مقديشو تشهد أول انتخابات محلية مباشرة منذ عقود

المعارضة ترفض المشاركة فيها والمحللون يعدُّونها اختباراً لرئاسة 2026

مواطنة صومالية ترفع بطاقتها الانتخابية خلال تجمع لدعم إجراء الانتخابات المحلية (وكالة الأنباء الصومالية)
مواطنة صومالية ترفع بطاقتها الانتخابية خلال تجمع لدعم إجراء الانتخابات المحلية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

مقديشو تشهد أول انتخابات محلية مباشرة منذ عقود

مواطنة صومالية ترفع بطاقتها الانتخابية خلال تجمع لدعم إجراء الانتخابات المحلية (وكالة الأنباء الصومالية)
مواطنة صومالية ترفع بطاقتها الانتخابية خلال تجمع لدعم إجراء الانتخابات المحلية (وكالة الأنباء الصومالية)

يشهد الصومال حالة من الزخم والترتيبات الواسعة استعداداً لأول انتخابات مباشرة منذ نحو ستة عقود، مع الاقتراع على أعضاء المجالس المحلية لإقليم بنادر الذي يضم العاصمة مقديشو، الخميس.

تلك الترتيبات والمساعي المكثفة حكومياً يُنظر لها، بحسب خبير في الشؤون الصومالية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، على أنها توجُّه من الحكومة لدعم أكبر مشاركة تُحقق صحة موقفها من الانتخابات المباشرة، خاصة أن الاقتراع يُعد اختباراً جديداً لإمكانية عقد الانتخابات الرئاسية الصومالية عام 2026، في ظل تحفظات المعارضة.

وكان نظام التصويت المباشر قد أُلغي في الصومال بعد تولي الرئيس محمد سياد بري السلطة عام 1969. ومنذ سقوط حكومته في 1991، يقوم النظام السياسي في البلاد على هيكل قبلي.

حملات حزبية في شوارع العاصمة الصومالية مقديشو لتشجيع الناخبين على المشاركة في الانتخابات (إ.ب.أ)

وقد تأجلت الانتخابات التي ستُجرى، الخميس، بنظام «شخص واحد صوت واحد» ثلاث مرات هذا العام. ومن المتوقع تنظيم انتخابات رئاسية العام المقبل، مع انتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود.

ولفتت وكالة الأنباء الصومالية (صونا)، الأربعاء، إلى أن انتخابات الخميس ستُجرى في المديريات الست عشرة بمحافظة بنادر، حيث يتوجه المواطنون إلى مراكز الاقتراع لاختيار من يمثلهم في المجالس المحلية لأول مرة منذ 1969.

«محطة مفصلية»

وأعلنت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود عن تسجيل مليون ناخب و20 من التنظيمات السياسية، لافتة إلى أن 1604 مرشحين يتنافسون في انتخابات المجالس المحلية.

وأوضح متحدث اللجنة عبد الفتاح فيصل حسين، الأربعاء، أن التصويت سيجري في 16 دائرة انتخابية موزعة على 213 مركز اقتراع و523 موقع تصويت.

وأعلنت هيئة الطيران المدني، الأربعاء، أن جميع الرحلات الجوية من مقديشو وإليها ستُعلّق الخميس خلال فترة الانتخابات، تزامناً مع تنفيذ خطة واسعة أعلنتها الأجهزة الأمنية الصومالية، تقضي بنشر نحو عشرة آلاف من عناصر الشرطة لتأمين الاقتراع، وفق ما أعلنه وزير الأمن الداخلي عبد الله شيخ إسماعيل، الأحد.

تجمع جماهيري يقوده رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري في مديرية كاران بمحافظة بنادر دعماً لإجراء الانتخابات المحلية المباشرة (وكالة الأنباء الصومالية)

وأعلن رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود عبد الكريم حسن، الثلاثاء، أن اللجنة ستنشر نحو خمسة آلاف موظف في مراكز التصويت بالعاصمة للإشراف على الانتخابات التي وصفها بأنها «محطة مفصلية في مسار التحول الديمقراطي في الصومال».

وقاد رئيس الوزراء حمزة عبدي بري تجمعاً جماهيرياً، الاثنين، في مديرية كاران بمحافظة بنادر، دعماً لإجراء الانتخابات المحلية المباشرة، مشدداً على أهمية المشاركة الشعبية في تقرير المصير السياسي.

