مباحثات أفريقية رفيعة لوقف حرب السودان

وفد «مجلس الأمن والسلم» في القارة يزور بورتسودان

اجتماع سابق لمجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي (أرشيفية - الخارجية المصرية)
اجتماع سابق لمجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي (أرشيفية - الخارجية المصرية)
TT

مباحثات أفريقية رفيعة لوقف حرب السودان

اجتماع سابق لمجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي (أرشيفية - الخارجية المصرية)
اجتماع سابق لمجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي (أرشيفية - الخارجية المصرية)

يُجري وفد من «مجلس الأمن والسلم الأفريقي»، الذي وصل إلى العاصمة المؤقتة بورتسودان للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، مباحثات مع المسؤولين السودانيين تتعلق بسبل إنهاء الحرب المستمرة منذ عام ونصف عام، وعودة الأطراف إلى التفاوض.

ونقلت وكالة الأنباء السودانية الرسمية «سونا» أن الوفد برئاسة مصر، دخل في اجتماعات مكثفة مع مسؤولين في مجلس الوزراء السوداني المؤقت، فيما يُنتظر عقد اجتماعات مع قيادات أخرى في الحكومة، لبحث ملف الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وينتظر أن يطلع وفد المجلس «اللجنة الرباعية الأفريقية» المخصصة بالسودان، التي يترأسها الرئيس الأوغندي يوري موسفيني، بنتيجة زيارته لبورتسودان، ويتوقع أن تعقد اللجنة اجتماعاً عاجلاً لمتابعة تنفيذ التوصيات الواردة في التقرير، الذي سيقدمه وفد المجلس. وتكوّنت اللجنة الرباعية، في وقت سابق من هذا العام، لتسهيل لقاءات مباشرة بين قادة الجيش و«قوات الدعم السريع»، وعقد قمة طارئة للنظر في وضع السودان، والتشاور على مكان وتاريخ انعقادها، فيما وجّه «مجلس الأمن والسلم الأفريقي» لجنة العقوبات وأجهزة المخابرات والأمن بتحديد الجهات التي تدعم أطراف النزاع عسكرياً ومالياً وسياسياً.

و«مجلس الأمن والسلم الأفريقي» هو الهيئة الرئيسة في الاتحاد الأفريقي، ويتكون من 15 دولة يتم انتخابها دورياً، بما يعكس التوازن في القارة، حيث تُنتخب 5 دول لمدة 3 سنوات، و10 لمدة سنتين. وتتولى مصر رئاسة الدورة الحالية للمجلس بدءاً من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. وأهم صلاحيات المجلس التوصية بتدخل الدول الأعضاء لمنع وقوع الحروب وتعزيز الممارسة الديمقراطية الرشيدة وسيادة حكم القانون، والتنسيق بين الآليات الإقليمية والدولية لصناعة السلام.

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي خلال اجتماع سابق للمجلس التنفيذي للاتحاد بأكرا (الاتحاد الأفريقي)

عضوية الاتحاد الأفريقي

وفقاً لـ«سونا»، فإن زيارة المجلس للسودان تعد الأولى منذ اندلاع الحرب في البلاد منتصف أبريل (نيسان) 2023،

ومنذ 27 أكتوبر 2021، علق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان بعد الانقلاب العسكري، الذي نفّذه الجيش ضد الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، قبل يومين من تعليق العضوية في الاتحاد الأفريقي، وذلك بتوصية من «مجلس الأمن والسلم» الذي أدان في بيان سيطرة الجيش على الحكم وحلّ الحكومة المدنية الانتقالية، وعدّ الانقلاب إهانة للقيم المشتركة والمعايير الديمقراطية للاتحاد الأفريقي.

ونقلت تقارير صحافية سابقة للزيارة، عن وزير الخارجية السوداني المكلف حسين عوض، قوله إن على الاتحاد الأفريقي المبادرة برفع تجميد عضوية السودان وتوقعاته بإسهام زيارة وفد المجلس في تخفيف حدة التوتر بين المنظمة الأفريقية والحكومة السودانية. ويأمل السودان في تحسن علاقاته بالاتحاد الأفريقي واسترداد عضويته المجمدة، بعد تولي مصر رئاسة مجلس الأمن والسلم، استناداً إلى مواقفها الداعمة للجيش السوداني في حربه مع «قوات الدعم السريع»، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية المكلف في تصريحات صحافية سابقة.

