القاهرة تتحدث عن اتصال «إيجابي» بين ترمب والسيسي دون التطرق لموضوع «التهجير»

بعد أيام من الجدل في وسائل الإعلام الدولية والمحلية حول هذا الاتصال

دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش «الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر (أيلول) 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش «الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر (أيلول) 2018 (الرئاسة المصرية)
TT

القاهرة تتحدث عن اتصال «إيجابي» بين ترمب والسيسي دون التطرق لموضوع «التهجير»

دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش «الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر (أيلول) 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش «الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر (أيلول) 2018 (الرئاسة المصرية)

خلا بيان المتحدث الرئاسي المصري، السفير محمد الشناوي، الذي أعلن عن تلقي الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالاً من نظيره الأميركي، دونالد ترمب، من أي إشارة إلى «موضوع تهجير الفلسطينيين»، الذي كان محل تجاذب وتباين بين البلدين في الأيام الأخيرة.

«البيان» تحدث عن تلقي السيسي للاتصال من ترمب، مساء السبت، وذلك بعد أيام من الجدل في وسائل الإعلام الدولية والمحلية حول هذا الاتصال، الذي صرح ترمب بأنه تم قبل 4 أيام، وأنه ناقش مقترح «التهجير» مع الرئيس المصري، لكن القاهرة نفت حدوث ذلك الاتصال في وقتها.

بيان الرئاسة المصرية عن الاتصال، الذي أجراه ترمب بالسيسي، السبت، تضمن أن الرئيسين شددا على أهمية «تثبيت» وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي تم التوصل إليه بوساطة مصرية - قطرية - أميركية، و«ضرورة تكثيف إيصال المساعدات لسكان غزة».

واكتفى «البيان» بالإشارة إلى أن السيسي أكد «أهمية التوصل إلى سلام دائم في المنطقة، وأن المجتمع الدولي يعول على قدرة الرئيس ترمب على التوصل إلى اتفاق سلام دائم وتاريخي، ينهي حالة الصراع القائمة بالمنطقة منذ عقود، خاصة مع انحياز الرئيس ترمب إلى السلام، وهو الأمر الذي أكد عليه الرئيس ترمب في خطاب تنصيبه بصفته رجل السلام»، وفق تعبير «البيان»، الذي تضمن كذلك أن السيسي «شدد على ضرورة تدشين عملية سلام تفضي إلى حل دائم في المنطقة».

ويأتي الاتصال بعد ساعات من بيان مشترك صدر عن «اجتماع عربي» في القاهرة، لوزراء خارجية المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والإمارات وقطر، وممثل للسلطة الفلسطينية و«الجامعة العربية»، وأكد «رفض تهجير الفلسطينيين، وضرورة الحل العادل للقضية الفلسطينية القائم على (حل الدولتين)»، فيما بدا أنها رسالة عربية إلى ترمب بـ«رفض مقترحه تهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر والأردن».

وقال متحدث الرئاسة المصرية إن «السيسي هنأ ترمب مجدداً بمناسبة توليه السلطة رئيساً للولايات المتحدة لفترة ثانية، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة التي يتمتع بها لدى الشعب الأميركي واعترافاً بقدراته».

رد فعل امرأة فلسطينية على مقتل أحد أقاربها في غارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة (رويترز)

ووجه السيسي الدعوة إلى ترمب لزيارة مصر في أقرب فرصة ممكنة، لتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، والتباحث حول القضايا والأزمات المعقدة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، مما يساهم في دعم استقرار المنطقة، وكذا للمشاركة في افتتاح «المتحف المصري الجديد»، فيما وجه ترمب دعوة مفتوحة إلى السيسي لزيارة واشنطن ولقائه بالبيت الأبيض، بحسب بيان الرئاسة المصرية.

وتناول الاتصال القضايا الثنائية والإقليمية والدولية، والتأكيد على العلاقات الاستراتيجية التي تجمع البلدين، وضرورة تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثماريّة بينهما، والتعاون في مجال الأمن المائي، وحِرْص الرئيسين على تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وفق «الرئاسة المصرية».

