر بالعاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)

تنتاب شرائح واسعة من الليبيين حالة من القلق، إثر تحذيرات عدد من المسؤولين بنقابة الخبازين من ارتفاع مرتقب لسعر رغيف الخبز بسبب تزايد تكاليف الإنتاج.

وكان نقيب الخبازين في بنغازي (شرق)، محمود العريبي، قد قال في تصريحات إعلامية، إن أسعار الخبز ستشهد «ارتفاعاً حتمياً»؛ نتيجة تصاعد تكاليف الإنتاج، داعياً المواطنين إلى تقبل الأمر، وعدم إلقاء اللوم على أصحاب المخابز، بل مساءلة المسؤولين عن غلاء المواد الأساسية.

واستعرض العريبي دوافع هذا الارتفاع، وأرجعه إلى «نقص الديزل اللازم لتشغيل المخابز، مع انقطاع الكهرباء؛ ما يضطرهم إلى شرائه بأسعار مضاعفة من السوق السوداء، مع الارتفاع الحاد بأسعار الدقيق».

يبدي الليبيون تخوفات إثر تحذيرات عدد من المسؤولين بنقابة الخبازين من ارتفاع مرتقب لسعر رغيف الخبز (أ.ف.ب)

وتساءل الناشط المدني مفتاح مكراز، أحد سكان العاصمة طرابلس، عن أثر الزيادة المرتقبة على معيشته، في ظل غلاء السلع طيلة العام لارتباطها بتصاعد الدولار، خاصة وأن ليبيا تستورد نحو 90 في المائة من احتياجاتها الغذائية.

وتوالت عبر منصات التواصل الاجتماعي ردود الفعل المنتقدة أي مساس بسعر الرغيف، لا سيما مع تدهور الأوضاع المعيشية لبعض الفئات. وكتب حساب باسم «دنيا علي» على موقع «فيسبوك»: «لا كهرباء، لا مياه، لا بنزين، وكملوها بالخبز»، في حين تساءل ناشطون عن دور وزارة الاقتصاد والحرس البلدي في الرقابة.

من جهته، طالب حساب باسم «ونيس الحربي» الدولة بتوفير الدقيق بأسعار مقبولة، مؤكداً أن «المخابز تمس حياة المواطن مباشرة، وليست مجرد نشاط تجاري»، في حين دعا آخرون إلى العودة لصناعة الخبز في المنازل.

أما فرج عمر، رئيس جمعية «السيدة عائشة للأعمال الخيرية»، فتساءل عن مصير أصحاب المعاشات ممن يتقاضون 900 دينار فقط؛ و«كيف سيدبّرون أمرهم مع ارتفاع أسعار الخبز، فضلاً عن أن أغلبهم يعانيون أمراضاً مزمنة ويضطرون إلى شراء أدوية باهظة الثمن». «الدولار يساوي 6.36 دينار».

وعدَّ رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، فتحي الشبلي، أن تحذيرات نقابات الخبازين شرقاً وغرباً «رسائل سياسية للمسؤولين لعلها تتدارك الاختناق الراهن».

وقال الشبلي لـ«الشرق الأوسط» إن «أغلب تكاليف إنتاج الخبز ارتفعت؛ فالديزل يباع بنحو تسعة دنانير في السوق السوداء، ومع استهداف مصفاة الزاوية واحتراق أحد خزاناتها الضخمة، وأيضاً تضرر إحدى المحطات الكهربائية، قد يتضاعف هذا السعر»، لافتاً إلى «تكالب المواطنين على محطات الوقود منذ استهداف المصفاة للحصول على ما يكفي احتياجاتهم لتشغيل المولدات الكهربائية في منازلهم، ومحركات المياه ومصادر الإضاءة والتهوية لوجود كبار سن ومرضى».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير الشرق وأجزاء من الجنوب، بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر.

عرفت ليبيا خلال السنوات الماضية موجة غير مسبوقة من الغلاء (أ.ف.ب)

وتواصلت خلال الأيام الماضية تحذيرات خبراء من «قفزة فاتورة استيراد المحروقات» إلى نحو مليار و410 ملايين دولار قبل شهرين؛ ما يعدّ استنزافاً خطيراً للعوائد النفطية، المصدر الرئيسي لدخل البلاد.

ورأى رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، أن التحذيرات برفع سعر الرغيف لا تنفصل عما تتداوله التقارير الدولية من تصنيف ليبيا ضمن الدول العشر الأكثر فساداً بالعالم. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة مرتبطة بظاهرة الاعتمادات الوهمية؛ حيث يحصل بعض التجار على الدولار بالسعر الرسمي المخفض دون استيراد شحنات الدقيق فعلياً؛ ويبيعون العملة بالسوق السوداء لتحقيق أرباح ضخمة، وحتى من يستورد فعلاً يبيع بأسعار السوق الموازية، مما يكبّد المخابز خسائر».

