هدوء القتال في السودان... هدنة غير معلنة أم استراحة محارب؟

أرجعه خبراء إلى الضغوط الدولية والصراعات داخل طرفي القتال

البرهان و«حميدتي» خلال تعاونهما في إطاحة نظام البشير (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان و«حميدتي» خلال تعاونهما في إطاحة نظام البشير (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هدوء القتال في السودان... هدنة غير معلنة أم استراحة محارب؟

البرهان و«حميدتي» خلال تعاونهما في إطاحة نظام البشير (أرشيفية - أ.ف.ب)
البرهان و«حميدتي» خلال تعاونهما في إطاحة نظام البشير (أرشيفية - أ.ف.ب)

شهدت جبهات القتال في السودان هدوءاً نسبياً الأسبوع الماضي، ما عدا عمليات قصف مدفعي محدودة في مدينة الفاشر غرب البلاد، وهجمات للطيران المسير التابع للجيش على مدينة نيالا وبعض مناطق تجمعات «قوات الدعم السريع»، بينما ظلت محاور القتال الرئيسية الساخنة في شمال وغرب إقليم كردفان ساكنة، مع عمليات صغيرة يجري تضخيمها أحياناً من قبل طرفي القتال.

أثارت حالة «الهدوء الحذر» تساؤلات عديدة حول ما إن كان التوقف المفاجئ للعمليات البرية الكبيرة، هي هدنة «غير معلنة» بين الطرفين المتقاتلين، ربما تحت الضغط الإقليمي والدولي، أم أن الهدوء مجرد «استراحة محارب» يستعيد خلالها المقاتلون أنفاسهم، وتعيد القوات ترتيب أوضاعها وتسليحها من أجل معارك كبرى قادمة، أم أن هناك ثمة تحول في مسار الحرب؟

المعارك الأخيرة

شهدت مدينة الفاشر في الأسابيع الماضية هجمات كبيرة من «قوات الدعم السريع» استهدفت «الفرقة 16» التابعة للجيش، كما شهدت أيضاً بابنوسة في ولاية غرب كردفان هجمات مشابهة على مقر «الفرقة 22» التابعة للجيش، الذي أعلن أنه تصدى للهجمات على المدينتين اللتين تُعدان «جيوباً» داخل مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع».

ثم هدأت العمليات حول المدينتين، أسوة بمناطق القتال الساخنة الأخرى - مثل في كردفان، ومثلث الحدود مع ليبيا ومصر - التي ظلت ساكنة وسط هدوء حذر. ومنذ أن سيطرة «قوات الدعم السريع» على بلدتي الخوي، والنهود في غرب كردفان، ومدينة الدبيبات في جنوب كردفان، منذ نهاية مايو (أيار) الماضي، لم تشهد المنطقة عمليات عسكرية كبيرة.

ففي تلك المعارك ألحقت «الدعم السريع» هزيمة بالقوات المهاجمة القادمة من مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان والتي صاحبتها حملة إعلامية كبيرة بأن القوات المهاجمة ستتجه لتحرير إقليم دارفور بأكمله، لكنها هُزمت واضطرت للتراجع إلى مدينة الأبيض التي أتت منها.

الصراعات الداخلية

عناصر في الجيش يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس الماضي (أ.ب)

تعقّد الصراعات داخل طرفي القتال العمليات العسكرية، ففي معسكر الجيش، الذي تدعمه جماعات مسلحة تُعرف باسم «القوات المشتركة»، ترهن هذه القوات استمرار مساندتها للجيش، بالحصول على وزارتي المالية والمعادن. وفي الجانب الآخر، تعاني «قوات الدعم السريع» من توترات أمنية في معقلها الرئيس بمدينة نيالا، مما يشير إلى بوادر تمرد بين بعض المكونات.

وقال المؤثر على صفحات التواصل الاجتماعي، محمد خليفة، إن كل محاور القتال في ولايات النيل الأزرق، وشمال إقليم كردفان، وغربه وجنوبه، بما في ذلك كل من مدينتي الفاشر وبابنوسة، ظلت هادئة لا تشهد أي عمليات عسكرية.