ونوه «البيان» إلى أنه في نهاية الاتصال الهاتفي، اتفق الزعيمان على أهمية استمرار التواصل بينهما، والتنسيق والتعاون بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على ضرورة تكثيف الاجتماعات بين المسؤولين المعنيين من الجانبين لمواصلة دفع العلاقات الثنائية في جميع المجالات، و«دراسة سبل المضي قدماً في معالجة الموضوعات المختلفة، مما يعكس قوة وعمق العلاقات الاستراتيجية المصرية - الأميركية».

وصدر بيان عن البيت الأبيض، السبت، تضمن أن ترمب هو من تلقى اتصالاً من السيسي، وكان لافتاً أن بيان البيت الأبيض خلا هو الآخر من أي إشارة لمناقشة الاتصال مقترح «التهجير».

الخبير في الشؤون الدولية والأميركية المقيم في نيويورك، محمد السطوحي، علق على الأمر قائلاً إن «(موقع أكسيوس) الأميركي ذكر أن اتصال السيسي وترمب تناول قضية نقل الفلسطينيين في غزة إلى مصر والأردن، وهذا متوقع، مع تأكيد ترمب على هذه الخطة علناً ثلاث مرات».

وأضاف السطوحي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «في اعتقادي أن المتحدث باسم الرئاسة المصرية أراد ألا يتطرق للأمر في محاولة لتفادي التصعيد مع ترمب في هذا التوقيت، وأنه من الممكن معالجة الأمر في إطار اتصالات هادئة، تمنع حدوث مواجهة ليست في صالح الطرفين»؛ لكن هذا «لا يعنى بالضرورة أن ترمب سيتخلى عن موقفه».

وفي رأي السطوحي: «لابد من رسالة قوية لترمب، سواء علناً أو في الاتصالات الخاصة، بأن ما يطلبه هو تطهير عرقي مرفوض بشكل مطلق، فترمب تحكمه عقلية رجل الأعمال وحسابات المكسب والخسارة، وإذا ما شعر بأن خطوته هذه تضر به وبأهداف سياسته فإنه حتماً سيتراجع».

مصريون تظاهروا الجمعة أمام معبر رفح ضد «تهجير» الفلسطينيين (وكالة أنباء الشرق الأوسط)

لكن أستاذ العلوم السياسية في جامعة السويس، الدكتور جمال سلامة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «لو كان ترمب تطرق لمقترح التهجير في الاتصال الهاتفي لكانت (الرئاسة المصرية) نوهت إلى ذلك، خصوصاً إذا كان تم رفضه من قبل الرئيس المصري، ولكان ذلك مدعاة للتباهي والإعلان عن الأمر».

سلامة قال في الوقت نفسه إن «عدم طرح ترمب لفكرة التهجير في الاتصال الهاتفي لا يعني أن الفكرة وئدت أو ماتت؛ بل ستطرحها الإدارة الأميركية فيما بعد، ومن وقت لآخر تحت إغراءات ومصوغات أخرى على الجانبين المصري والأردني».

وكان ترمب قد أكد للمرة الثالثة، الجمعة، عزمه على نقل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر والأردن، رغم رفض القاهرة وعمّان هذا المقترح، قائلاً إن البلدين «سيفعلان ذلك».

تصريحات ترمب، الجمعة، جاءت بعد ساعات من تصريح مستشاره لشؤون الرهائن، آدم بوهلر، الذي قال لوسائل إعلام إسرائيلية إنه «يجب على مصر والأردن أن يقترحا حلاً بديلاً يعتقدان أنه سيكون أفضل، إذا لم يرغبا في استقبال اللاجئين الفلسطينيين من غزة».

وكان الرئيس المصري قال، الأربعاء الماضي، إن تهجير الشعب الفلسطيني «ظلم لا يمكن أن نشارك فيه»، عادّاً أن حل أزمة الفلسطينيين ليس بإخراجهم من مكانهم، بل يكمن في «حل الدولتين» وإقامة دولة لهم.

