ما «حاجة رمضان» التي «تُرهق» ميزانية أسر مصرية؟

كثير من الأسر المصرية يحرص على شراء السلع قبل رمضان (الشرق الأوسط)
كثير من الأسر المصرية يحرص على شراء السلع قبل رمضان (الشرق الأوسط)
TT

ما «حاجة رمضان» التي «تُرهق» ميزانية أسر مصرية؟

كثير من الأسر المصرية يحرص على شراء السلع قبل رمضان (الشرق الأوسط)
كثير من الأسر المصرية يحرص على شراء السلع قبل رمضان (الشرق الأوسط)

حين توجهت فاطمة عبد الفتاح (على المعاش) إلى السوبر ماركت في أحد الأحياء المتوسطة بالقاهرة، قبل ساعات قليلة من حلول شهر رمضان، لم تتخيل الزحام الذي وجدته في المكان، حتى إنها لم تجد سيارة تضع فيها السلع التي تشتريها من داخل المحل الكبير، وفق قولها.

«ذهبت لإحضار مستلزمات المنزل لشهر رمضان، على الأقل الأيام الأولى من الشهر، حتى لا أضطر للنزول مرة أخرى في بدايات الشهر»، هكذا توضح السيدة المصرية سبب شرائها كميات من الأطعمة والمواد الغذائية التي اشتهر بها شهر رمضان في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط».

وتشهد الأيام الأخيرة قبل حلول شهر رمضان في مصر زحاماً كبيراً لشراء السلع الغذائية ومستلزمات رمضان التي تسميها بعض الأسر «حاجة رمضان». وتتنوع هذه السلع بين اللحوم والمواد التموينية من جهة، وكذلك الياميش والتمر والقطائف والكنافة من جهة أخرى.

ويرى الخبير الاقتصادي محمود العسقلاني، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، أن «حاجة رمضان هي عادة مصرية يلتزم بها كثير من الأسر المصرية، خصوصاً من الطبقة المتوسطة حتى يتفرغوا للراحة والعبادة في أول أيام الشهر الفضيل».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «الأيام الأخيرة قبل رمضان يمكن أن تجد شخصاً يشتري شيكارة سكر، نحو 10 أو 12 كيلوغراماً، في الأيام العادية لا يشتري سوى كيلو أو اثنين، لكن لأن السكر مهم في صناعة الحلويات والكنافة والقطائف التي يهواها المصريون في رمضان يتم شراء مخزون كبير منه، وهكذا من السلع الأخرى مثل الياميش والتمر وقمر الدين وخلافه».

وصل حجم واردات مصر من «ياميش رمضان» الذي يتضمن المكسرات والتمر وقمر الدين وغيره من السلع، إلى 140 مليون دولار في عام 2024، وفق تصريحات صحافية سابقة لمسؤول بغرفة القاهرة التجارية، لافتاً إلى انخفاض الكميات في العام الجديد 2025 بسبب ارتفاع الأسعار العالمية لمكونات الياميش.

أنواع من التمور والياميش تنتشر في السوق المصرية (الشرق الأوسط)

ويرى مهندس الكومبيوتر محمد السعيد (39 عاماً) أن السبب الرئيسي للزحام على المحلات وشراء الناس لما يطلقون عليه «حاجة رمضان»، هو أن «الكثير من المحلات الكبرى تقدم خصومات وعروضاً كبيرة على السلع، فيسعى كثيرون للاستفادة منها، وفي الوقت نفسه يجهزون مؤونة بعض أيام الشهر، دون أن يشغلوا بالهم بالتسوق مرة أخرى في فترة قريبة».

وتراوحت أسعار مكونات الياميش بحسب الأصناف؛ فسعر كيلو اللوز يتراوح بين 480 إلى 600 جنيه، (الدولار يساوي 50.66 جنيه مصري)، بينما يصل سعر كيلو الكاجو إلى 800 جنيه، وكيلو البندق المقشر إلى 680 جنيهاً، وتتراوح أسعار الزبيب ما بين 30 إلى 70 جنيهاً للكيلو، أما البلح فيتراوح سعره بين 20 إلى 90 جنيهاً للكيلو، بحسب إفادة لشعبة العطارين بالغرف التجارية في القاهرة.

