هل تتحول سجون الميليشيات «قنبلةً موقوتة» في العاصمة الليبية؟

شهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» عن تجاربهم المريرة مع معتقل معيتيقة

نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
TT

هل تتحول سجون الميليشيات «قنبلةً موقوتة» في العاصمة الليبية؟

نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)

باتت السجون الخاضعة لسلطة الميليشيات في العاصمة طرابلس تشكّل هاجساً لقطاع واسع من الليبيين، في حين وصفها برلمانيون وحقوقيون بأنها «قنبلة موقوتة»، بعدما أدت اشتباكات بين فصائل مسلحة في شهر مايو (آذار) الماضي، إلى هروب بعض السجناء، ومقتل آخرين في سجنين.

سجن معيتيقة في طرابلس (المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان)

وتزامن ذلك مع تحذيرات من تكرار سيناريو هروب المسجونين، حال تجدد الاشتباكات في العاصمة، وتحديداً في سجن ثالث يضم نزلاء من عناصر من تنظيم «داعش»، وجماعات متطرفة وأرباب سوابق جنائية.

وضمن تقرير برلماني عن اشتباكات طرابلس في مايو الماضي، جاء الحديث عن واقعة إطلاق عشوائي وفرار لمحتجزين في سجني ميليشيا «دعم الاستقرار»، وكذلك «الجديدة» التابع للشرطة القضائية، الذي كان يخضع لإمرة الميليشياوي أسامة نجيم، وهو ما عدّته لجنة الدفاع والأمن القومي في تقريرها أنه «يزيد الأوضاع الأمنية سوءاً في العاصمة».

مركز احتجاز لكل فصيل مسلح

لا تتوفر أرقام رسمية موثوقة عن عدد السجون الخاضعة لسلطة الميليشيات، على اعتبار أن كل فصيل مسلح يتخذ مركز احتجاز خاصاً به، بمنأى عن سلطة القانون، وفق حقوقيين.

وبحسب الناشط الحقوقي الليبي، ناصر الهواري، توجد مراكز احتجاز وقواطع عدة داخل سجن معيتيقة، الخاضع لإمرة ميليشيا «قوة الردع الخاصة» بقيادة عبد الرؤوف كارة. في حين كانت تخضع مراكز احتجاز لسلطة لميليشيا «دعم الاستقرار»، بقيادة عبد الغني الكيكلي (غنيوة)، قبل مقتله وتفكك فصيله إثر الاشتباكات الأخيرة.

وهناك عدد من السجون الأخرى، منها مراكز احتجاز تابعة لميليشيا «55 مشاة»، بقيادة معمر الضاوي في ورشفانة (جنوب غربي طرابلس)، وآخر تابع لميليشيا «رحبة الدروع» التابعة لبشير خلف الله المعروف بـ«البقرة» في تاجوراء (شرق طرابلس).

داخل سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة لسجناء (الصفحة الرسمية للسجن)

ويصف عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، طارق الجروشي، هذه السجون بأنها «أماكن احتجاز غير رسمية، وقنبلة موقوتة في خاصرة العاصمة المختطفة من قِبل الميليشيات»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

ووفق مصدر أمني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الخطر الأكبر» يكمن في سجون الميليشيات، التي تضم «شريحة من مساجين ينتمون إلى تنظيمات متطرفة في سجن معيتيقة المركزي، الخاضع لإمرة الميليشياوي كارة، لكنهم لم يهربوا خلال الاشتباكات الأخيرة».

وخلال زيارة أجراها مؤخراً وفد من مجلس الأعلى للدولة وحقوقيين لسجن معيتيقة الأسبوع الماضي، عاين الوفد أوضاع سجناء ينتمون إلى تنظيمات متطرفة من الجنسيات الليبية والأجنبية، وفق المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، التي أشارت إلى وفاة سجين، وإصابة اثنين في اشتباكات 14 مايو الماضي، إثر سُقوط القذائف العشوائية على السجن.

وروى محتجز سابق في سجن معيتيقة لـ«الشرق الأوسط» جانباً من تجربته في زنزانة جمعت «محتجزين بتهم جنائية، وآخرين ينتمون إلى جماعات متطرفة رافقوه في الحجز، دون تحقيقات رسمية أو أوراق ثبوتية».

