«هدنة غزة»: محادثات «حماس» بالقاهرة... هل تُعجل بالاتفاق؟

مصدر بالحركة الفلسطينية يؤكد «رغبتها في تحقيق تقدم»

نازحون فلسطينيون يتفقدون الأضرار في شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يتفقدون الأضرار في شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: محادثات «حماس» بالقاهرة... هل تُعجل بالاتفاق؟

نازحون فلسطينيون يتفقدون الأضرار في شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يتفقدون الأضرار في شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)

محادثات جديدة تستضيفها القاهرة مع «حماس»، بشأن استئناف اتفاق الهدنة في قطاع غزة، وسط تصعيد عسكري إسرائيلي في مختلف أنحاء القطاع مع تفاؤل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بإمكانية عقد صفقة قريبة.

«حماس» التي تتمسك بأهمية أن يقود أي اتفاق لوقف الحرب لاحقاً، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها قد تكون أقرب هذه المرة لقبول مقترح مصري يعيد التهدئة مجدداً لفترة زمنية مرة أخرى، لافتين إلى أن زيارة الحركة للقاهرة في ظل التفاؤل الأميركي وعدم الممانعة الإسرائيلية يشي بقرب الاتفاق حول هدنة جديدة قبل وصول ترمب للمنطقة الشهر المقبل.

ووصل وفد من «حماس» إلى القاهرة، مساء السبت، لإجراء مفاوضات مع مسؤولين مصريين، لمناقشة المقترح المصري الأخير حول تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في قطاع غزة، بحسب مصدر بالحركة تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معرباً عن أمله في الوصول إلى تقدم حقيقي ليس قائماً على تهدئة مؤقتة ولكن على اتفاق يقود لوقف الحرب.

وسبق وصول «حماس» للقاهرة نشر الحركة عبر حسابها بمنصة «تلغرام»، السبت، مقطع فيديو عن الجندي الإسرائيلي حامل الجنسية الأميركية عيدا ألكسندر، وصاحب ذلك تصريح صحافي للحركة باللغتين العربية والعبرية، حذر من أن «كل يوم تأخير يعني مزيداً من القتلى المدنيين بغزة، ويعني كذلك مصيراً مجهولاً للرهائن».

وجاءت محادثات القاهرة غداة إعلان نتنياهو، الجمعة، في رسالة بمناسبة عيد الفصح اليهودي، تعهده بإعادة الرهائن، بعد ساعات من قوله في اجتماع مع وزرائه: «إننا نقترب من إعادتهم»، وبعد حديث ترمب عن أن «تقدماً» يتحقق فيما يتعلق بوقف إطلاق النار بغزة، في أول تفاؤل أميركي إسرائيلي يطرح علناً منذ انهيار وقف إطلاق النار في 18 مارس (آذار) الماضي، مع استئناف الجيش الإسرائيلي الحرب، عقب عدم التوصل لتفاهمات بشأن المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة الذي بدأ في 19 يناير (كانون ثاني) الماضي وانتهت مرحلته الأولى مطلع الشهر الماضي.

وسبق تفاؤل ترمب إبلاغ مبعوث ترمب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، عائلات الرهائن الإسرائيليين بأن «صفقة جادة على الطاولة و(أنها) مسألة أيام قليلة حتى يتم عقدها»، وفق ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، الخميس، لافتة إلى أن الاتفاق المرتقب جزء من صفقة شاملة تشمل نهاية للحرب.

أقارب ينعون فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية على بيت حانون بشمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء سمير فرج، أن الظروف مهيأة لحدوث اتفاقية مع رغبة ترمب وإمكانية إبداء «حماس» مرونة لوقف الحرب وبدء دخول مساعدات للقطاع المتدهورة أوضاعه بشكل كبير.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، حيث يرى أن محادثات «حماس» تأتي في توقيت حاسم مع جهود مصرية جديدة للتوصل إلى تهدئة قريبة خاصة في ظل توفر رغبة علنية من ترمب لإبرام اتفاق قريب قبل سفر الشهر المقبل للمنطقة.