ووفقاً لتوقعات بوزعكوك «قد تتجه بقية المخابز بحلول منتصف الشهر الحالي لتعديل أسعارها من بيع 3 أرغفة بدينار إلى رغيفين بدينار، أو 5 أرغفة بدينارين؛ ما سيضاعف معاناة الأسر الكبيرة عدداً، في وقت تتراوح فيه دخول غالبية الليبيين بين 1000 و2000 دينار شهرياً».

ولفت بوزعكوك إلى دراسة لمؤسسته تشير إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية بنسبة 45 في المائة منذ 2022، إضافة إلى ما رصدته منظمة «فاو» أيضاً من ارتفاع أسعار الغذاء في ليبيا 18 في المائة مقارنة بالعام الماضي.

أما رئيس قسم علوم المحاصيل بكلية الزراعة بجامعة طرابلس، الدكتور خالد العيساوي، فقد دعا إلى الاهتمام بزراعة القمح والإنتاج المحلي، خاصة بالجنوب لحل الأزمة، بما يمهد لاستقرار أسعار الرغيف وسلامته من الملوثات.

وقال العيساوي لـ«الشرق الأوسط» إن الجنوب الليبي «الأكثر استقراراً للزراعة بفضل توافر المساحات وإمكانات الري، بعد تآكل مزارع الشمال بالبناء العشوائي، ومعاناة الجبل الأخضر والغربي من شح الأمطار بالسنوات الماضية».

إلا أنه رهن الأمر «بعودة الدولة لدعم المزارعين والتعهد بشراء إنتاجهم؛ فمع توقفها عن هذا النهج قبل 12 عاماً تكدس المحصول لديهم، فاتجهوا لمحاصيل أسهل تسويقاً كالشعير»، لافتاً إلى أن «المطاحن لا تفضل القمح المحلي بسبب مشاكل تصنيعية، وتعتمد على المستورد بشكل شبه كلي».

واختتم العيساوي بالتأكيد على أن النهوض بالإنتاج المحلي من القمح مرهون بتوفير المقومات الأساسية، وفي مقدمتها استقرار التيار الكهربائي لضمان عمليات الري وحماية المحاصيل، مشدداً على أن نجاح هذه العملية يبدأ أولاً بتهيئة مناخ الاستقرار السياسي في البلاد.


ماذا حققت زيارة وزير خارجية تركيا لشرق ليبيا وغربها؟

الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
TT

ماذا حققت زيارة وزير خارجية تركيا لشرق ليبيا وغربها؟

الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي في لقاء بالعاصمة الليبية الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

حملت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ليبيا، على مدى يومين، «رسائل إيجابية» عكست انفتاح أنقرة على مختلف الأطراف، من خلال لقاءات مع قادة سياسيين وعسكريين وأمنيين في طرابلس وبنغازي.

ويرى محللون ودبلوماسيون أن التحرك يعكس «براغماتية تركية» في التعامل مع تعقيدات المشهد الليبي، وإن ظلت نتائجه مرهونة بتوافقات ليبية وإقليمية ودولية أوسع.

وبدا الجانب التركي أكثر تفاؤلاً، خصوصاً في ملف توحيد شرق ليبيا وغربها، في بلد يعاني انقساما سياسياً وعسكرياً منذ سنوات، فيما بات أمام «مبادرة أميركية» للدفع نحو إنهاء الانقسام، يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية.

زيارة «مثمرة للغاية»

فيدان الذي وصف زيارته لطرابلس وبنغازي بأنها «مثمرة للغاية»، أكد أيضاً تطلع أنقرة إلى الاضطلاع بدور في تنسيق الجهود الدولية، و«دعم المبادرة الأميركية الرامية إلى إنهاء الانقسام المؤسسي في ليبيا». كما أشار إلى مواصلة «دورها البنَّاء» بصفتها وسيطاً بين الأطراف، وتحدث في تصريحات أعقبت الزيارة عن «دعم كبير من جانب حكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد والجيش الوطني الليبي في شرقها لاندماج ليبيا وتوحيدها».

عقيلة صالح رئيس النواب الليبي خلال لقائه وزير الخارجية التركي فيدان (المركز الإعلامي لصالح)

ومن منظور الدبلوماسي الليبي، السفير عادل عيسى، فإن تفاؤل فيدان «واقعي إذا كان يقصد أن فرص الحوار أفضل من السابق»، لكنه يرى أن الأمر «لا يزال صعباً إذا كان الوزير التركي يقصد أن التوحيد السياسي أصبح قريباً». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تركيا «لديها مصلحة واضحة في نجاح هذا المسار»؛ ولذلك ينبغي قراءة تصريحات فيدان «كتقييم دبلوماسي ورسالة سياسية، بقدر ما هي وصف دقيق لما يحدث على الأرض».

وأضاف عيسى موضحاً أن فيدان تحدث «من موقع أصبح فيه لتركيا خط اتصال مع الطرفين، وليس من موقع الوسيط لطرف واحد»، عادَّاً أن لقاءاته في طرابلس وبنغازي تؤكد هذا الاتجاه.

