المبعوث الأممي للسودان لـ«الشرق الأوسط»: التسليح يُغذي الأوهام العسكرية

لعمامرة قال إن السلام لن يأتي الفرقاء من الخارج... وأكد ضرورة التسوية السياسية

رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)
رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)
TT

المبعوث الأممي للسودان لـ«الشرق الأوسط»: التسليح يُغذي الأوهام العسكرية

رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)
رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)

«السلام لا يُفرَض، بل يُصنَع. وإذا لم يصنعه السودانيون، فلن يأتيهم من الخارج»... بهذه العبارة اختار رمطان لعمامرة، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان، أن يختتم أول حوار موسع يجري منذ تولي المهمة الأممية. بيد أن العبارة ذاتها تصلح أن تكون مدخلاً لفهم فلسفة الرجل في مقاربة واحدة من أعقد حروب المنطقة المتخمة بالأزمات.

لعمامرة الذي يتكئ على خبرة طويلة؛ وزير خارجية ودبلوماسي جزائري، وسبق أن اضطلع بوساطات صعبة في أفريقيا، لا يرى جدوى من استمرار الرهانات الخاطئة، ولا يقبل بمنطق إدارة الحرب كأنها معركة كسر عظم. وفي رأيه، فإن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين يمثل عائقاً كبيراً أمام الحل؛ لأنه ببساطة «يُغذي الأوهام العسكرية ويُطيل أمد المأساة».

في حواره الذي جرى مع «الشرق الأوسط» عبر الفيديو، عقب مشاركته بمؤتمر لندن، وبين رحلاته المكوكية لكل من بورتسودان وأديس أبابا والقاهرة، وجّه لعمامرة رسائل سياسية بدأت من الأطراف السودانية وانتهت بالخارج. من بين تلك الرسائل، تحذيره من مغبة الدعم العسكري الخارجي؛ إذ يرى أنه لا يجلب سوى الوهم، وأن السلام لا يأتي بالتمني، بل بتوافر الإرادة المحلية، وتكامل الجهود الدولية لا تشتتها.

يقول بمرارة: «مرت الذكرى الثانية لاندلاع الحرب، وكنا نتمنى ألا تحل تلك الذكرى دون إنهاء الحرب التي يرزح المدنيون في السودان تحت نيرانها، ولا يمكن القبول أبداً بأن تحل ذكرى ثالثة للحرب».

حين تتحول الأوهام إلى رصاص

في زيارته الأخيرة لبورتسودان، التقى المبعوث رئيس «مجلس السيادة» الفريق أول عبد الفتاح البرهان. خرج لعمامرة من اللقاء بانطباع «مشجع»، لكنه لا يخفي أن الطريق ما زالت طويلة. أما التواصل مع قيادة «قوات الدعم السريع»، فهو مستمر في انتظار ترتيب لقاء قريب.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان يستقبل لعمامرة في بورتسودان (المكتب الإعلامي لمجلس السيادة - السودان)

يرى لعمامرة أن واحدة من أخطر الظواهر المرتبطة باستمرار الحرب، ما يصفها بـ«منطق الغلبة»؛ أي الرغبة في الحسم الكامل من دون حساب لتكلفة ذلك على النسيج الوطني. يشير إلى استمرار بعض القوى المحلية بالرهان على عامل الزمن، وتتصرف كما لو أن السلام يمكن تأجيله إلى حين نضوج انتصار كامل، في حين تكمن حقيقة الأمر في أنه «ليس هناك حل عسكري لتلك الحرب» وفقاً للمعطيات.

«السودان يحتاج إلى تسوية سياسية»... يقول لعمامرة: «ما نراه اليوم ليس أكثر من استمرار وهمي لفكرة انتهت منذ زمن، وهي أن الحسم ممكن بالقوة»، فهو يرى أن منطق المصالح يجب أن يتقدم على منطق الثأر، حتى يمكن إنقاذ السودان، ويوضح أن «أكبر التحديات الآن هو الخطر المتزايد بسبب تفاقم الانقسامات في المشهد السوداني، وهو مسار خطير يجب وقفه، وإعادة توجيه الدفة السودانية نحو الوحدة. يجب أن نمضي في طريق الوحدة لا في طرق الانقسام».

