هل تتحول سجون الميليشيات «قنبلةً موقوتة» في العاصمة الليبية؟

شهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» عن تجاربهم المريرة مع معتقل معيتيقة

نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
TT

هل تتحول سجون الميليشيات «قنبلةً موقوتة» في العاصمة الليبية؟

نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)

باتت السجون الخاضعة لسلطة الميليشيات في العاصمة طرابلس تشكّل هاجساً لقطاع واسع من الليبيين، في حين وصفها برلمانيون وحقوقيون بأنها «قنبلة موقوتة»، بعدما أدت اشتباكات بين فصائل مسلحة في شهر مايو (آذار) الماضي، إلى هروب بعض السجناء، ومقتل آخرين في سجنين.

سجن معيتيقة في طرابلس (المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان)

وتزامن ذلك مع تحذيرات من تكرار سيناريو هروب المسجونين، حال تجدد الاشتباكات في العاصمة، وتحديداً في سجن ثالث يضم نزلاء من عناصر من تنظيم «داعش»، وجماعات متطرفة وأرباب سوابق جنائية.

وضمن تقرير برلماني عن اشتباكات طرابلس في مايو الماضي، جاء الحديث عن واقعة إطلاق عشوائي وفرار لمحتجزين في سجني ميليشيا «دعم الاستقرار»، وكذلك «الجديدة» التابع للشرطة القضائية، الذي كان يخضع لإمرة الميليشياوي أسامة نجيم، وهو ما عدّته لجنة الدفاع والأمن القومي في تقريرها أنه «يزيد الأوضاع الأمنية سوءاً في العاصمة».

مركز احتجاز لكل فصيل مسلح

لا تتوفر أرقام رسمية موثوقة عن عدد السجون الخاضعة لسلطة الميليشيات، على اعتبار أن كل فصيل مسلح يتخذ مركز احتجاز خاصاً به، بمنأى عن سلطة القانون، وفق حقوقيين.

وبحسب الناشط الحقوقي الليبي، ناصر الهواري، توجد مراكز احتجاز وقواطع عدة داخل سجن معيتيقة، الخاضع لإمرة ميليشيا «قوة الردع الخاصة» بقيادة عبد الرؤوف كارة. في حين كانت تخضع مراكز احتجاز لسلطة لميليشيا «دعم الاستقرار»، بقيادة عبد الغني الكيكلي (غنيوة)، قبل مقتله وتفكك فصيله إثر الاشتباكات الأخيرة.

وهناك عدد من السجون الأخرى، منها مراكز احتجاز تابعة لميليشيا «55 مشاة»، بقيادة معمر الضاوي في ورشفانة (جنوب غربي طرابلس)، وآخر تابع لميليشيا «رحبة الدروع» التابعة لبشير خلف الله المعروف بـ«البقرة» في تاجوراء (شرق طرابلس).

داخل سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة لسجناء (الصفحة الرسمية للسجن)

ويصف عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، طارق الجروشي، هذه السجون بأنها «أماكن احتجاز غير رسمية، وقنبلة موقوتة في خاصرة العاصمة المختطفة من قِبل الميليشيات»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

ووفق مصدر أمني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الخطر الأكبر» يكمن في سجون الميليشيات، التي تضم «شريحة من مساجين ينتمون إلى تنظيمات متطرفة في سجن معيتيقة المركزي، الخاضع لإمرة الميليشياوي كارة، لكنهم لم يهربوا خلال الاشتباكات الأخيرة».

وخلال زيارة أجراها مؤخراً وفد من مجلس الأعلى للدولة وحقوقيين لسجن معيتيقة الأسبوع الماضي، عاين الوفد أوضاع سجناء ينتمون إلى تنظيمات متطرفة من الجنسيات الليبية والأجنبية، وفق المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، التي أشارت إلى وفاة سجين، وإصابة اثنين في اشتباكات 14 مايو الماضي، إثر سُقوط القذائف العشوائية على السجن.

وروى محتجز سابق في سجن معيتيقة لـ«الشرق الأوسط» جانباً من تجربته في زنزانة جمعت «محتجزين بتهم جنائية، وآخرين ينتمون إلى جماعات متطرفة رافقوه في الحجز، دون تحقيقات رسمية أو أوراق ثبوتية».

واكتفى المحتجز السابق بتعريف نفسه باسم «محمد»؛ خشية الملاحقة من جانب «قوة الردع»، كاشفاً عن أن أحد «المحتجزين هو أحد العناصر المنتمين لتنظيم (داعش)».

