تحذير أميركي لـ«إخوان» السودان من التعاون مع «الحرس» الإيراني

إدارة ترمب تكشف لـ«الشرق الأوسط» عن استراتيجية شاملة لأفريقيا من سد النهضة إلى الصحراء

ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)
ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)
TT

تحذير أميركي لـ«إخوان» السودان من التعاون مع «الحرس» الإيراني

ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)
ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)

رسمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تصريحات حصرية لـ«الشرق الأوسط»، استراتيجية شاملة هي الأوضح حتى الآن في أفريقيا؛ إذ وجهت تحذيراً شديداً لجماعة «الإخوان المسلمين» السودانية ومقاتليها الذين يتلقون «تدريباً ودعماً» من «الحرس الثوري» الإيراني، منذرة بالمزيد من العقوبات. وعبرت عن تفاؤل بإمكان حل الأزمة الليبية استناداً إلى مبادرة قدمها أخيراً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الذي يعمل أيضاً على جبهات متعددة لتسوية أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، ونزاع الصحراء على أساس مبادرة الحكم الذاتي.

وجاءت هذه التصريحات المكتوبة رداً على أسئلة «الشرق الأوسط» الموجهة إلى مسؤول كبير في إدارة الرئيس ترمب، لتُغطّي الجهودَ الدبلوماسية المكثّفة التي تبذلها في بعض أشد أزمات القارة إلحاحاً، من التمسك بوحدة الصومال إلى مواجهة الجماعات الإرهابية المتنامية في منطقة الساحل والقرن الأفريقي.

السودان وإيران

وفيما يتعلق بالسودان، كان المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية واضحاً لا لبس في كلامه؛ إذ أكد أنه لا سبيل عسكرياً لحل الأزمة. وقال إن الولايات المتحدة «ملتزمة بإنهاء الصراع المروع في السودان. لا يوجد حل عسكرياً لهذا الصراع. يجب على الأطراف المتحاربة السعي إلى تسوية تفاوضية، من دون شروط مسبقة، تُنهي العنف وتُخفف المعاناة الهائلة للشعب السوداني».

وأضاف أن واشنطن تعمل، بقيادة الرئيس ترمب، «مع شركائنا وغيرهم لتيسير هدنة إنسانية وإنهاء الدعم العسكري الخارجي للأطراف، الذي يُغذي العنف»، مع «ضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، ودعم مسار نحو انتقال مدني وسلام دائم». وشدد على أنه «لا يمكن للسودان أن يعود إلى حكم مدني مستقل، ويحافظ على وحدته، ويحقق تطلعات شعبه، إلا من خلال السلام والاستقرار».

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

وتطرق المسؤول الأميركي إلى دور جماعة «الإخوان المسلمين السودانية» التي صنفتها وزارة الخارجية الأميركية في مارس (آذار) الماضي «منظمة إرهابية عالمية ومنظمة إجرامية أجنبية»، فلفت إلى أن هذه المنظمة «تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع في السودان ونشر آيديولوجيتها الإسلامية المتطرفة»، موضحاً أن «مقاتليها، الذين تلقى العديد منهم تدريباً ودعماً من (الحرس الثوري) الإيراني، نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق المدنيين».

وذكَّر أيضاً بأن الإدارة صنفت ما يسمى «لواء البراء بن مالك» التابع للجماعة في سبتمبر (أيلول) 2025 «لدوره في الحرب الوحشية في السودان وعلاقاته بإيران»، وهي «الدولة الرائدة عالمياً في رعاية الإرهاب»، مضيفاً أن «النظام الإيراني موّل ووجه نشاطات خبيثة على مستوى العالم من خلال (الحرس الثوري) الإيراني».

وحذر من أن «الولايات المتحدة ستستخدم كل الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة (الإخوان المسلمين) من الموارد اللازمة للانخراط في الإرهاب أو دعمه»، علماً بأن «تصنيف فروع جماعة (الإخوان المسلمين) في مصر والأردن ولبنان والسودان جماعاتٍ إرهابية يعكس الجهود المتواصلة والحثيثة الرامية إلى التصدي للعنف وعدم الاستقرار الذي تمارسه فروع الجماعة أينما وُجدت، بما في ذلك من خلال تصنيفات إرهابية إضافية عند الاقتضاء».