وساطة مزدحمة... وهدف مفقود

منذ توليه مهمته الأممية، حرص لعمامرة على التركيز على التنسيق لا التوسع. يتحدث عن «تكدس الوساطات» في الملف السوداني وكأنه أزمة بحد ذاته.

ولهذا أطلق المجموعة التشاورية لتنسيق المبادرات التي ضمت فاعلين من المنظمات الإقليمية، ومن ضمنها الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والدول التي ترعى مبادرات سلام حول السودان، بهدف خلق توازن دبلوماسي يعيد ترتيب الأولويات، ويحقق وحدة الهدف على درب إنهاء الحرب.

اجتمعت المجموعة في القاهرة، ثم جيبوتي، فموريتانيا، وتحضّر لاجتماع رابع في بروكسل بدعوة من الاتحاد الأوروبي. هناك أيضا «التواصل المستمر مع المسؤولين في مصر والسعودية، وأيضاً الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ودول جوار السودان، ودول أخرى كثيرة مهتمة».

ومع ذلك «الأمر ليس بحاجة إلى مزيد من الوسطاء، بل إلى توافق على رؤية واحدة» يقول لعمامرة إن تعدد المسارات سمح لبعض الأطراف السودانية بالرهان على تضارب المواقف الدولية، بل حتى تعطيل بعض المبادرات أملاً في تحقيق مكاسب ظرفية.

هنا، يستحضر قرار مجلس الأمن «2724» الذي كلفه تنسيق الجهود تحت مظلة الأمم المتحدة، ويعتبر أن ترجمة هذا القرار على الأرض تبدأ بتوحيد الصوت الدولي خلف رؤية واقعية للسلام.

حرب لا ينبغي نسيانها

حين يُسأل إن كانت حرب السودان منسية، لا ينكر المبعوث أن الزخم الإعلامي ربما يخفت أحياناً، لكن المأساة مستمرة بكل تفاصيلها: «نتابع كل يوم سقوط الضحايا، خصوصاً في شمال دارفور، والأوضاع المأساوية المتفاقمة في مخيم زمزم، والتي تفطر القلوب».

يتحدث عن ملايين النازحين داخل البلاد واللاجئين خارجها، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، ومخيمات لم تعد تقي من الحر أو البرد، والعاملين في مجال الإغاثة الإنسانية الذين يدفعون حياتهم ثمناً لإيصال المساعدات.

ولفت إلى اهتمام وصفه بـ«الخاص» يوليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للوضع الخطير في السودان «المستند لمعرفته المتعمقة، خصوصاً حين كان يرأس المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، حيث كان السودان يفتح أبوابه بكل كرم للاجئين على أراضيه».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع مع رمطان لعمامرة وفريقه (الأمم المتحدة)

«إنها أكبر أزمة إنسانية في العصر الحالي من حيث حجم التهجير الداخلي وعدد اللاجئين». يقول لعمامرة: «نحن نتحدث عن بلد يرزح تحت ضغط السلاح والانقسام والصمت الدولي».

لذلك، يضع المبعوث أولوية بديهية: وقف الحرب أولاً. وضمن هذا الإطار، يرى في «إعلان جدة» خطوة لا تزال صالحة للإنعاش، ويشيد بدور السعودية قائلاً إن «اسم مدينة جدة ارتبط بوثيقة إنسانية يمكن لها أن تؤسس لتوافق مهم، خصوصاً بشأن حماية المدنيين».

أما القمة العربية المقبلة في بغداد، فيعتبرها لحظة مناسبة لتوظيف الثقل العربي الجماعي في مساعي وقف الحرب. ويرى أن «السودان بلد محوري، ومكانته في قلب الهوية العربية لا تحتمل الحياد»، مشدداً على أن الحل في السودان يجب أن يُحمى بإرادة عربية جماعية.

السلاح... ومَن يصب الزيت

أكثر رسالة تكراراً في حديث لعمامرة كانت موجهة للتدخلات الخارجية؛ فهو يصرّ على أن تدفق السلاح لا يمكن تبريره بأي منطق. ويقول إن «تغذية الحرب بالسلاح ليست مساعدة على الحسم، بل مساهمة مباشرة في صناعة الوهم والانقسام»، مشيراً إلى أن «الجهود ينبغي أن تصب في ما هو ضروري: سلام يحمي وحدة السودان».

