ما أسباب تعقّد الأزمة الليبية رغم توالي المبعوثين الأمميين؟

في ظل تصاعد «حرب النفوذ» السياسي والعسكري

من اجتماع سابق للمشير خليفة حفتر مع المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي وعقيلة صالح (الجيش الوطني)
من اجتماع سابق للمشير خليفة حفتر مع المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي وعقيلة صالح (الجيش الوطني)
TT

ما أسباب تعقّد الأزمة الليبية رغم توالي المبعوثين الأمميين؟

من اجتماع سابق للمشير خليفة حفتر مع المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي وعقيلة صالح (الجيش الوطني)
من اجتماع سابق للمشير خليفة حفتر مع المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي وعقيلة صالح (الجيش الوطني)

مثل «كرة ثلج» متدحرجة، تبدو الأزمة الليبية، منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، إلا من مساعٍ أممية، بموازاة تصاعد «حرب النفوذ» السياسي والعسكري، وظهور بعض الطبقات المتمترسة خلف «ثروات متضخمة»، وترسانة من الأسلحة.

فمنذ قدوم عبد الإله الخطيب، وزير الخارجية الأردني الأسبق إلى ليبيا، وتسلمه ملف الأزمة لعدة أشهر، مروراً بتسعة مبعوثين آخرين، وصولاً إلى الدبلوماسية الغانية هانا تيتيه، والليبيون يعتصرون الصبر علّهم يجدون حلاً لمعضلتهم السياسية.

أسباب متعددة للأزمة

من وجهة نظر سياسيين عديدين، تتنوع أسباب المشكلة وتتعدد، بعضها ذات صلة بـ«قوى خارجية» متداخلة في ملف الأزمة منذ أن أطاح حلف الـ«ناتو» بنظام القذافي، وأخرى لها صلة بما يطلق عليهم «الأطراف المتنفذة». وما بين هذا وذاك أضحت ليبيا ملعباً متسعاً لـ«صراع أسري»، تفاقمت على هامشه طبقات طفيلية جديدة باتت هي الأخرى تحظى بنفوذ واسع..

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)

وهنا يشخّص أبو القاسم قزيط، عضو المجلس الأعلى للدولة، جانباً من أزمة بلده، التي يرجعها إلى تغوّل بعض الدول التي تتصارع في ليبيا. ويرى في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «بعض المبعوثين الأمميين الذين توافدوا عليها لم يكونوا يمتلكون فهماً حقيقياً للحالة الليبية، وبعضهم قال "إنهم كانوا يخضعون لإكراهات بعض الدول».

والخطيب الذي رحل عن ليبيا بعد أربعة أشهر فقط، أتى من بعده البريطاني إيان مارتن، ثم طارق متري، الأكاديمي اللبناني، ثم الإسباني برناردينو ليون، وأعقبه الألماني مارتن كوبلر، والأكاديمي اللبناني غسان سلامة، وستيفاني ويليامز الدبلوماسية الأميركية، ويان كوبيتش الدبلوماسي السلوفاكي السابق، ثم عبد الله باتيلي.

عبد الله باتيلي (أ.ف.ب)

وطرح غالبية هؤلاء المبعوثين أفكاراً، وتقدموا بمبادرات، بعضها أثمر نتائج ملموسة مثل اتفاق «الصخيرات» الذي وقُع في المغرب نهاية عام 2015، وبعضها الآخر تعثرت لأسباب عديدة.

سطوة التدخلات الخارجية

يتمحور الخطاب السائد بين قطاع واسع من السياسيين الليبيين في الغالب حول سطوة «التدخلات الخارجية»، وقدرتها على التأثير في عمل البعثة الأممية، وهنا يقول قزيط إن أي مبعوث يأتي إلى ليبيا «إن لم يكن مدعوماً من بعض الدول الكبرى، فإنه لا يستطيع إنتاج أي حل حتى لو كان كفؤاً».