وأكد «مجلس الأمن والسلم» مراراً على تنفيذ خريطة طريق الاتحاد الأفريقي لحلّ الأزمة في السودان، ووقف إطلاق النار الشامل وغير المشروط، وإيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، ودعا الأطراف المتحاربة إلى تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها، بما في ذلك «إعلان جدة» الإنساني الموقع في 11 مايو (أيار) 2023.

آثار الدمار في العاصمة السودانية جراء الصراع المسلّح 27 أغسطس 2024 (د.ب.أ)

عملية سلمية

وقال خبير حقوق الإنسان في جنيف د. عبدالباقي جبريل، لـ«الشرق الأوسط»، إن مصر ستترأس الوفد الأفريقي الزائر إلى السودان لتوصيل رسائل واضحة حول ضرورة إيقاف العنف والدمار للممتلكات العامة والخاصة، والدخول في عملية سلمية لإنهاء النزاع المسلح. وأضاف: «لن يكون هناك قرار أو توصية من الوفد الزائر برفع قرار تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، ويمكن أن تتم هذه الخطوة إذا انتهت الأسباب التي أدت إلى فرضها، وهذا يعني نهاية الانقلاب العسكري والعودة إلى الحكم المدني الديمقراطي».

وأشار إلى أن تجارب السودان وتجميد عضويته من قبل الاتحاد الأفريقي تعود إلى 6 يونيو (حزيران) 2019 عندما علّق «مجلس السلم والأمن» مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد الأفريقي لمدة 3 أشهر حتى إنشاء السلطة الانتقالية بقيادة مدنية في بداية سبتمبر (أيلول) 2019 . كما سبق أن هدّد مجلس الأمن بأنه في حالة الفشل سيفرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي تعرقل إنشاء السلطة الانتقالية بقيادة مدنية.

البرهان محيياً جنوده في قاعدة بمدينة بورتسودان (أ.ف.ب)

زيارة فاشلة

وقال مصدر رفيع في وزارة الخارجية، لـ«الشرق الأوسط»، إن زيارة وفد الاتحاد الأفريقي فاشلة، ولن تحقق أي هدف تجاه السودان، وذلك بالنظر إلى العلاقة المتوترة بين السودان والاتحاد الأفريقي منذ «انقلاب» أكتوبر 2021، دون مراعاة للحالة التي شهدها السودان في ذلك الوقت «على عكس ما فعله مع دول أخرى في المنطقة مثل تشاد». وأضاف: «لا أتوقع نجاحاً للمساعي المصرية، فبجانب قصر فترة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، فإن معظم الدول المؤثرة في الاتحاد كانت لها مواقف سالبة جداً تجاه الحكومة السودانية، وهي غير مؤهلة لأن تتدخل في الشأن السوداني». وأشار المصدر إلى أن السودان لا يثق في الاتحاد الأفريقي، أو في رئيس مفوضية الاتحاد، «لأن دوره كان سالباً في الفترة الماضية. كما أن القرار الذي يتم بموجبه تجميد أو فكّ العضوية مرتبط بعودة السودان إلى قيام حكومة مدنية، وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه في الوقت الحالي، فضلاً عن أن الاتحاد الأفريقي لا يملك قراره، وأن الدول الأفريقية ترهن قرارها السيادي بدوائر عربية، موقفها معروف من القضية السودانية، لأنها تناصر (قوات الدعم السريع)».


مقالات ذات صلة

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

خاص سيدتان تتجولان في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ.ف.ب)

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً، بدأت العاصمة الخرطوم تستعيد نضبها بعودة بعض الأنشطة الرياضية والموسيقية والفنية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
أفريقيا سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

أطباء بلا حدود تفصل 18 موظفاً متهمين بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود اليوم الاثنين أن العشرات من موظفيها اتُّهموا بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات في تشاد، مشيرة إلى أنها فصلت 18 موظفاً.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب) p-circle

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

استنكر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب بالسودان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هجمات بمسيّرات في كردفان وترجيح مسؤولية «الدعم السريع»

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان السوداني، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات.