وأشار العسقلاني إلى أن «السلع موجودة في معارض (أهلاً رمضان) و(سوق اليوم الواحد) التي تتيح السلة الغذائية بأقل سعر ممكن، وبأسعار أقل عن الأسواق الخاصة، بخصومات تصل لنحو 30 في المائة، ويمكن أن تكون مسألة الإتاحة هذه ساهمت في زيادة هذه الظاهرة وإقبال الناس على شراء السلع المختلفة أو (حاجة رمضان)».

وتوضح أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس بالقاهرة، الدكتورة سامية خضر صالح، أن «الناس اعتادوا على شراء حاجيات رمضان قبل حلول الشهر بفترة؛ حتى لا يُفاجأوا بنقص في مواد معينة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف شراء بعض الأسر للسلع بكميات كبيرة يؤدي إلى إهدار أو فساد هذه السلع، فبعض الناس يشترون كميات كبيرة لتنظيم ولائم أو عزومات عائلية ويصنعون طعاماً يفيض عن الحاجة، ويضطرون للتخلص من بعضه».

وعلى الرغم من تحذيرها من الإسراف والتبذير في الشهر الكريم، تشير سعاد إلى أن «البعض يحب الاحتفاظ بكميات كبيرة من السلع لكفاية بيته لعدة أيام في رمضان أو للتصدق بها على الفقراء في الحي الذي يعيش فيه».


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
TT

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)
المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)

أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، اليوم (الخميس)، سلسلة إضرابات عامة في المحاكم بولايات الجمهورية، بدءاً من يوم الثلاثاء المقبل؛ احتجاجاً على تعطُّل الحوار مع السلطة بشأن «إصلاحات في القطاع، وضمان معايير المحاكمة العادلة واستقلالية القضاء». وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أعلنت الهيئة، عقب الاجتماع الدوري لمجلسها عن جدول تحركاتها الاحتجاجية، والإضرابات على مستوى الولايات على مدى الأسابيع المقبلة وحتى الثامن من يونيو «حزيران» المقبل، قبل الإضراب العام على المستوى الوطني، المقرر يوم 18 من الشهر المقبل.

وينظِّم المحامون، أيضاً، إضراباً عاماً في محاكم ولايات مدنين وقابس وقبلي وتطاوين (جنوب)، في أول يونيو المقبل، مع تجمع بالمحكمة الابتدائية بمدنين. كما تَقرَّر ضمن هذه السلسلة، تنفيذ إضراب عام في محاكم سوسة والمنستير والمهدية (ساحل شرقي) والقيروان والقصرين (وسط)، يوم 8 يونيو المقبل، مع تجمع بالمحكمة الابتدائية في سوسة.

وأوضحت الهيئة أنها «طالبت بالحوار لتحقيق مطالبها، وفي مقدمتها إصلاح مرفق العدالة، وتحسين ظروف العمل، وإصلاح الإطار الترتيبي لصندوق الحيطة (الضمان الاجتماعي) والتقاعد للمحامين، بما يحافظ على ديمومته، إلا أنها لم تجد تفاعلاً من وزارة العدل»، مبرزة أن «الوزارة واصلت تجاهلها للمطالب، مما أدى إلى تدهور أوضاع المحاكم، وتعطُّل سير المرفق في كثير منها؛ بسبب تدهور البنية التحتية، والنقص الحاصل في الإطارَين القضائي والإداري».

وانتقدت في السياق ذاته «تعطيل إرساء المجلس الأعلى للقضاء، والاعتماد عوضاً عن ذلك على آلية المذكرات غير المدروسة، ونقل القضاة دون تعويضهم ودون سد الشغورات، ما أضرَّ بمصلحة المتقاضين»، وفق قولها.

وتسود حالة من التوتر في صفوف المحامين بتونس؛ احتجاجاً على تعطُّل إصلاحات مطلوبة في القطاع، وذلك على خلفية مطالب مهنية وحول ظروف العمل، وسير جلسات المحاكمات، وما تعدّه هيئة المحامين تضييقاً من قبل السلطة على حق الدفاع، وضرباً لاستقلالية القضاء. واحتجَّ محامون بشكل خاص ضد تنظيم محاكمات عن بُعد لسياسيين من المعارضة في قضية «التآمر على أمن الدولة»، وملاحقات قضائية لمحامين؛ بسبب شبهات فساد مالي. وقالت الهيئة، في بيان لها، إنَّ وزارة العدل «واصلت تجاهلها للمطالب، مما أدى إلى تدهور أوضاع المحاكم، وتعطُّل سير المرفق في كثير منها؛ بسبب تدهور البنية التحتية، والنقص الحاصل في الإطارَين القضائي والإداري».