واعتبر المسؤول الأميركي أن الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس دونالد ترمب «يُطلق عملية يتم بموجبها النظر في تصنيف بعض فروع جماعة (الإخوان المسلمين) أو أقسامها الأخرى كجماعات إرهابية». وأشار إلى إمكان اتخاذ مزيد من الإجراءات، مستشهداً بتحذير وزير الخارجية ماركو روبيو بأن واشنطن «تُجري مراجعة مستمرة للجماعات لتصنيفها على حقيقتها: داعمة للإرهابيين، أو ربما إرهابيون أنفسهم، أياً كان الأمر».

تفاؤل حيال ليبيا

ولا تزال ليبيا في قلب الاهتمامات الرئيسية لإدارة الرئيس دونالد ترمب في أفريقيا، خاصة بعد المبادرة التي قدمها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، والتي استقبلت إيجاباً. ورداً على سؤال في شأن الخطوة التالية، وما إذا كان يتوقع انتهاء أزمة الحكومتين المتنافستين قريباً، عبَّر المسؤول الأميركي عن تفاؤل حذر حيال الاستقبال الإيجابي لهذه الجهود، بما في ذلك بيان القيادة العامة للجيش الوطني الليبي الصادر في 18 يونيو (حزيران) الماضي، والبيانات اللاحقة الصادرة عن أعضاء مجلس النواب وقادة البلديات، مضيفاً أن «الليبيين يُظهرون بالفعل فوائد دمج مؤسسات الدولة، من خلال إنجازات مثل الاتفاق على ميزانية وطنية موحدة، والمشاركة المشتركة للقوات الليبية الشرقية والغربية في تدريبات القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)».

عبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع في حكومة الدبيبة يتوسط نائب قائد القيادة الأميركية في أفريقيا ومسعد بولس 25 يونيو (إكس)

ووعد بأن الولايات المتحدة «ستواصل العمل مع الأطراف المعنية البناءة من كل أنحاء ليبيا، ودعم جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل) للمساعدة في تهيئة الظروف اللازمة لحكم موحد وإجراء انتخابات وطنية»، مشدداً على أن «الوحدة هي الأساس الأقوى لتحقيق استقرار دائم وشرعية ديمقراطية، وأي تقدم يجب أن يكون شاملاً، وأن يحدده الشعب الليبي بنفسه في نهاية المطاف».

وكان بولس نشر على منصة «إكس» أخيراً أن إدارة ترمب «تقدر عالياً دعم القيادة العامة للجيش الوطني الليبي للجهود الدبلوماسية الأميركية في ليبيا»، مؤكداً أن الشعب الليبي «يستحق مخرجاً من حالة الجمود الراهن لتحقيق سلام دائم ووحدة وطنية، ومساراً موثوقاً نحو انتخابات ناجحة». ورحب ببيان القيادة العامة للجيش الوطني الليبي «الذي يُؤكد استعداد القيادة العامة لاتخاذ خطوات أكثر أهمية وجرأة من أجل الوحدة والسلام والازدهار في ليبيا».

مصر و«سد النهضة»

وسئل المسؤول الأميركي عما إذا كانت واشنطن تعد خطة لحل يقدم قريباً بين مصر وإثيوبيا حيال سد النهضة، ولا سيما بعد تأكيد الرئيس ترمب في هذا الشأن، خلال اجتماعه أخيراً مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فأجاب أن الرئيس ترمب «يُدرك الأهمية البالغة لنهر النيل لمصر وشعبها، ويرغب في المساعدة على تحقيق نتيجة تضمن تلبية حاجات مصر والسودان وإثيوبيا من المياه على المدى البعيد». وبذلك تُبقي واشنطن الباب مفتوحاً أمام دور وساطة أميركي أكثر فاعلية، مع أنه لم يُقدم أي خطة أو جدول زمني محدد.

وتعليقاً على المعارضة القوية التي ظهرت في المنطقة حول الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال، وعما إذا كانت واشنطن تدعم انفصال المنطقة، قدم المسؤول الأميركي تصريحاً لافتاً، مؤكداً أن «الولايات المتحدة تواصل الاعتراف بسيادة جمهورية الصومال الاتحادية ووحدة أراضيها، والتي تشمل أرض الصومال». ولكنه شدد على أن «لإسرائيل الحق نفسه في إقامة علاقات دبلوماسية كأي دولة ذات سيادة أخرى».

