مسؤول جزائري ينفي وجود استعداد لخوض حرب مع مالي

قلق متصاعد بعد المصادقة على «قانون للتعبئة العامة» وسط دعاية عسكرية غير عادية

من اجتماع الرئيس الجزائري مع أبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في 21 أبريل 2025 (الرئاسة)
من اجتماع الرئيس الجزائري مع أبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في 21 أبريل 2025 (الرئاسة)
TT

مسؤول جزائري ينفي وجود استعداد لخوض حرب مع مالي

من اجتماع الرئيس الجزائري مع أبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في 21 أبريل 2025 (الرئاسة)
من اجتماع الرئيس الجزائري مع أبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في 21 أبريل 2025 (الرئاسة)

استبعد مسؤول جزائري بارز توجه البلاد إلى حرب مع مالي، وذلك على خلفية إسقاط سلاح الجو الجزائري مسيّرة مالية مطلع الشهر الحالي.جاء ذلك بعد أن أثار إعلان السلطات عن قانون يخص «التعبئة العامة» قلقاً كبيراً في البلاد، وجاء في سياق دعاية عسكرية غير عادية بشأن إمكانية دخول نخبة القوات الخاصة في مواجهة مع «عدو خارجي».

اللواء عبد العزيز مجاهد (متداولة)

وصادق مجلس الوزراء، يوم الأحد الماضي، على مشروع قانون يضع الأسس القانونية لـ«التعبئة العامة»، وذلك في ارتباط مع نص دستوري يتيح للرئيس إعلانها، وقد بقي حتى الآن في وضعية «انتظار»، حيث خلفت إثارته المفاجئة على الساحة السياسية تساؤلات ومخاوف. وانتشرت بسرعة أخبار عن «عزم السلطات استدعاء جنود الاحتياط (نحو 300 ألف شخص) استعداداً لحرب وشيكة».

بقايا الطائرة المسيّرة المالية التي أسقطتها الجزائر (متداولة)

في هذا السياق، أجرى اللواء عبد العزيز مجاهد، المدير العام لـ«المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة» التابع للرئاسة، مقابلة مع الإذاعة العمومية، الثلاثاء، لطمأنة الجزائريين، لكن دون أن يزيل كلامُه تماماً الشكوكَ المحيطة بالأهداف الحقيقية للنص القانوني المرتقب.

وأكد اللواء أن هذا المشروع «لا يأتي نتيجة حالة طوارئ، بل يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز تنظيم المجتمع في مواجهة التحديات المعاصرة». وقال إن مشروع «قانون التعبئة العامة إطار دستوري بنيوي يحدد المسؤوليات الفردية والجماعية في حالات الأزمات، مع تعزيز روح المواطنة والتماسك الوطني».

وكانت الرئاسة الجزائرية قد أعلنت، في بيان صدر الأحد الماضي، أن مجلس الوزراء، برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، صادق في اجتماعه على مشروع قانون يخص «التعبئة العامة» يهدف إلى «تحديد الأحكام المتعلقة بتنظيم وتحضير وتنفيذ التعبئة العامة، وفقاً لما هو منصوص عليه في (المادة99) من الدستور».

رئيس أركان الجيش الجزائري (وزارة الدفاع)

وتنص هذه المادة على أنه «لرئيس الجمهورية الحق في اتخاذ قرار التعبئة العامة في مجلس الوزراء، بعد الاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن، واستشارة رئيس مجلس الأمة (الغرفة البرلمانية العليا)، ورئيس المجلس الشعبي الوطني (غرفة البرلمان الثانية)».

ولفت مراقبون إلى توقيت إعادة طرح هذا المشروع، ارتباطاً بـ«السياق الجيوسياسي الإقليمي الذي يشهد حالة من عدم الاستقرار، وأيضاً بحكم أن الجزائر توجد في منطقة تطبعها توترات متعددة الأبعاد؛ أمنية واقتصادية».

وبالنسبة إلى قطاع واسع من الجزائريين، فإن تقديم هذا النص يبعث على التفكير في استعداد ضمني لمواجهة تهديدات خطيرة، وربما حتى سيناريوهات صراع، دون أن تقدم السلطات توضيحات دقيقة لطبيعة تلك التهديدات.

وحاول اللواء مجاهد تبديد هذه القراءات المثيرة للقلق، مشدداً على «ضرورة المشاركة الشعبية الواعية، وانخراط المواطن في مختلف أبعاد الحياة الوطنية»، مشدداً على أن «التعبئة العامة لا تعني الحرب، بل تعني التنظيم الجماعي والتضامن، والقدرة على الصمود في وجه شتى التحديات».