وعلى مدار الأسبوع الماضي، أعلنت مصر والأردن مواقف رسمية وشعبية رافضة لتهجير الفلسطينيين خارج بلادهم، ونظمت وفود شعبية وسياسية مصرية، الجمعة، مظاهرة أمام معبر رفح البري الحدودي مع قطاع غزة «رفضاً لتهجير الفلسطينيين من أرضهم».


مقالات ذات صلة

مصر وباكستان تعززان تعاونهما العسكري بتدشين صناعات دفاعية

شمال افريقيا لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

مصر وباكستان تعززان تعاونهما العسكري بتدشين صناعات دفاعية

يمضي التعاون العسكري بين مصر وباكستان نحو مرحلة جديدة تقوم على التصنيع المشترك بعد تقارب سياسي وتدريبات مشتركة ومباحثات تطرقت إلى تعزيز التعاون.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)

تحركات نشطاء نحو غزة تضع ليبيا أمام اختبار جديد

واصلت «القافلة الإنسانية الإغاثية التخصصية»، السبت، تحركها السلس بين مدن غرب البلاد، انطلاقاً من غابة «جود دائم» بمدينة الزاوية بمشاركة نحو 300 متضامن.

علاء حموده (القاهرة)
خاص فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص مفاوضات غزة أمام استحقاقات اغتيال الحداد

أكد مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن الوسطاء مستمرون في جهودهم بشأن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وأن الاتصالات لم تتوقف لتفادي عرقلة المفاوضات.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)

مصر تنشد تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي

أكد وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم «أهمية تعزيز الشراكات الدولية والإقليمية، والاستفادة من الخبرات والتمويلات والدعم الفني المُقدَّم من شركاء التنمية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)

الاعتداء على أطباء بمصر... وقائع متكررة تجدد أزمات «إجراءات التأمين»

تجدد وقائع اعتداء متكررة على أطباء في مصر الحديث عن أزمات «إجراءات التأمين» وسط مطالبات بـ«تغليظ العقوبات ضد مرتكبيها».

عصام فضل (القاهرة)

السافنا: «الدعم السريع» في حالة انهيار... والانشقاقات مستمرة

السافنا متحدثاً في المؤتمر الصحافي عن أسباب انشقاقه (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
السافنا متحدثاً في المؤتمر الصحافي عن أسباب انشقاقه (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
TT

السافنا: «الدعم السريع» في حالة انهيار... والانشقاقات مستمرة

السافنا متحدثاً في المؤتمر الصحافي عن أسباب انشقاقه (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
السافنا متحدثاً في المؤتمر الصحافي عن أسباب انشقاقه (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

أكد قائد ميداني منشق عن «قوات الدعم السريع» أن القوات، التي يقودها محمد حمدان دقلو «حميدتي» تعيش حالة «انهيار» وتفكك داخلي متسارع، متوقعاً تتابع الانشقاقات في صفوفها، فيما وصف قائدها «حميدتي» بأنه «مغلوب على أمره»، و«لا يعرف ماذا يفعل»، مشيراً إلى أن قراراته باتت تُدار بإملاءات خارجية، في وقت تتزايد فيه الضغوط العسكرية على قواته في عدة جبهات.

وقال الضابط المنشق، العميد علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، السبت، إن «حميدتي» أُصيب خلال المعارك أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم، مضيفاً أن هذه الإصابة «معروفة على مستوى العشائر»، وهو ما يعيد إلى الواجهة روايات متداولة منذ الأيام الأولى للحرب بشأن تعرض قائد «الدعم السريع» لإصابة خطيرة.

وأوضح «السافنا»، خلال مؤتمر صحافي عُقد بسرية في الخرطوم، أنه التقى «حميدتي» أكثر من مرة، وكان يتواصل معه هاتفياً بصورة مستمرة، مشيراً إلى أن قائد «الدعم السريع» بات «مغلوباً على أمره»، وأن هناك «دولاً كبرى وجهات خارجية» تملي عليه القرارات التي يتخذها. وأكد أن «الدعم السريع» يعيش «أصعب أيامه»، في إشارة إلى الانشقاقات المتتالية وسط كبار القادة الميدانيين، متوقعاً استمرار هذه الانشقاقات بما يقود إلى تفكك القوات بصورة كاملة.