مصر تشدد على دعم «أمن الخليج» وتسوية سلمية لـ«حرب إيران»

بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تشدد على دعم «أمن الخليج» وتسوية سلمية لـ«حرب إيران»

بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)
بدر عبد العاطي يشارك الخميس باجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على «دعمها الكامل لأمن واستقرار الدول الخليج العربي الشقيقة، ورفض أي اعتداءات تستهدف المساس بسيادتها واستقرارها». كما دعت إلى تسوية سلمية لـ«حرب إيران». وأكدت: «تمثل الحلول الدبلوماسية والتسويات السلمية السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار».

التأكيدات المصرية جاءت خلال مشاركة وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، الخميس، في اجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي.

واستعرض عبد العاطي التحديات المتشابكة التي يشهدها النظام الدولي والاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن «الدول النامية تتحمل العبء الأكبر من تداعيات هذه الأزمات».

وتناول في هذا الإطار تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، وما يشهده الإقليم من تصعيد بسبب «الحرب الإيرانية»، يهدد الاستقرار سواء الإقليمي والدولي، ويؤثر سلباً على أمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء. كما تحدث عن الجهود التي تبذلها مصر لاحتواء التوتر وخفض التصعيد ومنع اتساع نطاق الصراع.

وتؤكد القاهرة بشكل متكرر «تضامنها الكامل قيادةً وحكومةً وشعباً مع أشقائها بالخليج في مواجهة التحديات الأمنية، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميَّين».

اجتماع وزراء خارجية «بريكس» الخميس (الخارجية المصرية)

وجدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال محادثات مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الإسكندرية، السبت الماضي، التأكيد على «موقف بلاده الثابت الداعم لأمن واستقرار الدول العربية».

كما شدّد السيسي خلال لقاء سكرتير عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، على هامش قمة «أفريقيا - فرنسا» في نيروبي على «دعم بلاده الكامل لدول الخليج الشقيقة، ورفض أي اعتداءات على سيادتها وأمنها».

ووفق إفادة لمتحدث وزارة الخارجية، تميم خلاف، الخميس، تناول الوزير عبد العاطي المبادرات التي طرحتها بلاده في إطار «البريكس»، ومن بينها إنشاء «مركز لوجستي للحبوب» في شرق بورسعيد لتعزيز الأمن الغذائي، بما يسهم في دعم التعاون الصناعي والتجاري والاستثماري بين الدول الأعضاء.

القضية الفلسطينية كانت محوراً في حديث وزير الخارجية خلال اجتماع «مجموعة البريكس»، حيث «أدان الممارسات الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية المحتلة». وشدّد على «ضرورة ضمان نفاذ المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية دون عوائق إلى قطاع غزة، بما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية، إلى جانب التمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وصولاً إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع رئيس وزراء الهند الخميس (الخارجية المصرية)

أيضاً أكد خلال لقاء مع رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الخميس، «أهمية استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وضرورة ضمان تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية دون قيود، بما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، إلى جانب التمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وتمكين (اللجنة الوطنية الفلسطينية) من الاضطلاع بمسؤولياتها، وصولاً إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية».

وحسب «الخارجية المصرية» أعرب عبد العاطي خلال لقاء مع مودي عن الاعتزاز بالتطور اللافت الذي تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين، والذي تجسد في تبادل الزيارات رفيعة المستوى، ورفع العلاقات إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية».

كما أشاد بانطلاق الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين البلدين في 2025، مؤكداً «الحرص على عقده بشكل دوري بالتناوب بين الجانبين»، مشدداً على «أهمية تبادل الرؤى لتعزيز التعاون الثنائي في إطار هذه الآلية، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية».


اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
TT

اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)
البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا تصعيداً غير مسبوق، بعد تبادل الاتهامات السياسية والعسكرية بين البلدين بشأن دعم جماعات مسلحة وشن هجمات بطائرات مسيرة، وسط تحركات عسكرية على الحدود المشتركة، وتزايد المخاوف من انزلاق الأزمة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

ويأتي هذا التوتر في وقت يمر فيه السودان بظروف داخلية شديدة التعقيد بسبب الحرب المستمرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الخرطوم على التعامل مع أزمة خارجية جديدة، وما إذا كانت الاتهامات المتبادلة ستظل ضمن إطار التصعيد السياسي والأمني، أم أنها قد تتطور إلى صدام عسكري مباشر بين البلدين.

وتتجه الأنظار إلى ما توقعه الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في شؤون السودان والقرن الأفريقي، كاميرون هدسون، بشأن تدهور العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإثيوبيا، وحشد الخرطوم لقوات عسكرية قرب الحدود المشتركة، وذلك بعد أيام من اتهام الجيش السوداني لأديس أبابا بالضلوع في أعمال عدائية استهدفت السودان، والسماح باستخدام قاعدة «بحر دار» الإثيوبية منصة لانطلاق طائرات مسيرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع».مخاوف أميركية

وقال هدسون، في تدوينة نشرها عبر منصة «إكس»، إن السودان «قطع علاقاته الدبلوماسية مع إثيوبيا، وحشد قوات جديدة على الحدود»، معرباً عن قلقه من تداعيات التوتر التاريخي بين البلدين واحتمالات تحوله إلى مواجهة أوسع، في وقت يعيش فيه السودان أوضاعاً شديدة الحساسية بسبب الحرب الداخلية المستمرة منذ عام 2023. ورغم عدم صدور إعلان رسمي سوداني يؤكد قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، فإن الحكومة السودانية استدعت سفيرها لدى إثيوبيا، عقب اتهام الجيش السوداني لأديس أبابا ودولة الإمارات العربية المتحدة بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مطار الخرطوم ومواقع أخرى.

وكان الجيش السوداني قد أعلن، الأسبوع الماضي، أن الهجمات الأخيرة انطلقت من مطار «بحر دار» الإثيوبي، وهو ما نفته أديس أبابا بشكل قاطع، ووصفت الاتهامات بأنها «لا تستند إلى أي أساس».

وجاءت هذه التطورات بعد أشهر من تقرير استقصائي نشرته وكالة «رويترز»، تحدث عن وجود معسكر سري داخل إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«قوات الدعم السريع» في إقليم «بني شنقول» المحاذي للسودان، استناداً إلى مصادر ميدانية وصور أقمار اصطناعية.

كما أشار التقرير إلى أن هذا المعسكر يمثل مؤشراً على اتساع نطاق الحرب السودانية إقليمياً، بينما لم تصدر إثيوبيا تعليقاً رسمياً على تلك المعلومات. وفي السياق نفسه، تحدث تقرير صادر عن مختبر البحوث الإنسانية التابع لجامعة ييل عن رصد مؤشرات على وجود دعم عسكري إثيوبي لـ«قوات الدعم السريع» في قاعدة بمدينة «أسوسا» خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي.

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)

وفي المقابل، ردت إثيوبيا باتهامات مضادة؛ إذ أعلنت وزارة خارجيتها أن السودان يدعم جماعات معادية في إقليم «تيغراي»، وينتهك سلامة الأراضي الإثيوبية، كما اتهمت الخرطوم باستخدام عناصر من متمردي «تيغراي» في الحرب ضد «قوات الدعم السريع»، مشيرة إلى أنها تجنبت سابقاً إعلان هذه الاتهامات حفاظاً على العلاقات الثنائية.تاريخ من الاتهامات

ويستند التصعيد الحالي إلى تاريخ طويل من الشكوك والصراعات غير المعلنة بين البلدين؛ فقد استضافت إثيوبيا، خلال مراحل مختلفة، قوى معارضة سودانية، كما لعبت أدواراً سياسية في الوساطة بين الفرقاء السودانيين، خصوصاً مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق. وعقب اندلاع الحرب السودانية الحالية، استضافت أديس أبابا قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، كما احتضنت اجتماعات لقوى مدنية سودانية معارضة، من بينها تحالف «تقدم» بقيادة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك.

