رئيس الجزائر يعلّق على هاشتاغ «لست راضياً»

هاجم «بقايا العصابة» من فترة حكم الراحل بوتفليقة

الرئيس الجزائري مع رئيس وزرائه (على يمينه) ووزير الداخلية قبل انطلاق اجتماع الحكومة مع الولاية (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مع رئيس وزرائه (على يمينه) ووزير الداخلية قبل انطلاق اجتماع الحكومة مع الولاية (الرئاسة)
TT

رئيس الجزائر يعلّق على هاشتاغ «لست راضياً»

الرئيس الجزائري مع رئيس وزرائه (على يمينه) ووزير الداخلية قبل انطلاق اجتماع الحكومة مع الولاية (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مع رئيس وزرائه (على يمينه) ووزير الداخلية قبل انطلاق اجتماع الحكومة مع الولاية (الرئاسة)

ردّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على شعار يجري ترديده في فضاءات الإعلام الاجتماعي، منذ أسبوع، عبّر فيه أصحابه عن تذمرهم من حالة الحريات في البلاد، وأوضاعها الاقتصادية. وانتقد بشدة مسؤولين في إدارة شؤون التنمية على المستوى المحلي، عدهم من «بقايا» فترة الحكم السابقة، وحمّلهم مسؤولية «مقاومة» أعمال التسيير التي يؤديها الولاة في المحافظات.

وجمع تبون، اليوم الثلاثاء، بالعاصمة، أعضاء حكومته والمحافظين الـ58، وكوادر التسيير التنفيذي في كامل الولايات لبحث خطط التنمية لسنة 2025، و«الإصلاحات» الموعودة في قانون البلدية والولاية الجديد، الجاري إعداده حالياً.

تبون في آخر اجتماع مع حكومته (الرئاسة)

وأثار الرئيس في خطاب بالمناسبة «هاشتاغ» انتشر في المنصات الرقمية، بات مزعجاً للسلطات، عنوانه «مانيش راضي» (لست راضياً) بالعامية الجزائرية، يحمل انتقادات للأوضاع العامة في البلاد، خصوصاً ما تعلق بحرية التعبير وارتفاع معدل البطالة، وتراجع القدرة الشرائية بسبب زيادة نسب التضخم. وقال تبون بهذا الخصوص: «سنحمي هذا البلد، الذي يسري في عروق شعبه دماء الشهداء، فلا يظُنّنَ أحد أن الجزائر يُمكن افتراسها بهاشتاغ».

وفي كلام تبون ما يفهم بأن «مانيش راضي»، شعار «أجنبي المنشأ»، «تم تدبيره من طرف قوى في الخارج لضرب الاستقرار في الجزائر، بنشر اليأس وسط أبنائها»... وهذا ما يذكره الخطاب الرسمي في الفترة الحالية.

ورداً على هذا «الهاشتاغ» محل انتقاد، نشر صحافيون ومؤثرون ورموز في المجتمع في الأيام الأخيرة شعاراً مضاداً سُمي «أنا مع بلادي»، عرف رواجاً كبيراً في وسائل الإعلام، ووجد مساحة كبيرة في الإعلام الاجتماعي.

وحمل الرئيس في خطابه «على مسؤولين في البلديات والولايات، من دون ذكر أحد منهم بالاسم، كما لم يحدد وظائفهم». وقال عنهم: «نحن على علم ببقايا العصابة الذين يهددون الولاة والمسؤولين المحليين، باستعمال الأبواق لثنيهم عن أداء مهامهم».

الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (أ.ف.ب)

وغالباً ما يستعمل تبون كلمة «بقايا عصابة» للإشارة إلى أشخاص من فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، وهي مرحلة تُوصف بـ«الفساد وسوء التسيير، وإلحاق ظلم بالأطر النزهاء في الدولة». وحسب تبون، يتعرض المحافظون لـ«مقاومة» من طرف «بقايا العصابة»، وهم ينفذون خطط التنمية، فيتم افتعال مشاكل لثنيهم عن عملهم، بواسطة «الأبواق»، التي ترمز إلى حملات في الإعلام الاجتماعي، موجهة ضد المحافظين، في تقدير الرئيس وحكومته.