وكان قد تقرر تأجيل الانتخابات المحلية في مقديشو عن الموعد المقرر سابقاً في 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، لتوفير «وقت إضافي لإعداد مرشحيها، واستكمال الترتيبات اللوجستية» قبل التصويت لضمان مشاركة أكبر، وفق ما أعلنه وقتها عبد الكريم حسن.

موقف المعارضة

ويرى الخبير في الشؤون الصومالية، عبد الولي جامع بري، أن ترتيبات الحكومة بشأن الانتخابات لها تأثيرات مهمة على الحشد الشعبي والمشاركة بعد عقود من الغياب الديمقراطي، خاصة أنها تأتي وسط تحفظات المعارضة التي قررت عدم المشاركة فيها.

وأعلن «مجلس مستقبل الصومال»، الذي يضم قوى سياسية معارضة، في ختام اجتماع عقده المجلس بمدينة كيسمايو الأسبوع الماضي رفضه الانتخابات المحلية، قائلاً إنها عملية «أحادية الاتجاه» تفتقر إلى التوافق الوطني. ومنح المجلس الرئيس حسن شيخ محمود مهلة لمدة شهر واحد لعقد حوار شامل لتجنب «فراغ دستوري محتمل وصراعات سياسية قد تهدد الاستقرار».

موظفون حكوميون بالصومال خلال توزيع بطاقات الاقتراع (وكالة الأنباء الصومالية)

وعقَّب الرئيس الصومالي، الثلاثاء، في فعالية انتخابية لحزب «العدالة والتضامن» الحاكم في مقديشو، قائلاً: «لقد استخلصنا نقطة واحدة من نتائج مؤتمر كيسمايو، وهي فتح باب الحوار والحوار مفتوح، وقد استجابت الحكومة رسمياً لهذا الطلب»، محذراً من مخاطر تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات مسلحة.

«اختبار حقيقي»

يتصاعد الجدل داخل الصومال بشأن الانتخابات المباشرة المرتقبة عام 2026، بعد 57 عاماً من آخر اقتراع، والذي أُجري عام 1968، والتي تأتي بديلاً عن نظيرتها غير المباشرة في عام 2000، التي كانت تعتمد في الأساس على المحاصصة القبلية في ولايات البلاد الخمس، والتي جرى العمل بها بعد «انقلابات وحروب أهلية»، وفي ظل سيطرة أربع عشائر كبرى هي: هوية، ودارود، ورحنوين، ودِر.

وعلى مدى عام تقريباً، تصاعدت الأزمة السياسية بقوة، وكانت العودة لاستكمال دستور 2012 المؤقت هي الشرارة الأبرز التي فاقمت الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وولايتي بونتلاند وجوبالاند من جانب، و«منتدى الإنقاذ الصومالي» من جانب آخر.

واشتدت الخلافات بين الرئيس الصومالي والمعارضة بعد تأسيسه حزب «العدالة والتضامن» في 13 مايو (أيار) الماضي، وتسميته مرشحاً للحزب في الانتخابات المباشرة المقبلة، وسط تحركات للمعارضة وتشكيل تحالفات.

ويرى خبير الشأن الصومالي جامع بري أن الانتخابات الحالية قد تفتح الطريق لتفاهمات حول الرئيس في المستقبل، لكن الواقع لا يزال معقداً، خاصة والمعارضة لديها تحفظات حقيقية.

وقال في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «المعارضة ترى في المسار الحالي انتخابات غير متوازنة، وربما غير دستورية أو غير شاملة كلياً، مما قد يحدّ من مشاركة شرائح واسعة من المواطنين إذا شعرت بأن العملية ليست عادلة أو أنها تمثيلية».

وهو يعتقد أن النظام يراهن على تحول سياسي حقيقي نحو الديمقراطية عبر الانتخابات المباشرة التي تعد اختباراً حقيقياً لرئاسيات 2026، لكن المعارضة ستبقى لديها تحفظات عميقة على طريقة تنظيم الانتخابات ومسارها، وتبقى نتائج الحوار المنتظر هي الفيصل في تحديد المستقبل.