في المقابل، لعب السودان أيضاً أدواراً مؤثرة في الصراعات الداخلية الإثيوبية خلال العقود الماضية؛ فقد كشف الزعيم الإسلامي السوداني الراحل حسن الترابي في مقابلات إعلامية عن أن الثوار الإثيوبيين دخلوا أديس أبابا بدبابات سودانية يقودها إثيوبيون، بينما أكد مستشار الأمن القومي السوداني الأسبق الفريق طيار الفاتح عروة أنه قاد الطائرة التي أقلت الرئيس الإثيوبي الأسبق ملس زيناوي من الخرطوم إلى أديس أبابا عام 1991 بعد سقوط نظام منغستو هيلا مريام.

آبي أحمد والبرهان لدى لقاء سابق في بورتسودان (مجلس السيادة السوداني)

غير أن العلاقات بين البلدين دخلت لاحقاً مرحلة توتر حاد عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 في أثناء مشاركته في قمة منظمة الوحدة الأفريقية، حيث اتهمت إثيوبيا ومصر نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير و«الجبهة الإسلامية القومية» بالتورط في العملية، وهو ما نفته الخرطوم آنذاك. كما بقي النزاع الحدودي في منطقة «الفشقة» شرقي السودان أحد أبرز أسباب التوتر المستمر بين البلدين، خاصة بعد أن أعاد الجيش السوداني انتشاره في المنطقة نهاية عام 2020، مستعيداً أراضي كانت تسيطر عليها مجموعات إثيوبية لسنوات، بينما اعتبرت أديس أبابا الخطوة استغلالاً لانشغالها بالحرب في إقليم «تيغراي».مناوشات أم حرب؟

وفي ظل التصعيد الحالي، يبرز سؤال أساسي حول إمكانية تحول هذه الاتهامات المتبادلة إلى حرب مباشرة بين البلدين. ويرى خبراء عسكريون أن احتمالات اندلاع حرب شاملة لا تزال محدودة، نظراً للكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية الباهظة على الطرفين، خصوصاً أن الجيش السوداني يخوض بالفعل حرباً واسعة ضد «قوات الدعم السريع» منذ أبريل عام 2023، في وقت تواجه فيه إثيوبيا اضطرابات داخلية وتحديات أمنية معقدة في عدة أقاليم.

وقال الخبير العسكري والعميد المتقاعد في الجيش السوداني الدكتور جمال الشهيد، إن التصعيد بين السودان وإثيوبيا تجاوز مرحلة الخلافات الدبلوماسية التقليدية، ودخل مرحلة تبادل الرسائل الاستراتيجية والضغوط الأمنية، لكنه استبعد وصول الأمور إلى مواجهة عسكرية شاملة في الوقت الحالي. وأوضح أن التوتر قد يقود إلى مناوشات حدودية محدودة، خاصة في ظل الملفات العالقة المتعلقة بمنطقة الفشقة وسد النهضة وتبادل الاتهامات بدعم جماعات مسلحة، مشيراً إلى أن السودان يركز حالياً على حسم معركته الداخلية واستعادة الاستقرار الوطني، ما يجعل خيار الحرب الخارجية مكلفاً للغاية.

في المقابل، رأى المقدم الطيار المتقاعد الطيب المالكابي أن التصعيد الحالي يتجاوز مجرد الخطاب السياسي، وقد يكون مؤشراً على اقتراب مواجهة إقليمية، لكنه استبعد وجود استعداد عسكري فعلي لدى الجيش السوداني لخوض حرب مفتوحة مع إثيوبيا، معتبراً أن الحديث عن التهديد الخارجي قد يكون أيضاً محاولة لتخفيف الضغوط الناتجة عن تعقيدات الحرب الداخلية.

وبين التصعيد الدبلوماسي، والتحركات العسكرية، وتاريخ الصراعات الحدودية والتدخلات المتبادلة، تبدو العلاقات بين السودان وإثيوبيا أمام اختبار بالغ الخطورة، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية مزمنة وصراعات متشابكة، ما يجعل أي انزلاق نحو مواجهة مباشرة تهديداً إضافياً لاستقرار القرن الأفريقي بأكمله.