الجيش السوداني يحقق «انتصاراً كبيراً» ويستعيد عاصمة الجزيرة

مستشار «حميدتي»: خسرنا معركة ولم نخسر الحرب

احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يحقق «انتصاراً كبيراً» ويستعيد عاصمة الجزيرة

احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)

أعلن الجيش السوداني، السبت، استعادة مدينة «ود مدني» عاصمة ولاية الجزيرة وسط البلاد من قبضة «قوات الدعم السريع»، التي سيطرت عليها منذ أكثر من عام، وشاب الغموض عملية استرداد المدينة بسهولة غير متوقعة، إثر انسحاب «قوات الدعم السريع» من المدينة والمواقع المتقدمة في كل أنحاء الولاية.

وهنأ الجيش السوداني الشعب السوداني بدخول قواته مدينة ود مدني، التي تبعد نحو 186 كيلومتراً جنوب العاصمة الخرطوم، وقال المتحدث الرسمي باسمه العميد نبيل عبد الله، إن قواته تعمل الآن على «نظافة جيوب المتمردين داخل المدينة»، وإن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تتقدم بعزيمة وإصرار في كل المحاور.

وعبر الجيش والفصائل المتحالفة معه إلى قلب المدينة من خلال الجسر الرئيسي «جسر حنتوب» الذي يعبر النيل الأزرق من شرق المدينة، دون خوض أي معارك مع «قوات الدعم السريع» التي كانت تسيطر المدينة عليها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023.

ومع تصاعد العمليات العسكرية في الجزيرة لم تدخل «قوات الدعم السريع» في أي اشتباكات عسكرية جدية أو معارك كبيرة في معظم المواقع التي كانت تقع تحت سيطرتها.

وخلال عام من سيطرتها على ولاية الجزيرة، اتهمت «قوات الدعم السريع» بارتكاب مجازر وانتهاكات فظيعة ضد الأهالي، أدت إلى مقتل الآلاف من المواطنين العزل ونهبت ممتلكاتهم.

احتفالات شعبية شملت عدة مدن سودانية بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)

وبحسب متابعات «الشرق الأوسط»، سرّع الجيش السوداني والفصائل المتحالفة معه، خلال الأيام الماضية من وتيرة العمليات العسكرية في ولاية الجزيرة، وأحرز تقدماً كبيراً في جبهات القتال، بدءاً من السيطرة على مدينة «الحاج عبد الله» وعدد من البلدات المجاورة لها التي تقع غرب ود مدني، ثم في شرق المدينة بما في ذلك بلدات «أم القرى» و«الشبارقة».

وكان مدهشاً لكثير من المراقبين أن «قوات الدعم السريع» على الرغم من كثافة انتشارها في ولاية الجزيرة، بدأت التراجع من مواقعها وارتكازاتها دون خوض معارك فعلية.

«الدعم» يعترف بالخسارة

وفي أول تعليق صادر عن «قوات الدعم السريع»، اعترف المستشار القانوني لقائد قوات الدعم السريع محمد المختار بـ«خسارة معركة الجزيرة»، بقوله في مقطع فيديو: «خسرنا معركة لم نخسر الحرب»، وأضاف: «الحرب كر وفر»، قبل أن يعود ليتابع: «معركتنا ستظل مستمرة ولن نتراجع».

وشنت «قوات درع السودان» التي تقاتل إلى جانب الجيش، ويقودها القائد المنشق عن «الدعم السريع» «أبو عاقلة كيكل»، الجمعة، هجوماً مباغتاً، استطاعت على أثره استعادة بلدة «أم القرى» شرق مدني، بعد انسحاب «قوات الدعم السريع»، وهي بلدة تقع في منطقة استراتيجية جغرافياً في الطريق إلى عاصمة الولاية.

قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان بين جنود القاعدة البحرية في بورتسودان (أ.ف.ب)

وواصلت قوات كيكل، السبت، توغلها في العمق، وسيطرت على عدد من البلدات والقرى الصغيرة، ومن ثم تمكنت من عبور «جسر حنتوب» على الضفة الشرقية لنهر النيل الأزرق والالتحام بقوات قادمة من محاور أخرى للوصول إلى وسط ود مدني دون قتال يذكر.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن القيادة العسكرية العليا للجيش السوداني، وضعت خططاً عسكرية معقدة لاسترداد ود مدني، ومهاجمتها بمتحركات قادمة من كل جبهات القتال، بمشاركة كبيرة من القوات المساندة لها، أبرزها «قوات درع السودان»، والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة الدارفورية، وعدد من كتائب وميليشيات الإسلاميين التي تحارب في صفوف الجيش منذ بدء الحرب.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، قائد «قوات درع السودان»، أبو عاقلة كيكل، يقف أمام مدخل الفرقة الأولى مشاة التابعة للجيش السوداني بوسط المدينة.

وقال مواطنون من ود مدني لــ«الشرق الأوسط»، إنهم لاحظوا حركة غير عادية ليلة الجمعة لـ«قوات الدعم السريع»، التي كانت تنتشر في الأحياء السكنية وتسيطر على المواقع المهمة للحكومة في المدينة. وأفاد سكان قرويون جنوب مدني بأنهم شاهدوا عناصر من «الدعم السريع» على متن سيارات عسكرية مقاتلة وأخرى مدنية، يتجهون عبر الطريق الغربي باتجاه العاصمة الخرطوم.