وباعتقاد الرقب، أن محادثات القاهرة ستقترب من مناقشة المقترح المصري الجديد المطروح الذي قد تقدم «حماس» ردوداً إيجابية عليه تؤكد رغبتها في التهدئة، مشيراً إلى أن التصعيد الإسرائيلي المستمر محبط ولكن سيتوقف بضغط أميركي حال نجحت الجهود المصرية في استئناف مفاوضات الهدنة.

في المقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن «الحركة مستعدة لإبداء مرونة كبيرة في أي صفقة قادمة، شرط أن تُنهي هذه الحرب فعلياً، لا أن تُجمّدها مؤقتاً»، لافتاً إلى أن «هناك معلومات تشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي تلقى المقترح لكنه لم يعلن موقفاً واضحاً منه، لا بالقبول ولا بالرفض. ومع ذلك، إنهاء الحرب يظل هو الشرط الأساسي والمبدئي لنجاح أي مقترح ومفاوضات».

طفل فلسطيني يقف بالقرب من القمامة والمياه الراكدة في مخيم للنازحين في النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأفادت «تايمز أوف إسرائيل»، السبت، بأن «إسرائيل ستقدم عرضاً مخففاً لصفقة الرهائن بينما يتوجه وفد من حماس إلى القاهرة»، ونقلت عن مسؤولين قوله إن «إسرائيل خفضت بشكل طفيف عدد الرهائن الأحياء الذين كانت تطالب بالإفراج عنهم والذين كان عددهم 11 حياً ولكنها تريد إطلاق سراحهم بشكل أسرع؛ ووافقت على الانسحاب من المناطق التي تم الاستيلاء عليها أخيراً، وإجراء محادثات حول وقف دائم لإطلاق النار».

ووفق المصدر الإسرائيلي ذاته، فإنه قد «بدأت مصر في الأيام الأخيرة بالدفع بمقترح جديد يقضي بالإفراج عن ثماني رهائن أحياء سعياً منها للتقريب بين الطرفين، ووافق نتنياهو على تخفيف مقترحه السابق بعد اجتماع مع ترمب الاثنين بالبيت الأبيض»، لافتاً إلى أن «يوم الخميس، قدمت إسرائيل للوسطاء المصريين ردها على اقتراح القاهرة الأخير ويتضمن الإفراج عن الرهائن الأحياء خلال الأسبوعين الأولين من وقف إطلاق النار الذي يستمر 45 يوماً، رافضة بذلك مطالب حماس السابقة بأن يتم الإفراج عن الرهائن الأحياء بشكل دوري خلال مدة الهدنة».

ويرى المدهون أن «التهدئة المحدودة، التي تكون لأيام معدودة مقابل إطلاق أسرى، مرفوضة لدى حماس»، مضيفاً: «أما إذا كان هناك طرح جاد وحقيقي يفضي إلى وقف شامل ونهائي للحرب، وانسحاب كامل لقوات الاحتلال، مقابل صفقة تبادل متكاملة، فذلك عرض يمكن لحماس أن تدرسه بإيجابية كبيرة ويقود لاتفاق نأمل أن يكون قريباً».

ويتوقع فرج أن يناقش المقترح الجديد إطلاق سراح 6 رهائن أحياء وعدد مماثل من الجثث لفترة زمنية قد تتجاوز 40 يوماً، على أن يتم الانتقال لمحادثات بشأن مفاوضات وقف الحرب وإدارة القطاع.

فيما يرجح الرقب أن يكون مقترح مصر الذي يقف في مربع إطلاق 8 رهائن الأقرب ليقبل به الطرفان كحل وسط قد يقودنا لهدنة جديدة بين 50 أو 70 يوماً مقابل الإفراج عن عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين وعودة دخول المساعدات والانسحاب التدريجي، دون أن يتبلور الأمر سريعاً نحو وقف للحرب لخشية نتنياهو من انهيار ائتلافه الحكومي المتشدد الرافض لتلك الخطوة، مرجحاً أن يحدث الاتفاق قبل عيد الفصح اليهودي أو بعده بقليل أو بحد أقصى نهاية أبريل (نيسان) الحالي قبل بدء زيارة ترمب للمنطقة.