وأثنى العسكري المتقاعد، الذي كان مستشاراً للرئيس تبون في بداية ولايته الأولى (2019 - 2024)، على «التزام الجالية الجزائرية في الخارج بالدفاع عن الوطن»، وشدد على «أهمية دور كل مواطن في الحفاظ على السيادة الوطنية».

من تدريب تكتيكي بالذخيرة الحية (الدفاع الجزائرية)

وعلى الرغم من نبرة حديثه المطمئنة في ظاهرها، فإن مجاهد لم يقدم أجوبة عن المخاوف المطروحة: لماذا الآن؟ وما التهديدات المحدقة بالبلاد فعلياً؟ وما الحالات التي يمكن تطبيق هذا القانون فيها خلال الوقت الراهن؟

واللافت أن خطاب السلطات بشأن «التعبئة العامة» جاء بعد يوم واحد من حدثين متشابهين وقعا السبت الماضي؛ الأول: خطاب رئيس أركان الجيش، الفريق أول السعيد شنقريحة، أمام كوادر عسكريين، الذي أكد فيه أن بلاده «مستهدفة من طرف أعداء لا يريدون لها أن تبقى موحدة متماسكة ومتصالحة مع ذاتها، ومعتزة بتاريخها وموروثها الحضاري، ولا يراد لها أن تبني نفسها اقتصادياً واجتماعياً وعلمياً، ولا يراد لها كذلك أن تكون قوية ومنيعة ومتحصنة بكل أسباب القوة» من دون توضيح من يقصد. ورُبط كلامه بتوترات حادة مع الجيران في الساحل، خصوصاً مالي.

وشدد شنقريحة على أن الجيش «حريص على تمتين دعائم قدرتنا العسكرية واستنهاض أداتها الرادعة، لتكون دوماً بالمرصاد لكل من تسول له نفسه التفكير في المسّ بسيادة الجزائر وأمنها الوطني ومقدراتها الاقتصادية».

وحمل خطاب قائد الجيش تلميحاً إلى وجود استعداد للدخول في مواجهة مع دولة ما.

أما الحدث الثاني، فيتمثل في عرض وزارة الدفاع عبر القنوات التلفزيونية المملوكة للدولة، تدريبات مكثفة لنخبة من القوات الخاصة، مرفقة بخطاب مشحون بالجاهزية للتصدي لـ«تهديد من الخارج».

وفي ليل 31 مارس (آذار) - 1 أبريل (نيسان) 2025 أسقطت الجزائر طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي قرب الحدود المشتركة، بعد أن اخترقت مجالها الجوي بمسافة 1.6 كيلومتر. ووصفت الجزائر الحادث بـ«المناورة العدائية الصريحة»، مؤكدة أن الطائرة «عادت في مسار هجومي؛ مما استدعى إسقاطها بأمر من قيادة الدفاع الجوي».

في المقابل، اتهمت مالي جارتها الشمالية بـ«العدوان المتعمد»، مشيرة إلى أن حطام الطائرة وُجد على بُعد 9.5 كيلومتر من الحدود الجزائرية. ورداً على ذلك، استدعت مالي والنيجر وبوركينا فاسو سفراءها من الجزائر لـ«التشاور»، بينما استدعت الجزائر سفيريها من باماكو ونيامي، وأجّلت اعتماد سفيرها الجديد في واغادوغو. كما قررت مالي الانسحاب من «لجنة رؤساء الأركان المشتركة»، وهي هيئة عسكرية تضم الجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا، كانت تأسست عام 2010 لمكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل.


مقالات ذات صلة

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية التعادل السلبي خيّم على مواجهة المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني (أ.ب)

«ملحق المونديال»: التعادل السلبي يخيم على مواجهة الجزائر وأوروغواي

خيّم التعادل السلبي على المواجهة الودية القوية التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني مساء الثلاثاء في تورينو.