ويعتقد لعمامرة أن بعض الجهات الإقليمية والدولية تتصرف وكأنها تقايض دعم طرف سوداني بالحصول على نفوذ مستقبلي، متناسية أن الحرب لا تبقي شيئاً تُحكَم السيطرة عليه. ويقول: «ليس من مصلحة أحد أن يتفكك السودان. والمطلوب من كل مَن له تأثير أن يكون جزءاً من الحل، لا من تأجيج النزاع».

ويؤكد أن الأمم المتحدة لم تتوقف عن المطالبة بوقف فوري لتدفق الأسلحة، ولا عن الدعوة لتطبيق حازم لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وتجفيف مصادر التمويل العسكري من الخارج. لكنه يضيف: «على الرغم من تكاثر الفاعلين والتدخلات، تبقى المسؤولية التاريخية على عاتق السودانيين قبل غيرهم لوقف الاقتتال، وفتح فصل جديد من الأمل للشعب السوداني».

في تقييمه لمواقف الطرفين، لا يُخفي لعمامرة حذره، لكنه يسجّل مؤشرات إيجابية، لأنه يرى بأن الاختبار الحقيقي لأي نوايا يكون في الأفعال لا الأقوال، مستطرداً: «لا نريد لقاءات شكلية، بل مساراً عملياً يعكس التزاماً حقيقياً بالحل».

لعمامرة خلال مؤتمر لندن بشأن السودان الذي عقد في أبريل 2025 (الأمم المتحدة)

يشدّد المبعوث على وجوب شمولية التسوية لا تجزئتها، وأن تتعامل التسوية المنشودة مع جذور الحرب، وألا تقتصر فقط على مظاهرها. ويطرح فكرة العودة إلى مرجعيات ما قبل الحرب، مع الانفتاح على تطويرها ضمن توافق وطني جديد.

رسالة إلى السودانيين

حرص لعمامرة على توجيه رسالة مباشرة للشعب السوداني عبر «الشرق الأوسط»؛ إذ قال: «يسعدني أن أحيي الشعب السوداني وأترحم على ضحاياه. كنت في بورتسودان قبل أيام، والتقيت مسؤولين كباراً ومواطنين، وكان لافتاً لي حسن الضيافة والإرادة الصلبة لهذا الشعب في السيطرة على مصيره وتجاوز محنته».

وأبدى خلال رسالته تعهداً من الأمم المتحدة بالمزيد من العمل؛ إذ قال: «لاحظت أن هذا الشعب العظيم يتطلع إلى مستقبل واعد يليق بإمكاناته. نحن في الأمم المتحدة ملتزمون ببذل أقصى الجهد لمساعدته على تجاوز الصعوبات رغم جديتها؛ لأن مصير السودان يستحق التضحية ببعض المصالح الفئوية، والتركيز على ما يوحّد الكلمة، ويوجّه التفكير نحو المستقبل».

أزمة إنسانية خانقة وأرقام تقرع الضمير

يرى لعمامرة أن الأزمة الإنسانية خانقة، ويصفها بأنها «أكبر أزمة إنسانية في عصرنا». ويقول «هناك ما لا يقل عن 13 مليون نازح، وملايين اللاجئين في الدول المجاورة. الصعوبات كبيرة، وتشمل الأمن والطبيعة ونقص التمويل، وحتى التنسيق بين المناطق». يكمل بالحديث عن مواجهة الأمم المتحدة رغم جهودها المتواصلة استجابة دولية دون المستوى، مشيراً إلى عدد من المبادرات التي تُطرح لتحسين الوضع وجمع مساعدات أوسع من الجهات المانحة، وهو ما تم حديثاً في إطار مؤتمر لندن.

«المأساة كبيرة جداً، وضحاياها من أطفال ونساء ومواطنين باتوا بلا أدنى مقومات الحياة»... هذه الأزمة وفقاً للمبعوث تتطلب استيقاظ ضمير جماعي، لا من الحكومات فحسب، بل من كل من يسمع ويرى: «السودان بلد عربي وأفريقي، وما يحدث فيه يجب أن يمسنا جميعاً».