أحمد يونس (كمبالا)

حراك شعبي ضد «توطين المهاجرين» يثير غضب «طوارق ليبيا»

جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

حراك شعبي ضد «توطين المهاجرين» يثير غضب «طوارق ليبيا»

جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)

انتابت أوساط الطوارق في ليبيا موجة غضب واسعة، عقب رفع شعارات خلال حراك شعبي مناهض لـ«توطين المهاجرين غير النظاميين»، ربطت بين هذا الملف وقضية «الأرقام الإدارية» التي يحملها آلاف من أبناء المكون «التارقي» في جنوب البلاد.

ويحمل هؤلاء أرقاماً إدارية مؤقتة تُستخدم لإثبات الهوية منذ سنوات، لكنها لا تمنح أصحابها الحقوق السياسية أو الامتيازات الاجتماعية، التي تكفلها الأرقام الوطنية، وهو ملف ظل محل جدل متواصل منذ عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

مظاهرة ضد توطين المهاجرين في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور)

ومع تصاعد الاحتجاجات الرافضة لما يصفه منظموها بمحاولات توطين المهاجرين داخل ليبيا، منذ مطلع يونيو (حزيران) الحالي، أثار تداول شعارات عُدَّت موجهة ضد قضية حاملي الأرقام الإدارية، وتحدثت عن تمرير «التوطين» من خلالها، ردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي.

وقال موسى أحمد، أحد حاملي الأرقام الإدارية من الطوارق، إن بعض الشعارات التي رُفعت خلال مظاهرة أمام المنظمة الدولية للهجرة في طرابلس، الثلاثاء، «استهدفت هذه الفئة بصورة مباشرة»، عادَّاً أن ربط قضيتهم بملف التوطين يمثل تحريضاً ضد مواطنين يسعون إلى تسوية أوضاعهم القانونية.

في السياق ذاته، أكد الناشط إبراهيم المعيقلي أن الأرقام الإدارية مُنحت عبر إجراءات رسمية معتمدة، في حين طالب المدون أحمد جمعة الشريفي باعتذار علني عن هذه الشعارات، مشدداً على أن الفصل في الملف يظل اختصاصاً قضائياً بالدرجة الأولى.

من لقاء سابق في الزنتان بحضور أعضاء من المجلس الاجتماعي لقبائل طوارق ليبيا (الصفحة الرسمية للمجلس)

هذا الغضب عدَّته الناشطة المهتمة بهذا الملف، خديجة عنديدي، «مُبرَّراً»، محذرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من مغبة «استمرار استغلال معاناة آلاف الأسر الليبية، التي عانت لعقود من التهميش والحرمان من حقوقها الأساسية، وتحويل قضيتها مادةً للمزايدات السياسية».

ووجد هذا السخط تضامناً حقوقياً من جانب منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان، برئاسة ناصر الهواري، الذي رأى أن أصحاب الأرقام الإدارية «ليبيون في الأصل، ويجب العمل على منحهم الجنسية والهوية الوطنية»، مشيراً إلى أن كثيراً منهم «شاركوا في الدفاع عن البلاد، ومن بينهم كفاءات أكاديمية وإدارية، ويستحقون تسوية أوضاعهم القانونية».

ولا توجد إحصاءات رسمية عن أعداد الطوارق، لكن «المجلس الأعلى لطوارق ليبيا» قدّر عدد الأسر الطوارقية، الحاملة لهذه الصفة، بنحو 14 ألف أسرة، تتوزع على مدن عدة في الجنوب، من بينها غات وأوباري.

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لتوطين المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)

في المقابل، رفضت الناشطة الحقوقية ثريا الطويبي، إحدى الوجوه البارزة فيما يعرف بـ«حراك ضد التوطين»، اتهامات التحريض والعنصرية، عادةً أن مطالب المحتجين تنحصر في ضرورة إخضاع ملفات حاملي الأرقام الإدارية للفحص القضائي الفردي.

