حكومة «الدعم السريع»: علمانية وتلويح بحق تقرير المصير

20 حزباً وجماعة مسلحة وقعوا ميثاقها... والخارجية السودانية: لن يعترف بها أحد

ممثلوا الأحزاب السودانية وقادة جماعات مسلحة يلوحون بميثاق الحكومة المزمع تشكيلها، بعد توقيعه الأحد في نيروبي (الشرق الأوسط)
ممثلوا الأحزاب السودانية وقادة جماعات مسلحة يلوحون بميثاق الحكومة المزمع تشكيلها، بعد توقيعه الأحد في نيروبي (الشرق الأوسط)
TT

حكومة «الدعم السريع»: علمانية وتلويح بحق تقرير المصير

ممثلوا الأحزاب السودانية وقادة جماعات مسلحة يلوحون بميثاق الحكومة المزمع تشكيلها، بعد توقيعه الأحد في نيروبي (الشرق الأوسط)
ممثلوا الأحزاب السودانية وقادة جماعات مسلحة يلوحون بميثاق الحكومة المزمع تشكيلها، بعد توقيعه الأحد في نيروبي (الشرق الأوسط)

وقعت قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة مع «قوات الدعم السريع»، ميثاقاً سياسياً أطلقت عليه اسم «ميثاق السودان التأسيسي»، أنهى جدلاً دستورياً متطاولاً، بالنص صراحة على أن يكون السودان «دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية»، قائمة على الحرية والمساواة والعدالة، و«غير منحازة لأي هوية ثقافية أو عرقية أو دينية أو جهوية»، مع منح «الشعوب السودانية حق تقرير مصيرها»، في حال عدم إقرار الدستور المؤقت أو الدائم الذي سيوقع عليه لاحقاً «علمانية الدولة» بصورة واضحة.

ويدعو الميثاق، الذي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، إلى تأسيس «جيش وطني جديد وموحد ومهني وقومي بعقيدة عسكرية جديدة، ولا يتدخل في السياسة والاقتصاد، على أن يعكس التعدد والتنوع اللذين تتسم بهما الدولة السودانية». وتهدف هذه الحكومة، وفق الميثاق، إلى إنهاء الحرب وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، والحفاظ على وحدة السودان.

وجرت مراسم التوقيع خلال اجتماع مغلق بمركز «جومو كنياتا» للمؤتمرات، وسط العاصمة الكينية، نيروبي، بعد اجتماع، حظي بتغطية إعلامية واسعة، الأسبوع الماضي، في مبنى مملوك للحكومة الكينية، الذي أدانته وزارة الخارجية في الخرطوم.

تنسيق مع مصر

وأكد وزير الخارجية السوداني علي يوسف، عقب اجتماعه مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، في العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة، الأحد، أن «الحكومة الموازية لن تحظى باعتراف أحد». وتابع: «نتشاور باستمرار مع مصر لخطورة الأوضاع في السودان والمنطقة».

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوداني علي يوسف بحثا في القاهرة التطورات السودانية (الخارجية المصرية)

وقال: «لا توجد أي وسيلة لإيقاف الحرب إلا باستسلام (قوات الدعم السريع) أو القضاء عليها». وأضاف يوسف: «الجيش السوداني يسير بخطى ثابتة نحو استعادة السودان لحضن أبنائه»، مشيراً إلى أن المشاورات مع مصر مستمرة «لخطورة الأوضاع الداخلية في السودان والأوضاع الإقليمية».

بدوره، أكد عبد العاطي رفض مصر أي دعوات لتشكيل أي أطر موازية للإطار القائم في السودان، مشيراً إلى أن السلامة الإقليمية للسودان «خط أحمر» بالنسبة لمصر.

وتشير توقعات مراقبين إلى أن الحكومة المزمعة ربما تنال رضا عواصم قريبة من «الدعم السريع»، مثل أوغندا وإثيوبيا، وتشاد، وأفريقيا الوسطى، وحتى جنوب السودان (الذي استدعى سفيره من السودان احتجاجاً على مقتل العشرات من مواطنيه)، إلى جانب كينيا المضيفة للحدث.

حكومة السلام

وقال الموقعون على الميثاق إنهم سيشكلون «حكومة سلام» برغم مخاوف عبرت عنها منظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي، الذين اتهموا «قوات الدعم السريع» بارتكاب فظائع وإبادة جماعية منذ أن بدأت قتال الجيش السوداني في أبريل (نيسان) 2023.

وقال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، الأحد، إن المشاركين في التوقيع على وثيقة «الدعم السريع» أصبحوا «قانوناً شركاء في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي» الذي مارسته «قوات الدعم السريع» في السودان.

وشهدت مدينة نيروبي الكينية في وقت مبكر من صباح الأحد، توقيع الميثاق الذي يهدف لتشكيل حكومة أُطلق عليها «حكومة السلام»، لتكون «موازية» للحكومة الموالية للجيش، وتتخذ من مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر عاصمة مؤقتة.

ممثلون لأحزاب وقادة لحركات مسلحة خلال مشاركتهم في اجتماعات بنيروبي الأيام الماضية (د.ب.أ)

وشارك في توقيع الميثاق أكثر من عشرين حزباً وحركة مسلحة وقوى مدينة، إلى جانب «قوات الدعم السريع»، وأبرزها «حزب الأمة القومي»، ووقع عنه رئيسه فضل الله برمة ناصر، و«قوات الدعم السريع» ووقع عنها قائد ثاني القوات عبد الرحيم حمدان دقلو، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال» ووقع عنها نائب رئيسها جوزيف توكا، و«الجبهة الثورية» ووقع عنها عدد من ممثليها أبرزهم رئيس «حركة العدل والمساواة» سليمان صندل، وعضوا مجلس السيادة السابقان الهادي إدريس والطاهر حجر، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي - الأصل» ووقع عنه القيادي في الحزب إبراهيم الميرغني.