مقالات ذات صلة

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

العالم العربي رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر تعاون إسرائيل مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ اعترفت به في ديسمبر الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

وسط تحركات أميركية لرأب الصدع بين القاهرة وأديس أبابا في أزمة «سد النهضة»، خرجت إثيوبيا بانتقادات لمصر بشأن علاقاتها بدول الجوار وعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

تتواصل الإدانات - لا سيما الصومالية - منذ نحو 5 أشهر، بينما تعمق إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به في ديسمبر (كانون الأول) الماضي

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

بعد نحو أسبوع من زيارة مصرية لإريتريا، وتأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا القاهرة بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر.

محمد محمود (القاهرة)

دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
TT

دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

دعا حقوقيون ليبيون الأجهزة الأمنية في البلاد إلى وقف «الاحتجاز التعسفي» و«سياسات إذلال البشر»، و«تصفير السجون»، وذلك على خلفية عفو أطلقته سلطات شرق البلاد عن عدد من السجناء بداعي «ترسيخ الاستقرار».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

واعتبر الحقوقي الليبي، طارق لملوم، عملية الإفراج عن 250 شخصاً من سجن قرنادة في بنغازي بادرة «تستحق الترحيب»، وقال إن «أي خطوة تؤدي إلى إنهاء معاناة المحتجزين، وتخفيف الظلم عنهم تُعد تحركاً إيجابياً، ومهماً؛ بغض النظر حالياً عن تفاصيل الترتيبات التي قادت إليها، أو ما إذا كانت جزءاً من مسار قانوني مكتمل وواضح».

ورأى لملوم في تصريح صحافي ضرورة أن «تتم تسوية أوضاع المفرج عنهم بصورة قانونية وإنسانية تحفظ كرامتهم وحقوقهم، وأن يحصل كل من تعرض للاحتجاز التعسفي أو الظلم على حقه في الإنصاف، والتعويض، والاعتذار، وجبر الضرر، وفق القانون ومبادئ العدالة».

وقال: «آمل أن تكون هذه الخطوة رسالة إلى جميع الجهات والمقرات والسجون وأماكن الاحتجاز في ليبيا بضرورة التوقف عن سياسات التوسع في الاحتجاز التعسفي»، داعياً إلى أن «يكون إنفاذ القانون قائماً على العدالة واحترام الكرامة الإنسانية، لا على الانتقام، أو التعسف، أو استغلال النفوذ».

لقطة من الداخل لسجن مدينة زليتن شرق طرابلس (غيتي)

وكان مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد رصد مخالفات قانونية وإنسانية عدة، في تقرير سابق جاء تحت عنوان: «تجاوزات خلف القضبان»، وقال إنه «لا تتوافر أرقام دقيقة عن عدد المحتجزين، ومراكز الاحتجاز الموجودة في ليبيا. كما أنه لا توجد إحصاءات بشأن مراكز الاحتجاز التابعة شكلياً لوزارتي الداخلية والدفاع، ولا تلك التي تديرها المجموعات المسلحة مباشرة».

ولفت لملوم إلى أن «الترحيب بالإفراج عن هؤلاء المحتجزين لا يعني إغلاق هذا الملف، أو طي صفحة الانتهاكات»، مشدداً على ضرورة أن «من تعرض للضرر أو الظلم، حتى وإن أُفرج عنه لاحقاً، يبقى من حقه المطالبة بالإنصاف، والمحاسبة القانونية لكل من تسبب في احتجازه، أو إساءة معاملته خارج إطار القانون».

واتفق حقوقيون ليبيون مع دعوة لملوم، كما شددوا على ضرورة أن تشمل هذه الإجراءات «تصفير السجون» في جميع أنحاء ليبيا.

في السياق ذاته، استغل أحمد عبد الحكيم حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، عملية إطلاق سراح 250 موقوفاً في بنغازي، ودعا إلى «تصفير السجون» في عموم البلاد.

وأكد حمزة لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة إطلاق سراح من انقضت مدة محكوميتهم، أو من صدر بحقه حكم بالبراءة، وأن يتم الإفراج عنهم»، كما شدد على أهمية إخلاء سبيل المعتقلين على خلفية آرائهم السياسية.

ورحب حمزة بعملية الإفراج عن دفعة من السجناء بسجن قرنادة، وتسوية أوضاعهم ومراكزهم القانونية ممن انطبقت عليهم شروط قرار العفو العام عن باقي العقوبة الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء.