وقالت الطويبي إن المحتجين لا يعترضون على أصحاب الأرقام الإدارية بصفتهم الشخصية، بل يطالبون بالتحقق من مدى استحقاق كل حالة على حدة، خصوصاً في ظل ما تقول إنه وجود وقائع تزوير موثقة في السجل المدني. وأضافت أن المطالبة بالفحص القانوني لا تعني رفض منح الحقوق للمستحقين، وإنما تهدف إلى ضمان سلامة الإجراءات القانونية، وفق منشور عبر صفحتها بموقع «فيسبوك».

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ما يعلنه مكتب النائب العام الليبي، الصديق الصور، بشكل دوري بشأن قضايا تزوير بيانات الأحوال المدنية والأرقام الوطنية. وكان المكتب قد أعلن أخيراً عن كشف وقائع تزوير في عدد من القيودات العائلية، ترتب عليها حصول أشخاص على أرقام هوية وطنية، ومزايا مخصصة للمواطنين الليبيين.

ويعيد الجدل الحالي إلى الواجهة قضية شائكة تعود إلى عقود؛ إذ يطالب أبناء الطوارق منذ عهد الزعيم الراحل معمر القذافي بالحصول على حقوق المواطنة الكاملة، واستخراج أرقام وطنية تمكنهم من المشاركة السياسية، والاستفادة من الخدمات العامة.

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وفي محاولة لمعالجة هذه المشكلة، شرعت السلطات الليبية منذ عام 2014 في منح أرقام إدارية مؤقتة لآلاف الأشخاص لحين تسوية أوضاعهم القانونية، غير أن الملف ظل عالقاً بسبب تعقيدات قانونية وإدارية متشابكة.

وكان أحدث تطور في هذا الملف، الذي استمر لعقود، هو تضمين ملف حاملي السجلات المؤقتة ضمن توصيات الحوار الليبي المهيكل، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خلال الأشهر الماضية، حيث دعت التوصيات إلى دعم الإجراءات التي تضمن كرامة المسجلين في السجل المؤقت، وتنفيذ القرارات النافذة الصادرة قبل عام 2011، والفصل النهائي في ملفات السجل المدني خلال مدة لا تتجاوز سنة، بما ينهي حالات انعدام الجنسية، ويكفل الحقوق الأساسية خلال فترة التسوية.

وحسب اعتقاد عضو الحوار المهيكل، محمد إبراهيم ماخي، فإن ما توصل إليه الحوار المهيكل هو «معالجة جادة ومسؤولة لواحد من الملفات الشائكة، التي ظلت عالقة لسنوات، خصوصاً أنه يلامس حقوقاً قانونية وإدارية ترتبط بشريحة من المواطنين وأصحاب السجلات المؤقتة».

وأبدي ماخي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ثقته في أن البت في هذا الملف خلال عام «أمر ممكن وقابل للتطبيق شريطة توفر إرادة سياسية حقيقية، والتزام واضح من الجهات التنفيذية المختصة بتنفيذ التوصيات، وفق إطار قانوني منظم وجدول زمني محدد».

ورداً على ما حدث في مظاهرة الثلاثاء، انتهي ماخي إلى «المطالبة بالتعامل مع الملف بعيداً عن التسييس، أو محاولات خلط الأوراق لأن الهدف الأساسي هو الوصول إلى حلول عادلة ومنصفة تحفظ الحقوق المشروعة وتخدم المصلحة الوطنية العليا حسب القوانين المعمول بها في ليبيا».


«الثلاثية المغاربية» تبحث تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة

عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
TT

«الثلاثية المغاربية» تبحث تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة

عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

يجري وفد من وزارة الداخلية الجزائرية في ليبيا، منذ الثلاثاء، اجتماعات في ليبيا مع مسؤولين بوزارتي الداخلية وجهازي الأمن بتونس وليبيا، تخص مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية بالحدود.

وتندرج الاجتماعات في إطار «القمة المغاربية التشاورية»، التي جمعت قادة الدول الثلاث الجزائر وتونس وليبيا في تونس بتاريخ 22 أبريل (نيسان) 2024؛ حيث اتفق القادة على تشكيل «فرق عمل مشتركة»، أحدها مكلف بالحدود.