مقالات ذات صلة

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

المشرق العربي فتيان فلسطينيون يشاركون في تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (رويترز)

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

كشفت تحقيقات حصلت على نتائجها «الشرق الأوسط» أن عناصر من العصابات المسلحة التابعة لإسرائيل باتوا يتلقون تدريبات على أسلحة متطورة بينها الطائرات المسيرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)

مصر تشدد على «الوقف الفوري» للتصعيد في لبنان

شددت مصر على «ضرورة الوقف الفوري للتصعيد والاعتداءات الاسرائيلية على لبنان». وأعربت عن «رفضها القاطع بالمساس بسيادته ووحدة وسلامة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي لاجئون فلسطينيون يحتمون في مخيم بمدينة غزة في يوم ممطر... 26 مارس 2026 (رويترز)

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

أظهرت وثيقة أن «مجلس السلام» قدّم خطة لحركة «حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة والتخلي عن السلاح على مراحل خلال ثمانية أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

تسيطر حالة من التشاؤم على موقف الفصائل الفلسطينية، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

خاص «الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)
مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)
TT

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)
مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين، بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية تتحدث عن تنامي نشاطه بهدوء في مناطق عدة من البلاد.

ورغم غياب مؤشرات ميدانية واضحة على نشاط «داعش» في ليبيا، جاء إعلان القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، عبر منبرها الإعلامي «منبر الدفاع الأفريقي» أخيراً عن أن «شوكة التنظيم تقوى بهدوء»، مستفيدة من شبكات تهريب البشر، ومسارات الهجرة غير النظامية.

وجدد التحذير الأميركي النقاش الليبي حول فرص عودة صامتة للتنظيم، مستقطباً اهتمام وسائل إعلام محلية، ومسلطاً الضوء على المخاطر المحتملة لنشاطه المستتر، خصوصاً في ظل البيئة الأمنية الهشة، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ 2011.

وتحدثت «الشرق الأوسط» مع مقاتلين سابقين في عملية «البنيان المرصوص»، التي دحرت «داعش» في ليبيا عام 2016، وأشاروا إلى أن «خطر التنظيم لا يزال قائماً».

وقال عبد الحميد خضر، آمر كتيبة مشاة سابق، إن القلق بشأن عود التنظيم «منطقي، ولا يمكن استبعاد عودة عناصر إلى البلاد، بالنظر إلى ما لمسه من تكتيك ومستوى تسليح للتنظيم حسمه تدخل المقاتلات الأميركية في هذه المعركة».

مسلحون يحملون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية- رويترز)

ويذهب خضر من واقع خبرة ميدانية في القتال ضد «داعش» إلى ترجيح أن يكون هذا التنظيم «صناعة جهات غربية»، مستنداً إلى «ما كان بحوزة عناصره من بنادق متطورة، وذات تقنية عالية».

وقبل عقد نجحت قوة «البنيان المرصوص»، التي ضمت عسكريين ومدنيين ليبيين، وبإسناد من مقاتلات أميركية، في دحر «داعش» من مدينة سرت الساحلية (وسط الساحل الليبي على البحر المتوسط) في 6 ديسمبر (كانون الأول) 2016، مع إعلان تحرير آخر معاقله، عقب عملية عسكرية انطلقت في 5 مايو (أيار) من العام ذاته، بعدما سيطر عليها التنظيم معلناً «إمارته» في يناير (كانون الثاني) 2015.