ولا يخفي المحتجز السابق بسجن معيتيقة مخاوفه «من سيناريو فوضى مصاحبة لأي اشتباكات جديدة، وهروب سجناء من عينة الداعشي، وغيره من المتهمين جنائياً، وهم محتجزون دون أي إجراءات قانونية أو عرض على النيابة». ويذهب السجين السابق إلى الاعتقاد بأن «الظروف غير الإنسانية التي عاشها هؤلاء المحتجزون، ودورات التعذيب التي تعرضوا لها، ولَّدت لديهم نقمة على المجتمع، وهو ما كشفت عنه الحوارات الجانبية معهم، بل وصلت ببعضهم إلى الإقدام على الانتحار».

«غوانتانامو ليبيا»

يُعرف سجن معيتيقة المركزي على نطاق واسع بأنه «غوانتانامو ليبيا»، ويضم هذا السجن قائمة لأخطر قادة تنظيم «داعش» المحتجزين، وفي مقدمتهم هاشم أبو سدرة خبيب، والي «داعش» في ليبيا، بحسب الصحافي الليبي محمود المصراتي.

ولا تتوقف المخاوف عند المتطرفين فحسب، حيث تكشف شهادات متطابقة عن أن سجن معيتيقة بات مفرزة لعناصر الميليشيات، وفق (سليم)، الذي احتُجز سابقاً في هذا السجن لمدة 8 سنوات، والذي روى لـ«الشرق الأوسط» «وقائع تجنيد نزلاء من أرباب السوابق الجنائية ضمن صفوف ميليشيا (قوة الردع) وحليفتها الشرطة القضائية، بقيادة أسامة نجيم».

عناصر جهاز الرَّدع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في طرابلس (الجهاز)

وفي رواية مشابهة، تداولت صفحات ليبية مقطعاً مصوراً لسجين سابق في سجن «الرويمي»، الخاضع للشرطة القضائية، روى فيه كيفية تجنيده في صفوفها رفقة نحو 25 آخرين.

وبحسب التسجيل المصور، يقول رياض معمر (32 سنة) إنه قضى عامين من مدة محكوميته، البالغة 4 سنوات، في قضية سطو مسلح، موضحاً أن «نجيم اختار 25 شخصاً، ودرَّبهم على السلاح في سجن الرويمي، وتم تعيينهم براتب شهري 950 ديناراً».

وإثر اشتباكات طرابلس في 13 مايو (الماضي) أعقبت مقتل الكيكلي، جرى إطلاق عشوائي لمسجونين في مركز تابع له. كما هرب سجناء من ذوي الأحكام المشددة من سجن «الجديدة» الخاضع لـ«الشرطة القضائية».

وقوبلت أنباء عن مصرع محتجزين بقرار من النائب العام الليبي، الصديق الصور، بفتح تحقيق رسمي حول وقائع وفيات، وإصابات مسجونين في معتقل الجديدة بالعاصمة طرابلس، في حين وثق عدد من الحقوقيين شهادات، تتهم القائمين على هذا السجن بارتكاب وقائع «قتل متعمد».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

من زاوية أخرى، تتزايد مخاوف سياسيين من احتمال «توظيف العناصر الإجرامية في مراكز الاحتجاز ورقة ضغط، وتوطيد نفوذ لهذه المجموعات المسلحة»، هي وجهة نظر يتبناها أيضاً رئيس «حزب التكتل المدني الديمقراطي»، الدكتور محمد سعد مبارك.

وبحسب تقدير مبارك في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن «صدام الحاضنات الميليشياوية يستدعي مشروع الفوضى، عبر إطلاق أذرع الإجرام، وفي مقدمتها السجناء لأسباب جنائية».

وطالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في أحدث تقاريرها، السلطات الليبية بضرورة «ضمان معرفة مصير الهاربين، وإجراء مراجعات قضائية فورية لتحديد وضعهم وضرورة استمرار احتجازهم».

من جانبه، يحذر الناشط الحقوقي والمستشار القانوني، هشام الحاراتي، من خطورة «الإطلاق غير المنظم أو خارج الإطار القضائي، أو تمكينهم من الفرار بشكل عشوائي»، عادَّاً إياه «تهديداً للأمن العام، وتقويضاً لسيادة القانون وحقوق الإنسان». كما أشار الحاراتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «ضرورة إعادة النظر في وجود سجون تحت سيطرة الميليشيات؛ لأنها تمثل خرقاً لسيادة الدولة وتهدد حقوق المحتجزين».


مقالات ذات صلة

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

شمال افريقيا الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء في روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تسارع بعثة الأمم المتحدة إيقاع تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي التي تخيم على ليبيا منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

نفى الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية الملف القضائي لعبد الله السنوسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

يترقب ليبيون، باهتمام متزايد، تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي في طرابلس (حكومة الوحدة)

ليبيا: «يمين الوزراء» يفجر خلافات الصلاحيات بين الدبيبة والمنفي

دخلت الخلافات الدستورية والقانونية بين رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة منعطفاً جديداً.

خالد محمود (القاهرة)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.