«هدنة غزة» تترقب حل «عقدة الانسحاب»

مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: 3 تعديلات لـ«حماس» على مقترح الـ60 يوماً

رجل يحمل طفلاً عقب غارات إسرائيلية على جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
رجل يحمل طفلاً عقب غارات إسرائيلية على جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة» تترقب حل «عقدة الانسحاب»

رجل يحمل طفلاً عقب غارات إسرائيلية على جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
رجل يحمل طفلاً عقب غارات إسرائيلية على جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

دخلت محادثات الهدنة في قطاع غزة مرحلة جديدة، بعد موافقة حركة «حماس» على مقترح الـ60 يوماً، واستعدادها لخوض مفاوضات غير مباشرة، وسط مخاوف من وضع إسرائيل عراقيل بشأن الانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها وقاربت حتى الآن 65 في المائة بالقطاع.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الزخم الذي يبديه الوسيط الأميركي بشأن الحرب في غزة والتجاوب من طرفي الأزمة «قادر على تجاوز أي عراقيل محتملة، وأهمها الانسحاب وضمانات إنهاء الحرب»، وتوقعوا أن «يتبلور اتفاق هدنة قريباً ربما يكون خلال زيارة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، للبيت الأبيض ولقاء الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، أو بعدها بقليل».

وبدأت مصر في «إجراء اتصالات مكثفة مع مختلف الأطراف للوصول إلى صيغة نهائية تحظى باتفاق جميع الأطراف، مع استئناف المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين»، بحسب ما نقلته قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، مساء الجمعة، عن مصادر مصرية، لم تسمها، لافتة إلى أن «(حماس) سلمت الوسطاء ردها على المقترح الأخير المقدم من الوسطاء، وأن ردها تضمن فتح المجال أمام مفاوضات غير مباشرة للتوصل للتهدئة لمدة ستين يوماً فور إقرارها».

وقال مصدر فلسطيني مطلع على مسار المفاوضات لـ«الشرق الأوسط»، السبت، إن «(حماس) قالت نعم للمقترح مصحوبة بلكن وتتمثل في تعديلات أبرزها: النص على إنهاء الحرب وإعادة تنظيم آلية إدخال المساعدات الإنسانية والانسحاب الإسرائيلي لما قبل 2 مارس (آذار) الماضي، في ظل توسع الاحتلال بالقطاع بعد انهيار اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي»، لافتاً إلى أن المفاوضات الجديدة ستكون ما بين الدوحة والقاهرة لوجود ملفات مشتركة بشأن تنفيذ نقاط الاتفاق موجودة لدى البلدين.

قتلى فلسطينيون جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وكانت «حماس» أعلنت، الجمعة، في بيان، أنها سلمت رداً «إيجابياً» إلى الوسطاء بشأن المقترح، مؤكدة أنها «جاهزة بكل جدية للدخول فوراً في جولة مفاوضات حول آلية تنفيذ» المقترح، دون الكشف عن فحواه.

وأفادت صحيفة «إسرائيل هيوم» بأن «الصعوبة الرئيسية في استمرار المحادثات ستكون خريطة انسحابات القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، فبينما تطالب (حماس) بالانسحاب الكامل، تريد إسرائيل الاحتفاظ بمحور موراغ وجميع المناطق الواقعة جنوبه في يديها».

وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، قد تحدث، الجمعة، عبر منصة «إكس»، عن أن الجيش بات يسيطر عملياتياً على نحو 65 في المائة من مساحة قطاع غزة.

بينما أكدت «هيئة البث الإسرائيلية»، عن مصادر مطلعة، أن «التعديلات المقترحة في رد (حماس) ستشكل تحدياً لصانعي القرار الإسرائيلي»، موضحة أن مجلس الوزراء الإسرائيلي سيجتمع، مساء السبت، لمناقشة الصفقة.

ويتوقع أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، الدكتور طارق فهمي، أن يماطل الإسرائيليون في ملف الانسحاب قليلاً، لكن تحت المرونة التي تبديها «حماس» نحو الذهاب لاتفاق، سيجد نتنياهو نفسه مضطراً لبعض التجاوب، قبل لقاء ترمب، حرصاً من طرفَي الحرب على كسب الرئيس الأميركي وتقديم رسائل إيجابية له.