واكتفى المحتجز السابق بتعريف نفسه باسم «محمد»؛ خشية الملاحقة من جانب «قوة الردع»، كاشفاً عن أن أحد «المحتجزين هو أحد العناصر المنتمين لتنظيم (داعش)».

ولا يخفي المحتجز السابق بسجن معيتيقة مخاوفه «من سيناريو فوضى مصاحبة لأي اشتباكات جديدة، وهروب سجناء من عينة الداعشي، وغيره من المتهمين جنائياً، وهم محتجزون دون أي إجراءات قانونية أو عرض على النيابة». ويذهب السجين السابق إلى الاعتقاد بأن «الظروف غير الإنسانية التي عاشها هؤلاء المحتجزون، ودورات التعذيب التي تعرضوا لها، ولَّدت لديهم نقمة على المجتمع، وهو ما كشفت عنه الحوارات الجانبية معهم، بل وصلت ببعضهم إلى الإقدام على الانتحار».

«غوانتانامو ليبيا»

يُعرف سجن معيتيقة المركزي على نطاق واسع بأنه «غوانتانامو ليبيا»، ويضم هذا السجن قائمة لأخطر قادة تنظيم «داعش» المحتجزين، وفي مقدمتهم هاشم أبو سدرة خبيب، والي «داعش» في ليبيا، بحسب الصحافي الليبي محمود المصراتي.

ولا تتوقف المخاوف عند المتطرفين فحسب، حيث تكشف شهادات متطابقة عن أن سجن معيتيقة بات مفرزة لعناصر الميليشيات، وفق (سليم)، الذي احتُجز سابقاً في هذا السجن لمدة 8 سنوات، والذي روى لـ«الشرق الأوسط» «وقائع تجنيد نزلاء من أرباب السوابق الجنائية ضمن صفوف ميليشيا (قوة الردع) وحليفتها الشرطة القضائية، بقيادة أسامة نجيم».

عناصر جهاز الرَّدع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في طرابلس (الجهاز)

وفي رواية مشابهة، تداولت صفحات ليبية مقطعاً مصوراً لسجين سابق في سجن «الرويمي»، الخاضع للشرطة القضائية، روى فيه كيفية تجنيده في صفوفها رفقة نحو 25 آخرين.

وبحسب التسجيل المصور، يقول رياض معمر (32 سنة) إنه قضى عامين من مدة محكوميته، البالغة 4 سنوات، في قضية سطو مسلح، موضحاً أن «نجيم اختار 25 شخصاً، ودرَّبهم على السلاح في سجن الرويمي، وتم تعيينهم براتب شهري 950 ديناراً».

وإثر اشتباكات طرابلس في 13 مايو (الماضي) أعقبت مقتل الكيكلي، جرى إطلاق عشوائي لمسجونين في مركز تابع له. كما هرب سجناء من ذوي الأحكام المشددة من سجن «الجديدة» الخاضع لـ«الشرطة القضائية».

وقوبلت أنباء عن مصرع محتجزين بقرار من النائب العام الليبي، الصديق الصور، بفتح تحقيق رسمي حول وقائع وفيات، وإصابات مسجونين في معتقل الجديدة بالعاصمة طرابلس، في حين وثق عدد من الحقوقيين شهادات، تتهم القائمين على هذا السجن بارتكاب وقائع «قتل متعمد».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

من زاوية أخرى، تتزايد مخاوف سياسيين من احتمال «توظيف العناصر الإجرامية في مراكز الاحتجاز ورقة ضغط، وتوطيد نفوذ لهذه المجموعات المسلحة»، هي وجهة نظر يتبناها أيضاً رئيس «حزب التكتل المدني الديمقراطي»، الدكتور محمد سعد مبارك.

وبحسب تقدير مبارك في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن «صدام الحاضنات الميليشياوية يستدعي مشروع الفوضى، عبر إطلاق أذرع الإجرام، وفي مقدمتها السجناء لأسباب جنائية».

وطالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في أحدث تقاريرها، السلطات الليبية بضرورة «ضمان معرفة مصير الهاربين، وإجراء مراجعات قضائية فورية لتحديد وضعهم وضرورة استمرار احتجازهم».

