السودان يرحب بالعقوبات ضد حميدتي ويطالب بموقف دولي موحد

الدعم السريع عدّ القرار الأميركي «دفعة معنوية» للحركة الإسلامية بقيادة كرتي

قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)
قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)
TT

السودان يرحب بالعقوبات ضد حميدتي ويطالب بموقف دولي موحد

قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)
قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)

رحبت الحكومة السودانية بقرار إدارة الرئيس الأميركي جورج بادين (المنتهية ولايته) الذي فرضت بموجبه عقوبات على قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» وعدد من الشركات التابعة له، وحثت بقية دول العالم على اتخاذ خطوات مماثلة، واتخاذ موقف موحد وصارم من قبل الأسرة الدولية ضد ما سمته «المجموعة الإرهابية» لإجبارها على وقف الحرب.

لكن «قوات الدعم السريع»، عدت القرار امتداداً لما سمته فشل سياسة إدارة الرئيس المنتهية ولايته، الشرق أوسطية، وقالت إنه «بلا قيمة»، اتبع فيه معايير «مزدوجة» لدعم التيار الإسلامي الرافض لوقف الحرب، وعدّته أيضاً أنه «تعميق للأزمة»، وتوعدت بالاستمرار فيما أطلقت عليه «اقتلاع دولة الظلم والطغيان».

ورحب مساعد القائد العام الفريق أول، ياسر العطا، بالقرار الأميركي، وقال في تصريحات، إنه يدعم جهود السودان في تعزيز الأمن وسيادة القانون، واعترافاً من واشنطن بأن هدف قوات «الدعم السريع» هو السيطرة على السودان بالقوة.

الفريق ياسر العطا (وكالة السودان للأنباء)

وأعلنت وزارة الخارجية السودانية في بيان صحافي، الأربعاء، حصلت عليه «الشرق الأوسط»، اتفاقها على ما مع جاء في القرار الأميركي، وأن «حميدتي مسؤول عن فظائع ممنهجة ضد الشعب السوداني، تتضمن اغتصابات جماعية»، وأن الرجل يوظف «واجهات تجارية» في دول إقليمية لتمويل حربه ضد السودان. ودعت الخارجية، الأسرة الدولية لاتخاذ خطوات مماثلة ضد «قيادة الميليشيا ورعاتها»، وتبني موقف «موحد وصارم» في مواجهة «الجماعة الإرهابية، وإجبارها على وقف حربها ضد الشعب السوداني ودولته ومؤسساته الوطنية».

«الدعم»: مكافأة لدعاة الحرب

‏وانتقدت «قوات الدعم السريع» القرار الأميركي وعدّته «مؤسفاً ومجحفاً»، ومكافأة للطرف الآخر (القوات المسلحة السودانية). وقالت في بيان على منصة «تلغرام» إن القرارات التي صدرت من إدارة جو بايدن المنتهية ولايتها، سياسية «محضة» تم اتخاذها دون تحقيق دقيق ومستقل حول الطرف المتسبب في اندلاع هذه الحرب «الكارثية». وأضافت: «لقد تم إشعال هذه الحرب من قيادة القوات المسلحة السودانية والإسلاميين، والأدلة التي تثبت ذلك متاحة للجميع».

«قوات الدعم السريع» متهمة بقصف مخيم زمزم بدارفور وارتكاب مجازر في الجنينة (مواقع سودانية)

وأشارت إلى قرار الخارجية الأميركية بخصوص ارتكاب «قوات الدعم السريع» إبادة جماعية في السودان، وقال إنه قرار «جانبه الصواب، لم يذكر على وجه التحديد المجموعة التي ارتكبت ضدها الإبادة الجماعية، ولا مكان وقوعها». وذكر البيان أن «جريمة الإبادة الجماعية خطيرة ولا ينبغي للإدارة الاميركية أن تتعامل معها بهذا المستوى من التعميم، الذي يؤكد أن القرار تم اتخاذه لاعتبارات سياسية لا علاقة لها بالأسس القانونية المتعلقة بالإبادة الجماعية من حيث التعريف والإثبات». ووصفت «الدعم السريع» القرارات بأنها انتقائية، لن تساعد في تحقيق التوصل إلى حل سياسي. كما «تجاهل القرار الانتهاكات الفظيعة التي ترتكبها القوات المسلحة السودانية على نطاق واسع بالقصف الجوي، الذي أودى بحياة أكثر من 4 آلاف مدني» حسب بيان «الدعم السريع». وأشار البيان إلى أن «العقوبات الأميركية وضعت العربة أمام الحصان، وتمثل مكافأة للطرف الرافض لإيقاف الحرب، ومعاقبة دعاة الوحدة والسلام».