وجاء التحرك التركي وسط تطورات أمنية متلاحقة في ليبيا، أبرزها احتجاجات في الغرب على انقطاع الكهرباء وتدهور الأوضاع المعيشية، وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مرافق حيوية ومنشآت نفطية في الزاوية، بالتزامن مع اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي فوزي المنصوري. ويعكس هذا الوضع حجم التحديات الأمنية التي تواجه أي مسار لتوحيد المؤسسات.

ويرى السفير إبراهيم قرادة، المدير التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات والبحوث الليبي، أن الوساطة التركية يمكن أن تكتسب «زخماً سياسياً مهماً» إذا توسعت المشاركة لتشمل دول الجوار، خصوصاً مصر والجزائر وتونس، بما يساعد على «المحافظة على الاستقرار الهش»، وتوجيه رسائل إلى الأطراف الليبية.

ويزور فيدان مصر الخميس؛ لإجراء مباحثات تتناول ملفات إقليمية ودولية، من بينها ليبيا. ويقول قرادة لـ«الشرق الأوسط» إن «الدور التركي لا يستطيع المضي قدماً في تحقيق أهدافه دون شراكة حقيقية، وتنسيق قوي مع دول الجوار الليبي».

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

تحقيق «أهداف سياسية مهمة»

يتزامن التحرك التركي مع ما جرى تداوله عن ملامح «المبادرة الأميركية»، التي تتضمن إعادة ترتيب السلطة التنفيذية، مع إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، والإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، في صيغة تستهدف جمع مراكز القوى الرئيسية في شرق البلاد وغربها.

وهنا يرى الباحث السياسي محمد مطيريد أن زيارة فيدان إلى طرابلس وبنغازي «حققت أهدافاً سياسية مهمة»، في ظل تحركات إقليمية سبقتها لتقريب مواقف دول كانت تتحفظ على «المبادرة الأميركية». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا أجرت تفاهمات مع هذه الدول لتسوية الخلافات المحيطة بالمبادرة، وتهيئة الظروف لقبولها.

وأوضح مطيريد أن أنقرة «أصبحت طرفاً رئيسياً في مسار التسوية الليبية»، ليس فقط بحكم حضورها المباشر، وإنما أيضاً لدورها في معالجة التباينات الإقليمية. وأبرز أن أنقرة «تلقت رسائل إيجابية» من القيادة العامة في الشرق وحكومة الدبيبة في طرابلس، عادَّاً أن ذلك يعزز فرص التحرك السياسي خلال المرحلة المقبلة، وأن المبادرة الأميركية «ستقطع أشواطاً مهمة».

وكما كان متوقعاً، حضر ملفا الأمن والدفاع بقوة في الزيارة. ووصف فيدان التعاون في المجالين بأنه «أحد العناصر الاستراتيجية»، التي توفر فائدة ملموسة لاستقرار ليبيا والأمن الإقليمي، وزار قيادة مجموعة المهام التابعة للقوات المسلحة التركية في طرابلس، وأكد أن أنقرة لا تنظر إلى استقرار ليبيا بصفته منفصلاً عن استقرارها.

صدام حفتر ووزير الخارجية التركي لدى وصوله بنغازي الأربعاء (إعلام الجيش الوطني)

في هذا السياق، يرى القيادي في «حزب ليبيا النماء»، حسام فنيش، أن تركيا تحاول من خلال الزيارة «تعزيز وتثبيت صورة ذهنية لدى الجانب الأميركي بأنها لاعب رئيسي في المشهد الأمني في غرب ليبيا»، خصوصاً في ظل تدهور الوضع الأمني في الزاوية والهجمات على منشآت حيوية.

ويعتقد، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط»، أن التحرك التركي يعيد التذكير بدور أنقرة في تفاهمات أمنية، أسهمت في تهدئة طرابلس عقب اشتباكات دامية.

اقتصادياً أيضاً، سجل نشاط شركات المقاولات التركية في طرابلس وبنغازي حضوره في حديث فيدان، الذي دعا إلى زيادة حضورها في ليبيا والاستفادة من موارد الطاقة وفرص الاستثمار.

ويرجّح المحلل الاقتصادي، وجدي الجبو، أن ملف التعويضات عن الشركات التركية التي انسحبت من ليبيا عام 2011 يمكن أن يكون حاضراً في المفاوضات، خصوصاً شركات البناء والتشييد، إلى جانب مستحقات ومعدات تركتها تلك الشركات.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى تطلع شركات تركية إلى دخول مجال الاستكشاف، خصوصاً بعد حصول شركة تركية على امتياز استكشاف نفطي، فضلاً عن استمرار حضور السلع التركية، خصوصاً الأدوية والمواد الغذائية والأساسية، في السوق الليبية.

وحسب الأرقام الرسمية التركية المتاحة، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 4.4 مليار دولار في 2025، مقابل 3.7 مليار دولار في 2024، في حين تستهدف أنقرة تجاوز 5 مليارات دولار في 2026.