وأرجع توقف العمليات العسكرية إلى الصراع في العاصمة المؤقتة بورتسودان، حول ما أسماه «تقسيم كعكة السلطة مع القوات المشتركة التي ترفض القتال قبل حسم موضوع تقسيم الوزارات».

وعلى الجانب الآخر، أرجع خليفة توقف عمليات «قوات الدعم السريع» إلى أنها ربما تحاول إعادة ترتيب صفوفها مجدداً، وتطبيب ومعالجة الأعداد الكبيرة من جرحاها. وتواجه «قوات الدعم السريع» صعوبات جمة في تطبيب الأعداد الكبيرة من جرحاها، وهو ما جعل قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، يبدي تأثره البالغ بأوضاع الجرحى في خطابه الأخير بتاريخ 3 يونيو (حزيران) الماضي.

من جهته، نفى مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط» أن يكون توقف العمليات الكبيرة المؤقت ناتج عن اتفاق مع «الدعم السريع» على هدنة، وأرجعه إلى عوامل سياسية وميدانية وإنسانية، بسبب الخسائر الكبيرة التي تكبدها طرفا القتال، وأدت إلى تراجع وتيرة القتال لإعادة ترتيب الصفوف قبل استئناف الاشتباكات.

الضغوط الدولية

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعا إلى هدنة إنسانية في الفاشر (أ.ف.ب)

دولياً، أجرى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الشهر الماضي اتصالات مع طرفي الحرب، من أجل هدنة في مدينة الفاشر لمعالجة الوضع المأساوي الذي تعيشه المدينة، ووافق عليها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لكن «قوات الدعم السريع» رفضت الهدنة، وقالت عبر أحد حلفائها إن الفاشر منطقة حرب، وإن المدنيين غادروها، ومن تبقى فيها هم مقاتلون مساندون للجيش.

وتزامن تراجع العمليات الكبيرة، مع تزايد الضغوط الإقليمية والدولية من أجل وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن حالة الانهاك المتبادل بين الطرفين التي قد تسهم بدفعهما إلى طاولة التفاوض.

وفي السياق، قال وزير الإعلام السابق، حمزة بلول، لـ«الشرق الأوسط»، إن حالة المد والحزر التي تشهدها الحرب، لا تعود إلى حسابات الميدان والاستعدادات العسكرية، لأنها «حرب سياسية في المقام الأول»، وتتجه لتكون حرباً بالوكالة.

وأرجع انخفاض وتيرة المواجهات المباشرة وغير المباشرة، إلى محاولة أي طرف إعادة التموضع قبل دخول فصل الخريف الذي تعوق أمطاره حركة المقاتلين، وتؤثر على الدعم اللوجيستي. ولكونها حرباً سياسية، يرى بلول أن الميدان السياسي هو الأهم، لأنه يتأثر بضغوط المجتمع الدولي الرامية إلى تسهيل انسياب المساعدات الإنسانية، وهو ما يتطلب وقف المعارك.

وأضاف الوزير السابق أن «الولايات المتحدة ألقت بثقلها في الشأن السوداني»، ووفقاً لما قال، فإن كبير مستشاري الشؤون الأفريقية، مسعد بولس، يجري اتصالات مع الأطراف السودانية والدول المؤثرة. وقال: «ربما يكون هدوء المعارك الحالي فرصة ثمينة يمكن اقتناصها للوصول لتسوية قد تنهي الحرب، لكن الأمر يحتاج لضغوط دولية حقيقية وإرادة داخلية».


مقالات ذات صلة

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

خاص جانب من سوق أم درمان الشعبية العريقة (الشرق الأوسط)

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

يحاول تجار سوق مدينة أم درمان العريقة النهوض مرة أخرى من تحت أنقاض وركام الحرب. ينهضون بأيدٍ عارية وجيوب خاوية وقلوب مثقلة بالأمل، تتشبث بمستقبل زاهر ومشرق.