ويرى قزيط أن ليبيا «أصبحت ساحة مكشوفة للصراع الإقليمي والدولي؛ وبالتالي فإن حجم هذا التدخل هو أكبر بكثير من قدرة أي موظف دولي (...). والحقيقة، فإنه باستثناء بعض المحطات، لا توجد إرادة دولية حقيقية لإنتاج حل في ليبيا». وانتهى قزيط إلى أن البعثة «باتت منذ قرابة 3 سنوات غير محفزة، وأصبحت كابحة ومعرقلاً لكل جهود التوافق».

ستيفاني خوري (أ.ف.ب)

وسعى باتيلي في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، لطرح مبادرة تهدف لإحياء مسار الحل السياسي، تمحورت حول جمع القادة الليبيين على طاولة حوار لحل الخلافات المتعقلة بالانتخابات، لكنها تعثرت.

وفي ظل تصاعد «حرب النفوذ» السياسي والعسكري بين جبهتي شرق ليبيا وغربها، تواصل البعثة الاستماع إلى جميع الأطراف السياسية والاجتماعية، فضلاً عن جولات خارجية ذات صلة بالعملية السياسية الليبية.

وعدّ مصدر مقرب من البعثة أن أي حديث عن كونها «تعرقل حلول التوافق في ليبيا مجافٍ للحقيقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن دور البعثة «التقريب بين الأطراف السياسية دون تدخل، أو فرض أي توجه، وهو ما حدث في كل اللقاءات السابقة التي تجمع ممثلين من مجلسي النواب والدولة».

المبعوث الأممي السابق يان كوبيتش مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (الشرق الأوسط)

ولفت المصدر - الذي تحفظ على ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام - إلى المساعي التي بذلتها ستيفاني خوري، نائبة رئيس البعثة، ثم ما تجريه راهناً المبعوثة تيتيه، وقال موضحاً إن اللجنة الاستشارية «قطعت شوطاً مهماً، ويجب دعمها للخروج من مأزق الجمود السياسي».

وعقدت اللجنة الاستشارية، التي شكلتها البعثة، 5 اجتماعات حتى الآن، ومن المقرر أن تقدم مقترحات إلى البعثة الأممية لدراستها في المرحلة المقبلة من العملية السياسية.

وتستعد تيتيه لتقديم إحاطة دورية أمام مجلس الأمن الدولي في 17 من أبريل (نيسان) الحالي، تتناول خلالها الوضع السياسي والأمني والإنساني داخل ليبيا والتطورات الراهنة.

وإذا كان هناك من يرى أن المبعوثين الدوليين «لم يخرجوا من جلباب الدول الكبرى، التي تسيطر على إدارة المشهد السياسي في ليبيا»، مثلما صرح ضو المنصوري، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، لـ«الشرق الأوسط»، فإن المصدر المقرب من البعثة دافع باتجاه «تمسك الأطراف المتنفذة بالعمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه؛ لضمان البقاء في مناصبهم».

واستند المصدر إلى إحاطة سابقة لباتيلي أمام مجلس الأمن الدولي قبيل تقدمه باستقالته من منصبه مبعوثاً أممياً في ليبيا، عندما قال إن المسؤولين الليبيين «يغلّبون مصالحهم الشخصية على مصالح البلاد».

وكان باتيلي قد انتقد ما أسماه بمواقف الأطراف السياسية «المتحجرة»، وقال إن «أنانية القادة المحليين تأتي على حساب المواطنين، ويجب أن تتوقف فوراً».

وانتهى ضو المنصوري إلى أن «التدخل الخارجي وعجز دول الجوار، وتفاقم الصراع بين الأفرقاء المحليين، سمح للدول المتصارعة بنقل صراعها إلى ليبيا، فأصبحت ميداناً للصراع، وهو ما نجم عنه نتائج سلبية، وتكديس للسلاح، وإنشاء القواعد العسكرية».

وتكافح ليبيا راهناً تأثير «صراع أسري»، يتصدر السلطة في غرب البلاد وشرقها، ونمى على هامشه صراع آخر، يتمثل في طبقات طفيلية جديدة باتت نفوذاً من الميليشيات المسلحة المدعومة بـ«ثروات متضخمة»، وترسانة من الأسلحة.


مقالات ذات صلة

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا بشأن مجلس مفوضية الانتخابات لمزيد من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».