الحل في الصحراء

ورداً على سؤال عن «القرار التاريخي» الذي اتخذه الرئيس ترمب منذ سنوات لحل قضية الصحراء المغربية، وما إذا كان بولس يعتقد أن الدور الذي يلعبه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستيفان دي ميستورا لا يزال مُفيداً، ذكر المسؤول الأميركي بأن الرئيس ترمب اعترف بسيادة المغرب على الصحراء وأكد مجدداً دعم الولايات المتحدة لمقترح الحكم الذاتي الجاد والموثوق والواقعي الذي قدمه المغرب كأساس لحل عادل ودائم للنزاع، وقال: «تواصل الولايات المتحدة دعم تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 2797، وتؤيد بقوة العملية التي تقودها الأمم المتحدة»، مثمناً جهود دي ميستورا، الذي «يُعد استمرار مشاركته أمراً أساسياً لتيسير مناقشات حسنة النية، والتوصل إلى حل سلمي ودائم ومقبول من الطرفين، يُعزز الاستقرار الإقليمي».

«حركة الشباب» الصومالية تضاعف المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

وسئل عن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لمكافحة المنظمات الإرهابية في أفريقيا، ومنها «حركة الشباب» في الصومال و«بوكو حرام» في نيجيريا، و«نصرة الإسلام والمسلمين» في دول الساحل، وغيرها من الجماعات التابعة لتنظيم «داعش» أو «القاعدة» في القارة، فأشار المسؤول الأميركي إلى تصريحات قائد «أفريكوم» الجنرال داغفين أندرسون بشأن الضربات الأميركية في الصومال، التي «تعد دعماً بالغ الأهمية لشركائنا، وتصبّ في مصلحة الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، في بونتلاند أخيراً، قدّمنا الدعم لقواتنا الشريكة هناك في هجوم على جبال غوليس ضد تنظيم (داعش)».

وأكد أن «قيادة (أفريكوم) تقوم بتوظيف القدرات الأميركية المتخصصة لدعم شركائنا في دحر التهديدات الأمنية المشتركة في نيجيريا»، حيث «تعد شراكتنا مثالاً رائعاً لشريك مُستعد وكفء للغاية، طلب القدرات الفريدة التي لا تُقدّمها إلا الولايات المتحدة، بما في ذلك بعض خدمات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وبعض خدمات دمج المعلومات الاستخبارية. وعندما نعمل معاً، نكون أكثر فاعلية في مواجهة هذه التهديدات. وعندما نجد شريكاً كفئاً ومستعداً للتعاون، ونستطيع دمج القدرات الفريدة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، نحقق نجاحاً في مواجهة هذه التهديدات».

وختم: «نعمل مع شركائنا لتشجيع تعاون أفضل بين دول الاتحاد الاقتصادي لدول غرب أفريقيا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس). ولمواجهة الإرهاب بفاعلية، لا بد من تعزيز التعاون العسكري وتبادل المعلومات».


مقالات ذات صلة

روبيو يشارك في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في باريس

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض (إ.ب.أ)

روبيو يشارك في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في باريس

يتوجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى فرنسا، الأسبوع المقبل، للمشاركة في اجتماع لوزراء خارجية مجموعة السبع، في ظلّ تصاعد التحديات المرتبطة بالشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي ​دونالد ‌ترمب خلال حديثه للصحافيين (د.ب.أ)

ترمب: أميركا تجري محادثات مع ممثلين عن إيران

‌قال ‌الرئيس الأميركي ​دونالد ‌ترمب، اليوم ​الجمعة، إن إدارته تجري ‌محادثات ‌مع ممثلين ​عن ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مبنى وزارة العدل الأميركية في العاصمة واشنطن (رويترز - أرشيفية)

الاستقالات تضرب وزارة العدل الأميركية بعد الانتخابات وتنحّي مسؤولَين كبيرين

استقال مسؤولان رفيعا المستوى في وزارة العدل الأميركية في تسريع لوتيرة استقالات كبار المسؤولين في الوزارة بعد انتخابات التجديد النصفي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بروفايل ستيفن ميلر رئيس موظفي البيت الأبيض (أ.ف.ب)

بروفايل من ستيفن ميلر رئيس موظفي البيت الأبيض الجديد؟

بعد زلزال الانتخابات النصفية 2026... لماذا اختار ترمب «صقر الهجرة» ستيفن ميلر لإدارة مكتبه بدلاً من سوزي وايلز؟

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وستيفن ميلر (أ.ف.ب)

ترمب يعيّن مستشاره المقرب ستيفن ميلر في منصب كبير موظفي البيت الأبيض

قال الرئيس دونالد ترمب، الجمعة، إن ستيفن ميلر سيحل محل سوزي وايلز في منصب كبير موظفي البيت الأبيض، بعد أيام فقط من خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
TT

ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)
الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)

لاقى إعلان الحكومة المصرية، الخميس، تبني إجراءات تقشفية لترشيد الإنفاق، ترحيباً من مواطنين وخبراء اقتصاديين، باعتباره ترجمة لمبدأ «تقاسم الأعباء»، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية وتنعكس تداعياتها على حياة المواطنين.

