حكومة «الدعم السريع»: علمانية وتلويح بحق تقرير المصير

20 حزباً وجماعة مسلحة وقعوا ميثاقها... والخارجية السودانية: لن يعترف بها أحد

ممثلوا الأحزاب السودانية وقادة جماعات مسلحة يلوحون بميثاق الحكومة المزمع تشكيلها، بعد توقيعه الأحد في نيروبي (الشرق الأوسط)
ممثلوا الأحزاب السودانية وقادة جماعات مسلحة يلوحون بميثاق الحكومة المزمع تشكيلها، بعد توقيعه الأحد في نيروبي (الشرق الأوسط)
TT

حكومة «الدعم السريع»: علمانية وتلويح بحق تقرير المصير

ممثلوا الأحزاب السودانية وقادة جماعات مسلحة يلوحون بميثاق الحكومة المزمع تشكيلها، بعد توقيعه الأحد في نيروبي (الشرق الأوسط)
ممثلوا الأحزاب السودانية وقادة جماعات مسلحة يلوحون بميثاق الحكومة المزمع تشكيلها، بعد توقيعه الأحد في نيروبي (الشرق الأوسط)

وقعت قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة مع «قوات الدعم السريع»، ميثاقاً سياسياً أطلقت عليه اسم «ميثاق السودان التأسيسي»، أنهى جدلاً دستورياً متطاولاً، بالنص صراحة على أن يكون السودان «دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية»، قائمة على الحرية والمساواة والعدالة، و«غير منحازة لأي هوية ثقافية أو عرقية أو دينية أو جهوية»، مع منح «الشعوب السودانية حق تقرير مصيرها»، في حال عدم إقرار الدستور المؤقت أو الدائم الذي سيوقع عليه لاحقاً «علمانية الدولة» بصورة واضحة.

ويدعو الميثاق، الذي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، إلى تأسيس «جيش وطني جديد وموحد ومهني وقومي بعقيدة عسكرية جديدة، ولا يتدخل في السياسة والاقتصاد، على أن يعكس التعدد والتنوع اللذين تتسم بهما الدولة السودانية». وتهدف هذه الحكومة، وفق الميثاق، إلى إنهاء الحرب وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، والحفاظ على وحدة السودان.

وجرت مراسم التوقيع خلال اجتماع مغلق بمركز «جومو كنياتا» للمؤتمرات، وسط العاصمة الكينية، نيروبي، بعد اجتماع، حظي بتغطية إعلامية واسعة، الأسبوع الماضي، في مبنى مملوك للحكومة الكينية، الذي أدانته وزارة الخارجية في الخرطوم.

تنسيق مع مصر

وأكد وزير الخارجية السوداني علي يوسف، عقب اجتماعه مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، في العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة، الأحد، أن «الحكومة الموازية لن تحظى باعتراف أحد». وتابع: «نتشاور باستمرار مع مصر لخطورة الأوضاع في السودان والمنطقة».

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوداني علي يوسف بحثا في القاهرة التطورات السودانية (الخارجية المصرية)

وقال: «لا توجد أي وسيلة لإيقاف الحرب إلا باستسلام (قوات الدعم السريع) أو القضاء عليها». وأضاف يوسف: «الجيش السوداني يسير بخطى ثابتة نحو استعادة السودان لحضن أبنائه»، مشيراً إلى أن المشاورات مع مصر مستمرة «لخطورة الأوضاع الداخلية في السودان والأوضاع الإقليمية».

بدوره، أكد عبد العاطي رفض مصر أي دعوات لتشكيل أي أطر موازية للإطار القائم في السودان، مشيراً إلى أن السلامة الإقليمية للسودان «خط أحمر» بالنسبة لمصر.

وتشير توقعات مراقبين إلى أن الحكومة المزمعة ربما تنال رضا عواصم قريبة من «الدعم السريع»، مثل أوغندا وإثيوبيا، وتشاد، وأفريقيا الوسطى، وحتى جنوب السودان (الذي استدعى سفيره من السودان احتجاجاً على مقتل العشرات من مواطنيه)، إلى جانب كينيا المضيفة للحدث.

حكومة السلام

وقال الموقعون على الميثاق إنهم سيشكلون «حكومة سلام» برغم مخاوف عبرت عنها منظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي، الذين اتهموا «قوات الدعم السريع» بارتكاب فظائع وإبادة جماعية منذ أن بدأت قتال الجيش السوداني في أبريل (نيسان) 2023.

وقال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، الأحد، إن المشاركين في التوقيع على وثيقة «الدعم السريع» أصبحوا «قانوناً شركاء في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي» الذي مارسته «قوات الدعم السريع» في السودان.

وشهدت مدينة نيروبي الكينية في وقت مبكر من صباح الأحد، توقيع الميثاق الذي يهدف لتشكيل حكومة أُطلق عليها «حكومة السلام»، لتكون «موازية» للحكومة الموالية للجيش، وتتخذ من مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر عاصمة مؤقتة.

ممثلون لأحزاب وقادة لحركات مسلحة خلال مشاركتهم في اجتماعات بنيروبي الأيام الماضية (د.ب.أ)

وشارك في توقيع الميثاق أكثر من عشرين حزباً وحركة مسلحة وقوى مدينة، إلى جانب «قوات الدعم السريع»، وأبرزها «حزب الأمة القومي»، ووقع عنه رئيسه فضل الله برمة ناصر، و«قوات الدعم السريع» ووقع عنها قائد ثاني القوات عبد الرحيم حمدان دقلو، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال» ووقع عنها نائب رئيسها جوزيف توكا، و«الجبهة الثورية» ووقع عنها عدد من ممثليها أبرزهم رئيس «حركة العدل والمساواة» سليمان صندل، وعضوا مجلس السيادة السابقان الهادي إدريس والطاهر حجر، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي - الأصل» ووقع عنه القيادي في الحزب إبراهيم الميرغني.