وبالنسبة إلى سالم كرواد، وهو مقاتل سابق في «البنيان المرصوص»، فإن «حالة الاستقرار النسبي الراهنة لا تعني زوال خطر التنظيم»، محذراً من أن «استمرار الانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها، إلى جانب التوترات الأمنية المتقطعة، قد يفتحان المجال أمام نشوء فراغات، يمكن أن يستغلها (داعش) لإعادة ترتيب صفوفه، والظهور مجدداً».

ويمثل «داعش» هاجساً لقطاع من النخب الليبية، وهو ما بدا عقب إعلان السلطات التونسية هذا الشهر عن عودة نحو 1715 عنصراً سبق انخراطهم في التنظيم والقتال في بؤر التوتر، مما دفع حزب «صوت الشعب» إلى التحذير من مخاطر أمنية على ليبيا، والمنطقة المغاربية، داعياً السلطات الليبية إلى تعزيز الرقابة على المنافذ الحدودية.

وسبق أن تداولت صفحات ليبية مقطع فيديو لـ«داعش» يظهر عناصره داخل معسكرات تدريب في كلٍ من بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، وهي دول تقع في محيط ليبيا من الجهة الجنوبية.

يشار إلى أن الذراع الإعلامية لـ«أفريكوم» أعادت تسليط الضوء في تقريرها أخيراً على عودة نشاط التنظيم منذ العام الماضي، سواء عبر تفكيك السلطات الليبية ثلاث خلايا في جنوب البلاد ذات صلات خارجية، فضلاً عن وصف التنظيم ليبيا في صحيفة «النبأ» بأنها «منصة انطلاق»، داعياً إلى تجديد نشاطه.

مقاتلون من قوة «البنيان المرصوص» في لحظة استراحة خلال مواجهات مع «داعش» عام 2016 (حساب سالم كرواد عبر فيسبوك)

وتذهب تقديرات محمد السنوسي، الباحث الليبي المختص في الدراسات الأمنية، إلى أن «تعقيد المشهد الأمني في ليبيا يلقي بظلاله على أي حديث عن نشاط محتمل لـ(داعش)»، عاداً أن حادثة تفجير صمام في حقل الشرارة النفطي تطرح «فرضيات جدية بشأن احتمال وجود بصمة للتنظيم، خاصة بالنظر إلى سوابقه في استهداف منشآت نفطية، مثل السدرة ورأس لانوف قبل سنوات».

وقال السنوسي لـ«الشرق الأوسط» إن «الضغوط الأمنية المتزايدة على الجماعات المتطرفة في دول الساحل التي تقع على الحدود الليبية، مثل تشاد والنيجر والسودان، قد تدفع هذه العناصر إلى إعادة التموضع، والتسلل مجدداً نحو الأراضي الليبية، في ظل وجود عقد لوجيستية كامنة للتنظيمات المتطرفة بالجنوب الليبي».

ويُنظر إلى منطقة الساحل الأفريقي، التي تقع ليبيا على مرمى حجر منها، وتضم عدة دول -من بينها النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو- على أنها «قوس الأزمات»، بل وكشف «مؤشر الإرهاب العالمي»، الصادر عن «معهد الاقتصاد والسلام» في سيدني، عن تصدر هذه الدول الوفيات العالمية بسبب التطرف لثلاث سنوات متتالية.

ويعتقد السنوسي أن «منطقة الساحل والصحراء تمثل طوقاً جغرافياً لليبيا، لكنها في الوقت ذاته تُعد من أكثر مناطق العالم هشاشة أمنياً، وتشهد صراعاً جيوسياسياً معقداً، ما يجعلها بيئة خصبة لتمدد الجماعات المسلحة، بما في ذلك (داعش)». ورجح تراجع الاهتمام الفرنسي بالرصد الأمني للجماعات المتطرفة، عقب إجبارها على الانسحاب من دول شهدت انقلابات مثل بوركينا فاسو، وهو ما ينعكس على ليبيا.