وقال «السافنا» إن قواته ستنضم إلى الجيش السوداني وستقاتل إلى جانبه في معارك استعادة كردفان ودارفور من سيطرة «الدعم السريع»، مضيفاً أنه مستعد للمحاسبة أمام القضاء بشأن الأدوار التي قام بها خلال الحرب، بعدما أقر بمشاركته في إسقاط عدد من المناطق في إقليم كردفان تنفيذاً للأوامر العسكرية التي كانت تصدر إليه.

تصفيات لقادة «الدعم»

وكشف القائد المنشق عن تصفية عدد من أبرز قادة «الدعم السريع»، بينهم القائد الميداني رحمة الله المهدي المعروف بـ«جلحة»، وعبد الله حسين وآخرون، مؤكداً أن عمليات الاغتيال جرت بأوامر مباشرة من عبد الرحيم دقلو، القائد الثاني في «الدعم السريع» وشقيق «حميدتي». كما تحدث عن فرض الإقامة الجبرية على القائد الثالث للقوات عصام صالح فضيل، ورئيس إدارة العمليات عثمان محمد حامد المعروف بـ«عثمان عمليات»، إضافة إلى استمرار اعتقال المستشار السياسي السابق لـ«حميدتي»، يوسف عزت، بسبب رفضه تنفيذ «أجندة القيادة».

أرشيفية لمستشار «حميدتي» السابق للشؤون السياسية يوسف عزت ذُكر أنه موجود في الإقامة الجبرية

وأشار «السافنا» إلى أن «حميدتي» وشقيقه فقدا السيطرة الفعلية على قواتهما، معتبراً أن نائب الرئيس السوداني السابق حسبو محمد عبد الرحمن هو «الرئيس الفعلي» لـ«الدعم السريع».

وفيما يتعلق بالدعم الخارجي، قال إنه شارك بنفسه في تجهيز خمسة مطارات داخل إقليم دارفور لاستقبال طائرات تحمل عتاداً عسكرياً لـ«الدعم السريع»، في إشارة إلى استمرار خطوط الإمداد الخارجية للقوات.

ونفى «السافنا» ما تردد في منصات موالية لـ«الدعم السريع» بشأن خروجه منفرداً من مناطق القتال، واصفاً تلك الروايات بأنها «مسرحية هزلية»، موضحاً أنه غادر مناطق سيطرة القوات بتصريح رسمي من قيادة «الفرقة الرابعة» في الضعين بشرق دارفور، قبل أن يتوجه إلى جنوب السودان ثم إلى الهند للعلاج، ليعود لاحقاً إلى الخرطوم.

وكان «السافنا» قد أعلن، الأسبوع الماضي، انشقاقه عن «الدعم السريع»، مؤكداً حينها أنه «انحاز لإرادة الشعب»، ليصبح ثاني قائد ميداني بارز يغادر صفوف القوات خلال أقل من شهر، بعد اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة». ومنذ اندلاع الحرب في السودان، لعب «السافنا» دوراً محورياً في قيادة المعارك التي مكّنت «الدعم السريع» من بسط نفوذها على أجزاء واسعة من إقليم كردفان، ما يمنح انشقاقه أبعاداً ميدانية وسياسية كبيرة في توقيت حساس تشهده الحرب.


مصر وباكستان تعززان تعاونهما العسكري بتدشين صناعات دفاعية

لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

مصر وباكستان تعززان تعاونهما العسكري بتدشين صناعات دفاعية

لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

يمضي التعاون العسكري بين مصر وباكستان نحو مرحلة جديدة تقوم على التصنيع المشترك، بعد تقارب سياسي وتدريبات مشتركة ومباحثات تطرقت إلى تعزيز التعاون؛ ما يحمل مؤشرات على أن البلدين يهدفان للاستفادة من القدرات العسكرية التي يمتلكها كل طرف.