وجاء الميثاق مختلفاً عن كافة المواثيق السودانية السابقة، وقطع جدلاً مطولاً بين دعاة الدولة الإسلامية، والمدنية والعلمانية، واستخدم مصطلح «الشعوب السودانية»، وأعطاها حق تقرير المصير حال رفض العلمانية، بديلاً لمصطلح «الشعب السوداني» الذي ظل مستخدماً لتوصيف السودانيين منذ الاستقلال.

ويؤسس الميثاق، حسب الموقعين عليه، لتشكيل سلطة جديدة في البلاد، أطلق عليها «حكومة السلام» الانتقالية. ووفقاً لتصريحات صحافية، ينتظر إعلان تشكيل الحكومة من «داخل السودان» في موعد أقصاه شهر من توقيع الميثاق.

التمسك بوحدة السودان

ولفتت المشاركة الكبيرة لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وعدد من كبار قادة حركته العسكريين والسياسيين، الأنظار، وكان توقيعها على الميثاق السياسي «مفاجأة كبرى» أذهلت المراقبين.

عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» محاطاً في نيروبي بممثلي الأحزاب السياسية الموقعة على ميثاق الحكومة الموازية (أ.ف.ب)

وخاطبت بنود الميثاق الظروف الناجمة عن الحرب الدائرة في البلاد بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» لأكثر من 21 شهراً، وشددت على أن حماية المدنيين من الانتهاكات، وإيصال المساعدات الإنسانية للملايين من المتضررين من النزاع، تعد أولية قصوى للحكومة المزمع تشكيلها.

وأكد الموقعون تمسكهم بوحدة السودان الطوعية أرضاً وشعوباً، مع التأكيد على ضرورة تأسيس دولة تقوم على أسس عادلة ومستدامة بمعالجة الجذور التاريخية لأسباب الحروب.

وذكرت القوى الموقعة أن دوافعها الرئيسية لتأسيس حكومة تمثل كل السودانيين، إنهاء الحرب، بعد رفض الحكومة التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة لها كل المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية الرامية لإيقاف الحرب وتحقيق السلام.

واتفقت الأطراف على إنهاء تعدد الجيوش والميليشيات، بأن تعمل الحكومة المزمع تشكيلها والإعلان عنها في غضون شهر من التوقيع على تأسيس «جيش وطني جديد مهني واحد بعقيدة عسكرية جديدة»، يخضع لسلطة ورقابة الحكومة المدنية، ولا يتدخل في السياسة والاقتصاد.

حل حزب البشير

وشدد الميثاق على حل وتفكيك حزب النظام المعزول «المؤتمر الوطني»، وحاضنته التنظيمية الحركة الإسلامية وكل واجهاتها، ومصادرة أموالها وأصولها لصالح الدولة، ويشمل ذلك مكافحة الفساد واسترداد الأموال والممتلكات المتحصل عليها بوسائل غير مشروعة في الداخل والخارج.

واعتمد الموقعون نظاماً اقتصادياً اجتماعياً يكفل حرية آليات السوق، مع ضمان تدخل الدولة الإيجابي لحماية وتنمية الفئات المستضعفة.

عمر البشير إبان محاكمته في الخرطوم (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وبشأن السياسة الخارجية للحكومة، دعا الميثاق السياسي إلى النأي عن سياسة المحاور التي ظلت تعتمدها السلطة «غير الشرعية» في بورتسودان، التي تهدد مصالح الدول على البحر الأحمر، ما خلق حالة من الاستقطاب والاصطفاف الدولي تجعل البلاد طرفاً في هذه التكتلات التي لا تساعد في وقف الحرب، ورأت أنه من واجب الحكومة أن تساهم في إنهاء هذا الوضع الذي يشكل «خطراً ماحقاً» على استقرار السودان وأمنه القومي.

وذكر الميثاق أن استمرار الحرب التي تقف خلفها الحركة الإسلامية و«حزب المؤتمر الوطني»، خلق ظروفاً مواتية لجذب الحركات الإرهابية إلى السودان، الذي أصبح مرتعاً ومنصة لانطلاق عملياتها في الإقليم والدول المجاورة، مشيراً إلى أن «حكومة السلام» ستبذل كل جهدها لمكافحة الإرهاب الذي يهدد السلم والأمن في الإقليم والعالم.


مقالات ذات صلة

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب) play-circle

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قبل طرفي النزاع في السودان.

وجدان طلحة (بورتسودان) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا صورة لـ«سد النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على صفحته بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

أبرز مراحل مفاوضات السد الإثيوبي (إطار)

على مدار نحو 15 عاماً، عقب إعلان الحكومة الإثيوبية عزمها بناء «سد النهضة» على رافد النيل الأزرق، دخلت مصر والسودان وإثيوبيا في نزاع مستمر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

ترحيب مصري - سوداني بعرض ترمب حول السد الإثيوبي

رحّبت دولتا مصر والسودان بعرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالوساطة مجدداً في قضية «سد النهضة» للوصول إلى اتفاق بين دولتي المصب، مصر والسودان، مع إثيوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».