ويرى فهمي أنه مع التحفظات المطروحة من كلا الجانبين، فلن يكون هناك حديث بالمفاوضات التي تستضيفها القاهرة والدوحة عن انسحاب كامل، لكن قد نرى إعادة تموضع وإعادة انتشار للقوات الإسرائيلية والوجود خارج المناطق المأهولة بالسكان والانسحاب من عدة ممرات.

ويستبعد أن تُعرقل نقطة الانسحابات الرئيسية في الخلافات المفاوضات الحالية، موضحاً أن طرفَي الحرب لديه موافقة على الإطار المطروح للاقتراح، والتفاصيل تحمل نقاطاً تكتيكية وليست جذرية حقيقية، خصوصاً أن حركة «حماس» ترى أن دخول المساعدات أولوية لديها وستضغط لتشمل وجود وكالات دولية بخلاف الشركة الأميركية الإسرائيلية.

تصاعد الدخان في أعقاب غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، يرى أن عقدة الاتفاق حالياً تتمثل بشكل رئيسي في مطالبة «حماس» للاحتلال بالانسحاب لما قبل 2 مارس الماضي، وهذه مساحة كبيرة ستتراجع عنها إسرائيل حال قبلت التفاهمات بشأنها، خصوصاً أن لديها نوايا للبقاء في رفح التي تمثل نحو 20 في المائة من مساحة قطاع غزة، متوقعاً أن تؤجل مناقشات الوضع النهائي والانسحاب الكامل لمناقشات فترة الهدنة الوشيكة، التي قد تشمل في مراحل متقدمة القبول بانسحاب إسرائيلي كامل مقابل وجود قوات دولية وعربية.

ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، عن مسؤولين إسرائيليين لم تسمهم، أن ترمب قد يعلن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة خلال اجتماعه مع نتنياهو.

وكان ترمب قد قال، الجمعة، إنه «من الجيد» أن حركة «حماس» ردت «بإيجابية» على مقترح وقف إطلاق النار في غزة، مؤكداً للصحافيين على متن طائرة الرئاسة الأميركية أنه قد يكون هناك اتفاق بشأن غزة «خلال أيام».

وبحسب ما نقلته شبكة «سي إن إن» الأميركية، الجمعة، سيتم إطلاق سراح 10 رهائن إسرائيليين أحياء و18 رهينة متوفين موزعين على الجدول الزمني الكامل، دون مراسم أو احتفالات، وسيبدأ تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة على الفور مع بدء سريان وقف إطلاق النار.

ويرى فهمي أن نتنياهو يريد الذهاب للبيت الأبيض، وقد قام بتصفير جميع المشاكل وتنحية كل الخلافات الرئيسية ليركّز على مصالحه السياسية وملف إيران وترتيبات الشرق الأوسط الجديد، مشيراً إلى أنه سينحي أي خلافات شكلية تعوق إعلان الاتفاق قبل زيارته لترمب.

ويتوقع الرقب أن تتضح الصورة أكثر الفترة المقبلة، خصوصاً خلال زيارة نتنياهو للبيت الأبيض، لنرى مدى حقيقة الرغبة الأميركية في وقف الحرب بشكل نهائي بعد الشروع القريب في تنفيذ هدنة تصل إلى 60 يوماً.


مقالات ذات صلة

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

شمال افريقيا أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب) play-circle

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

تشكلت الأجهزة التنفيذية الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وبقيت «قوة الاستقرار الدولية» تحيطها الأسئلة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي عائلات بدوية فلسطينية تفكك خيامها في رأس عين العوجا استعداداً للمغادرة بسبب تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين (إ.ب.أ) play-circle

عائلات بدوية تُخلي مساكنها في الضفة هرباً من عنف المستوطنين

يقول سكان محليون وجماعات لحقوق الإنسان إن غور الأردن وهو منطقة قليلة السكان نسبياً تقع بالقرب من نهر الأردن تتعرض الآن لضغوط كثيرة من المستوطنين

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يدعو السيسي لـ«مجلس السلام» في غزة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى الانضمام لـ«مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي العلَم الإسرائيلي ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة 14 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

دعا الاتحاد الأوروبي حكومة إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة جديدة بالضفة الغربية، ووصف الخطوة بأنها «استفزاز خطير».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».