وبموجب القرار الأخير والممتد طوال 3 شهور، تم «وقف الإنفاق على أي مشروعات جديدة، باستثناء ما يصدر من توجيهات رئاسية أو من مجلس الوزراء، ووقف السفر للعاملين في الدولة ما لم تكن الجهة الداعية هي التي تتحمل النفقات، ووقف المؤتمرات والفعاليات المختلفة، وترشيد الطاقة في الجهاز الإداري والأجهزة المحلية بنسبة 20 في المائة، وخفض استهلاك الوقود 30 في المائة للمركبات الحكومية».

ولا يعدّ هذا أول قرار بالتقشف تعلنه الحكومة المصرية؛ إذ سبق وأعلنت في نهاية مارس (آذار) الماضي، خطة تقشفية لمدة شهر لترشيد استهلاك الطاقة، نتيجة الحرب الإيرانية وتأثيراتها في أسواق الطاقة عالمياً، لكن الخبير الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، يرى أن «الخطة التقشفية الأخيرة هي الأكثر وضوحاً، وتتضمن العديد من المستهدفات والخطوات الواضحة، ولمدة محددة، عكس الإجراءات التقشفية الانتقائية الماضية».

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»، أن التقشف الحكومي يأتي استجابة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن من جهة، والضغوط التي تعاني منها الحكومة نفسها من جهة أخرى، في ظل تعدد الالتزامات والعجز التجاري وأزمة الدولار، معتبراً أن «الحكم على تأثير هذه القرارات يحتاج إلى وقت، وإلى تطبيق جاد لها».

واتفق معه الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن ملف التقشف الحكومي وترشيد الإنفاق العام من أكثر السياسات الاقتصادية حساسية وتأثيراً في المزاج العام واستقرار الشارع، وتعتمد قدرة هذه الإجراءات على مدى شعور المواطن بأن العبء موزع بعدالة، وأن الحكومة تبدأ بنفسها أولاً قبل أن تطالب الشارع بتحمل تبعات الأزمات».

الحكومة توافق خلال اجتماعها في 5 نوفمبر 2026 على مشروع قرار لترشيد الإنفاق العام (رئاسة مجلس الوزراء)

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أثنى على تحمل المواطن المصري أعباء الأوضاع الاقتصادية، قائلاً في تصريح له في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي: «أعلم يقيناً أن الأعباء المعيشية تثقل كاهل الأسر المصرية، وأقدر صبركم وتحملكم».

ونبه الشافعي إلى ضرورة تنفيذ الخطة التقشفية بحذافيرها، قائلاً: «تاريخياً واقتصادياً، لا تنجح خطط التقشف في تهدئة الرأي العام إلا إذا ترافقت معها شفافية مطلقة وخطاب سياسي صريح يوضح أن هذه التضحيات مؤقتة وضرورية لعبور مرحلة حرجة، وفي حال اقتصر التقشف على المظاهر الشكلية وبقي المواطن وحده يحمل وزر التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن ذلك يولد نتائج عكسية تماماً وتتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية المتبعة».

ورحب مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بقرارات التقشف الحكومي، واقترح بعضهم تقليل الحراسات للوزراء لتوفير استهلاكهم للطاقة، واستحضر آخرون الأوضاع الإقليمية المضطربة في دول عدة، بينما تتمتع مصر بالأمن، معتبرين أن التحديات الاقتصادية فاتورة طبيعية ومقبولة في هذا الإطار.

في المقابل، انتقد آخرون تأخر هذه الإجراءات التقشفية، وأشار بعضهم إلى «البذخ» في مظاهر الإنفاق ببعض المؤسسات الحكومية، متمنين أن يتم تطبيق ما جاء في القرارات الأخيرة، وتوضيح حجم التوفير في الإنفاق منها.