«الشرق الأوسط» (تورينو)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تفاقم التوترات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بعد عام من التعليق... الجزائر تستأنف استقبال المبعدين من فرنسا

شرعت الجزائر وباريس في فك عقدة أحد أبرز الملفات الخلافية العالقة منذ عام ونصف، وذلك رغم ظهور بوادر تصعيد جديدة مرتبطة بـ«قضية اليوتيوبر المعارض أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

الجزائر تودع جنرال المرحلة الانتقالية

يشيَّع الرئيس الجزائري الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي ليل السبت - الأحد عن عمر ناهز 84 سنة، إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه مدينة باتنة (400 كيلومتر شرق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية رياض محرز قائد المنتخب الجزائري ونجم نادي الأهلي السعودي (كاف)

الهداف التاريخي... الحافز الجديد لمحرز مع الجزائر

رغم بلوغه سن الخامسة والثلاثين، ما زال النجم رياض محرز، قائد المنتخب الجزائري لكرة القدم ونجم نادي الأهلي السعودي، يتطلع لتحقيق المزيد من الإنجازات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
TT

تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)

قال متحدث عسكري سوداني، الخميس، إنه تم تعيين ​الفريق أول ركن ياسر العطا، عضو «مجلس السيادة» ومساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيساً لهيئة أركان القوات ‌المسلحة السودانية.

وهذه ‌الخطوة هي أهم ​تغيير ‌في ⁠المناصب ​منذ بدء الحرب ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» قبل ثلاث سنوات، ويمكن أن تفضي إلى تغييرات في الاستراتيجية مع فتح ⁠جبهة جديدة في الحرب في ‌ولاية ‌النيل الأزرق جنوب ​شرق البلاد، على ما أفادت وكالة «رويترز».

ويتولى العطا منصب رئيس الأركان خلفاً لعثمان الحسين، مما يقلص حضوره السياسي، لكنه يمنحه سيطرة أكبر على القوات المسلحة.


رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
TT

رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)

حمّل رئيس حكومة «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)»، المدعومة من قوات «الدعم السريع»، محمد الحسن التعايشي، الحركة الإسلامية السودانية، المسؤولية عن إدخال الاغتيالات السياسية إلى البلاد، باغتيال القيادي في «التحالف» أسامة حسن حسين، في هجوم بطائرة مُسيرة.

وشنّت مُسيرة تابعة للجيش السوداني هجوماً على منزل في مدينة «نيالا»، التي تتخذ منها حكومة «تأسيس» عاصمة لها، كان يضم عدداً من أعضاء الحكومة، ما أدى إلى مقتل القيادي البارز في «التحالف» أسامة حسن، في حين نجا الآخرون.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

ووصف التعايشي، الذي كان يتحدث في خطاب جماهيري، ليل الأربعاء-الخميس، العملية بأنها «اغتيال سياسي مباشر»، وامتداد لنهجٍ أدخلته «الجماعة» إلى الحياة السياسية في السودان (الحركة الإسلامية هي الاسم المحلي لجماعة الإخوان المسلمين)، وقال: «إن الهدف من هجوم المُسيرة هو تقويض دور حكومة تأسيس وزعزعة الاستقرار في المناطق» التي تخضع لسيطرتها.

ووصف التعايشي القتيل بأنه «أحد الوجوه الشابة البارزة في العمل السياسي»، وقال إنه أسهم في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وفي تأسيس التحالف، وتعهّد بألا يعرقل اغتيالُه «مشروع التغيير»، وإنه سيظل «ملهماً للأجيال»، وفق تعبيره.

ودعا المجتمع الدولي «لتحمُّل مسؤوليته وفقاً القانون الدولي الإنساني، الذي يَعدّ استهداف القيادات المدنية تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين»، وطالب بإدانة الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما اتهم «جماعة الإخوان المسلمين» بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ومنع الوصول لهدنة إنسانية، رغم وجود ثماني بؤر للمجاعة في مناطق مختلفة. وأضاف: «تعطيل الوصول الإنساني يستوجب عقوبة مباشرة ومواجهة مباشرة من المجتمع الدولي».

وقال التعايشي إن الاغتيال الذي حصل «ليس معزولاً عن التصعيد الذي تقوم به مُسيرات الجيش في مدينة نيالا والمناطق المجاورة لها طوال الأيام الماضية، وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا، من أجل إرباك الأوضاع في مناطق تشهد استقراراً نسبياً».

مبنى مدمَّر في موقع غارة جوية في نيالا بولاية جنوب دارفور (هيومن رايتس ووتش)

وأضاف: «نيالا، عاصمة حكومة (تأسيس)، تضم نحو مليونيْ نسمة بينهم نازحون، تشهد استمرار العمل في الأسواق وتقديم الخدمات الأساسية»، وعَدَّ ذلك مؤشراً «على قدرة الحكومة على إدارة مناطق واسعة، رغم ظروف الحرب».