يشار إلى أن عشرات المسؤولين من المرحلة السابقة يقضون عقوبات طويلة الأمد في السجن، بعد إدانتهم بتهم «الفساد»، من بينهم ثلاثة رؤساء حكومات سابقين، وشقيق بوتفليقة كبير المستشارين بالرئاسة سابقاً، وأكثر من 15 وزيراً، والعديد من رجال الأعمال المقربين من السلطة، ومديرين للمخابرات سابقاً، والعديد من كوادر الجيش. كما أصدر القضاء أوامر دولية بالقبض على وزراء ومسؤولين عسكريين غادروا البلاد إثر تنحي بوتفليقة عام 2019 تحت ضغط الحراك الشعبي.

السعيد بوتفليقة (الشرق الأوسط)

كما أطلق تبون في خطابه تعهدات بتوفير الحماية للمحافظين من احتمال تعرضهم للمتابعة القضائية، وقال في هذا السياق: «أكررها مجدداً... على الولاة أن يعلموا بأنهم تحت الحماية، مع الأخذ بعين الاعتبار الأخطاء الإدارية التي يسقطون فيها، ما لم تكن فساداً واضحاً بكل الأوصاف».

ومن أهم ما يلفت خلال السنوات الأخيرة من تسيير الشأن العام أن الولاة يترددون في إطلاق مشروعات تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً، خوفاً من أن يكون مصيرهم السجن، كما حدث للكثير من الولاة في وقت سابق. وفي مرات عديدة، حاول تبون طمأنتهم بأن الدولة تضمن سلامتهم وتوفر لهم الأمان، حتى لا تتعطل المشروعات.

من جهة أخرى، طلب تبون من المسؤولين في المحافظات «احترام النظام الإداري لاستقبال المواطنين، خصوصاً الشباب منهم للاستماع لانشغالاتهم». كما طالب بـ«إيجاد صيغ لمنح عقارات لإنشاء نشاطات مهنية صغيرة لأصحاب الحرف، في مناطق مخصصة». ووعد بـ«مكافحة البيروقراطية التي تدمر حياة المواطنين اليومية، بالرقمنة الشاملة التي اقترب تعميمها».


مقالات ذات صلة

الجزائر تنقل مخلفات ألغام الاستعمار إلى واجهة النقاش الدولي

شمال افريقيا الجيش الجزائري ينزغ ألغاماً بغرب البلاد (وزارة الدفاع)

الجزائر تنقل مخلفات ألغام الاستعمار إلى واجهة النقاش الدولي

بعد مرور أكثر من 64 عاماً على استقلال الجزائر، لا يزال ملف الألغام المضادة للأفراد الموروثة عن الحقبة الاستعمارية يشغل حيزاً بارزاً في سياستها الخارجية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية منتخب مصر أحد 3 منتخبات عربية تأهلت إلى دور الـ32 بالمونديال (أ.ب)

«مونديال 2026»: قلوب المشجعين العرب تتحول إلى المغرب ومصر والجزائر

لا تزال آمال المتابعين العرب للمونديال معلقة بـ3 منتخبات تخوض منافسات دور الـ32 الذي لا يعرف سوى منطق الفوز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون حملة الانتخابات في أوساط المهاجرين بالخارج (السلطة)

انتخابات الجزائر... حملة «بلا حشود» تبحث عن الناخب المفقود

بدأ أفراد الجالية الجزائرية في الخارج، السبت، التصويت في انتخابات البرلمان المقررة الخميس المقبل داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة سعودية رياض محرز خلال مباراة الجزائر والأردن (د.ب.أ)

مصادر لـ «الشرق الأوسط»: رياض محرز يريد الاستمرار مع الأهلي لسنة رابعة

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن النجم الجزائري رياض محرز يريد الاستمرار مع النادي الأهلي، وإكمال عقده حتى نهايته.