هذه التقديرات والمخاوف من عودة «داعش» إلى ليبيا لم تسلم من شكوك بعض المحللين، إذ ترى كلوديا غازيني، كبيرة المحللين في «مجموعة الأزمات الدولية»، أنها «تفتقر إلى دلائل محددة»، عادة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «احتمال استغلال الفوضى في جنوب ليبيا من قبل التنظيمات الجهادية طُرح لسنوات، لكنه لا يستند حالياً إلى مؤشرات ملموسة على تفاقم الوضع الأمني».

كما تثير تحذيرات «أفريكوم» تساؤلات حول توقيتها، علماً أنها تأتي قبل مناورات مقررة بتنظيم من القوات الأميركية في مدينة سرت خلال أبريل (نيسان) المقبل، وبمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها، وهو ما اعتبره فيصل أبو الرايقة، الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي، «قد ينطوي على شكوك من محاولة الترويج إعلامياً لأهمية لهذه المناورات».

غير أن غازيني استبعدت وجود صلة مباشرة، معتبرة أن المناورات «تندرج ضمن مساعٍ أميركية لتعزيز التعاون الأمني بين شرق وغرب ليبيا، ودعم التنسيق وبناء الثقة بين الجانبين».


موريتانيا تُطالب بـ«تحقيقات عاجلة وشفافة» بشأن مقتل مواطنيها في مالي

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
TT

موريتانيا تُطالب بـ«تحقيقات عاجلة وشفافة» بشأن مقتل مواطنيها في مالي

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

أعربت الحكومة الموريتانية عن بالغ استنكارها وعميق قلقها إزاء التطورات الأمنية الخطيرة التي وقعت مؤخراً على الأراضي المالية، بالقرب من الحدود، والتي أودت بحياة عدد من المواطنين الموريتانيين.

وأعربت «الخارجية الموريتانية» في بيان، صدر فجر السبت، عن إدانتها بأقصى درجات الحزم هذه الأعمال غير المقبولة، مجددة تأكيدها أن حماية مواطنيها «تُمثل خطاً أحمر»، حسبما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية».

ودعت الحكومة الموريتانية السلطات المالية إلى وضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة التي تستهدف الموريتانيين في مالي منذ 4 سنوات، كما حثتها على تحمل كامل مسؤولياتها، من خلال إجراء تحقيقات عاجلة شفافة وذات مصداقية، تفضي إلى الكشف عن مرتكبي هذه الأفعال، واتخاذ جميع التدابير الكفيلة بحماية المدنيين.

وأكدت أن التمادي في مثل هذه الأعمال من شأنه أن يرتب المسؤولية الدولية على السلطات المعنية. وفي وقت سابق من أمس الجمعة قتل 5 موريتانيين أعدمهم الجيش المالي، وقبلهم قتل الجيش المالي 3 موريتانيين آخرين، وهو ما أكده بيان الخارجية.

وعلى أثر هذه التطورات، حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)»، أكبر أحزاب المعارضة بموريتانيا، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين، وصون كرامتهم داخل الوطن وخارجه.

ودعا الحزب في بيان أصدره، بعد الإعلان رسمياً عن إعدام الجيش في مالي لثلاثة مواطنين موريتانيين من رعاة الماشية، قرب الحدود المشتركة بين البلدين، إلى اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة البشعة.

وطالب الحكومة بضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً، داعياً إلى فتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات الحادث وتقديم الجناة للعدالة دون تهاون. وقال الحزب إن ما حصل «جريمة مروعة، عندما أقدمت عناصر من الجيش المالي على إعدام مواطنين موريتانيين عُزّل من سكان بلدية بغداد التابعة لولاية الحوض الغربي، في انتهاك صارخ لعلاقات الأخوة، وحسن الجوار وكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية التي تدعو إلى الحفاظ على حرمة الأرواح البريئة».

وأكد الحزب أن هذا العمل الإجرامي «لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، ويُشكل تصعيداً خطيراً يستوجب موقفاً رسمياً حازماً وواضحاً، يرقى إلى حجم الفاجعة التي ألمّت بسكان هذه القرية المسالمة».