ولا ينفصل التوجه المصري - الباكستاني الساعي لتدشين شراكة في مجال «الصناعات الدفاعية» عن التوسع المصري في التصنيع العسكري القائم على التعاون مع دول صديقة، والاستفادة من التكنولوجيا العسكرية الحديثة للدول الأخرى، وكذلك تعزيز الخبرات المصرية في هذا المجال، إلى جانب إحداث التنوع المطلوب بين صفقات السلاح والتصنيع المشترك والتصنيع المحلي الكامل، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

تعاون مشترك

وناقش اجتماع عقده وزير الإنتاج الحربي في مصر، صلاح جمبلاط، مع السفير الباكستاني لدى مصر، عامر شوكت «سبل تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، خصوصاً في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجية».

وشهد اللقاء، بحسب بيان صادر عن وزارة الإنتاج الحربي المصرية، السبت، «مناقشة فرص تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا، وبحث آليات إقامة شراكات صناعية بين شركات الإنتاج الحربي المصرية والشركات الباكستانية العاملة في مجال الصناعات الدفاعية».

بينما أكد السفير الباكستاني في القاهرة أن التعاون بين البلدين يشهد تطوراً مستمراً، خصوصاً في المجالات العسكرية والأمنية. وأعرب عن تطلع بلاده إلى تعزيز الشراكة الثنائية مع مصر بما يدعم العلاقات الاستراتيجية الراسخة بين الجانبين.

ويأتي هذ اللقاء بعد شهر تقريباً من ختام التدريب المصري - الباكستاني المشترك «رعد 2» والذي شارك فيه عناصر من قوات المظلات المصرية والقوات الخاصة الباكستانية بميادين التدريب القتالي في باكستان.

وقال المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء نصر سالم، إن تدشين التصنيع العسكري المشترك مع باكستان جاء أسوة بما أقدمت عليه مصر من قبل مع تركيا وبعض الدول الصديقة الأخرى، ويستهدف تطوير منظومة الأسلحة المصرية وتخفيف الضغوط التي يمكن أن تُمارَس على مصر بشأن إبرام صفقات لأسلحة بعينها، إلى جانب الاستفادة من عوائد التصدير.

وأوضح سالم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون مع باكستان في الصناعات الدفاعية المشتركة لا ينفصل عن تنامي التعاون العسكري بين البلدين مؤخراً مع إقامة تدريبات مشتركة، ووجود مبعوثين عسكريين باكستانيين للاستفادة من الخبرات العسكرية المصرية، ووجود مبعوثين مصريين لدى باكستان، مشيراً إلى أن مصر تستهدف الاستفادة من القدرات العسكرية الباكستانية المتطورة في مجال التصنيع العسكري.

وربط سالم بين تطور العلاقات السياسية والتوجه نحو تعزيز التعاون العسكري المشترك، قائلاً: «نحن نتعاون مع دولة نووية لدينا معها علاقات متطورة، ونستهدف من وراء تطوير التعاون تقديم رسائل ردع بأن الجيش المصري قوة لا يستهان بها، بالإضافة إلى إحداث التنوع المطلوب بين صفقات السلاح والتصنيع المشترك والتصنيع المحلي الكامل».

القاهرة وإسلام آباد لتدشين تعاون مشترك في الصناعات الدفاعية بعد شهر من مناورة «رعد 2» بين الجيشين المصري والباكستاني (المتحدث العسكري المصري)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحدث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال لقاء برئيس أركان القوات البرية الباكستانية، عاصم منير، في القاهرة، عن حرص بلاده على مواصلة «الارتقاء بالتعاون مع باكستان في مختلف المجالات».

أيضاً أجرى السيسي في يوليو (تموز) الماضي محادثات بالقاهرة مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الباكستانية، ساهر شمشاد مرزا، تناولت «سبل دعم وتعزيز التعاون المشترك خصوصاً في المجالات العسكرية والأمنية، إلى جانب تبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب والتطرف».

نجاحات مصرية في التصنيع العسكري

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء عادل العمدة، أن مصر حققت نجاحات مهمة في التصنيع العسكري يجعلها قادرة على جذب الشراكات مع الدول الصديقة، خصوصاً بعد أن نظمت 4 معارض للصناعات العسكرية منذ عام 2018 تضمنت العديد من الأسلحة المصنعة محلياً، وكذلك بعض أسلحة التصنيع المشترك، خصوصاً أنها نوَّعت من المنتجات التي تقدمها بين الدبابات والمُسيرات وراجمة الصواريخ ومنظومة الدفاع الجوي المتقدمة.