فشل إدارة بايدن

من جهته، وصف مستشار «حميدتي»، الباشا طبيق، على صفحته بمنصة (إكس) القرار الأميركي بأنه تعبير عن فشل إدارة الرئيس جو بايدن في التعاطي مع الأزمة السودانية، أسوة بفشلها في كثير من ملفات الشرق الأوسط.

وعدّ القرار امتداداً لنهج «ازدواجية» المعايير الذي دأبت إدارة الرئيس المنتهية ولايته على اتباعه، بالاستجابة لـ«لوبيات الضغط» المعلومة، وطرائق تعاملها مع مثل هذه الملفات. وأبدى طبيق أسفه على القرار، وعدّه «دفعة معنوية» للحركة الإسلامية بقيادة علي كرتي، وتشجيعاً لها على «الاستمرار في إبادة الشعب السوداني، وارتكاب مزيد من الجرائم الشنيعة ضد المدنيين، ومواصلة الطيران الحربي للمزيد من قتل النساء والأطفال».

وعدّ طبيق القرار دعماً لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لتكوين المزيد مما سماها «الميليشيات الإرهابية والقبلية لإطالة أمد الحرب»، ووصفه بأنه «ليست له قيمة ولن يؤثر على الوضع الراهن، بل قد يعقد الأزمة والتوصل لمفاوضات جادة». وقطع طبيق بأن القرار لن يثني الدعم السريع عن الاستمرار في «اقتلاع دولة الظلم والطغيان، وإنهاء الهيمنة السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، وبناء الدولة الجديدة على أسس المواطنة والعدالة والمساواة».

دورية لـ«الدعم السريع» في إحدى مناطق القتال بالسودان (رويترز)

من جهة أخرى، قلل دبلوماسي سوداني طلب حجب اسمه، من تأثير القرار، وبأنه لن يحدث أثراً كبيراً بعدّه أحادياً ولم يصدر عن الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي، وأنه غير ملزم لدول العالم. ونوه إلى أن الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترمب، ستنشغل بالقضايا الداخلية وليس السودان من أولوياتها، وأن ملف التنفيذ سينتظر الإعلان عن السياسة الخارجية للرئيس ترمب.

وقال رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور، الصادق علي حسن، وهي هيئة حقوقية طوعية لـ«الشرق الأوسط»، إن العقوبات كانت متوقعة، استناداً إلى «الممارسات الجسيمة» التي ترتكب في مناطق سيطرة الدعم السريع. وتابع: «هي رسالة لقائد القوات وحلفائه».

وتوقع المحامي حسن، أن تحدث العقوبات تغييرات كبيرة في المشهد السياسي، تتأثر بها على وجه الخصوص المجموعة التي تستعد لإعلان «حكومة منفى»، وأضاف: «ستجد نفسها في أوضاع لا تحسد عليها، وأن تقديراتها كانت متعجلة، ولم تُبنَ على قراءة ناضجة»، وذلك في إشارة إلى مباحثات تجري بين «الدعم السريع» والجبهة الثورية ومدنيين منتمين لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» لتشكيل حكومة تنتزع الشرعية من الحكومة التي يترأسها قائد الجيش.

قائمة العقوبات تضم كرتي

وفرضت الإدارة الأميركية، أمس، عقوبات على قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وسبع شركات توفر المعدات العسكرية والتمويل لقواته في ارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، في أثناء الصراع المسلح مع الجيش السوداني.

علي كرتي الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان (غيتي)

وقال وزير الخارجية أنتوني بلينكن، إن «الدعم السريع»، ارتكبت «إبادة جماعية في دارفور، وتورطت في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، وقامت بعمليات القتل بدوافع عرقية، وارتكبت أعمال العنف الجنسي كسلاح حرب»، وإن حميدتي بصفته المسؤول عن هذه القوات يتحمل المسؤولية عن الأفعال البغيضة وغير القانونية.