بهرام عبد المنعم (أم درمان)
شمال افريقيا مصر تراقب إيراد نهر النيل لحظياً بالأقمار الاصطناعية (وزارة الري المصرية)

«المنافسة» بين مصر وإثيوبيا تنتقل من الماء إلى الرياضة

ظهر تنافس رياضي بين القاهرة وأديس أبابا حول بطولة «أمم أفريقيا 2028» مع إعلان إثيوبيا «التقدم بطلب لاستضافة البطولة»، بعد أيام من إعلان القاهرة جاهزية ملاعبها

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)

تحليل إخباري مخاوف الانقسام تتصاعد في السودان مع ترسيخ واقع حكومتين

مع مطلع عام 2026، وبينما يحتفل السودانيون – نظرياً – بمرور سبعين عاماً على الاستقلال، تبدو «فكرة الدولة» نفسها موضوعة أمام اختبار وجودي قاسٍ.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) play-circle 00:34

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

أكد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، أن «النصر قادم» وأن «النصر سيكون حليف الشعب السوداني».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

تحليل إخباري شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

وقعت 5 فصائل مسلحة ذات ثقل اجتماعي مؤثر على ميثاق تحالف «شرق السودان» في محاولة لتشكيل قوة جديدة واستراتيجية تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة

محمد أمين ياسين (نيروبي)

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار
TT

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

يحاول تجار سوق مدينة أم درمان العريقة، غرب العاصمة السودانية الخرطوم، النهوض مجدداً من تحت ركام الحرب وآثار الدمار. ينهضون بأيدٍ عارية، وجيوب خاوية، وقلوب مثقلة بالأمل، تتشبث بمستقبل أكثر إشراقاً، رغم إدراكهم أن طريق التعافي الاقتصادي طويل وشاق، ويتطلب صبراً وعزيمة لا تلين.

محرقة السوق التاريخي

مع اندلاع الحرب في السودان، منتصف أبريل (نيسان) عام 2023، تعرضت سوق أم درمان لقصف عشوائي بالمدفعية والرصاص الطائش، ما أدى إلى احتراق عشرات المحلات التجارية وتدميرها كلياً وجزئياً. ورغم أن الهدوء يسود المنطقة حالياً، فإن آثار الحريق ما زالت شاهدة على دمار شامل طال البنية التحتية، وأدى إلى توقف المصانع والمنشآت الإنتاجية، وتضرر قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات.

جانب من سوق أم درمان الشعبية العريقة (الشرق الأوسط)

انتهت مظاهر المواجهات العسكرية في أم درمان، إلا أن الحرب لا تزال مستعرة في تفاصيل الحياة اليومية. يكافح التجار وعمال اليومية مع كل شروق شمس لإثبات أن الحياة قادرة على أن تولد من تحت الرماد.

يعود تاريخ تأسيس سوق أم درمان إلى نحو قرنين من الزمان، وتُعد نموذجاً مصغراً لمدينة أم درمان التاريخية، التي تُعرف بالعاصمة القومية للسودان؛ حيث تعايشت على أرضها أعراق وديانات متعددة، من الإسلامية والمسيحية واليهودية، وصولاً إلى البوذية.

داخل السوق، كانت تتجاور محلات التجار الهنود، ومحلات الأقباط المتخصصة في المنسوجات والمفروشات، إلى جانب محلات التجار اليمنيين، خصوصاً «دكان اليماني»، المشهورة بأعمال البقالة.

ورغم التحولات الكبيرة التي شهدتها السوق، لا يزال موقع محل العدني، نسبة إلى مدينة عدن، علامة معروفة ودليلاً للأجانب والسياح، رغم زواله فعلياً، كما ظل شارع «سوق اليهود» محتفظاً باسمه، رغم مغادرة أصحابه البلاد منذ سبعينات القرن الماضي.

التشبث بالأمل وسط الركام

في شارع المكتبات الشهير وسط المدينة، لا يزال الدمار شاهداً على قسوة الحريق والتخريب والنهب. إلا أن التاجر محمد صلاح، البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عاد لإدارة متجره للأدوات المكتبية، مكافحاً من أجل إعادة الحياة إلى نشاطه التجاري.