ومع أن الوضع الإنساني بحسب المبعوث يسجل تحسناً نسبياً في بعض المناطق بفضل التعاون بين المسؤولين والمنظمات الإنسانية، فإنه يكرر أن هذه الإيجابيات تبقى دون المطلوب: «الحل الوحيد والضروري هو وقف الحرب؛ كون ذلك هو الطريق الأمثل لحماية المدنيين وتحسين الوضع على الأرض»، ويؤكد أن الشعب السوداني «يستحق أن يعيش آمناً في وطن لا بديل عنه».

ما بعد الحرب

بدا لعمامرة كما لو أنه لا يفاوض على تسوية فحسب، بل على منطق مختلف في إدارة الأزمة. يعيد التأكيد بالقول إن «السلام لا يُفرَض، بل يُصنَع. وإذا لم يصنعه السودانيون، فلن يأتيهم من الخارج». لكنه يدرك أيضاً أن هذه الصناعة لن يجري نسجها من دون دعم دولي جاد، فضلاً عن إرادة داخلية تتجاوز الحسابات الضيقة. ولهذا يحذر بشكل مباشر بأن «الوقت لا يعمل لصالح أحد، وكل تأخير يعني مزيداً من التفتت، ومزيداً من الدم».

وبما يشبه النداء الأخير يقول المبعوث إن «السلام ليس حدثاً طارئاً، بل مشروع طويل النفَس... وإذا لم نبدأه الآن، فقد لا نجد بعد أشهر ما يُبنى عليه أصلاً».


مقالات ذات صلة

هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)

«الحوار المُهيكل» يبحث تحديات «الحوكمة وضمانات الانتخابات» في ليبيا

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن «محور الحوكمة» سيعمل على معالجة 5 قضايا مهمة، من بينها كيفية التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الانتخابات ونزاهة العملية الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي جنود من قوات «يونيفيل» يجرون دوريات في مركبات برفقة جنود لبنانيين بمنطقة البويضة بقضاء مرجعيون جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع إسرائيل - 8 يناير 2026 (أ.ف.ب)

«يونيفيل» تعلن عن إطلاق نار إسرائيلي قرب جنودها في جنوب لبنان

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) عن إطلاق نار إسرائيلي تعرّض له جنودها قرب منطقة العديسة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ مايك والتز سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الوضع في إيران بمقر الأمم المتحدة في نيويورك 15 يناير الحالي (أ.ف.ب) play-circle 00:41

مسؤول أميركي يحذّر إيران: ترمب «رجل أفعال»

المبعوث الأميركي لدى الأمم المتحدة يبلّغ إيران أن الرئيس دونالد ترمب «رجل أفعال»، في تحذير أميركي لطهران على خلفية التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها البلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر أهمية مواصلة تطوير «تعاونها الثلاثي» مع قبرص واليونان، وتعزيز الشراكة في قطاعات حيوية للدول الثلاث بينها الطاقة والغاز والتجارة والاستثمار.

واستضافت القاهرة، الأحد، مشاورات سياسية لوزراء خارجية مصر واليونان وقبرص في إطار آلية التعاون الثلاثي القائمة منذ 10 سنوات. وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، «خصوصية العلاقات التي تجمع القاهرة بأثينا ونيقوسيا، ما أسهم في توافق الرؤى حول تأسيس آلية القمة الثلاثية بينهم»؛ وعدّ الآلية «نموذجاً يحتذى به في علاقات التعاون والتكامل الإقليمي»، حسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية.

ودشنت مصر وقبرص واليونان آلية للتعاون الثلاثي على مستوى القمة؛ وعُقد الاجتماع الأول لها بالقاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وتناوبت الدول الثلاث استضافة اجتماعاتها بشكل دوري سنوياً، وعُقدت الجولة العاشرة منها في يناير (كانون الثاني) 2025 بالقاهرة.

وأشار عبد العاطي إلى ضرورة مواصلة تطوير العلاقات الثلاثية في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والسياحية، إلى جانب العمل على إتاحة مزيد من الفرص للقطاع الخاص لتحقيق مزيد من التعاون الاقتصادي والتجاري، لافتاً إلى أن الشراكة بين الدول الثلاث تتضمن قطاعات محورية وحيوية، في مقدمتها الطاقة والغاز والربط الكهربائي. ودعا إلى «توسيع وتنويع أطر التعاون الثلاثي بما يشمل مجالات جديدة، وعلى رأسها التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي».