وجاء الميثاق مختلفاً عن كافة المواثيق السودانية السابقة، وقطع جدلاً مطولاً بين دعاة الدولة الإسلامية، والمدنية والعلمانية، واستخدم مصطلح «الشعوب السودانية»، وأعطاها حق تقرير المصير حال رفض العلمانية، بديلاً لمصطلح «الشعب السوداني» الذي ظل مستخدماً لتوصيف السودانيين منذ الاستقلال.

ويؤسس الميثاق، حسب الموقعين عليه، لتشكيل سلطة جديدة في البلاد، أطلق عليها «حكومة السلام» الانتقالية. ووفقاً لتصريحات صحافية، ينتظر إعلان تشكيل الحكومة من «داخل السودان» في موعد أقصاه شهر من توقيع الميثاق.

التمسك بوحدة السودان

ولفتت المشاركة الكبيرة لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وعدد من كبار قادة حركته العسكريين والسياسيين، الأنظار، وكان توقيعها على الميثاق السياسي «مفاجأة كبرى» أذهلت المراقبين.

عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» محاطاً في نيروبي بممثلي الأحزاب السياسية الموقعة على ميثاق الحكومة الموازية (أ.ف.ب)

وخاطبت بنود الميثاق الظروف الناجمة عن الحرب الدائرة في البلاد بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» لأكثر من 21 شهراً، وشددت على أن حماية المدنيين من الانتهاكات، وإيصال المساعدات الإنسانية للملايين من المتضررين من النزاع، تعد أولية قصوى للحكومة المزمع تشكيلها.

وأكد الموقعون تمسكهم بوحدة السودان الطوعية أرضاً وشعوباً، مع التأكيد على ضرورة تأسيس دولة تقوم على أسس عادلة ومستدامة بمعالجة الجذور التاريخية لأسباب الحروب.

وذكرت القوى الموقعة أن دوافعها الرئيسية لتأسيس حكومة تمثل كل السودانيين، إنهاء الحرب، بعد رفض الحكومة التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة لها كل المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية الرامية لإيقاف الحرب وتحقيق السلام.

واتفقت الأطراف على إنهاء تعدد الجيوش والميليشيات، بأن تعمل الحكومة المزمع تشكيلها والإعلان عنها في غضون شهر من التوقيع على تأسيس «جيش وطني جديد مهني واحد بعقيدة عسكرية جديدة»، يخضع لسلطة ورقابة الحكومة المدنية، ولا يتدخل في السياسة والاقتصاد.

حل حزب البشير

وشدد الميثاق على حل وتفكيك حزب النظام المعزول «المؤتمر الوطني»، وحاضنته التنظيمية الحركة الإسلامية وكل واجهاتها، ومصادرة أموالها وأصولها لصالح الدولة، ويشمل ذلك مكافحة الفساد واسترداد الأموال والممتلكات المتحصل عليها بوسائل غير مشروعة في الداخل والخارج.

واعتمد الموقعون نظاماً اقتصادياً اجتماعياً يكفل حرية آليات السوق، مع ضمان تدخل الدولة الإيجابي لحماية وتنمية الفئات المستضعفة.

عمر البشير إبان محاكمته في الخرطوم (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وبشأن السياسة الخارجية للحكومة، دعا الميثاق السياسي إلى النأي عن سياسة المحاور التي ظلت تعتمدها السلطة «غير الشرعية» في بورتسودان، التي تهدد مصالح الدول على البحر الأحمر، ما خلق حالة من الاستقطاب والاصطفاف الدولي تجعل البلاد طرفاً في هذه التكتلات التي لا تساعد في وقف الحرب، ورأت أنه من واجب الحكومة أن تساهم في إنهاء هذا الوضع الذي يشكل «خطراً ماحقاً» على استقرار السودان وأمنه القومي.

وذكر الميثاق أن استمرار الحرب التي تقف خلفها الحركة الإسلامية و«حزب المؤتمر الوطني»، خلق ظروفاً مواتية لجذب الحركات الإرهابية إلى السودان، الذي أصبح مرتعاً ومنصة لانطلاق عملياتها في الإقليم والدول المجاورة، مشيراً إلى أن «حكومة السلام» ستبذل كل جهدها لمكافحة الإرهاب الذي يهدد السلم والأمن في الإقليم والعالم.


مقالات ذات صلة

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

جانب من المؤتمر الصحافي لوزير الري وبجواره رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة مساء الأحد (الشرق الأوسط)

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

كشفت مصر، الأحد، عن موافقتها على بناء سد في جنوب السودان، واعتبرت سد النهضة الإثيوبي «غير شرعي» في ضوء استمرار أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية.

محمد محمود (القاهرة )
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

تشديد مصري جديد على أهمية وحدة السودان في محادثات جديدة مع واشنطن

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)

هل يؤثر سد جنوب السودان الجديد على حصة مصر المائية؟

وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور كور، أكد في تصريحات حديثة عن استعداد بلاده للمضي في ذلك المشروع المعروف باسم «سد فولا».

محمد محمود (القاهرة )
الاقتصاد عمال يكسرون الصخور في منجم للذهب بالقرب من «أبو دليق» في ولاية القضارف بالسودان (رويترز)

شركات التعدين تهدد بوقف إنتاج الذهب في السودان

هدد اتحاد شركات التعدين في السودان بوقف إنتاج الذهب بدءاً من مطلع أكتوبر المقبل احتجاجاً على آلية شراء وتسعير الذهب المطبقة حالياً من قِبل بنك السودان المركزي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.