البعثة الحكومية الجزائرية في اجتماع طرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

وأفادت وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية الليبية، في بيان، بأن العاصمة طرابلس استضافت، الثلاثاء، اجتماعاً لـ«فريق العمل الليبي الجزائري - التونسي المكلّف بتأمين الحدود المشتركة»، وذلك في إطار تعزيز التعاون الأمني بين الدول الثلاث، وتطوير آليات التنسيق الميداني لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في المنطقة.

حزام أمني مغاربي

بحسب الوزارة، ناقش الاجتماع «رفع مستوى التعاون الأمني المشترك بين ليبيا وتونس والجزائر، بما يشمل تأمين الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، إضافة إلى التصدي لخطر الإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية، بما ينعكس على تعزيز الأمن والاستقرار، وحماية المصالح المشتركة لشعوب المنطقة».

الوفد الرسمي الليبي في اجتماع طرابلس حول تأمين الحدود (وزارة الداخلية الليبية)

ونقل البيان نفسه عن وكيل وزارة الداخلية للشؤون العامة الليبية، اللواء محمود سعيد، قوله إن الدول الثلاث حريصة على تطوير التعاون الأمني المشترك وتوحيد الجهود الميدانية، بما يضمن رفع الجاهزية في مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.

واللافت أنَّ الحكومتينِ الجزائرية والتونسية لم تنشرا أي تفاصيل عن هذا الاجتماع الذي يندرج في إطار سلسلة اجتماعات «القمة المغاربية الثلاثية»؛ وهي الآلية التي أثارت جدلاً واسعاً عند إطلاقها، حيث فُهمت على أنها خطوة لتعويض «اتحاد المغرب العربي»، الذي يضم إلى جانب الدول الثلاث كلاً من المغرب وموريتانيا، والذي يشهد شللاً تاماً بسبب الخلافات بين الجزائر والرباط.

وأعقب عقد «قمة 2024» اجتماعات أخرى على مستوى القادة، تم الاتفاق خلالها على إطلاق جهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار الإقليمي، وتعزيز الشراكة والتكامل الأمني، بما يسهم في حماية الحدود المشتركة، والحد من مختلف أشكال الجريمة المنظمة.

صورة أرشيفية لمؤسسي الاتحاد المغاربي

وتأتي هذه الاجتماعات الثلاثية في ظل تصاعد التحديات الأمنية في منطقة شمال أفريقيا، خصوصاً مع تنامي شبكات التهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، ما يدفع الدول الثلاث إلى تعزيز التعاون الأمني، وتنسيق الجهود الميدانية لضبط الحدود وتحقيق الاستقرار الإقليمي.

4 ملفات فوق الطاولة

بحسب مصادر حكومية، تدارست الوفود الأمنية رفيعة المستوى في اجتماع طرابلس التحديات الميدانية الحالية على طول الأشرطة الحدودية المشتركة، حيث جرى تفكيك معضلات الأمن والتنمية وصياغتها في أربعة ملفات أساسية: الملف الأول يتمثل في مراجعة تدابير إغلاق المنافذ، حيث بحث الاجتماع تقييم الإجراءات الميدانية المفروضة، التي نجحت في كبح تسلل الجماعات المسلحة، لكنها خلفت عبئاً اقتصادياً على السكان المحليين.

الوفد الحكومي التونسي خلال مشاركته في اجتماع طرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

وضمن هذا الملف تدارس المسؤولون، حسب نفس المصادر، دعم مشروعات تنموية لفائدة سكان الحدود، لا سيما قبائل الطوارق في مناطق إليزي وجانت بالجزائر وما يقابلها في الغرب الليبي كغدامس وغات، والتي تضررت مداخيلها المعيشية المعتمدة تاريخياً على التجارة البينية والروابط العائلية العابرة للحدود، مع التأكيد على ضرورة حماية هذه الحواضن الاجتماعية لمنع استقطابها من شبكات الجريمة.