وشدد وزير الخارجية على أهمية تفعيل مختلف أوجه العلاقات على المستوى الثلاثي، إلى جانب «التنسيق بين وفود الدول الثلاث داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية، اتصالاً بالقضايا الإقليمية والدولية المختلفة»، مشيداً بمواقف قبرص واليونان الداعمة لمصر داخل الاتحاد الأوروبي، وداعياً إلى مواصلة التنسيق خلال فترة رئاستهما للاتحاد الأوروبي.

مشاورات سياسية لوزراء خارجية مصر وقبرص واليونان بالقاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

من جهته، قال وزير الخارجية القبرص كونستانتينوس كومبوس، إن «أولوية بلاده خلال رئاستها للاتحاد الأوروبي أن يتم ربطها بالعالم».

وتناولت المشاورات السياسية تطورات القضية الفلسطينية وخطوات الانتقال للمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في قطاع غزة، وأكد الوزير القبرصي أن بلاده ترحب بإطلاق المرحلة الثانية من خطة ترمب للسلام في غزة.

كما تناولت المحادثات الأوضاع في ليبيا وسوريا ولبنان واليمن والسودان والصومال، وأكد وزراء الدول الثلاث «ضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة وسيادة الدول، وضمان أمن البحر الأحمر، وتعزيز التعاون والتنسيق لمواجهة تلك التحديات»، وفق بيان «الخارجية» المصرية.

وأكد وزير الخارجية اليوناني، جيورجوس جيرابيتريتيس، أن آلية التعاون الثلاثي «تمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون الإقليمي، القائم على التفاهم والمصالح المشتركة»، وشدد على «ضرورة تنفيذ عملية سياسية شاملة في سوريا، تضم جميع مكونات الشعب السوري»، إلى جانب «ضرورة خفض التصعيد في إيران، وتغليب الحلول السياسية لتجنب مزيد من التوترات».

ونجح التعاون الثلاثي لمصر وقبرص واليونان في فتح آفاق واسعة للتعاون في عدد من المجالات الحيوية، وفق عبد العاطي الذي أكد في مؤتمر صحافي مع نظيريه القبرصي واليوناني، حرص بلاده على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق مع أثينا ونيقوسيا، في إطار الشراكة الاستراتيجية التي تجمع القاهرة بالاتحاد الأوروبي.

ووفق الأمين العام لوحدة «الشراكة المصرية - الأوروبية» السابق، السفير جمال بيومي، فإن التعاون في مجال الطاقة يُعدّ أولوية في الشراكة بين الدول الثلاث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الثلاث حققت اكتشافات عديدة في الفترة الأخيرة، ما يجعل التعاون في مجال الطاقة بصدارة القطاعات الحيوية بينهم».

وتابع قائلاً إن مصر تستهدف تطوير التعاون في مشروعات الطاقة، مع قبرص واليونان، بما يسهم في تصدير الغاز والكهرباء إلى الاتحاد الأوروبي عبر الدولتين.

وعلى مدار السنوات الأخيرة، عززت «الآلية الثلاثية» من التعاون المصري مع الجانبين القبرصي واليوناني في مجالات عدة، في مقدمتها قطاع الطاقة؛ حيث وقَّعت مصر في أغسطس (آب) 2020، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع اليونان، بينما يعود اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص إلى عام 2003، إلى جانب مشروع الربط الكهربائي إلى أوروبا. ودفعت شراكة الدول الثلاث إلى تدشين «منتدى غاز شرق المتوسط» عام 2019.

اجتماع بالقاهرة لوزراء مصر وقبرص واليونان الأحد (الخارجية المصرية)

وقال مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير يوسف الشرقاوي: «تُشكل آلية التعاون الثلاثي في شرق المتوسط نافذة سياسية للقاهرة لتعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي»، موضحاً أن مصر تعوّل على الشراكة الثلاثية مع قبرص واليونان بوصفها إحدى أهم دوائر التحرك الإقليمي والدولي خلال السنوات الأخيرة، بما يدعم سياستها الخارجية».