ولا تعد هذه العقوبات الأولى ضد شخصيات ومسؤولين سودانيين، فقد أصدرت وزارة الخزانة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عقوبات على مسؤولين سابقين؛ هم «مدير مكتب البشير السابق طه عثمان أحمد الحسين، ومدير جهاز الأمن السابق صلاح عبد الله (قوش)، ومديره الأسبق صلاح محمد عطا المولى»، لدورهم في تقويض الأمن والسلام.

وشملت العقوبات الأميركية الأمين العام للحركة الإسلامية، علي أحمد كرتي، وقائد منظومة الصناعات الدفاعية، ميرغني إدريس، وقائد عمليات «قوات الدعم السريع» (عثمان عمليات)، والقائد الميداني بـ«الدعم السريع»، علي يعقوب، الذي قتل في معارك مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور قبل عدة أشهر.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية على تخوم الكرمك في النيل الأزرق

شمال افريقيا تلميذة سودانية ترفع كراستها أمام فصلها في مدرسة للاجئين في تاجوراء شرق العاصمة الليبية طرابلس يوم 18 مايو 2026 (أ.ب)

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية على تخوم الكرمك في النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني استعادة منطقة البركة الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق الواقعة على تخوم مدينة الكرمك القريبة من الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

دعا رئيس وزراء السودان السابق، «رئيس تحالف صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية واضحة لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

تحليل إخباري حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً؛ فالإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا الفريق ياسر العطا خلال لقائه في وقت سابق حاكم إقليم النيل الأزرق (فيسبوك) p-circle

العطا يتفقد جبهة النيل الأزرق وسط تصاعد هجمات «الدعم السريع»

جدد عضو مجلس السيادة السوداني رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، تعهده بمواصلة دعم العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

انشقاق ثاني قائد ميداني بارز بـ«الدعم السريع» في أقل من شهر

أعلن العميد علي رزق الله، الشهير بـ«السافنَّا»، انشقاقه عن «الدعم السريع»، دون الانحياز إلى أي طرف مسلح.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

السيسي يدعو رئيس إيران إلى تفادي «الحسابات الخاطئة»

الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدعو رئيس إيران إلى تفادي «الحسابات الخاطئة»

الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إيران، إلى «التحلي بالمرونة وتفادي الحسابات الخاطئة وإتاحة الفرصة الكافية للمسار الدبلوماسي».

وأكد السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، «موقف مصر الداعي إلى تسوية سلمية لكل أزمات المنطقة، ورفضها القاطع لأي اعتداء على سيادة دول الخليج الشقيقة أو تهديد سلامة أراضيها».

وحسب متحدث الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، الثلاثاء، فإن «الاتصال الهاتفي تناول الجهود المبذولة للتوصل إلى مذكرة تفاهم بين الجانبين الأميركي والإيراني»، وأكد السيسي «دعم بلاده الكامل للمسار التفاوضي القائم»، كما استعرض الاتصالات والجهود التي تضطلع بها مصر لتيسير المفاوضات وتمهيد الطريق نحو اتفاق نهائي وشامل يضع حداً للتصعيد ويعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة.

الرئيسان المصري والإيراني ووفدا البلدين على هامش قمة «بريكس» في روسيا أكتوبر 2024 (الرئاسة المصرية)

وتحدث الرئيس الإيراني خلال الاتصال عن مسار المفاوضات الجارية، معرباً عن «تقديره للجهود التي بذلتها مصر والأطراف الإقليمية الأخرى لتقريب وجهات النظر بين الجانبين الإيراني والأميركي». كما شدد على حرص بلاده على تعزيز العلاقات الأخوية مع كل الدول العربية، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي.

وقطعت مصر وإيران علاقاتهما الدبلوماسية عام 1979 قبل استئناف التمثيل الدبلوماسي بينهما بعد 11 عاماً، وإن كان على مستوى القائم بالأعمال. وشهدت الثلاث سنوات الماضية لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة لبحث إمكانية تطوير العلاقات بين البلدين، بعد توجيه رئاسي إيراني لوزارة الخارجية في مايو (أيار) 2023 باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر. كما زار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، القاهرة أكثر من مرة والتقى الرئيس السيسي وكبار المسؤولين المصريين.

الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير علي الحفني، يرى أن «اتصال الرئيس الإيراني بنظيره المصري في هذا التوقيت له دلالة مهمة، لأن الرئيس الإيراني يدرك تماماً الآن أهمية عنصر الوقت، ويدرك أن مصر لها سياسة وموقف واضح بضرورة استقرار المنطقة، ورفض أي اعتداءات على دول الخليج».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر أرادت التأكيد خلال الاتصال أنه آن الأوان للانخراط بجدية في الجهود الدبلوماسية، وإبداء قدر من المرونة من الطرفين الإيراني والأميركي حتى نصل إلى تفاهم لوقف الحرب».

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره الإيراني بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكد السيسي خلال الاتصال «موقف مصر الثابت القائم على إعلاء مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وحسن الجوار والتسوية السلمية للنزاعات».

وشددت مصر مراراً على دعمها الكامل لأمن واستقرار دول الخليج، ورفض أي اعتداءات تستهدف المساس بسيادتها واستقرارها. كما دعت في أكثر من مناسبة إلى «ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة».


ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
TT

ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)

يدخل السودانيون عيد الأضحى هذا العام فيما تدخل الحرب عامها الرابع، وسط واقع إنساني واقتصادي قاس غيّر ملامح العيد، وأفقده كثيراً من معانيه الاجتماعية التي ظلت راسخة لعقود طويلة.

وفي بلد ارتبطت فيه الأعياد بالتجمعات العائلية والزيارات و«عزومات شواء الأضاحي»، يستقبل ملايين السودانيين العيد هذا العام بين النزوح والفقر والجوع والخوف، بينما تحولت الأولويات من شراء الأضحية وملابس الأطفال إلى البحث عن الغذاء والدواء ومياه الشرب.

واعتاد السودانيون خلال عيد الأضحى، وهم في ملابسهم ناصعة البياض، على تبادل الزيارات والدعوات مع الجيران والأصدقاء والأهل، وتناول شواء الأضاحي في المنازل والأحياء والساحات المفتوحة، باعتبارها واحدة من أبرز الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالمناسبة، إلى جانب تبادل اللحوم والزيارات العائلية.

سودانيون ينتظرون دورهم للحصول على مياه صالحة للشرب (أ.ب)

لكن الحرب والانهيار الاقتصادي أضعفا تلك المظاهر بصورة كبيرة، بعد أن أصبحت أعداد واسعة من الأسر عاجزة عن شراء الأضاحي أو حتى توفير الاحتياجات الأساسية.

ويبدو اللاجئون والنازحون الأكثر معاناة خلال الأعياد، بعد أن فقد كثير منهم منازلهم ومصادر دخلهم واستقروا في معسكرات ومراكز إيواء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، فيما يواجه المقيمون في المدن والبلدات الأخرى واقعاً اقتصادياً حانقاً يلتهم دخولهم المحدودة.

وفي مراكز النزوح داخل السودان، يمر العيد وسط خيام مكتظة ودرجات حرارة مرتفعة، مع نقص في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما تنتشر أمراض مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك في المناطق المتأثرة بالحرب.

وتقول أمونة إسماعيل، وهي نازحة من شمال دارفور تقيم في مركز إيواء بمدينة الدبة لـ«الشرق الأوسط»: «الأطفال لم يعودوا يسألون عن الملابس أو الألعاب، بل عن الطعام، كثيرون منهم لا يشعرون أصلاً أن هناك عيداً».

أما في معسكرات اللاجئين بدول الجوار، فتبدو الأوضاع أكثر تعقيداً، مع اعتماد أعداد كبيرة من السودانيين بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، وتقول اللاجئة بأحد المعسكرات في أوغندا «م. ن» لـ«الشرق الأوسط»، إنها لم تشعر بطعم أي عيد منذ لجوئها، وتضيف: «لكن ماذا نفعل؟ ننتظر أن تتوقف الحرب ونعود لبلادنا»، وتتابع: «لم أكن أشتري خرافاً للضحية، فقد كنت أربيها في بيتي».

أما أم أحمد، وهي نازحة من كردفان إلى القضارف، فتقول: «في السابق كان العيد مناسبة للفرح والتواصل، الآن الناس تخجل لأنها لا تستطيع فعل شيء لأطفالها أو جيرانها النازحين».

لكن حتى خارج مناطق النزوح واللجوء، تبدو الحياة صعبة بالنسبة لكثير من السودانيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم، مع الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع الدخول وانقطاع الخدمات الأساسية.