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة عربية أمنيات بفرحة جزائرية بالتأهل (أ.ب)

مونديال 2026: مهمة مزدوجة للجزائر لتكرار إنجاز 2014

تخوض الجزائر مهمة مزدوجة السبت عندما تلاقي النمسا في كانساس سيتي في الجولة الثالثة الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (موريستاون (الولايات المتحدة))

شروط تسليم الفدية ومخاوف التدخل الأمني تعرقل تحرير البحارة المصريين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقبال السفير الصومالي بالقاهرة في مايو الماضي (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقبال السفير الصومالي بالقاهرة في مايو الماضي (الخارجية المصرية)
TT

شروط تسليم الفدية ومخاوف التدخل الأمني تعرقل تحرير البحارة المصريين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقبال السفير الصومالي بالقاهرة في مايو الماضي (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقبال السفير الصومالي بالقاهرة في مايو الماضي (الخارجية المصرية)

​تقترب أزمة البحارة المصريين المختطفين على متن ناقلة النفط «إم تي يوركا» قبالة السواحل الصومالية، من إتمام شهرها الثاني، بينما تبدو المفاوضات مع الخاطفين أقرب إلى الحسم من أي وقت مضى؛ رغم أنها لا تزال عالقة عند مرحلة حساسة مع استمرار الخلاف حول آلية تسليم الفدية، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تحرك أمني إلى تقويض الاتفاق وتعريض المحتجزين للخطر.

وكان مسلحون قد استولوا على الناقلة في الثاني من مايو (أيار) الماضي قبالة سواحل محافظة شبوة اليمنية، قبل اقتيادها عبر خليج عدن إلى السواحل الصومالية وعلى متنها 12 بحاراً، بينهم 8 مصريين والأربعة الآخرون هنود.

وحسب رئيس نقابة الضباط البحريين المصريين، السيد الشاذلي، فإن المفاوضات تجاوزت بالفعل الخلاف بشأن قيمة الفدية؛ لكنها لا تزال متوقفة عند ترتيبات نقل الأموال وتسليمها للخاطفين، وهو ما يتطلب تنسيقاً أمنياً وإجراءات رسمية معقدة؛ مشيراً إلى أن الدور الرئيسي حالياً يقع على عاتق وزارة الخارجية المصرية، لتذليل العقبات والإسراع في عودة البحارة.

وأوضح الشاذلي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن الاتفاق على قيمة الفدية أُنجز بين القراصنة والشريك اليمني لمالك السفينة، وأنها بلغت نحو 2.25 مليون دولار، بعد أن تراجعت عن 3 ملايين دولار كان يطلبها الخاطفون، إلا أن التنفيذ تعثر بسبب إصرارهم على نقل الأموال جواً، وإلقاء الحقيبة في محيط موقع احتجاز السفينة.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية- رويترز)

ويعزو الشاذلي تشدد القراصنة في هذه الجزئية إلى مخاوفهم من اتساع نطاق العمليات الأمنية التي تنفذها السلطات الصومالية، وهو ما يفسر استعجالهم إتمام الصفقة، ومطالبتهم بسرعة استكمال إجراءات تسليم الفدية. وهو يرى أن هذه العقبة اللوجستية والأمنية أصبحت حالياً «العائق الوحيد» أمام الإفراج عن البحارة، بعدما حُسمت بقية الملفات المرتبطة بالمفاوضات.

من جانبها، بادرت وزارة الخارجية المصرية، مساء الاثنين، إلى التأكيد على استمرار تحركاتها الدبلوماسية لتأمين سلامة أفراد الطاقم، مشيرة إلى أن الاتصالات مع السلطات الصومالية وكل الجهات المعنية لم تتوقف منذ وقوع الحادث.

ووجَّه وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، بدر عبد العاطي، بمواصلة المتابعة اليومية لحادث اختطاف السفينة، بينما تواصل السفارة المصرية في مقديشو اتصالاتها على أعلى المستويات، لضمان توفير أوضاع معيشية مناسبة للبحارة المصريين، والعمل على سرعة الإفراج عنهم، إلى جانب إتاحة وسائل تواصل مباشرة بينهم وبين أُسَرهم.

كما كلف الوزير السفارة المصرية في الرياض، المعتمدة لدى الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع السلطات اليمنية ومالك السفينة، بينما أوعز إلى القطاع القنصلي بعقد لقاءات دورية مع أُسر البحارة لاطلاعهم على مستجدات الجهود المصرية.