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تبرهن وراء التوسع في التصنيع المشترك أنها قادرة على التكيف مع مستجدات الخطط الدفاعية وما تكشف عنه تطورات الصراعات القائمة حالياً في المنطقة، مشيراً إلى أن التعاون مع باكستان ليس وليد الصدفة، ولكن هناك شراكات ممتدة بما لديها من تكنولوجيا عسكرية حديثة وقدرات متطورة.

خلال اللقاء الأخير، وجّه السفير الباكستاني دعوة رسمية لوزير الدولة للإنتاج الحربي المصري للمشاركة في معرض الصناعات الدفاعية الدولي «IDEAS 2026»، المقرر عقده في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وبحسب منصة «الدفاع العربي»، فإن التصنيع العسكري المشترك بين مصر وباكستان يفتح الباب أمام مشاريع نقل التكنولوجيا، حيث تشير تقارير إلى مفاوضات لإنتاج مشترك لمقاتلات JF-17 وطائرات مسيّرة هجومية داخل مصر، إضافة إلى اهتمام مصري ببرامج تطوير باكستانية لإعادة تأهيل طائرات «ميراج» وتحويلها إلى منصات إطلاق لصواريخ «كروز»؛ ما يوفر حلولاً منخفضة التكلفة لتحديث الترسانة الجوية».


وفد مصري يزور إريتريا للتنسيق بشأن «أمن البحر الأحمر»

الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)
الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)
TT

وفد مصري يزور إريتريا للتنسيق بشأن «أمن البحر الأحمر»

الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)
الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)

سعياً لدعم الاستقرار والتنمية في منطقة القرن الأفريقي، بحث وفد حكومي مصري تعزيز الشراكة مع إريتريا، إلى جانب التنسيق بين القاهرة وأسمرة بشأن «أمن البحر الأحمر».

واستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، السبت، وفداً مصرياً ضم وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ووزير النقل كامل الوزير، ورجال أعمال، وممثلين للقطاع الخاص، وحسب إفادة لوزارة الخارجية بحث اللقاء «سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، إلى جانب «تبادل الرؤى إزاء تطورات الأوضاع الإقليمية في القرن الأفريقي، والبحر الأحمر».

وأكد عبد العاطي، السبت، «دعم بلاده الكامل لإريتريا، من أجل الحفاظ على سيادتها، ووحدة وسلامة أراضيها»، وأشار إلى «حرص القاهرة على تعزيز تعاونها الاقتصادي مع أسمرة في مختلف المجالات، من خلال إقامة مشروعات تعاون ثنائي».

ووفق «الخارجية المصرية» اصطحب وزيرا الخارجية والنقل عدداً من رجال الأعمال، وممثلي القطاع الخاص بما يسهم في تعزيز الشراكة مع أسمرة في عدد من القطاعات، وعلى رأسها التعدين، والنقل، والصناعات الدوائية، والثروة السمكية، فضلاً عن دعم برامج بناء القدرات، والتدريب، لتأهيل الكوادر الإريترية في مختلف القطاعات.

وفيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، شدد عبد العاطي على أن «حوكمة وأمن البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، باعتباره ممراً استراتيجياً يرتبط بشكل مباشر بالأمن القومي لتلك الدول».

وقال إنه «لا يجوز لأي أطراف غير مشاطئة الانخراط في ترتيبات أو تفاهمات تخصه»، مؤكداً «دعم بلاده للرؤية الإريترية بشأن إدارة البحر الأحمر، وما تضمنته من التأكيد على وحدة وسيادة الدول المطلة عليه».