ودعا إلى «الاستمرار في مراجعة ملفات السجناء بصورة دورية، وتفعيل آليات الرقابة، والإشراف، والمتابعة داخل السجون، ومرافق الاحتجاز، بما يضمن احترام حقوق السجناء، والكرامة الإنسانية، وترسيخ مبادئ العدالة، وسيادة القانون».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

وكان صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، قد بحث مع رئيس «اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء والسجون»، المستشار إبراهيم بوشناف، التحضيرات النهائية لتنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط والضوابط.

وقالت القيادة العامة مساء الأحد إن الفريق صدام حفتر اطّلع خلال الاجتماع على آخر التحضيرات التي تتخذها اللجنة الوطنية بشأن تنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط، والتي شملت أكثر من 250 سجيناً، مشيرة إلى أن ذلك يأتي «ضمن تدابير قانونية وإنسانية استثنائية لمعالجة تداعيات المراحل السابقة، وفي إطار مشروع الاستقرار الوطني».

وتأتي هذه الجهود، وفقاً للقيادة العامة، «دعماً لمساعي العفو، ولمّ الشمل، وترسيخ الاستقرار، والمصالحة الوطنية».


توافق مصري - أميركي على دعم الشراكة وتعزيز التعاون الأمني

محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)
محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

توافق مصري - أميركي على دعم الشراكة وتعزيز التعاون الأمني

محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)
محادثات وزير الخارجية المصري وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي في القاهرة يوم الاثنين (صفحة الخارجية على «فيسبوك»)

في إطار تحرك مصري لتنشيط قنوات التواصل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، جرت محادثات في القاهرة يوم الاثنين، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وعضو «لجنة الخدمات العسكرية» بمجلس النواب الأميركي إبراهام حمادة، تناولت «دعم الشراكة وتعزيز التعاون الأمني».

وأعرب عبد العاطي عن تطلع بلاده لمواصلة تعزيز التعاون مع الكونغرس بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة للبلدين، كما استعرض الدور الذي تضطلع به مصر في «دعم الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط»، مشيراً إلى «الجهود التي تبذلها لاحتواء التصعيد الراهن وخفض التوتر ودعم المسار التفاوضي الأميركي - الإيراني والدفع بالحلول الدبلوماسية».

فيما أشار حمادة إلى تقديره للشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين، لافتاً إلى «حرصه على دعم أطر التعاون المشترك، ومواصلة التنسيق بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك».

المصالح المشتركة

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، رخا أحمد حسن، أن اللقاءات الرسمية المتكررة والاتصالات بين القاهرة وواشنطن «تقلل مواطن الخلافات وتوضح الصورة، لأن مصر قوة إقليمية لها اعتبارها، والولايات المتحدة تسعى في التعرف على موقفها، لذا فالمصالح مشتركة».

ترمب خلال لقاء السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية الواقعية، الولايات المتحدة لها دور كبير جداً في المنطقة، خصوصاً في الصراع العربي - الإسرائيلي، وهي الطرف الدولي الوحيد الذي يستطيع التأثير على إسرائيل وعلى الأطراف الأخرى المؤيدة أو المعارضة لتل أبيب».

وأعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تقديره للشراكة الممتدة بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأشاد بالدور الذي يضطلع به السيسي في تحقيق التنمية والاستقرار السياسي والأمني في مصر، وكذلك في دعم السلم والاستقرار الإقليميين.

وقال حسن: «هناك تعاون في مشروعات عديدة بين مصر والولايات المتحدة، سواء تعليمية أو ثقافية أو تكنولوجية، ومحادثات وزير الخارجية وعضو لجنة الخدمات العسكرية بالكونغرس تؤكد الناحية العسكرية في إطار ما هو قائم فعلاً من تعاون بين البلدين، حتى وإن اختلفت وجهات النظر حول بعض الموضوعات».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي النائب الأميركي إبراهام حمادة في القاهرة يوم الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وحسب إفادة للمتحدث باسم وزارة الخارجية تميم خلاف، الاثنين، فإن اللقاء تناول سبل دعم الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، كما تطرق إلى عدد من القضايا الإقليمية الأخرى وفي مقدمتها تطورات القضية الفلسطينية.

واستعرض عبد العاطي خلال المحادثات محددات الموقف المصري إزاء التطورات في غزة والضفة الغربية، مبرزاً الجهود التي تبذلها مصر لدعم الاستقرار الإقليمي.