محمد راضي المحسب أحد البحارة المصريين المخطوفين (حسابه على فيسبوك)

وبينما تتواصل التحركات الرسمية، لا يزال القلق يخيم على أُسَر البحارة المصريين المحتجزين، (وهم: محمد المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود المكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر) وهو ما تعكسه رسائل ذويهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتداولت صفحات على مواقع التواصل مقطعاً مصوراً للطفل زين، نجل أحد البحارة المحتجزين، يناشد فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التدخل للإفراج عن والده، معرباً عن أمله في أن يعود ليشاركه فرحته بنجاحه الدراسي.

وأبدى العميد الأسبق لمعهد النقل الدولي واللوجستيات، محمد علي إبراهيم، اطمئنانه إزاء إمكانية انتهاء الأزمة عبر التوصل إلى اتفاق بشأن الفدية، عاداً هذه «الآلية الأكثر واقعية في ظل سوابق مماثلة، بينما تبقى الخيارات الأمنية شديدة الخطورة؛ لأنها قد تعرض حياة المحتجزين للخطر؛ خصوصاً في ظل محدودية المعلومات الاستخباراتية عن أماكن احتجازهم وظروفهم».

وتعيد الأزمة الحالية إلى الواجهة تهديدات القرصنة البحرية التي بلغت ذروتها قبالة سواحل القرن الأفريقي عام 2008، قبل أن تتراجع بصورة كبيرة خلال السنوات التالية؛ لكنها عادت إلى الظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023 بالتزامن مع تصاعد الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، وما ترتب عليها من زيادة المخاطر التي تواجه الملاحة الدولية.

ولا يفصل إبراهيم - في حديثه لـ«الشرق الأوسط» - بين الأزمة الحالية وواقع الأمن البحري في المنطقة، معتبراً أن الحادثة «تعيد التأكيد على الحاجة إلى تعاون إقليمي بين الدول المطلة على البحر الأحمر وبحر العرب، لمواجهة ظاهرة القرصنة من خلال تنسيق أمني واستخباراتي».

وبالنسبة للتعاون الدولي، لم يُبدِ إبراهيم حماساً للتعويل عليه، قائلاً: «الدول الكبرى تتحرك في المقام الأول وفقاً لمصالحها، ولذلك فإن الرهان الأساسي ينبغي أن يكون على تعاون إقليمي مباشر بين الدول المعنية بهذه الظاهرة».


دعوة أممية لإصلاح قطاع النفط الليبي وتعزيز الشفافية

نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الاثنين (البعثة الأممية)
نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الاثنين (البعثة الأممية)
TT

دعوة أممية لإصلاح قطاع النفط الليبي وتعزيز الشفافية

نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الاثنين (البعثة الأممية)
نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الاثنين (البعثة الأممية)

تكثّفت الأمم المتحدة ضغوطها باتجاه إصلاح قطاع النفط وتعزيز الشفافية والحوكمة الاقتصادية، في تحرك متصاعد يعكس تنامي القناعة الدولية بأن إدارة الثروة النفطية أصبحت أحد المفاتيح الرئيسية لأي تسوية سياسية مستدامة في ليبيا.

وجاء أحدث هذه التحركات عبر لقاء نائبتي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، الاثنين، مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك؛ لبحث إصلاحات الحوكمة، والمساءلة المؤسسية، مع تركيز خاص على قطاع النفط، بحسب بيان للبعثة الأممية، الثلاثاء.

وركّز الاجتماع على نتائج تقارير رقابية حديثة، تُعنى بالنفط والأدوية، مع التشديد على أن «حماية الموارد العامة وصون مصالح المواطنين يستلزمان تعزيز الشفافية والمساءلة والرقابة الفاعلة». كما شددت البعثة الأممية على أن «مرحلة تشخيص الاختلالات يجب أن تعقبها إصلاحات عملية، وإجراءات تنفيذية ملموسة».