وأوضح رئيس حكومة «تأسيس» أن مِن بين الدوافع الرئيسية لتشكيل حكومته «عدم ترك مساحات واسعة من البلاد دون إدارة أو مؤسسات»، وقال: «لا يمكن ترك نحو 70 في المائة من السودانيين بلا حكومة أو أجهزة سلطة، وحكومة (تأسيس) جاءت لسدّ هذا الفراغ الإداري والأمني».

وتعهّد التعايشي «بالمُضي قُدماً في استكمال هياكل الدولة، بما فيها السلطات القضائية والنيابية والشرطة والسجون والوزارات المختلفة، في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف (تأسيس)، فضلاً عن بناء هياكل للحكم الإقليمي والمحلي يضمن وجود إدارة مدنية في كل مدينة وقرية».

ووفقاً للمسؤول عن حكومة نيالا، فإن وزارة الداخلية شرعت في ترتيبات نشر الشرطة الفيدرالية بمدينتي الفاشر ونيالا، بعد عودة نحو 40 ألف شخص إلى عاصمة ولاية شمال دارفور (الفاشر)، من بين الذين نزحوا إبّان القتال بين الجيش و«الدعم السريع»، وتوقَّع عودة أعداد أكبر، خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع تحسن نسبي في خدمات المياه والصحة والتعليم بالمدينة.

مجلس وزراء حكومة «تأسيس» (أرشيفية-فيسبوك)

وقال التعايشي إن الخطوات التي تقوم بها حكومته لاستعادة مؤسسات الدولة تهدف لسدّ ما سمّاه «حالة الفراغ الإداري والأمني». وشدد على أن حكومته تتحرك بما أطلق عليه «خططاً مدروسة وإرادة قوية» لإعادة الحياة الطبيعية وتهيئة الظروف لعودة النازحين.

وتعهّد بأن تُواصل حكومة «تأسيس» محاربة الإرهاب، والقضاء على هيمنة الحركة الإسلامية على القرار السياسي والمؤسسات العسكرية، بوصفها التهديد الرئيسي لاستقرار البلاد، وعَدَّ القضاء على نفوذها «شرطاً لتحقيق السلام المستدام».

ومقابل ذلك، جدَّد التعايشي تأكيد انفتاح «حكومة تأسيس» على أي مبادرات قد تُحقق «سلاماً عادلاً وشاملاً» يخاطب جذور الأزمة. وتابع: «نحن مستعدّون للتعامل مع جميع المبادرات، ولا سيما مبادرة الرباعية الدولية، التي تتعلق بالهدنة الإنسانية ووقف الحرب في السودان».

التعايشي يؤدي اليمين الدستورية أمام رئيس «المجلس الرئاسي» لتحالف «تأسيس» محمد حمدان دقلو «حميدتي» رئيساً للحكومة التي تتخذ من نيالا عاصمة مؤقتة (إعلام «الدعم السريع»)

وتكوَّن «تحالف السودان التأسيسي» في فبراير (شباط) 2025، في العاصمة الكينية نيروبي، من قوى عسكرية؛ على رأسها قوات «الدعم السريع» وقوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وحركات مسلَّحة أخرى، ومن قوى مدنية على رأسها التيار الرئيسي في حزب «الأمة القومي»، وتيارات وأحزاب مدنية أخرى.

وشكَّل التحالف بعد تأسيسه حكومة «أمر واقع» موازية للحكومة المُوالية للجيش وتتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، تتكون من مجلس رئاسي يترأسه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وحكومة تنفيذية يترأسها عضو «مجلس السيادة الانتقالي» السابق محمد الحسن التعايشي.


انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
TT

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)

تصاعدت موجة الانتقادات الليبية حيال الدور الأميركي في البلاد، وسط اتهامات لواشنطن بتبني نهج «براغماتي» يولي الأولوية لعقد «الصفقات التجارية وتأمين المصالح الاقتصادية»، على حساب الجهود الفعلية الرامية لحلحلة الانسداد السياسي المتأزم.

وكانت «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، قد عبّرت عن استهجانها لما سمّته «التحركات المشبوهة» لمستشار الشؤون الأفريقية الأميركي، مسعد بولس، وتدخلاته في ليبيا «من حيث مضمونها وسياقها»، فضلاً عن «تضارب المصالح وشبهات الفساد حولها».