يقول محمد صلاح لصحيفة «الشرق الأوسط»: «عندما اندلعت الحرب، كنت أدير محلاً تجارياً كبيراً في سوق أم درمان. حاولنا نقل جزء من البضائع إلى ود مدني وبورتسودان، لكن ما تبقى تعرض للحرائق، ما تسبب في خسائر مالية فادحة أرهقت كاهلنا». ويضيف: «قبل ثلاثة أشهر عدت إلى السوق وبدأت في ترميم المحل. هناك تحسن تدريجي في حركة البيع، والأمل لا يزال موجوداً، رغم الخسائر الكبيرة الناتجة عن كسر الخزائن وسرقة البنوك ونهب معظم المحلات». وتابع بالقول: «نستورد البضائع من مصر والصين، وإقبال الزبائن في المستوى المتوسط، خاصة أن عمل المكتبات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمؤسسات الحكومية، وهي لم تعد من مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة، ونتمنى أن تكتمل الإجراءات لممارسة نشاطنا بكل قوة وحيوية».

بداية قاسية من الصفر

عاد التاجر أنور البشير، البالغ من العمر أربعة وخمسين عاماً، إلى السوق ليبدأ رحلة شاقة لإعادة بناء حياته المهنية، بعد فترة طويلة من النزوح والتشرد. يقول البشير: «الحياة قبل الحرب تختلف تماماً عما بعدها. فقدنا حصاد أكثر من عشرين عاماً من العمل التجاري، وحالياً نبدأ من الصفر».

ويضيف: «بدأت صيانة المحل قبل عشرة أيام فقط. أكثر من ثمانين في المائة من التجار تعرضوا للنهب والسرقة. نعاني من انقطاع الكهرباء، واضطر معظمنا إلى استخدام الطاقة الشمسية، كما نواجه تردي البيئة وانتشار البعوض».

وطالب البشير الدولة بتقديم إعفاءات ضريبية جزئية للتجار، تعويضاً عن الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمحال التجارية.

وتابع: «نعاني حالياً من انقطاع الكهرباء، وغالب التجار لجأوا للطاقة الشمسية، ونشكو من تردي البيئة وتوالد البعوض»، واستطرد: «الأمن مستتب، لكننا نطالب الدولة بإعفاء جزئي من الضرائب، لتعويض حجم الخسائر التي طالت المحلات التجارية في سوق أم درمان».

آثار نفسية لا تمحى بسهولة

يحاول تاجر الأواني المنزلية، حمزة علي، البالغ من العمر خمسة وأربعين عاماً، ترتيب بضاعته داخل وخارج متجره، في محاولة لإزالة غبار الحرب العالق بالمكان وبالنفوس. يقول حمزة: «عادت الحياة إلى السوق بصورة شبه طبيعية، وكنت من أوائل العائدين. لكننا لا نزال نعاني من آثار نفسية بسبب الحرب، إلى جانب غياب الكهرباء والمياه». ودعا حمزة بقية التجار إلى العودة واستئناف نشاطهم التجاري، من أجل إنعاش السوق والمدينة.

قال حمزة لـ«الشرق الأوسط»: «عادت الحياة بصورة طبيعية إلى السوق، وأنا من أوائل التجار العائدين، ونأمل أن يسود الأمن والهدوء ويعود المكان إلى سابق عهده بكل حيوية ونشاط». وأضاف: «عندما فتحت المحل التجاري قبل أشهر، واجهت الخوف بسبب آثار الحرب النفسية، وحالياً نشكو غياب الكهرباء والمياه، وأدعو التجار للعودة مرة أخرى لممارسة نشاطهم التجاري».

تاجر المشغولات الشعبية محمد أحمد العباس (الشرق الأوسط)

بدوره، قال التاجر محمد أحمد عباس أبو مرين، لـ«الشرق الأوسط»: «كل السوق تعرضت للسرقة والنهب والخراب والتدمير، كما أن الرصاص الطائش والدانات ألحقت خسائر كبيرة جراء اندلاع الحرائق، فضلاً عن إشعال النيران مع سبق الإصرار والترصد». وأضاف: «قبل 3 أشهر أعدت فتح محلي مرة أخرى، والتحديات التي تواجهنا تتمثل في توفير خدمات الكهرباء والمياه. أما الناحية الأمنية فممتازة، وعناصر الشرطة يطالبون بإغلاق المحلات بعد السادسة مساء، خوفاً من أي اعتداءات طارئة».