من جانبه، يحذر الناشط الحقوقي والمستشار القانوني، هشام الحاراتي، من خطورة «الإطلاق غير المنظم أو خارج الإطار القضائي، أو تمكينهم من الفرار بشكل عشوائي»، عادَّاً إياه «تهديداً للأمن العام، وتقويضاً لسيادة القانون وحقوق الإنسان». كما أشار الحاراتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «ضرورة إعادة النظر في وجود سجون تحت سيطرة الميليشيات؛ لأنها تمثل خرقاً لسيادة الدولة وتهدد حقوق المحتجزين».


مقالات ذات صلة

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الأربعاء السيطرة الكاملة على ناقلة الغاز الروسية المتضررة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء برنت مع بلقاسم حفتر مساء الثلاثاء (السفارة الأميركية)

واشنطن تجدد دعمها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية

جددت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء، تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا يتحدث خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)

نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

يرى سياسيون ليبيون أن «مسار برلين»، الذي انطلق عام 2020، يسعى راهناً إلى استعادة حضوره من خلال تحركات دبلوماسية؛ سعياً لكسر الجمود وتحريك العملية السياسية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الزوبي وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» يتوسط جمع من قوات غرب ليبيا (وزارة الدفاع بغرب ليبيا)

الاشتباكات المسلّحة تعيد التوتر إلى الزاوية الليبية

تجددت الاشتباكات، مساء الأحد، في مناطق متفرقة من مدينة الزاوية بين مجموعتين محليتين، هما «أبناء الجن» و«أبناء المداح»، استخدمت فيها أسلحة خفيفة.

خالد محمود (القاهرة)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
TT

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

التقى وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، بالعاصمة الألمانية برلين، مساء أمس (الأربعاء)، رئيسة البرلمان الفيدرالي الألماني يوليا كلوكنر، وجرى خلال اللقاء استعراض مختلف أوجه التعاون الثنائي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبيئية، فضلاً عن الأكاديمية والعلمية.

وخلال اللقاء عبَّر الوزير عن تطلّع تونس إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة، مشيراً إلى الأهميّة القصوى التي توليها تونس إلى هذا الموضوع، بوصف هذه الأموال ملكاً للشعب التّونسي ولا تسقط بالتّقادم.

وأكد النفطي، خلال اللقاء، ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي يعود إنشاؤها إلى أكثر من 30 سنة، «حتى تكون أكثر توازناً»، وتأخذ بعين الاعتبار خيارات الشعوب، والواقعَين الإقليمي والدولي الجديدَين، والتحديات التي يفرضانها، بما في ذلك الهجرة غير النظامية. وبيَّن في هذا السّياق المقاربة التّونسيّة في التعاطي مع الهجرة غير النّظاميّة، التي تدعو إلى معالجة الأسباب العميقة لهذه الظّاهرة، وتضافر الجهود لمحاربة الشبكات الإجراميّة التي تتاجر بالبشر، وتأمين العودة الطوعية وإعادة الإدماج للمهاجرين غير النّظاميِّين في بلدانهم الأصليّة. ودعا في المقابل إلى تعزيز آليّات التّعاون في مجال الهجرة المنظّمة، بوصفها رافداً للتنمية ونقل المهارات، مؤكّداً ضرورة أن تراعي هذه البرامج حاجيات الطّرفين.

وتأتي هذه العودة بعد أيام قليلة من مطالبة الرئيس التونسي، قيس سعيد، بمراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وجاء ذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة احتفال تونس بالذكرى الـ70 للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، حيث طالب الرئيس سعيد بشراكة «متوازنة وأكثر عدلاً وانصافاً».

لكن البيان الذي نشرته الرئاسة التونسية لم يتضمَّن مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة المُوقَّع منذ عام 1995.

وسمح الاتفاق برفع صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يستحوذ على نحو 75 في المائة من مبادلاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية، وتعزيز بناها التحتية في برامج تعاون. في حين تشكو تونس باستمرار من عجز في المبادلات بعدد من القطاعات مع شريكها الأوروبي. ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غيرالنظاميِّين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء. وأوضح أن بلاده «قدَّمت كثيراً، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً لأنَّ تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقَرّاً».


مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».