ولفت بيان «كتلة التوافق» بالمجلس إلى مخاوف عديدة لدى شريحة واسعة من الليبيين، مفادها أن «التعاطي الخارجي مع الأزمة، وفي مقدمته الدور الأميركي، لم يعد يستهدف إيجاد حل مستدام للأزمة السياسية، بل تحول وانحرف إلى منطق الصفقات الاقتصادية، وتحديداً المرتبطة بقطاع النفط».

غير أن هذا الجدل فجّر تساؤلات جوهرية، أبرزها: هل تستطيع الأطراف الليبية في ظل انقسامها وتنازع حكومتين على السلطة إقناع واشنطن بتغيير سياساتها؟ والأهم من ذلك، هل تملك القدرة على طرح حلول وطنية بديلة تتصدى تدريجياً للتدخلات الخارجية؟

وعدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن بيان كتلته «عبّر عما يجول بعقول قطاع واسع من الليبيين حول إدارة بولس للملف بعقلية التاجر، الذي يركز على صفقات ثنائية بقطاع النفط، المصدر الرئيسي لدخل البلاد التي تصب في مصلحة بلاده والقوى الفاعلة شرقاً وغرباً، دون التفات لمصالح الشعب».

وقال بن شرادة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد أي مستجد حقيقي بالمشهد السياسي، سوى ما يتداول عن سعي بولس لإيجاد حكومة موحدة، عبر التنسيق بين تلك القوى الفاعلة، أو إبقاء الوضع كما هو، مع الحيلولة دون نشوب أي نزاعات تعرقل تدفق النفط»، وأضاف متسائلاً: «ماذا أحرز بولس من تقدم في معالجة الأزمة السياسية، وتحديداً الانقسام السياسي والحكومي والتمهيد للانتخابات؟».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس بالغرب مقراً لها، وحكومة ثانية مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب برئاسة أسامة حماد.

ولعب بولس دوراً محورياً في إبرام اتفاقيات «شراكة ضخمة» بين مؤسسة النفط الليبية وشركات أميركية، أبرزها مع «كونوكو فيليبس» و«شيفرون» بقيمة 20 مليار دولار.

واستبعد بن شرادة أن تُقدم واشنطن على تغيير سياساتها في المرحلة المقبلة بشأن ليبيا، مؤكداً أن كتلته ستواصل «التنديد بهذه الصفقات وكشف تداعياتها، وفي مقدمتها ترسيخ نفوذ القوى الفاعلة، وهو ما يعني استمرار تأجيل الاستحقاق الانتخابي».

من جهته، أقر رئيس الائتلاف الليبي - الأميركي، فيصل الفيتوري، بـ«وجود احتقان واسع من إدارة بولس للملف»، مرجعاً ذلك إلى «حصر تعاملاته مع القوى الفاعلة، وتهميش باقي المؤسسات، دون مراعاة الحساسية الشديدة لدى المجتمع الليبي لمثل هذا السلوك».

ورأى الفيتوري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً من الانزعاج الليبي من بولس «يعود إلى تباين النظر إليه ما بين كونه دبلوماسياً ورجل أعمال»، داعياً إلى «التفريق بين الموقف منه والترحيب الليبي الدائم بالدور الأميركي، وثقله الدولي القادر على حلحلة أي جمود سياسي بأي ملف».

وأشار الفيتوري إلى أن اجتماعات بولس المتكررة مع صدام حفتر، نائب رئيس القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وإبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي بغرب البلاد، «جاءت في إطار إدراكه أنهما الأكثر فاعلية بمناطق نفوذهما في شرق ليبيا وغربها، وقناعته بأنه يستطيع بناء جسر من التفاهم بينهما». مشيراً إلى أن تلك الاجتماعات «أظهرت أن واشنطن تريد معالجة الملف الليبي بشكل منفرد، بعيداً عن البعثة الأممية وخريطتها الرامية إلى تهيئة المناخ للانتخابات، ما أضعف دور الأخيرة، خصوصاً مع إخفاقها المستمر بحل الأزمة لأكثر من عقد».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة الليبي، إبراهيم هيبة، أن «الأزمة لا تنحصر فقط في تصاعد التدخلات الخارجية لواشنطن، وإنما في غياب الحل الليبي - الليبي»، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية «اتخذت منذ البداية طابعاً براغماتياً ذا طابع اقتصادي بحت؛ وأيضاً إيجاد قدر من الاستقرار الأمني، يضمن مصالح شركاتها وأمن خبرائها العاملين داخل ليبيا، دون التفات يذكر لقضية الانتخابات وتطلعات أبناء البلاد».