خسائر بالمليارات

أما صاحب محل المجوهرات محمد حسين، البالغ من العمر ثلاثة وخمسين عاماً، فيصف الأيام الأولى للحرب بأنها كانت الأكثر قسوة، بعد مشاهدته الحرائق ونهب البنوك والمحلات التجارية. يقول حسين: «تعرضنا للإرهاب والتعذيب والإذلال من قبل عناصر (الدعم السريع)، ثم طُردنا بالقوة الجبرية من محلاتنا، التي تعرضت للكسر والنهب». ويضيف: «عدت إلى فتح المحل قبل خمسة أشهر، والسوق تشهد نشاطاً ملحوظاً، لكن ما زلنا نعاني من نقص الكهرباء والمياه».

قدّرت الغرفة التجارية حجم خسائر سوق أم درمان بأكثر من مائة مليار دولار. وقال عضو الغرفة الفاضل عثمان: «منذ الأيام الأولى للحرب، نقل التجار بضائعهم إلى مخازن داخل الأحياء والولايات الآمنة، لكن كثيراً منها تعرض للنهب أيضاً». وأضاف: «عاد نحو تسعين في المائة من التجار حالياً، وبدأوا في ترميم محلاتهم. الوضع الأمني مطمئن، وتم تخصيص عنصرين من الشرطة لكل شارع داخل السوق».


تراجع عوائد «الشهادات البنكية»... كيف يؤثر على خطط «ادخار» المصريين؟

تغيير في تفضيلات المصريين الادخارية مع تراجع قيمة الفائدة (تصوير: رحاب عليوة - الشرق الأوسط)
تغيير في تفضيلات المصريين الادخارية مع تراجع قيمة الفائدة (تصوير: رحاب عليوة - الشرق الأوسط)
TT

تراجع عوائد «الشهادات البنكية»... كيف يؤثر على خطط «ادخار» المصريين؟

تغيير في تفضيلات المصريين الادخارية مع تراجع قيمة الفائدة (تصوير: رحاب عليوة - الشرق الأوسط)
تغيير في تفضيلات المصريين الادخارية مع تراجع قيمة الفائدة (تصوير: رحاب عليوة - الشرق الأوسط)

هجر المحاسب محمد نبيل (40 عاماً) «الشهادات البنكية» التي كان يعتمد عليها لادخار أمواله منذ شهور، مع التراجع المستمر في أسعار الفائدة، وبدأ يتجه إلى الفضة كوعاء ادخاري «صاعد» على حد وصفه، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن قراره اتخذه بعد بحث طويل انتهى إلى أن «الفضة ارتفعت بنحو 150 في المائة في عام واحد».

ومحمد الذي يتعامل مع الاستثمار والادخار كهواية وليس فقط وسيلة لتأمين مستقبل عائلته، ضمن كثيرين يبحثون عن بدائل للادخار مع تراجع قيمة الفائدة، وانخفاض قيمة الجنيه (الدولار يساوي نحو 47.62 جنيه بالبنوك المصرية).

ورغم صعود الجنيه نسبياً خلال الفترة الماضية، ما زال البعض يرى أن العملة المحلية تفقد قيمتها مع الوقت مقارنة بأشكال أخرى من الادخار مثل الذهب أو العقارات، في حين اختار البعض زيادة مدخراتهم من خلال البورصة.

وخفضت 5 قرارات للبنك المركزي المصري فوائد الشهادات البنكية إلى نحو 20 في المائة، خلال عام 2025، كان أولها في أبريل (نيسان) الماضي حين انخفضت بمقدار 2.25 في المائة، حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي انخفضت فيه قيمة الفائدة بمقدار 1 في المائة.