وفي السياق، رحب عضو مجلس الشيوخ، رئيس حزب «الجيل الديمقراطي» ناجي الشهابي، بإعلان الحكومة الإجراءات التقشفية، «باعتبار أنها تعكس إدراكها لحجم التحديات والضغوط التي تواجه الاقتصاد المصري في ظل الاضطرابات الإقليمية والدولية»، مشدداً على أن ترشيد الإنفاق الحكومي «خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، ما لم تصاحبها مراجعة جادة للسياسات التي أدت إلى تفاقم الأعباء على الدولة والمواطنين».

وشدد الشهابي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «التقشف الحقيقي يجب أن يبدأ من الحكومة وأجهزتها، لا من جيوب المواطنين»، مؤكداً رفضه القاطع «لأي إجراءات تمس مخصصات التعليم والصحة أو الأجور والمعاشات أو برامج الحماية الاجتماعية»، ومحذراً من أن الطبقة المتوسطة «التي تمثل رمانة الميزان وصمام الأمان الاجتماعي للدولة المصرية، تعرضت لضغوط معيشية شديدة، ولم تعد تحتمل مزيداً من التراجع في مستوى معيشتها».

زيادة الأعباء على المواطنين مع ارتفاعات الأسعار المستمرة (وزارة التموين المصرية)

واستثنت القرارات التقشفية الحكومية، وفق بيان رسمي الخميس، ما يتعلق بشكل مباشر بالمواطنين، مثل مخصصات الدعم والتموين، وبرنامج «تكافل وكرامة»، ومشروع «حياة كريمة» لتطوير قرى مصرية، وكذلك ما يتعلق بصحة المواطنين، والتعليم، وما يتعلق بقطاع الأمن والأمن القومي.

وأضاف الشهابي أن «ترشيد الإنفاق العام يجب ألا يتحول إلى تقليص للاستثمارات الإنتاجية، أو تعطيل للمشروعات الصناعية والزراعية التي تزيد الإنتاج وتوفر فرص العمل وتحد من الاستيراد، لأن مواجهة الأزمة الاقتصادية لا تتحقق بخفض المصروفات وحده، وإنما بزيادة موارد الدولة الحقيقية وتعظيم قدرتها على الإنتاج والتصدير».

لكن ذلك ما يعده الخبير الاقتصادي خالد الشافعي تحدياً، قائلاً إن «حزم التقشف الحكومي تحمل مؤشرات إيجابية وسلبية مزدوجة؛ فالمؤشرات الإيجابية تأتي غالباً على مستوى الاقتصاد الكلي والمالية العامة للدولة، في خطوات تعكس رغبة رسمية في إرسال رسائل اطمئنان إلى المؤسسات الدولية والمستثمرين بأن الدولة جادة في إصلاح مسارها المالي وإدارة أزمتها بكفاءة، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على استقرار سعر الصرف ومحاولة السيطرة على معدلات التضخم على المدى المتوسط».

في المقابل، يرى الشافعي أن «تأجيل المشروعات الاستثمارية وتبطئة عجلة بعض الإنفاق الرأسمالي، قد يؤديان إلى تباطؤ مؤقت في معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل المتاحة، ما ينعكس سلباً على سوق العمل ويرفع ضغوط البطالة وتراجع مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين، لتصبح المحصلة النهائية معركة معقدة تتوازن فيها فوائد استقرار الاقتصاد الكلي مع قسوة التكاليف المعيشية التي يتحملها المواطن في تفاصيل يومه».


هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
TT

هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

في تحرك جديد لمصر والسودان بشأن مواجهة أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، أعلنت دولتا المصبّ تشكيل لجنة مشتركة لـ«حصر أضرار» مشروع «السد» على حقوقهما المائية، في خطوة تثير تساؤلاً حول تحرك الأزمة إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا.

ويرى خبراء أن حصر التأثيرات السلبية للسد الإثيوبي «خطوة مهمة في مسار تدويل قضية السد»، وأشاروا إلى أن «تقييم الخسائر يمهد الطريق لإجراءات قانونية ودبلوماسية أخرى، من بينها طلب التعويض على ما لحق بدولتَي المصبّ من أضرار».

وهناك خلاف بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً حول مشروع «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي.