ويتعلق الملف الثاني بمواجهة شبكات التهريب، التي حولت نشاطها إلى جريمة منظمة عابرة للحدود، ومكافحة تدفق المخدرات والأسلحة، حيث ركزت الوفود على خطورة تحول نشاط التهريب من سلع معيشية مدعمة، إلى تجارة نوعية تهدد الأمن القومي، مع وضع خطط عملياتية لمحاصرة شبكات تهريب الأسلحة والذخيرة القادمة من مستودعات السلاح الليبية غير الخاضعة للرقابة. وأيضاً محاصرة تهريب الحبوب المهلوسة، والمخدرات الصلبة العابرة للمدن وشبكات تهريب السجائر، والمنقبين غير الشرعيين عن الذهب في عمق الصحراء.

كما ناقش المجتمعون الآليات الاستخباراتية المشتركة لرصد روابط المصلحة بين بارونات التهريب والتنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل، التي تفرض إتاوات مقابل تأمين طرق المسالك الصحراوية الوعرة.

مهاجرون غير نظاميين من بلدان الساحل على حدود الجزائر (حسابات ناشطين في مجال غوث المفقودين)

ويخص الملف الثالث إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وتأمين مسارات العبور الملغومة. وقد وقف الاجتماع عند خريطة تحرك المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول الساحل والقرن الأفريقي عبر التضاريس الوعرة، وتحول المنطقة إلى رواق عبور رئيسي تستغله شبكات المتاجرة بالبشر نحو العمق الليبي، ثم السواحل الأوروبية.

كما تم التباحث حول سبل التنسيق البيني لتخفيف الضغط الأمني والمالي والصحي الكبير، الذي تواجهه وحدات حرس الحدود، ومراكز الإيواء في الولايات والمناطق الجنوبية للمنطقة المشتركة.

مصافحة على هامش القمة المغاربية الثلاثية التي عقدت بتونس في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التونسية)

أما الملف الرابع فيخص تفعيل معابر التنمية الاقتصادية، وتأمين القوافل التجارية وتنشيط الصادرات؛ إذ بحثت الوفود سبل بعث الروح في المبادلات التجارية البرية واستحداث مناطق تبادل حر، والتركيز على تفعيل الاستثمار والتصدير خارج المحروقات كبديل اقتصادي أمن للمنطقة. وتطرق النقاش، وفق المصادر ذاتها، إلى آليات تجاوز العقبات الميدانية، المرتبطة بغياب التوحيد الأمني الشامل في الجانب الليبي، وبحث صيغ أمنية مرنة ومستمرة بين قطاعات وزارة الداخلية لحماية الشاحنات، والقوافل التجارية من تهديدات الفصائل المحلية المسلحة.


مبادرة بولس لتوحيد ليبيا تخرج للعلن... وخلافات تحيط بمستقبلها

من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
TT

مبادرة بولس لتوحيد ليبيا تخرج للعلن... وخلافات تحيط بمستقبلها

من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)

خرجت مبادرة أميركية ترمي إلى توحيد السلطة المنقسمة في ليبيا من دائرة التسريبات والتكهنات إلى العلن، مع أول حديث مباشر لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس عن خطة تستهدف تشكيل حكومة موحدة، وإعادة توحيد المؤسسات الليبية المنقسمة، في مقاربة تربط بين التسوية السياسية، وضمان استقرار قطاع النفط وتعزيز الاستثمارات الأميركية.

وعلى مدى الأشهر الماضية، ظلّت الأوساط السياسية الليبية تتداول معلومات متفرقة عن تحركات يقودها بولس لتجاوز حالة الجمود، التي تعصف بالمسار السياسي منذ سنوات، عبر صياغة تفاهم مباشر بين مراكز النفوذ الرئيسية في شرق البلاد وغربها.

مسعد بولس والمبعوثة الأممية هانا تيتيه في لقاء سابق (البعثة الأممية)

وتقوم هذه المقاربة، وفق ما تردد في وسائل إعلام محلية ودولية، على الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة في طرابلس، مقابل صعود نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر إلى رئاسة مجلس رئاسي جديد.

في أول تأكيد علني لوجود مسار سياسي تدعمه واشنطن لمعالجة الانقسام القائم، نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن بولس قوله إن الخطة الأميركية تستهدف «تشكيل حكومة موحدة وتوحيد جميع المؤسسات».