ولم تُعلّق الحكومة الموريتانية على هذا الحادث الذي يأتي بعد أقل من أسبوع على إعدام 6 مدنيين موريتانيين كانوا في طريقهم إلى إحدى الأسواق الأسبوعية التجارية في مالي.

يُشار إلى أن عمليات قتل وإعدام المواطنين الموريتانيين تكررت على يد الجيش المالي وميليشيات «فاجنر» الروسية المتحالفة معه، داخل الأراضي المالية وعلى طول الشريط الحدودي بين مالي وموريتانيا منذ عام 2022، وقد راح ضحية هذه العمليات عشرات التجار والرعاة والمسافرين المدنيين.


بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
TT

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)
حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، المعروفة باسم «الحركة الإسلامية»، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية أجنبية»، وهو القرار الذي دخل حيّز التنفيذ في 16 مارس (آذار) الحالي. وبعد مرور نحو أسبوعين، لم يصدر أي بيان رسمي من قيادة الحركة، سواء في الداخل أو الخارج، يوضح موقفها من هذا التصنيف أو تداعياته.

وشمل القرار الأميركي كذلك الجناح المسلح، كتيبة «البراء بن مالك»؛ ما أثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية والإسلامية حول مستقبل التنظيم، وخياراته المحتملة لتفادي تداعيات القرار، سواء عبر المسار السياسي أو العسكري، فضلاً عن طبيعة تعاطيه مع المجتمع الدولي خلال المرحلة المقبلة.

قرار «سياسي» وتداعياته

عضو «الحركة الإسلامية» السفير السابق، حاج ماجد سوار، عدّ التصنيف الأميركي خطوة «سياسية» لا تستند إلى حيثيات موضوعية، عادَّاً أن الهدف منها إقصاء «الحركة الإسلامية» من المشهد السياسي، وإضعاف الجيش السوداني عبر استهداف كتيبة «البراء بن مالك» التي تُصنف ضمن القوى المساندة له.

وأوضح سوار أن «الحركة الإسلامية» في السودان، رغم تأثرها في بداياتها بفكر «الإخوان المسلمين»، فإنها انتهجت لاحقاً مساراً خاصاً يتلاءم مع خصوصية المجتمع والدولة السودانية، مشيراً إلى أنها قطعت صلتها بالتنظيم الدولي منذ وقت مبكر. كما شدد على أن «الحركة» تتبنى منهجاً وسطياً، ولم تُسجل عليها أي أنشطة إرهابية أو ارتباطات فكرية متطرفة. رغم أن تقارير وشهادات حقوقية أشارت في السابق إلى اتهامات طالت تجربة «الحركة» خلال فترة حكمها، خصوصاً ما عُرف بـ«بيوت الأشباح»، التي ارتبطت بممارسات احتجاز وتعذيب طالت معارضين سياسيين، إلى جانب انتهاكات أخرى وثقتها منظمات حقوقية، وهو ما يطرح رواية مغايرة لتوصيف «الحركة» لنفسها.

ونفى سوار الذي شغل مناصب قيادية عدّة في عهد الرئيس المعزول، عمر البشير، وجود أي علاقة تنظيمية بين «الحركة الإسلامية» وكتيبة «البراء بن مالك»، عادَّاً أن الحديث عن هذا الارتباط يندرج ضمن «محاولات التشويش وإثارة الفتنة». وأوضح أن الكتيبة تُعد جزءاً من تكوينات «الدفاع الشعبي» وقوات الاحتياط التي تأسست في عام 1987، وأن انخراط عناصرها في الحرب الحالية جاء ضمن تعبئة عامة، على غرار فصائل أخرى، بعيداً عن أي انتماء آيديولوجي أو سياسي.