الدعم الاقتصادي

وحول التعاون بين مصر والولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة خصوصاً مع تداعيات الحرب الإيرانية، قال حسن: «الرئيس ترمب خلال فترة حكمه الأولى عندما زاره الرئيس السيسي في واشنطن، أبدى إعجابه بتحمل الشعب المصري للبرنامج الاقتصادي وما يتضمنه من بعض الصعوبات المعيشية، ووعد حينها بأنه سوف يساعد اقتصادياً؛ إلا أن كل ما تم تنفيذه هو دعم مطالب مصر في المنظمات المالية الدولية، ولم نشهد مشروعات أميركية ضخمة خلال الفترة الأخيرة باستثناء بعض مشروعات بسيطة في الطاقة والغاز».

وتابع: «في المقابل فإن روسيا قدمت عرضاً غير مسبوق بمشروع محطة الضبعة لإنتاج الطاقة الكهربائية، حيث ستموله بالكامل لحين الإنتاج، فضلاً عن المنطقة الاقتصادية الروسية».

وتقيم روسيا عدداً من المشروعات الكبرى في مصر، من بينها «محطة الضبعة النووية»، بشمال البلاد، لإنتاج طاقة كهربائية بقدرة 4800 ميغاواط، إلى جانب المنطقة الاقتصادية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي وقَّع البلدان اتفاقاً لإقامتها في عام 2018 باستثمارات تبلغ 4.6 مليار دولار.

وفي مارس (آذار) الماضي، أكد وزير الخارجية المصري، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي في المنطقة»، وأشار حينها إلى «تأثر أسعار الطاقة والغذاء وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».


مسؤول فرنسي يكشف أسرار خريطة الطريق الجديدة للتعاون القضائي مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
TT

مسؤول فرنسي يكشف أسرار خريطة الطريق الجديدة للتعاون القضائي مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

بينما التزمت الجزائر الصمت بشأن زيارة وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، التي جرت قبل أسبوع، كشفت باريس عن كواليس اللقاءات؛ وتصدرت المباحثات ملفات ساخنة تتعلق بتبادل المطلوبين، بين معارضين سياسيين تلاحقهم الجزائر، ومتهمين بالفساد يملكون أصولاً في فرنسا كانوا مسؤولين في فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

في تصريحات صحافية نقلتها جريدة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، أمس الأحد، تحدث دارمانان عن التعاون القضائي الذي يجري إرساؤه بين البلدين. ففي مقابل الحصول على معلومات حول تهريب المخدرات، قدمت السلطات الجزائرية طلبين: تسليم معارضين جزائريين، وما يعرف بـ«استعادة الأموال المنهوبة».

وزيرا العدل الجزائري والفرنسي (سفارة فرنسا بالجزائر)

وقال الوزير الفرنسي إنه نقل إلى السلطات الجزائرية قائمة بمهربي مخدرات فرنسيين جزائريين مطلوبين لدى العدالة الفرنسية، لا سيما أعضاء مفترضين في شبكة «دي زاد مافيا» التي ينشط أعضاؤها في جنوب فرنسا، ويعتقد أن قياديين من الشبكة لجأوا إلى الجزائر بحكم أنهم يتحدرون منها، هرباً من ملاحقة جهاز الأمن الفرنسي.

كواليس مثيرة

وأكد الوزير أنه «يأمل في الحصول على المزيد من عمليات التسليم»، في حين أن فرنسا لم تحصل إلا على عملية تسليم واحدة فقط منذ خمسة عشر عاماً وفقاً لتصريحاته. ومع ذلك، يذكر الوزير بأن الجزائر «لا تسلم أبداً رعاياها».

وخلال تنقله إلى الجزائر، حاول الوزير الفرنسي إعادة إطلاق تعاون قضائي أضعفته سنتان من التوترات الدبلوماسية بين باريس والجزائر، والتي اندلعت في صيف 2024 على إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء.

أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني سابقاً عمار سعداني (إعلام حزبي)

وشملت المناقشات التي أجراها مع وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة، عمليات التسليم، والمعارضين السياسيين اللاجئين في فرنسا، بالإضافة إلى الملف الحساس لـ«الأموال المنهوبة»، وهي عقارات وودائع يُعتقد أن رموزاً من النظام السابق هرّبوها إلى فرنسا.