وأضاف الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»، أن التعاون بين الدول الثلاث «يسهم في خفض التصعيد والتوترات الإقليمية، خصوصاً مع تنسيق المواقف بينهم بشأن القضايا الإقليمية»، لافتاً إلى أن هناك عدة مجالات حيوية تسهم في تطوير التعاون الثلاثي.

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر واليونان نحو 2.1 مليار يورو، ومع قبرص نحو 217 مليون دولار، وفق «هيئة الاستعلامات» المصرية.

وأكد وزراء الدول الثلاث، الأحد، «أهمية تنسيق المواقف وتعزيز التعاون، بما يحقق المصالح المشتركة ويعزز الأمن والاستقرار بمنطقة شرق المتوسط».

وقال عبد العاطي إن التعاون في مجال الهجرة يشكل أحد المجالات المهمة للشراكة بين الدول الثلاث، لافتاً إلى أن «التحديات الراهنة من الهجرة غير المشروعة، واستضافة مصر لأكثر من 10 ملايين أجنبي من مختلف الجنسيات، تفرضان ضرورة أن يقترن التعاون بتيسيرات للهجرة الشرعية والنظامية».


قناة السويس تراهن على «هدوء التوترات» لاستعادة إيراداتها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)
TT

قناة السويس تراهن على «هدوء التوترات» لاستعادة إيراداتها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)

تراهن هيئة قناة السويس المصرية على «هدوء التوترات» لاستعادة إيراداتها، وأكد رئيسها الفريق أسامة ربيع أن «القناة» شهدت «بداية تعاف» بعد تأثرها بهجمات الحوثيين باليمن على سفن الشحن بالبحر الأحمر.

وخلال اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأحد، قال ربيع إن النصف الثاني من عام 2025 شهد «تحسناً نسبياً وبداية تعافٍ جزئي لحركة الملاحة، في ظل الجهود المبذولة لاحتواء التداعيات السلبية، وتعزيز الموقف التنافسي للممر المائي مع إنهاء تطوير القطاع الجنوبي».

وتأثرت حركة المرور في قناة السويس نتيجة هجمات جماعة الحوثي في البحر الأحمر، والتي كان الحوثيون يرجعونها لحرب إسرائيل على غزة. ومع توقيع «اتفاق غزة» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي انخفضت تلك الهجمات بنسبة كبيرة.

وقال ربيع خلال إطلاعه الرئيس المصري على حركة الملاحة في قناة السويس: «النصف الثاني من 2025 شهد أيضاً عودة تدريجية لسفن الحاويات العملاقة للعبور من القناة، وهو ما يُعد مؤشراً إيجابياً نحو بدء عودة سفن الحاويات العملاقة للعبور من القناة مرة أخرى، في ظل عودة الاستقرار إلى منطقة البحر الأحمر».

وتوقع تحسن إيرادات قناة السويس بصورة أكبر خلال النصف الثاني من 2026 مع عودة حركة بعض الخطوط الملاحية إلى مستوياتها الطبيعية بنهاية العام.

وبلغت خسائر قناة السويس خلال عامي 2024 و2025 نحو 12 مليار دولار بسبب تداعيات الحرب، وتغيير كثير من الخطوط الملاحية لمسارها، وفق تصريحات رئيس الهيئة، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تغيير المسار

مستشار النقل البحري وخبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، قال إن مصر تأثرت باستهداف الحوثيين للسفن منذ نهاية 2023، وإن الهجوم على السفن «سبَّب نوعاً من القلق لدى شركات الملاحة التي غيرت مسارها، وبقيت الحركة على قناة السويس ضعيفة، وانخفضت الإيرادات خلال عامين متتاليين، وهذا أثَّر بشكل مباشر على موارد مصر من العملة الأجنبية».

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تضررت بالأحداث الجيوسياسية بنسبة 60 في المائة مقارنة بدول أخرى».

وتابع قائلاً إنه مع المساعي المصرية لتحقيق «التهدئة» في قطاع غزة، وتعهد الحوثيين بوقف الهجمات «ظهر نوع من التحسن»؛ وإنه بعد «قمة شرم الشيخ للسلام» بدأت الحركة في الزيادة مع نهاية ديسمبر الماضي.