ويقول هاشم موسى، وهو معلم بالمرحلة الثانوية، إن راتبه البالغ 140 ألف جنيه لم يعد يساوي حتى ثمن جوال سكر واحد، بعدما تجاوز سعره 200 ألف جنيه سوداني.

ويضيف أن المعلمين لم يتسلموا الرواتب أو العلاوات، كما لم تُصرف مستحقات مراقبة الامتحانات، متسائلاً: «كيف يستطيع المعلم إدخال الفرحة على أطفاله أو شراء الملابس والطعام في ظل هذه الظروف؟».

ويقول عبد الله محمد يوسف (52 عاماً) إن الحرب استنزفت مدخرات الأسر وأضعفت العائد من الزراعة والعمل، مشيراً إلى أن عمله سائقاً لجرار زراعي «تراكتور»، لم يعد يوفر دخلاً يكفي لتغطية تكاليف المعيشة أو شراء خروف الأضحية.

أما خالد التهامي، الذي يعمل حداداً، فيقول إن الانقطاع المتكرر للكهرباء أثر بشكل مباشر على عمله ودخله، بينما أصبحت الزراعة أقل جدوى بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف الوقود والتقاوي والآفات الموسمية، ما جعل شراء الأضحية هذا العام أمراً بالغ الصعوبة.

وقال الدكتور صلاح جلال، المتحدث باسم «المجموعة السودانية لمناصرة اللاجئين» لـ«الشرق الأوسط»، إن منظمات ومبادرات إغاثية عملت على تقديم الأضاحي في معسكرات اللاجئين السودانيين بشرق تشاد، خاصة في مناطق «أدري» و«مجي» و«أبو تنقي»، إضافة إلى معسكرات اللاجئين في جنوب السودان، ومعسكر «دويلي» ومدينة كمبالا في أوغندا.

وأضاف أن تلك المبادرات تستهدف التخفيف من معاناة الأسر التي فقدت كل شيء تقريباً بسبب الحرب، خصوصاً خلال الأعياد التي يشعر فيها اللاجئون والنازحون بالعزلة والفقد.

وأشار إلى أن منظمة الصليب الأحمر التركي قدمت 100 ثور أضحية لصالح اللاجئين السودانيين في معسكر «كرياندنقو» في أوغندا.

وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية فقط، بل أصبحت أيضاً مظهراً اجتماعياً يعكس القدرة المادية والاستقرار الأسري، خاصة في المدن الكبرى، لكن الحرب والانهيار الاقتصادي دفعا كثيراً من الأسر إلى التخلي عن تلك الطقوس للمرة الأولى.

وتأثرت أسواق المواشي بالحرب بصورة مباشرة، بعد خروج مناطق واسعة في كردفان ودارفور، المعروفة بإنتاج الضأن، عن نشاطها الطبيعي بسبب القتال وانعدام الأمن وصعوبة نقل المواشي.

ويقول متعاملون في تجارة الماشية إن حركة نقل الضأن من دارفور وكردفان إلى ولايات الوسط والشمال تراجعت بشكل حاد بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف النقل والقيود المفروضة على حركة المواشي، ما تسبب في ارتفاع الأسعار في المدن الرئيسية.

وتتراوح أسعار الخراف في ولايات الوسط والشمال بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه سوداني، أي نحو 150 إلى 300 دولار أميركي، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر التي استنزفتها الحرب والتضخم وفقدان مصادر الدخل.

أطفال في أم درمان ينتظرون بلهفة وصول خروف العيد (د.ب.أ)

في المقابل، تراوحت الأسعار داخل دارفور وكردفان بين 250 و300 ألف جنيه سوداني بسبب الركود وضعف القوة الشرائية وصعوبة نقل الماشية إلى بقية أنحاء البلاد.

ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، يبدو أن ملايين السودانيين يستقبلون عيداً آخر مثقلاً بالفقد، حيث لم تعد المناسبة مرتبطة بالفرح بقدر ما أصبحت تذكيراً يومياً بحجم التحولات التي فرضتها الحرب على حياة الناس ومجتمعهم.

وفي مؤشر آخر على التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة الاجتماعية، اتجهت بعض الولايات السودانية إلى إقامة صلاة عيد الأضحى داخل المساجد بدلاً من الساحات العامة التي اعتاد السودانيون أداء الصلاة فيها لعقود.