ودافع الوزير الفرنسي، في تصريحاته الصحافية، عن استراتيجية «الحوار الصارم والمتطلب» مع الجزائر؛ مشيراً إلى أنه «يرفض في الوقت نفسه السذاجة» و«القطيعة التامة»، مشيداً بـ«الأهمية الاستراتيجية للجزائر بالنسبة لفرنسا، سواء في قضايا الطاقة أو الأمن».

ويتعلق أحد الملفات الرئيسية التي تم التطرق إليها، بمهربي المخدرات والمجرمين المطلوبين بين البلدين. ويؤكد جيرالد دارمانان أنه قدم للسلطات الجزائرية أسماء مهربي مخدرات مطلوبين لدى المحاكم الفرنسية، لا سيما أعضاء مفترضين في مجموعات تضم متابعين أمنياً في فرنسا، خصوصاً في مدينة مرسيليا حيث تقيم جالية جزائرية كبيرة من الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين.

وتطرح السلطات الجزائرية مواضيع خاصة بها في التعاون مع باريس؛ إذ تطالب بشكل ملح بعودة أو تسليم بعض المعارضين السياسيين المستقرين في فرنسا؛ حيث يأتي على رأسهم الصحافي هشام عبود، واليوتيوبر أمير بوخرص الشهير بـ«أمير دي زاد»، وهم كثر في اتخاذ فرنسا ملجأ لهم والاستمرار في النشاط والتعبير عن آرائهم، وهو الأمر الذي يزعج السلطات الجزائرية التي تتعامل مع باريس بوصفها «بلداً يوفر ملاذاً آمناً لمتآمرين ضد وحدة الجزائر واستقرارها».

ويعد طلب تسليمهم حساساً بالنسبة لباريس، بما أن العديد منهم يستفيدون من وضع لاجئ سياسي يحظى بحماية الأمم المتحدة. غير أن جيرالد دارمانان يحذر من أن «على هؤلاء احترام قواعد جمهوريتنا»، وفق تصريحاته لـ«جورنال دو ديمانش».

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

اختبار الصرامة

وتناولت زيارة دارمانان قضية رئيسية أخرى، وهي «الأموال المنهوبة» المرتبطة بمحيط الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019). وأكدت الجزائر أنها وجهت لفرنسا قرابة 130 طلباً قضائياً لاستعادة أصول يُشتبه في أنها متأتية من الفساد ومودعة على التراب الفرنسي. ويُستحضر هنا الشقق الفاخرة لأمين عام حزب «جبهة التحرير الوطني» سابقاً عمار سعداني، ووزير البيئة سابقاً شريف رحماني، ووزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب، وقائد سلاح الدرك سابقاً الجنرال غالي بلقصير، من بين آخرين وردت أسماؤهم في الصحافة وبعض التحقيقات. وإذا كان بالنسبة لسعداني ورحماني لا توجد أي ملاحقة قضائية معروفة، فإن حالة بوشوارب مختلفة؛ فالوزير المهم في عهد بوتفليقة يقع تحت طائلة مذكرة توقيف دولية وأحكام ثقيلة بالسجن صدرت غيابياً. وكانت محكمة فرنسية رفضت العام الماضي تسليمه، بدعوى «عدم توفر شروط محاكمة عادلة في الجزائر»، فيما يخص قضيته.

ويشدد الوزير دارمانان على «استقلالية العدالة الفرنسية» في هذا الملف. ويوضح أنه اصطحب معه المدعي العام المالي الوطني إلى الجزائر، «من أجل تعميق التبادلات الفنية مع القضاة الجزائريين وتوطيد الملفات التي من شأنها أن تفضي إلى قرارات قضائية». ولم يتطرق جيرالد دارمانان إلى «ملف اختطاف أمير بوخرص» الذي يُلاحق فيه موظفان في قنصلية جزائرية من طرف القضاء الفرنسي، حيث أوقف أحدهما في 2025 بينما يقع الآخر تحت طائلة مذكرة توقيف دولية.

ويقول دارمانان بهذا الخصوص: «أنا لست ساذجاً ولا واهماً، لكني صاحب إرادة»، عادّا أن هذا التعاون ضروري جداً «من أجل أمن الفرنسيين» رغم الخلافات المستمرة بين الدولتين.