ويرى الشامي أن العودة الطبيعية في القناة لن تظهر إلا بعد 30 يونيو (حزيران) المقبل، مُرجعاً ذلك إلى أن شركات الملاحة تعمل وفق جداول تشغيل لمدة عام، «وعندما يتم تعديل هذه الجداول لا بد أن يكون هناك تنسيق بشأن أي إجراء جديد».

حاوية فرنسية عملاقة أثناء مرورها من قناة السويس في ديسمبر الماضي (هيئة قناة السويس)

وقال الخبير الاقتصادي المصري كريم العمدة إن هدوء التوترات سوف يسهم في تحسن إيرادات قناة السويس التي وصلت إلى 10 مليارات دولار قبل الحرب في غزة، ثم تراجعت إلى 4 مليارات.

وأضاف: «الخسارة وقتها لم تكن في 6 مليارات فقط؛ إنما في تعطيل شريان حيوي للتجارة»، لافتاً إلى أنه منذ قيام جماعة الحوثي باستهداف السفن ارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، مشيراً إلى أن التوترات لم تؤثر فقط على رسم مرور السفن، لكن أيضاً على الخدمات اللوجيستية التي تقدم للسفن. (الدولار يساوي 47 جنيهاً مصرياً).

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «قناة السويس سوف تشهد تحسناً، وعام 2026 سيكون أفضل من 2024»، متوقعاً أن «تصل إيرادات (القناة) في نهاية 2026 إلى 10 مليارات دولار مع الهدوء في المنطقة».

وكان رئيس هيئة قناة السويس قد ذكر في ديسمبر الماضي أن قناة السويس حققت في 2023 إيرادات بلغت 10 مليارات و200 مليون دولار.

تسهيلات وحوافز

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة المصرية محمد الشناوي، الأحد، تابع الرئيس السيسي خلال الاجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس الموقف التنفيذي لتطوير ترسانة جنوب البحر الأحمر، ضمن جهود توطين الصناعة البحرية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.

عبور الحوض العائم «Green Dock 3» لقناة السويس في ديسمبر الماضي (هيئة قناة السويس)

وأكد السيسي ضرورة المشاركة الفعالة في تلبية احتياجات المواني المصرية من القاطرات والوحدات البحرية المختلفة بأسطول الهيئة، علاوة على تطوير وتحديث أسطول الصيد المصري، موجهاً بمواصلة تنفيذ استراتيجية تطوير قناة السويس ومجراها الملاحي ومرافقها وبنيتها التحتية كافة.

ويعد الممر الملاحي بقناة السويس، أقصر طريق يربط أوروبا بآسيا، ويمكنه توفير نحو 30 يوماً من مدة الرحلة التي تصل إلى نحو 70 يوماً عبر طريق رأس الرجاء الصالح.

وعن تطوير المجري الملاحي، قال الشامي: «بعد حادثة جنوح سفينة الحاويات إيفرغيفن في مارس (آذار) 2021، ومع ازدياد العبور في القناة، تقرر استكمال المجري الملاحي (80 كيلومتراً و500 متر ناحية الجنوب الشرقي من السويس للإسماعيلية)، وفق خطة لمدة 4 سنوات بدأت من 2022، وكان من المقرر أن تنتهي في 2026»، مضيفاً أنه تم الانتهاء من المرحلة الأولى، ويجري العمل للانتهاء من الثانية، ولافتاً إلى أن هيئة القناة لم تتوقف عن استكمال المشروع بسبب الأحداث الجيوسياسية في المنطقة.

وقال: «منحت قناة السويس تسهيلات كبيرة وحوافز للشركات من أجل عودة عبور السفن والحاويات في القناة، وأتت ثمارها؛ لكن بشكل ضعيف، لأن الأحداث الجيوسياسية كان تأثيرها مقلقاً».

ويرى الشامي أن هيئة قناة السويس لن تتعجل في إلغاء هذه الحوافز لكسب ثقة الشركات، لكنه توقع ألا يكون هناك وجود لهذه الحوافز بدءاً من يوليو (تموز) المقبل «ما دام الاستقرار موجوداً والحركة التجارية في ازدياد».