غياب الردود الرسمية

ورغم التوقعات بأن يخرج الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية»، علي كرتي، وهو وزير خارجية سابق، بتوضيح رسمي بشأن موقف «الحركة» من التصنيف، فإنه التزم الصمت، كما لم تصدر كتيبة «البراء بن مالك» أي تعليق عبر منصاتها، رغم محاولات التواصل مع قيادتها.

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

وحسب القرار الأميركي، يقود المصباح أبو زيد طلحة أكثر من 20 ألف مقاتل ضمن الكتيبة، التي يُعتقد أن بعض عناصرها تلقوا تدريبات ودعماً من «الحرس الثوري» الإيراني، ويشاركون منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 إلى جانب الجيش السوداني في مواجهة «قوات الدعم السريع».

بدوره، قال نائب رئيس حزب «المؤتمر الشعبي»، محمد بدر الدين، إن القرار الأميركي اتسم بشيء من التعميم، وكان من الأجدر أن يحدد الأطراف المعنية مباشرة بإدارة الحرب ورفض التسوية السياسية. وأضاف أن التصنيف يضع السلطة القائمة أمام خيارين كلاهما صعب: إما حل هذه الكيانات وحظر نشاطها، وهو ما قد يقود إلى صدام داخلي وربما نزاع جديد، أو الالتفاف على القرار عبر تغيير الأسماء والواجهات التنظيمية. وأشار إلى أن خيار تغيير الأسماء قد لا يكون مجدياً في نظر المجتمع الدولي، الذي أصبح أكثر دراية بما وصفه بـ«أساليب الالتفاف»، محذراً من أن ذلك قد يقود إلى عزلة دولية أشد، ويزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية على البلاد.

تغيير الاسم... جدوى محدودة

في السياق ذاته، رجّحت تحليلات أن تلجأ «الحركة الإسلامية» إلى تغيير اسمها كأحد الخيارات المتاحة، إلا أن المفكر الإسلامي حسن مكي عدّ هذه الخطوة «تحصيل حاصل» ولا تحقق أثراً حقيقياً، واصفاً القرار الأميركي بأنه ذو «طابع معنوي» وتأثير محدود. في المقابل، لم يستبعد سوار خيار تغيير الاسم، مشيراً إلى أنه كان مطروحاً منذ سنوات طويلة، حتى قبل صدور قرار التصنيف، كما أوضح أن حل «الحركة» يظل خياراً وارداً وفق نظامها الأساسي، إذا ما رأت القيادة أن ذلك يخدم مصالحها.

على الجانب الآخر، رأى المتحدث باسم القوى الديمقراطية المدنية «صمود»، جعفر حسن، أن القرار يمثل نهاية مرحلة نفوذ جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان والمنطقة، مشيراً إلى أنه يرفع الغطاء القانوني عن أنشطتها، ويضع قيوداً صارمة على تعاملاتها المالية وتحركات أعضائها. وأوضح أن القرار يجرّم أي تعامل مع الجماعة وواجهاتها التنظيمية؛ ما يعني عملياً إقصاءها من المشهد السياسي، وتحميلها مسؤولية مباشرة عن تفاقم الأزمة والحرب في البلاد.

وفي السياق نفسه، قال القيادي في الحزب الشيوعي السوداني، صديق فاروق، إن الإدارات الأميركية ظلت لسنوات تتعامل مع النظام السابق رغم طبيعته، قبل أن تلجأ الآن إلى هذا التصنيف، عادّّاً أن القرار قد يُستخدم أداةً لإعادة ترتيب النفوذ السياسي والاقتصادي، وربما دفع «الجماعة» إلى الدخول في تفاهمات مع أطراف دولية لضمان استمرارها في المشهد.

وبين صمت القيادة، وتضارب التقديرات، وتعدد السيناريوهات، تقف «الحركة الإسلامية» في السودان أمام مرحلة مفصلية، قد تعيد تشكيل حضورها السياسي والتنظيمي. وبين خيار المواجهة أو التكيف، يبقى مستقبلها مرهوناً بتوازنات داخلية معقدة وضغوط خارجية متزايدة، في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الاضطراب.