مصفاة رأس لانوف النفطية في ليبيا (متداولة)

ويأتي هذا التحرك الأممي بعد أقل من أسبوعين على إحاطة المبعوثة هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن، التي ربطت أزمة نقص الوقود التي شهدتها طرابلس ومدن الجنوب خلال شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) الماضيين باستمرار «شبكات تهريب الوقود المدعوم»، معتبرة أن الأزمة كشفت مجدداً عن «هشاشة منظومة الدعم، واستمرار أوجه القصور في إدارتها».

وتتزامن هذه الرسائل مع تنامي التقارير الرقابية المحلية والدولية، في مؤشر على انتقال ملف النفط من كونه مجرد قضية إنتاج وإيرادات إلى أحد أبرز ملفات الإصلاح السياسي والمؤسسي، بالنظر إلى ارتباط إدارة عائداته باستقرار الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها.

وفي هذا السياق، ترى رئيسة قسم العقود السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، أن «الاهتمام الدولي المتزايد بإصلاح قطاع النفط يعكس إدراكاً بأن أي تسوية سياسية مستدامة لن تكون ممكنة من دون معالجة الاختلالات التي يعانيها هذا القطاع، بوصفه المصدر الرئيسي لثروة الليبيين، وأحد أبرز أسباب الصراع منذ عام 2011».

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)

وقالت البشتي في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إن قطاع النفط «يواجه اختلالات متراكمة في الحوكمة والشفافية تحدّ من قدرة ليبيا على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، في وقت تتردد فيه الشركات العالمية في ضخ استثمارات جديدة مع استمرار شبهات الفساد، وضعف البيئة المؤسسية، وهشاشة الأوضاع السياسية والأمنية».

وأضافت البشتي موضحة أن هذه المخاوف «تتزايد» في أعقاب مذكرات التفاهم الأخيرة الموقعة مع شركات أميركية، خصوصاً وأن تجارب سابقة أظهرت حساسية المستثمرين الدوليين تجاه ملفات الشفافية»، مستشهدة بـ«انسحاب شركات أميركية من عروض للتنقيب خلال عهد الرئيس الراحل معمر القذافي بسبب شبهات فساد، رغم تمتع البلاد آنذاك بدرجة أعلى من الاستقرار مقارنةً بالوضع الراهن».

وتعزز التقارير الرقابية هذه المخاوف؛ إذ كشف تقرير مشترك لديوان المحاسبة و«الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد» عن اختلالات مالية وتشغيلية واسعة في ملف المحروقات، وخسائر سنوية بمئات الملايين من الدولارات، إلى جانب الأعباء الناجمة عن استمرار توقف مصفاة رأس لانوف منذ عام 2013.

كما أظهرت البيانات الرقابية تراجع عدد الشركات العالمية الموردة للوقود إلى ليبيا، من 17 شركة في عام 2022 إلى ست شركات فقط خلال عامي 2023 و2024، بما يثير تساؤلات بشأن مستوى المنافسة، وشفافية التعاقدات في أحد أكبر أبواب الإنفاق العام.

وتنسجم هذه المؤشرات مع ما خلص إليه أحدث تقرير لفريق الخبراء الأممي في أبريل، الذي وثّق بلوغ تهريب النفط والوقود مستويات «غير مسبوقة» خلال العامين الماضيين. وسبق ذلك تقرير صادر عن منظمة «ذا سينتري»، قدّر اقتصاد تهريب الوقود في ليبيا بأكثر من 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وذلك بمتوسط سنوي يقارب 6.7 مليار دولار، مع تحول هذه التجارة إلى نشاط منظم تشارك فيه مجموعات مسلحة، وشبكات جريمة عابرة للحدود.

وفي ظل هذه المؤشرات، صعّدت السلطات القضائية الليبية تحركاتها بإصدار أوامر بحبس مسؤول المبيعات في شركة «البريقة» لتسويق النفط، ومديري خمس شركات لتوزيع الوقود احتياطياً، على خلفية شبهات تتعلق بتسهيل تهريب المحروقات وتحويل مسارات الإمداد. فيما أكدت الشركة تعاونها مع التحقيقات وتمسكها باحترام المسار القضائي.