سجن سري للاتجار بالبشر تحت الأرض في الكفرة الليبية

حي يضم عدداً من مساكن المهاجرين في مصراتة مارس 2025 (إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية)
حي يضم عدداً من مساكن المهاجرين في مصراتة مارس 2025 (إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية)
TT

سجن سري للاتجار بالبشر تحت الأرض في الكفرة الليبية

حي يضم عدداً من مساكن المهاجرين في مصراتة مارس 2025 (إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية)
حي يضم عدداً من مساكن المهاجرين في مصراتة مارس 2025 (إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية)

كشفت مصادر أمنية وحقوقيون عن وجود سجن سري تحت الأرض في مدينة الكفرة، جنوب شرق ليبيا، يُستخدم في الاتجار بالبشر، وذلك عقب مداهمة أسفرت عن تحرير 221 مهاجراً، بينهم نساء وأطفال ورضيع، في جريمة وصفت بأنها «واحدة من أخطر القضايا الإنسانية».

وحسب المعلومات التي تداولها حقوقيون ليبيون، وأكدها مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط»، فإن السجن يقع على عمق يقارب ثلاثة أمتار تحت سطح الأرض، وكان يديره تاجر بشر ليبي الجنسية. وأوضح المصدر أن بعض المهاجرين الذين جرى تحريرهم كانوا محتجزين لفترات طويلة وصلت إلى عامين، في ظروف احتجاز وُصفت بالبالغة القسوة وغير الإنسانية.

وأشار الحقوقيون إلى أن المهاجرين الذين تم تحريرهم ينحدرون من دول أفريقيا، جنوب الصحراء، ومن بينهم نساء وأطفال، وهو ما أكده مصدران أمنيان لوكالة «رويترز».

ولفت أحد المصدرين إلى أن عملية المداهمة كشفت عن وجود عدد من الزنازين تحت الأرض في أوضاع لا إنسانية.

وكتب الحقوقي الليبي طارق لملوم على «فيسبوك» أن العملية الأمنية نُفذت بمشاركة «كتيبة سبل السلام» التابعة لـ«الجيش الوطني» والشرطة العسكرية، مشيراً إلى أن الجهات المعنية أكدت أن صاحب السجن مطلوب في قضايا مماثلة تتعلق بتهريب البشر.

وأضاف أن المتهم حاول مواجهة القوات الأمنية واستخدام السلاح في أثناء تنفيذ المداهمة، قبل أن تتم السيطرة على الموقع بالكامل.

وتقع مدينة الكفرة في شرق ليبيا على بعد نحو 1700 كيلومتر من العاصمة طرابلس، وتُعد إحدى النقاط الرئيسية التي تمر عبرها طرق الهجرة غير النظامية القادمة من عمق القارة الأفريقية.

وكان جهاز الأمن الداخلي، بالتعاون مع أجهزة أمنية أخرى في مدينة بنغازي بشرق ليبيا، قد تمكن في منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي من اكتشاف «مقبرة جماعية» تضم جثامين 21 مهاجراً من جنسيات أفريقية، تبيَّن أنها قُتلت بعد تعرضها للاحتجاز والتعذيب داخل مزرعة يستخدمها مهرّبو البشر سجناً غير شرعي.

وعرفت ليبيا ظاهرة «المقابر الجماعية» على مستويات مختلفة، ارتبطت أحياناً بمعارضين على خلفيات سياسية، وأحياناً أخرى بالمهاجرين غير النظاميين، في ظل الانفلات الأمني واتساع نشاط شبكات التهريب والاتجار بالبشر.

ومنذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011، عقب انتفاضة دعمها حلف شمال الأطلسي، تحولت ليبيا إلى طريق عبور رئيسي للمهاجرين الفارين من الصراعات والفقر باتجاه أوروبا، عبر مسارات شديدة الخطورة في الصحراء الكبرى وعبر البحر المتوسط.

وكانت السلطات قد أعلنت في فبراير (شباط) من العام الماضي انتشال 39 جثة لمهاجرين من نحو 55 مقبرة جماعية جرى اكتشافها في مدينة الكفرة؛ في مؤشر واضح على حجم الانتهاكات المرتبطة بملف الهجرة غير النظامية.

وتؤكد المعطيات أن عمليات خطف المهاجرين غير النظاميين والاتجار بهم لا تزال متكررةً في ليبيا، إذ تعلن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها من وقت إلى آخر ضبط تشكيلات عصابية وتحرير عشرات الضحايا من براثنها.