اختبار حاسم للقطاع المصري

ويرى الباحث الاقتصادي المتخصص في أسواق المال، محمود جمال سعيد، أن القطاع المصرفي المصري يمر باختبارٍ حاسمٍ مع بداية العام الحالي، بعدما بدأت البنوك الحكومية الكبرى (الأهلي ومصر) فعلياً في صرف مستحقات شهادات الـ27 في المائة والـ23.5 في المائة، وسط تقديرات بتدفق سيولة تتجاوز 1.3 تريليون جنيه إلى أيدي المودعين خلال الربع الأول من 2026.

وأضاف سعيد لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا التدفق يأتي متزامناً مع تحول جذري في سياسة البنك المركزي المصري نحو التيسير النقدي، بعد خفض أسعار الفائدة بمقدار 725 نقطة أساس (7.25 في المائة) خلال عام 2025، لتستقر عند 20 في المائة للإيداع، ما يعزز خيارات البعض للاتجاه إلى بدائل أخرى»، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن انخفاض الفائدة لا يعني انخفاض العائد الحقيقي من الشهادات، التي ستظل مجدية للبعض، خصوصاً أصحاب المعاشات ممن يحتاجون إلى عائد شهري للإنفاق منه.

بدائل عديدة أمام المصريين مع تراجع عوائد «شهادات الادخار البنكية» (الشرق الأوسط)

وكان الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، محمد الإتربي، قال في تصريحات تلفزيونية، الجمعة، إن أجل شهادات الادخار السنوية بعائد 27 في المائة سينتهي خلال فترة تتراوح بين 3 و4 أشهر، مؤكداً في الوقت ذاته أن المودعين حالياً سيحققون «أعلى عائد حقيقي» منذ سنوات.

وأوضح: «عندما كان التضخم عند مستوى 30 في المائة، من كان يحصل على 23 في المائة عائداً على الشهادات، كانت أمواله تتآكل بفارق التضخم. أما اليوم، عندما يكون التضخم في حدود 12 في المائة، ويحصل المواطن على عائد يتراوح بين 16.5 و17 في المائة، فهذا يعني أن لديه عائداً موجباً».

أثر إيجابي لتراجع الفائدة

وتراجع مستوى التضخم في مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مسجلاً 12.3 في المائة، مقارنة بـ12.5 في المائة خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ويقلل الخبير الاقتصادي، خالد الشافعي، من أثر خفض قيمة الفائدة على الخيارات الادخارية لقطاع كبير من المدخرين، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الانخفاض أثره إيجابي على السوق والاقتصاد بوجه عام، وليس سيئاً كما يصور البعض، فهو انعكاس لتراجع التضخم، ما يعني أن القوة الشرائية لعوائد الشهادة تكون أكبر، كما أن خفض الفائدة ينعكس على تنشيط حركة السوق، وزيادة التمويل للمشاريع، ما يعزز فرص انخفاض التضخم أكثر.

ويفرق الشافعي بين المدخرين وتفضيلاتهم، فبينما يرى أن من يحتاج إلى عائد شهري أو كل فترة للإنفاق سيظل متمسكاً بالشهادات، يرى أن من يرغب في ادخار طويل الأجل يفضل «الذهب والفضة»، مقابل خيار الاستثمار في العقارات لمن لديهم قيم ادخارية كبيرة.

ويشهد «سوق العقارات» في مصر نمواً مستمراً، وفق تقرير سابق لمؤسسة «موردور إنتليجنس» في أغسطس (آب) الماضي، موضحاً أن كبار المطورين العقاريين حققوا مبيعات قياسية بلغت 651 مليار جنيه خلال النصف الأول من 2025، بزيادة 47 في المائة عن عام 2024.

بدائل أخرى

ويضيف سعيد أن هناك بدائل أخرى تجتذب المُدخرين في مصر بخلاف الشهادات والعقارات والذهب، أولها «الصناديق النقدية» التي تعد الخيار «الأذكى حالياً لمن يريد سيولة يومية مع عائد يقارب الشهادات»، موضحاً أن «هذه الصناديق تستثمر في (أذون الخزانة) التي لا تزال تمنح عوائد مرتفعة، وتوفر ميزة المرونة للانسحاب في حال ظهرت فرص استثمارية أخرى، عكس الشهادات التي تجمّد الأموال لسنوات».