تنامي القناعة الدولية بأن إدارة الثروة النفطية أصبحت أحد المفاتيح الرئيسية لأي تسوية سياسية مستدامة في ليبيا (الشرق الأوسط)

ويربط الباحث المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، بين تصاعد الاهتمام الدولي بقطاع النفط وتعثر المسار السياسي، انطلاقاً من أن الفصل بين الأزمتين الاقتصادية والسياسية لم يعد ممكناً.

وقال حرشاوي، في حديثه أيضاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «أي تقدم في العملية السياسية يظل رهناً بتحقيق قدر أكبر من الشفافية في إدارة الموارد المالية والاقتصادية، بينما سيؤدي استمرار الاختلالات داخل المؤسسة الوطنية للنفط، وملفات الوقود والطاقة إلى إبقاء الجمود السياسي على حاله، وهو ما بات يحظى بإدراك واسع لدى الدبلوماسيين المعنيين بالملف الليبي».


أزمة إعفاء رئيس الاستخبارات تتصاعد داخل «الرئاسي» الليبي

صورة متداولة لتسلم مليقطة ونائبه مقراً لجهاز المخابرات فى العاصمة طرابلس
صورة متداولة لتسلم مليقطة ونائبه مقراً لجهاز المخابرات فى العاصمة طرابلس
TT

أزمة إعفاء رئيس الاستخبارات تتصاعد داخل «الرئاسي» الليبي

صورة متداولة لتسلم مليقطة ونائبه مقراً لجهاز المخابرات فى العاصمة طرابلس
صورة متداولة لتسلم مليقطة ونائبه مقراً لجهاز المخابرات فى العاصمة طرابلس

احتدم الصراع داخل المجلس الرئاسي الليبي، بعدما نفى عضو المجلس موسى الكوني، موافقته على قرار رئيس المجلس محمد المنفي، بإعفاء حسين العايب من رئاسة جهاز المخابرات العامة، وتعيين عبد المجيد مليقطة رئيساً جديداً للجهاز، ونائبه عبد الشفيع بوزلاعة.

ورغم احتدام الخلافات بين أعضاء المجلس بشأن رئاسة الجهاز، تسلّم مليقطة وبوزلاعة، اللذان عيّنهما المنفي، مساء الاثنين، مقرَّي إدارتَي «المهام» بطريق المطار، و«مكافحة الجريمة المنظمة» بمنطقة السراج في العاصمة طرابلس، التابعتين للجهاز، إلى جانب مقرات حيوية أخرى، إيذاناً ببدء مباشرة الجهاز مهامه رسمياً برئاسة مليقطة.

في المقابل، جدّد الكوني رفضه قرار المنفي، مؤكداً مجدداً عدم موافقته عليه، وحذر من أن «أي تغيير في القيادة يفتقر إلى الإجماع يعد معدوماً، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وقال الكوني في رسالتين وجههما إلى كبار المسؤولين الماليين والرقابيين وضباط جهاز المخابرات، إن القرار «يفتقر إلى الشرط الجوهري، المتمثل في صدوره عن المجلس مجتمعاً، وفقاً لأحكام الاتفاق السياسي».

كما حذر الكوني، في خطاب وجهه إلى كلٍّ من النائب العام، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيسي ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، من اتخاذ أي إجراءات تنفيذية أو تغيير المخولين بالتوقيع على الحسابات المالية الخاصة بجهاز المخابرات العامة، مشدداً على أن «أي تصرف في الأموال استناداً إلى هذا القرار يعد جريمة صريحة تُعرِّض مرتكبيها للمساءلة القانونية».

ودعا الكوني ضباط وجنود ومنتسبي جهاز المخابرات الليبية إلى «الحفاظ على الانضباط المؤسسي، وعدم الاستجابة لأي تعليمات تترتب عليها آثار إدارية، أو مالية تمس المركز القانوني للجهاز»، مؤكداً أن «الوضع القانوني والإداري للمخابرات سيظل على ما هو عليه إلى حين استكمال الإجراءات القانونية الصحيحة، والتوافق على اختيار رئاسة الجهاز».

وشهدت العاصمة طرابلس خلال اليومين الماضيين توتراً على خلفية قرار إعفاء حسين العايب، وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة جهاز المخابرات، وسط تحشيد من الموالين للطرفين.