حديث عن تراجعات في عقبة «فيلادلفيا»... هل يعزّز مساراً لـ«هدنة غزة»؟

وسط تضامن واسع مع مصر ضد تصريحات نتنياهو

طفل فلسطيني يحمل حقيبة بجوار أنقاض المنازل التي دمرتها الضربات الإسرائيلية في خان يونس بجنوب قطاع غزة (رويترز)
طفل فلسطيني يحمل حقيبة بجوار أنقاض المنازل التي دمرتها الضربات الإسرائيلية في خان يونس بجنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

حديث عن تراجعات في عقبة «فيلادلفيا»... هل يعزّز مساراً لـ«هدنة غزة»؟

طفل فلسطيني يحمل حقيبة بجوار أنقاض المنازل التي دمرتها الضربات الإسرائيلية في خان يونس بجنوب قطاع غزة (رويترز)
طفل فلسطيني يحمل حقيبة بجوار أنقاض المنازل التي دمرتها الضربات الإسرائيلية في خان يونس بجنوب قطاع غزة (رويترز)

تراجعات جديدة تتحدث عنها وسائل إعلام إسرائيلية، بشأن حل أزمة «محور فيلادلفيا»، العقبة الرئيسية في مفاوضات الهدنة بقطاع غزة، تحت ضغوط وخلافات تواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ورفض مصري ببقاء قواته بذلك المحور، وتضامُن عربي مع القاهرة، وتحذيرات من تقويض جهود الوسطاء، متزامناً مع تمسّك واشنطن بإبرام صفقة تبادُل أسرى قُبيل انتخابات رئاسية حاسمة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تلك التراجعات المحتملة التي لم يعتمدها نتنياهو أو يعلّق عليها بعد، تُلاقي تشكيكاً فيها من خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يرون أنه من الوارد أن يتراجع رئيس الوزراء الإسرائيلي عنها بعد المرحلة الأولى من المراحل الثلاث التي أعلنها مقترح الرئيس الأميركي جو بايدن، في نهاية مايو (أيار) الماضي، وطالبوا بوجود دول ضامنة للاتفاق، خصوصاً الولايات المتحدة، حتى لا يتذرّع بأي حُجج أخرى ويعود إلى التصعيد عبر الحرب.

بعد ساعات قليلة من تصريحات لنتنياهو، الثلاثاء، التي أثارت رفضاً مصرياً وعربياً، بشأن تمسّكه بالبقاء في «محور فيلادلفيا» الحدودي، بزعم ألا يتم تهريب أسلحة لـ«حماس»، نقلت «هيئة البث الإسرائيلية» عن مسؤول إسرائيلي رفيع، قوله إنه «تم تبليغ الوسطاء، الأيام الأخيرة، أن إسرائيل توافق على الانسحاب من محور فيلادلفيا في المرحلة الثانية (من اتفاق الهدنة)».

وبالتزامن ربطت القناة الإخبارية «12 الإسرائيلية» بين تمسّك نتنياهو بـ«محور فيلادلفيا» وقراره السري للجيش بالاستعداد للتعامل مع مسألة توزيع المساعدات الإنسانية على السكان في غزة، بدلاً من المؤسسات الدولية، وسط اعتراضات من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، لافتةً إلى أنه «في ضوء هذا التوجيه من الممكن أن يؤدي إصرار نتنياهو على وجود عسكري إسرائيلي على طريق فيلادلفيا إلى الخطة الحقيقية لإسرائيل في غزة، وهي الحكم العسكري».

هذا التباين بين التواجد والانسحاب الإسرائيلي أُضيف عليه مسار ثالث نقلته هيئة البث، الأربعاء، يشير إلى أن «الولايات المتحدة ومصر وقطر أجرت محادثات مهمة في الأيام الأخيرة لصياغة خطة حل وسط لوقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن».

وفي ضوء ذلك «يعتزم الوسطاء نشر المخطط علناً، على الأرجح من قِبل الرئيس بايدن، بحلول الجمعة المقبل، لذلك سافر رئيس الموساد، دافيد برنياع، إلى الدوحة هذا الأسبوع، ومن المحتمل أن تستمر المحادثات هناك في الأيام المقبلة».

فلسطينيون يتجمعون في موقع غارة إسرائيلية على منزل (رويترز)

وكان تراجع نتنياهو عن التمسك بالبقاء في «محور فيلادلفيا»، مطلباً رئيسياً في احتجاجات دعمتها عائلات المحتجزين بتل أبيب، ودعَمه أولُ إضراب داخل إسرائيل منذ حرب غزة قبل 11 شهراً، بخلاف تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، أن انسحاب إسرائيل من محور فيلادلفيا خلال المرحلة الأولى من الاتفاق لن يمثّل مشكلة أمنية لبلاده.