ففي ولاية سنار، أجازت لجنة الأمن بالولاية خطة تأمينية خاصة بالعيد، تضمنت توجيهات بإقامة الصلاة داخل المساجد، بحسب «وكالة السودان للأنباء» الرسمية.

ويقول سودانيون إن غياب مشهد «صلاة الساحات» هذا العام يعكس حجم التغيرات التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية وطقوس المناسبات العامة، بعدما كانت ساحات العيد تمثل مساحة مفتوحة للتلاقي الاجتماعي وتبادل التهاني صباح العيد.


«طوابير الوقود» تُربك الليبيين قبل العيد... وتعيد للواجهة ملف التهريب

طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
TT

«طوابير الوقود» تُربك الليبيين قبل العيد... وتعيد للواجهة ملف التهريب

طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية

تتجدد أزمة نقص الوقود في ليبيا مع كل موسم، لتعيد معها مشاهد الطوابير الممتدة أمام محطات البنزين في مختلف المدن. ورغم كون البلاد منتجة للنفط، فإن اضطرابات التوزيع وازدياد التهريب و«السوق السوداء» عوامل تفاقم حدة الأزمة.

وبينما كان الليبيون يستعدون للعيد، تحولت محطات الوقود إلى ساحات ازدحام وتوتر، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مصير كميات الوقود المستوردة، وحدود نفوذ شبكات التهريب، وعجز السلطات عن احتواء أزمة باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين وتستنزف الاقتصاد.

ومع استعدادات العيد، كانت مدينة الزاوية في غرب البلاد تشهد طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فيما سجل سعر لتر البنزين في السوق الموازية قفزات كبيرة مقارنة بالسعر الرسمي، وهو مشهد بات يتكرر في مناسبات عدة، وفق ما رصده الناشط المدني عبد الرحمن شعيب لـ«الشرق الأوسط».

وترسخت هذه المعاناة بعد مقتل الشاب وائل الدوبالي، إثر تعرضه لإطلاق نار خلال مشاجرة على تعبئة الوقود داخل محطة بمدينة الزاوية، مساء الأحد، في واقعة عكست حجم التوتر الاجتماعي المرتبط بأزمة البنزين.

زحام أمام إحدى محطات الوقود في جبل نفوسة غرب ليبيا قبل عامين في مشهد يتكرر (وسائل إعلام محلية)

وفي شرق البلاد، لم يكن الوضع أفضل حالاً، إذ تزايدت طوابير السيارات أمام محطات الوقود في مدينة درنة، وهو ما دفع المدون الليبي عادل المسلاتي إلى القول إن المناسبات الدينية تحولت إلى «مواسم للآلام والضغوط النفسية».

وتأتي هذه الأزمة رغم ضخامة فاتورة استيراد المحروقات، إذ أظهرت بيانات المؤسسة الوطنية للنفط أن واردات الوقود بلغت نحو 803 ملايين دولار خلال مارس (آذار) الماضي، و917 مليون دولار في أبريل (نيسان) الماضي، وهي أرقام وصفها الباحث الاقتصادي إدريس الشريف بأنها «ضخمة مقارنة بعدد السكان»، متسائلاً: «أين ذهبت هذه الكميات؟».

مستويات «غير مسبوقة»

هذا المشهد أعاد بدوره ملف تهريب الوقود إلى الواجهة، خصوصاً بعد تقرير لـ«لجنة خبراء الأمم المتحدة» صدر الشهر الماضي، تحدث عن وصول الظاهرة إلى مستويات «غير مسبوقة» خلال العامين الماضيين، عبر شبكات تهريب تعمل من خلال موانئ ليبية وبمشاركة جهات نافذة.

وعكست صفحات التواصل الاجتماعي الليبية جانباً من الأزمة، إذ جدد رئيس المؤسسة الوطنية للإعلام في غرب ليبيا، عبد الرازق الداهش، التحذير من تطور عمليات التهريب عبر البحر. فيما رأى الصحافي الليبي محمد أبو صاع أن السبب الأكثر تأثيراً في الأزمة هو «تحول تهريب المحروقات إلى صناعة رائجة، بعد 2011 وسط غياب الرقابة والإصلاحات».

أمام هذه الأزمة، قالت شركة البريقة لتسويق النفط مساء الاثنين إن كميات البنزين الموجهة لمنطقة تشغيل طرابلس بلغت أكثر من 8.5 مليون لتر، بالتزامن مع تعزيز الإمدادات عبر الصهاريج من مستودع الزاوية النفطي إلى مستودع طرابلس النفطي.