وأمام استمرار الخلاف بين دولتَي المصبّ وإثيوبيا بشأن قواعد تشغيل «السد»، أعلن وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «تشكيل لجنة مشتركة لحصر وتقييم التأثيرات السلبية الناجمة عن السد الإثيوبي»، وقال في منشور عبر حسابه بمواقع التواصل الاجتماعي، مساء الخميس، إن «السد غير شرعي، والتحرك لحصر آثاره السلبية خطوة جديدة لتعزيز التعاون المائي بين مصر والسودان».

وأشار سويلم إلى أن «اللجنة ستتولى تحديد جميع الأضرار الناتجة عن الإجراءات الأحادية التي اتخذتها إثيوبيا، تمهيداً للمطالبة بالتعويضات المستحقة وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وجاء الإعلان عن اللجنة المشتركة لحصر أضرار السد الإثيوبي بعد أيام من انعقاد الجولة الثالثة لاجتماعات آلية التشاور السياسية والأمنية (2+2) لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان، في القاهرة، الاثنين الماضي.

وشدد البيان المشترك الصادر في ختام الاجتماعات حينها على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، وتم الاتفاق على «ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتَي مصب نهر النيل، والحفاظ على حقوق واستخدامات البلدين المائية كاملة بموجب اتفاقية 1959، وعدم السماح بأي افتئات على تلك الحقوق»، حسب «الخارجية المصرية».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وعدّ وزير الري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام تشكيل لجنة مشتركة لحصر الأضرار الناجمة عن السد الإثيوبي «خطوة بالغة الأهمية، ليس فقط على المستوى الفني، إنما أيضاً على المستويين السياسي والقانوني»، وقال إنها «تعكس وجود رؤية مشتركة وتنسيق استراتيجي بين دولتَي المصبّ في التعامل مع تداعيات السد والسياسات الإثيوبية في إدارة مياه النيل الأزرق».

ويرى علام أن «نتائج أعمال اللجنة ستكون أساساً لتحديد الخطوات المقبلة، سواء المطالبة بالتعويضات عن الأضرار وفقاً للقواعد القانونية الدولية و(إعلان المبادئ) الموقع عام 2015، أو اللجوء إلى المسارات القانونية المتاحة».

وسبق أن لجأت مصر والسودان لمجلس الأمن الدولي بسبب عدم التوصل لاتفاق مع الجانب الإثيوبي ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، وأصدر المجلس بياناً رئاسياً في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 عقب مناقشة قضية السد، حثّ فيه «مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، بشأن ملء وتشغيل (سد النهضة) ضمن إطار زمني معقول».

ويعتقد علام أن توثيق أضرار السد الإثيوبي «لا يقتصر على معالجة التداعيات الحالية، بل يحمل رسالة ردع واضحة للمستقبل، مفادها أن الإضرار بمصالح دولتَي المصبّ لن يمر دون توثيق أو مساءلة، بما يحد من (الممارسات الإثيوبية الأحادية) التي تلحق الضرر بمصالح دولتَي المصبّ».

وزير الخارجية المصري مع نظيره السوداني في لقاء بالقاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

ووفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، فإن «اللجنة المشتركة خطوة تعكس جدية دولتَي المصبّ في التعامل مع ملف السد من الناحية القانونية».

ويرى أن «مصر والسودان لديهما بالفعل معرفة بطبيعة المخاطر والأضرار المحتملة والناجمة عن السد، لكن أهمية تشكيل لجنة مشتركة تكمن في تحويل هذه المعرفة إلى ملف متكامل يتضمن الموقف القانوني وبيانات وأدلة وتوثيقاً رسمياً للأضرار».

وأوضح وزير الري المصري، مساء الخميس، أن «التعاون مع السودان يشمل تنفيذ مشروعات تنموية، وإعادة تأهيل خزان جبل الأولياء، واستئناف أعمال البعثة المشتركة ببحيرة السد العالي بعد توقفها منذ عام 2013»، إلى جانب «تعزيز التنسيق في إدارة السدود وتبادل البيانات، ومواصلة العمل من أجل تحقيق التوافق بين جميع دول حوض النيل».

واتفقت مصر والسودان على «تفعيل الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل، وفق اتفاقية عام 1959، لدراسة وصياغة الرأي الموحد الذي تتبناه الدولتان في كافة الشؤون المتعلقة بمياه النيل، ولتنسيق الرؤى وتبني مواقف موحدة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية المرتبطة بالحقوق المائية للبلدين»، حسب بيان اجتماع وزراء الخارجية والري بالبلدين، الاثنين الماضي.