وهذا الانسحاب يدعمه أيضاً رئيس حزب معسكر الدولة المعارض، بيني غانتس، موضحاً في إفادة، الثلاثاء، بأن «المحور لا يشكّل تهديداً وجودياً لإسرائيل، ويمكن الانسحاب منه والعودة إن اقتضت الضرورة»، متهماً نتنياهو بالانشغال بـ«البقاء السياسي».

وشكّك رئيس «المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الإستراتيجية»، اللواء سمير راغب، في إمكانية تراجع نتنياهو عن التمسك بـ«محور فيلادلفيا»، موضحاً «بين يوم وليلة تغيّر الموقف الإسرائيلي من تشدّد نتنياهو بعدم الانسحاب من ذلك المحور، إلى حديث عن إمكانية تنفيذه في المرحلة الثانية من مقترح بايدن، وهذا شيء غريب».

«بالطبع نتنياهو مناور ومراوغ، لكن لو فعلها سيمكن أن نصل لاتفاق»، وفق راغب، الذي أضاف: «لكن (حماس) ستطلب ضمانات من دول كبرى لضمان التزامه بالاتفاق، وإلا فلا حل ولا هدنة، فهو يريد أخذ الأسرى الورقة الرابحة لدى الحركة ثم يعود للحرب».

ويقترح أن تكون الولايات المتحدة الأميركية إحدى الدول الضامنة؛ كونها حليفاً لإسرائيل، بجانب آخرين، وخصوصاً أن نتنياهو أوجد بتصريحاته المتكررة خصومة مع مصر وقطر.

«الأيام المقبلة ستحدد مدى مصداقية ذلك التراجع من عدمه، وهل هو مناورة جديدة أم لا؟»، هكذا يرى الأكاديمي المصري المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، مؤكداً أن نتنياهو معروف عنه المماطلة، وتصريحاته الأخيرة دليل على أنه «يريد إفساد المفاوضات».

ويرجح أنور أن «تستمر الجهود المصرية بلا كلل للتوصل لاتفاق»، بالتوازي مع رسائلها الغاضبة التي كان أحدثها رفض تصريحات نتنياهو ومزاعمه بشأن دخول السلاح لـ«حماس» عن طريق مصر، والتي شملت التحذير من تداعيات أي محاولة لتقويض الوساطة.

فلسطينية تسير بالقرب من أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في خان يونس بجنوب قطاع غزة (رويترز)

وأعلنت مصر، الثلاثاء، «رفضها التام لتلك التصريحات، وللمزاعم كافةً التي يتم تناولها من جانب المسؤولين الإسرائيليين في هذا الشأن»، وحمّلت «الحكومة الإسرائيلية عواقب إطلاق مثل تلك التصريحات التي تزيد من تأزيم الموقف، وتؤدي إلى مزيد من التصعيد في المنطقة».

ولاقت تصريحات نتنياهو رفضاً عربياً واسعاً. وقالت المملكة العربية السعودية في إفادة لوزارة الخارجية، إنها «تُعرب عن إدانتها واستنكارها الشديدين للتصريحات الإسرائيلية بشأن محور فيلادلفيا»، مؤكدة «تضامنها ووقوفها إلى جانب مصر في مواجهة تلك المزاعم الإسرائيلية».

وحذّرت السعودية من «عواقب هذه التصريحات الاستفزازية، وما لها من تَبِعات في تقويض جهود الوساطة التي تقوم بها مصر وقطر والولايات المتحدة الأميركية، للتوصّل إلى وقفٍ دائمٍ لإطلاق النار، وتزيد حدة التصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

كما لاقت تلك التصريحات الإسرائيلية رفضاً من رابطة العالم الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، وقطر والكويت وسلطنة عُمان، في إفادات لوزارات الخارجية، الثلاثاء، واصفين إياها بأنها «أكاذيب وأباطيل، ومحاولة لعرقلة الوساطة ووأد السلام»، مؤكدين التضامن الكامل مع مصر.

وبالتزامن، كشفت الخارجية الأميركية، أن «المحادثات أحرزت تقدّماً الأسبوع الماضي»، مؤكدة أن «الوقت حان لإبرام اتفاق حول وقف إطلاق النار في غزة».

ذلك التضامن العربي والإسلامي مع مصر، لا سيما الصادر من السعودية، يرى الدكتور أحمد فؤاد أنور أنه «سيكون مؤثراً، ورسالة للعالم بأن نتنياهو هو المعرقل للصفقة، وأن اتهاماته للقاهرة كاذبة وأنها لا تريد التصعيد في المنطقة»، ويتوقع أن تثمر التحركات المصرية مع الوسطاء عن «الاتفاق على تنفيذ أولى مراحل مقترح بايدن من المراحل الثلاث التي تمتد إلى 42 يوماً»، وعوّل على ضغوط أميركية حقيقية لإجبار نتنياهو على إبرام الصفقة قريباً دون «مناورات».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».