أسياس أفورقي خلال لقاء نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وعارضت مصر تحركات لدول تسعى للتواجد بمنطقة القرن الأفريقي، حيث رفضت الإعلان أحادي الجانب من إسرائيل بالاعتراف بإقليم «أرض الصومال» كدولة مستقلة، كما اعترضت على توقيع الحكومة الإثيوبية في يناير (كانون الثاني) 2024 اتفاقاً مبدئياً مع إقليم (أرض الصومال) تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري يتضمن ميناءً تجارياً وقاعدة عسكرية في منطقة بربرة لمدة 50 عاما، مقابل اعتراف إثيوبيا بـ«أرض الصومال»، وعدّت القاهرة هذه التحركات «مخالفة للقانون الدولي، واعتداء على السيادة الصومالية».

الرئيس الإريتري أشاد من جانبه، السبت، بجهود القاهرة في دعم أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وأكد «حرص بلاده على تعزيز التنسيق والتعاون مع مصر في المجالات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين».

كما وقعت مصر وإريتريا على اتفاقية للتعاون في مجال النقل البحري، وذكرت وزارة الخارجية أن «الاتفاقية تشكل خطوة مهمة لتعزيز الربط اللوجستي، ودعم حركة التجارة والاستثمار، وفتح آفاق للتعاون الاقتصادي والتنموي، مع تعظيم الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلدين في البحر الأحمر».

وأبدى وزير النقل المصري استعداد بلاده لنقل خبراتها في مجالات السكك الحديدية، والموانئ، والنقل البحري بما يدعم جهود التنمية، وتعزيز الربط الاقتصادي بين القاهرة وأسمرة»، وأشاد بـ«اتفاقية التعاون في مجال النقل البحري، وتسيير خط ملاحي للشحن يربط بين الموانئ المصرية والإريترية عبر البحر الأحمر»، عاداً أن الاتفاق «سيسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين».

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، السفير محمد حجازي، أن من بين أولويات الاهتمام المصري خارجياً تعزيز الشراكة والتعاون مع دول القرن الأفريقي وشرق أفريقيا. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «علاقات القاهرة مع إريتريا وجيبوتي والصومال متنامية بهدف تعزيز حضورها الاستراتيجي في تلك المنطقة، ودعم مصالحها».

ويشير حجازي إلى أن «علاقات التعاون المصري تتخذ عدة مسارات، من بينها الإطار الثنائي والجماعي»، ويلفت إلى أن «القاهرة ترى ضرورة الربط الاستراتيجي بين هذه الدول لحماية وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، ومنع وجود أو مشاركة أي دول غير مشاطئة له في حوكمته».

الرئيس أسياس أفورقي خلال لقاء بدر عبد العاطي السبت (الخارجية المصرية)

وترفض مصر مشاركة أي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر، وتدعو إلى تفعيل «مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر» الذي تم تأسيسه عام 2020 في الرياض، ويضم ثماني دول عربية وأفريقية، هي «مصر والسعودية واليمن والأردن والسودان والصومال وجيبوتي وإريتريا»، ويستهدف «تعزيز الأمن والتنمية بين أعضائه».

وبحسب حجازي «تدرك مصر الأهمية التنموية والاقتصادية لدول القرن الأفريقي»، ويقول إن «القاهرة تسعى للاستفادة من قدرات القطاع الخاص في تعزيز الاستثمارات في موانئ دول الساحل الغربي للبحر الأحمر (السودان وإريتريا وجيبوتي والصومال)»، إلى جانب «دعم الاستثمار في قطاعات أخرى مثل التعدين ومشروعات البنية التحتية».

فيما يعتقد عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله أن «الربط البحري بين الموانئ يعد نقطة الانطلاق التي يمكن التعويل عليها في زيادة التبادل التجاري بين مصر ودول القرن الأفريقي»، ويرى أن «مصر يمكن أن تنفذ استثمارات نوعية في قطاع الموانئ بمشاركة حكومية، ومن القطاع الخاص».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تمتلك منتجات عديدة يمكن تصديرها لأسواق دول القرن الأفريقي، من بينها المنتجات الغذائية، ومواد البناء، والأجهزة الكهربائية، والأدوية»، كما يشير إلى أن «هذه المنتجات يمكن أن تحظى بترحيب في أسواق هذه الدول، غير أن القطاع الخاص دائماً ما يبحث عن ضمانات للاستثمار الآمن في أسواق تلك الدول».