اتهامات أميركية لـ«الدعم»

وكانت قوات الجيش قد انسحبت من مدينة ود مدني في 11 ديسمبر 2023، ودخلتها «قوات الدعم السريع» دون قتال كبير أيضاً، ووقتها أعلن الجيش فتح تحقيق في ملابسات وأسباب انسحاب قواته من مواقعها العسكرية في مدينة ود مدني.

ورغم مرور أكثر من عام على الواقعة، لم تصدر نتائج التحقيق بشأن انسحاب القوات التي كانت موجودة في المدينة، وهي الفرقة الأولى مشاة.

وأتت التطورات الميدانية بعد بضعة أيام من العقوبات التي أصدرتها إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جو بايدن، بحق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، الشهير باسم «حميدتي»، واتهمت قواته انتهاكات كبيرة، بما في ذلك جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي وجرائم حرب في إقليم دارفور غرب البلاد.

آثار معارك سابقة في أحد شوارع مدينة «ود مدني» عاصمة ولاية الجزيرة (أ.ف.ب)

وقالت مصادر سياسية مدنية متعددة لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إنها لم تكن تستبعد دخول الجيش ولاية الجزيرة دون معارك، ورجحت أن تكون العملية قد تمت ضمن عمليات إعادة تموضع وترتيبات عسكرية جديدة لـ«قوات الدعم السريع»، وخفض وجودها العسكري في بعض الولايات.

وأضافت المصادر أن مجريات العمليات العسكرية على الأرض، كانت تشير بوضوح طوال الأيام الماضية، إلى متغيرات عسكرية متوقعة، بما في ذلك انسحاب «قوات الدعم السريع» دون خوض معارك كبيرة أو مواجهات ضخمة مع الجيش.

وألمحت المصادر إلى احتمال أن يكون انسحاب «الدعم السريع» من الولاية التي سيطر عليها لأكثر من عام، ضمن إطار تكتيكي عسكري للتوغل في ولايات أخرى، خاصة بعد تقدمها في ولاية النيل الأزرق في الجزء الجنوبي الشرقي للبلاد، أو تهديدات لولايات في شمال البلاد.

محاصرة الخرطوم

ووصف خبراء عسكريون تحدثوا لــ«الشرق الأوسط»، فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم، استعادة الجيش لمدينة ود مدني، بأنها «نصر كبير»، وقالوا إن هذا النصر يعني فعلياً نجاح التكتيكات العسكرية التي اتبعها الجيش، من أجل محاصرة «قوات الدعم السريع» في جنوب العاصمة الخرطوم، وتابعوا: «هذه الخطط بدأت باستعادة المدن الرئيسية في ولاية سنار، وكان الهدف منها قطع الطريق أمام أي تقدم أو تحرك لـ(قوات الدعم السريع)، وعدم إتاحة الفرصة لها لتهديد مناطق أخرى».

وأفاد خبراء، وهم ضباط سابقون في الجيش السوداني، بأن تحرير ولاية الجزيرة يعني إنهاء أي وجود لـ«الدعم السريع»، ويضع قواته التي لا تزال تسيطر على مناطق واسعة في الخرطوم جنوباً باتجاه ولاية الجزيرة، في «كماشة» تمكن الجيش من القضاء عليها.

احتفالات شعبية

عنصر من الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب مطلع الشهر في مدينة امدرمان بالخرطوم (رويترز)

وفور وصول أنباء استعادة الجزيرة من قبضة «الدعم السريع»، خرج آلاف المواطنين في مدن البلاد المختلفة، ابتداء بالعاصمة الإدارية المؤقتة، مروراً بمدينة «عطبرة» في ولاية نهر النيل (شمال)، إلى مدينة أم درمان ثانية كبرى مدن العاصمة السودانية الخرطوم، وإلى القضارف شرقاً، احتفالاً باستعادة الجيش السوداني ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة.

ومنذ ديسمبر 2023، سيطرت «قوات الدعم السريع» على 6 محليات في ولاية الجزيرة، ولم يتبق للجيش سوى محلية المناقل التي ما زالت تحت سيطرته، ويسعى عبر محورها لاستعادة الولاية كاملة.

وعلى الرغم من تقدم الجيش السوداني عسكرياً خلال الأشهر الماضية في وسط البلاد والخرطوم، لا تزال «الدعم السريع» تسيطر على معظم أنحاء العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة في وسط البلاد، ومناطق شاسعة في إقليم دارفور، إضافة إلى جزء كبير من إقليم كردفان وبعض المناطق في النيل الأزرق والأبيض.

ويقول الخبراء إن الجيش وفي حال فرضه لسيطرته الكاملة على ولاية الجزيرة، سيحاصر «قوات الدعم السريع» في العاصمة الخرطوم من الجهتين، الجنوبية، والشمالية، عبر مدينة الخرطوم بحري التي استعاد الجيش أجزاء واسعة منها أخيراً، ويضعها في «كماشة» يصعب الخروج منها.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، وأدت لمقتل أكثر من 188 ألف شخص، وفرار أكثر من 10 ملايين شخص من منازلهم، إلى مناطق آمنة، ولجوء أكثر من 3 ملايين إلى دول الجوار، بحسب تقديرات أممية.


مقالات ذات صلة

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.