ولم يُخفِ المسؤول الأميركي البعد الاقتصادي للمبادرة، إذ ربط نجاح الاستقرار السياسي بتهيئة البيئة اللازمة لدخول شركات النفط الأميركية الكبرى إلى السوق الليبية، من بينها «شيفرون» و«كونوكو فيليبس»، مع طموح لمضاعفة إنتاج النفط الليبي ليصل إلى 3 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد الحالي.

وينظر مراقبون إلى هذه المبادرة باعتبارها مقاربة تستند إلى موازين القوى القائمة على الأرض، وتعكس توجهاً أميركياً براغماتياً يربط بين ترتيبات الحكم وضمان تدفقات النفط والاستقرار الاقتصادي، من خلال التفاهم المباشر مع القوى السياسية والعسكرية الفاعلة.

ولم تصدر حتى الآن مواقف رسمية واضحة من أبرز الأطراف السياسية الليبية بشأن تصريحات بولس، غير أن الجدل حول المبادرة بدأ يتسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بين من يراها فرصة لكسر حالة الانسداد السياسي، ومن يعدّها إعادة إنتاج لترتيبات سابقة، لم تحقق تقدماً ملموساً نحو الانتخابات أو إنهاء الانقسام.

وفي معسكر الرافضين، اعتبر تجمع يضم سياسيين وأكاديميين وحقوقيين ليبيين أن أي تسوية سياسية ينبغي أن تستند إلى قاعدة دستورية واضحة وإرادة شعبية مباشرة. وأعلن ما يعرف بـ«التجمع الوطني لمترشحي مجلس النواب بطرابلس»، الذي ضم 136 موقعاً على بيان مشترك، تحفظه على مبادرات، ومن بينها مبادرة بولس، مطالباً بتحديد موعد ملزم للاستفتاء على مشروع الدستور ليكون أساساً لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

كما رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، بلقاسم دبرز، أن المبادرة تعكس تراجعاً لدور البعثة الأممية لحساب الدور الأميركي، معتبراً أن جهود الأمم المتحدة باتت تتجه إلى مواءمة مخرجات الحوار السياسي مع الطرح الذي يقوده بولس، بحسب تصريحات لإعلام محلي.

بدوره، وجّه المستشار الأمني والسياسي الليبي ورئيس اللجنة الأمنية العليا السابق في طرابلس، هاشم بشر، انتقادات حادة للمبادرة، واصفاً إياها بأنها «تحول صريح نحو دبلوماسية الصفقات البراغماتية، التي تتجاوز الشروط الدستورية، وتتعامل مباشرة مع القوى المسيطرة ميدانياً».

وبحسب رؤيته، التي نقلها لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن جوهر هذه المقاربة يتمثل في «شراء استقرار أمني ومالي مؤقت، يضمن مصالح شركات النفط الغربية»، محذراً من أنها قد تمنح شرعية إضافية لقوى الأمر الواقع، وتؤدي إلى إدارة الانقسام بدلاً من إنهائه، بما يضعف فرص الوصول إلى انتخابات شاملة.

في المقابل، يرى مؤيدو المبادرة أنها تمثل خياراً أكثر واقعية من المسارات السابقة التي تعثرت مراراً، ويعتقدون أنها قد تفتح نافذة لإنهاء حالة الانقسام إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف الليبية والدعم الدولي اللازم لتنفيذها. كما تشير تقديرات سياسية إلى وجود قبول نسبي للفكرة داخل معسكر شرق ليبيا، الذي ينظر إليها باعتبارها إطاراً يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية أوسع.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع ترقب إحاطة مرتقبة، ستقدمها هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي، الخميس، تستعرض خلالها آخر التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية، إضافة إلى نتائج الحوار المهيكل، الذي اختتم أعماله أخيراً، وشمل ملفات الحوكمة والأمن، والمصالحة وحقوق الإنسان والاقتصاد.

ويرى دبلوماسيون أن الإحاطة قد تكشف إلى أي مدى يمكن أن تتقاطع خريطة الطريق الأممية مع المبادرة الأميركية الجديدة، أو تدخل في منافسة معها على رسم ملامح المرحلة المقبلة في ليبيا.