ونفى المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط، أحمد المسلاتي، مسؤولية الشركة عن تضارب أسعار الوقود بين السوق الرسمية والموازية، مؤكداً أن «دورها يقتصر على استلام الوقود وتخزينه وتوزيعه، بينما تبدأ تحديات التهريب والتسرب غير المشروع بعد خروج الشحنات من المستودعات».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن مكافحة التهريب «ليست من الاختصاصات التنفيذية للشركة»، مشدداً على أن مواجهة الظاهرة تتطلب رقابة ميدانية وأمنية مستمرة، وتكاملاً بين الأجهزة الأمنية والرقابية والجهات المختصة بمتابعة حركة المحروقات حتى وصولها إلى المستهلك النهائي. ولافتاً إلى أن الانقسام السياسي يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل مكافحة التهريب والتسرب غير المشروع مهمةً شديدة الصعوبة.

وكان تقرير موسع صادر عن منظمة «ذا سينتري» قد كشف أن اقتصاد تهريب الوقود في ليبيا تجاوز 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، بمتوسط 6.7 مليار دولار سنوياً، مشيراً إلى تحوله إلى شبكة منظمة تضم مجموعات مسلحة وشبكات جريمة عابرة للحدود.

فساد وإهدار للمال العام

هذا الوضع بدا من منظور رئيسة قسم التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط نجوى البشتي، انعكاساً «لمرحلة ما بعد 2011 ورحيل النظام السابق»، مشيرة إلى أن أكثر من ثلث الكميات المستوردة يجري تهريبها، وفق تقارير محلية ودولية.

وأوضحت البشتي لـ«الشرق الأوسط» أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالكميات المهربة، بل بآلية تسعير الوقود المستورد، التي وصفتها بأنها «معيبة»، مؤكدةً أن أسعار الوقود المستورد تتجاوز بأكثر من 50 في المائة قيمته الفعلية، فضلاً عن إضافة «علاوة» تتجاوز 100 دولار للطن المتري، بما يعكس حجم الفساد وإهدار المال العام.

ناقلة وقود في مستودع طبرق النفطي (شركة البريقة لتسويق النفط)

وأكدت أن «مكمن الداء الحقيقي يكمن في الفساد المرتبط بآلية استيراد الوقود»، معتبرةً أن معالجة هذا الملف يجب أن تسبق أي نقاش بشأن استمرار دعم المحروقات أو رفعه.

وسبق أن قدّر تقرير ديوان المحاسبة الليبي فاقد الأموال الناتج عن بند «المبادلة» بأكثر من 9 مليارات دولار، خلال الأعوام من 2021 إلى 2023، وتشير البشتي إلى أن هذه المبالغ «لا تمثل تكلفة الدعم، بل أموال مهدرة استفادت منها أطراف محددة».

ودائماً ما تتعالى أصوات في ليبيا بضرورة رفع الدعم عن البنزين، وهي رؤية يتبناها اقتصاديون، من بينهم رجل الأعمال الليبي حسني بي، علماً بأن سعر لتر البنزين في ليبيا يبلغ 15 قرشاً، وهو الأرخص عالمياً.

غير أن الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي رأى أن أزمة المحروقات «أكثر تعقيداً من اختزالها في مسألة السعر فقط»، موضحاً أن إصلاح التسعير «مطلوب، لكنه لن يكون كافياً وحده لحل الأزمة».

وقال الشحاتي لـ«الشرق الأوسط» إن المشكلة ترتبط أيضاً بضعف قدرات التخزين، وما يترتب عليها من أزمات في التوزيع والنقل، مشيراً إلى أن تعديل الأسعار قد يسهم تدريجياً في ترشيد الاستهلاك، وتقليل الهدر، إلا أن تأثيره يحتاج إلى وقت، نظراً لأن الطلب على البنزين لا يزال غير مرن في ظل غياب بدائل فعالة للنقل العام.

وانتهى الشحاتي إلى أن أي رفع للأسعار سيؤدي إلى تراجع فائض المستهلك، وقد يدفع بعض الفئات الهشة إلى مزيد من الفقر، مشدداً على أن هذه العوامل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، عند تطبيق أي سياسة لإصلاح تسعير المحروقات.