«النواب» الليبي يؤيد رؤية بولس بخصوص معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية

رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
TT

«النواب» الليبي يؤيد رؤية بولس بخصوص معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية

رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)
رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)

انضم مجلس النواب الليبي إلى التحذيرات الأميركية بشأن معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية من معرقلي العملية السياسية في البلاد. وطالب بعثة الأمم المتحدة، مساء الخميس، بـ«اتخاذ إجراءات رادعة بحقهم»، في موقف يتقاطع مع تلويح مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بـ«فرض عقوبات على الأطراف التي تعطل التسوية السياسية»، في حين أكد نائب القائد العام للجيش الوطني صدام حفتر دعمه للمبادرة الأميركية لتوحيد المؤسسات الليبية وإجراء الانتخابات.

وبحثت رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، مساء الخميس، مع قيادات سياسية وعسكرية وتنموية في شرق ليبيا، مستجدات العملية السياسية وجهود توحيد مؤسسات الدولة، في سلسلة لقاءات بمدينة بنغازي، أعقبت تمديد ولاية البعثة الأممية لمدة عام.

صدام حفتر مع المبعوثة الأممية (الجيش الوطني)

والتقت تيتيه رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، وصدام حفتر، وشقيقه بالقاسم حفتر، مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، في إطار تحركات البعثة الأممية لدفع مسار التسوية السياسية، ومعالجة الانقسام المؤسسي.

وذكر مجلس النواب أن عبد النبي أكد خلال لقائه تيتيه «انفتاحه على جميع الليبيين، وحرصه على توحيد المؤسسات، ولا سيما السيادية والرقابية والقضائية»، مطالباً الأمم المتحدة بـ«اتخاذ خطوات رادعة تجاه معرقلي العملية السياسية».

وأكد رئيس المجلس دعمه اتفاق اللجنة المصغرة (4+4)، مشدداً على «ضرورة الإسراع في تنفيذه»، كما تناول اللقاء تداعيات الهجرة غير النظامية على ليبيا، بصفتها دولة عبور، والحاجة إلى حلول اقتصادية في دول المنبع للحد من تدفقات المهاجرين.

من جانبها، قالت تيتيه إن هناك تقارباً ملحوظاً بين المؤسسات الليبية خلال الفترة الأخيرة، وأوضحت أن عدداً من الملفات بات في طريقه إلى الحل، داعية الأطراف الليبية إلى «مواصلة التعاون لتحقيق الاستقرار»، ومؤكدة أن «دور البعثة الأممية يتمثل في تقديم الدعم والمشورة للجهات الليبية».

وكان بولس قد وجّه، الأربعاء، تحذيراً مباشراً إلى الأطراف، التي تعرقل الانتقال السياسي في ليبيا، قائلاً إن «من يختارون تعطيل العملية السياسية أو تقويضها سيواجهون عواقب، من بينها احتمال إدراجهم على قوائم العقوبات»، وحملهم مسؤولية حرمان جيل كامل من فرص الاستقرار والازدهار بسبب «مصالح شخصية ضيقة».

وأكد صدام حفتر خلال لقاء تيته «ضرورة توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام في المؤسسات الوطنية»، مشيراً إلى أن «توحيد السلطات السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية يمثل أساساً لاستعادة وحدة الدولة، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».

وقال صدام إنه يدعم جهود البعثة الأممية، بالتوازي مع انخراطه في المبادرة الأميركية، مؤكداً «ضرورة البناء على تفاهمات اللجنة المصغرة (4+4)، وتجاوز العقبات التي تعترض تنفيذها، وفق خطوات واضحة وجدول زمني محدد». وأضاف صدام أن استمرار الانقسام يفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية، مشدداً على رفض إبقاء مستقبل البلاد رهناً للخلافات، ومحاولات تعطيل المسار السياسي.

مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، بحث مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بالقاسم حفتر، مع تيتيه سبل التعاون في مجالات التنمية وإعادة الإعمار، واستعرضا مشروعات البنية التحتية والمرافق الخدمية المنفذة في عدد من المدن، خصوصاً بنغازي ودرنة. وأكد الجانبان أهمية استمرار التنسيق، بما يدعم التنمية الاقتصادية، ويحسن الخدمات المقدمة للمواطنين. كما زارت تيتيه جامعة بنغازي، حيث اطلعت على أعمال تطوير المرافق التعليمية.