الشهادات البنكية ما زالت تشكل وعاء ادخارياً مهماً مع ارتفاع الأسعار (الشرق الأوسط)

ويتجه أحمد رمضان (67 عاماً) إلى «أذون الخزانة» لحفظ قيمة مدخراته مؤخراً، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه كان يفضل الشهادة ذات عائد الـ27 في المائة، لكن عند طرحها لم يكن معه السيولة الكافية، والآن بعدما حصل على إرث والده سيتجه إلى «أذون الخزانة» بدلاً من الشهادات «ذات الفوائد المنخفضة». ويعتمد رمضان على معاشه وعوائد بعض مدخراته للإنفاق.

«الصناديق الاستثمارية» كانت أيضاً خيار مدرب السباحة محمد سعيد (31 عاماً)، بدلاً من اللجوء إلى الشكل التقليدي للشهادات، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن ميزتها في كونها «لا تُقيدني بمدى زمني لاسترداد أموالي متى أردت ذلك، عكس الشهادات أو الودائع التي يترتب على كسرها خسائر»، لافتاً إلى أنه لجأ لذلك الخيار بعدما سمع عنه من صانع محتوى.

و«أذون الخزانة» هي أدوات دين قصيرة الأجل تصدرها الحكومة، تتراوح مدتها بين 3 أشهر وسنة، أما «صندوق الاستثمار» فهو شركة مساهمة برأس مال نقدي تنشئها البنوك وشركات التأمين، وكل مستثمر في «صندوق الاستثمار» يمتلك نصيباً على الشيوع في هذا الصندوق يطلق عليه «وثيقة استثمار». وتدار تلك الصناديق من خلال شركة مساهمة أخرى مستقلة تسمى «مدير الاستثمار» لها خبرة في مجال إدارة المحافظ المالية وصناديق الاستثمار، وفقاً لتعريف وضعه «بنك مصر» عبر موقعه الإلكتروني.

ويرشح الباحث الاقتصادي المتخصص في أسواق المال، محمود جمال سعيد، بديلاً استثمارياً آخر يتمثل في «سوق الأسهم»، قائلاً: «مع انخفاض الفائدة، تصبح تكلفة الاقتراض للشركات أقل، مما يحفز النمو»، متوقعاً أن تجتذب البورصة المصرية تدفقات تتراوح بين 40 و50 مليار جنيه من سيولة الشهادات المنتهية، خاصة في قطاعات البنوك، والعقارات، والأسمدة، التي تعد المستفيد الأكبر من دورة خفض الفائدة.


مصر تدعو لدعم جهود خفض التصعيد في اليمن

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعو لدعم جهود خفض التصعيد في اليمن

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (وزارة الخارجية المصرية)

جدَّدت مصر موقفها الثابت الداعم لوحدة وسيادة وسلامة أراضي الجمهورية اليمنية، و«ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعب اليمني الشقيق».

وأكدت أن «تقديم حلول شاملة تعالج جذور الأزمة، هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع وتحقيق تطلعات اليمنيين في الأمن والاستقرار والتنمية».

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، تتابع القاهرة باهتمام بالغ التطورات الأخيرة على الساحة اليمنية، وتعرب عن «قلقها من مخاطر التصعيد المحتمل وانعكاساته على أمن واستقرار اليمن الشقيق، وما قد يترتب عليه من تداعيات تمس أمن المنطقة برمتها».

وأكدت مصر على «أهمية تغليب لغة الحوار والمنطق، وضرورة تحقيق التهدئة وضبط النفس، وتجنب اتخاذ أي إجراءات أحادية تهدد الأمن والاستقرار، والعمل على دعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد».

وبحسب بيان «الخارجية»، جددت القاهرة «استمرارها في الدفع نحو العمل على إيجاد تسوية سياسية شاملة ومستدامة للأزمة اليمنية من خلال مواصلة الاتصالات مع الأطراف المعنية كافة، تقوم على الحوار الوطني لمكونات الشعب اليمني كافة في إطار من التوافق، واحترام الثوابت الوطنية اليمنية، وبما يسهم في تعزيز وحدة الموقف وحماية الأمن القومي العربي، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة».