«الأغذية العالمي» يحقق في «شبهة تحايل» لعملياته بالسودان

محققون يبحثون في احتمالية دور للجيش في عرقلة المساعدات

صورة أرشيفية لمتطوع يوزّع الطعام في أحد أحياء أم درمان بالسودان (رويترز)
صورة أرشيفية لمتطوع يوزّع الطعام في أحد أحياء أم درمان بالسودان (رويترز)
TT

«الأغذية العالمي» يحقق في «شبهة تحايل» لعملياته بالسودان

صورة أرشيفية لمتطوع يوزّع الطعام في أحد أحياء أم درمان بالسودان (رويترز)
صورة أرشيفية لمتطوع يوزّع الطعام في أحد أحياء أم درمان بالسودان (رويترز)

يجري برنامج الأغذية العالمي تحقيقاً مع اثنين من كبار مسؤوليه العاملين في السودان، حول مزاعم تشمل التحايل وإخفاء معلومات عن المانحين حول قدرته على توصيل المساعدات الغذائية للمدنيين السودان، تتضمن أيضاً التستر وإخفاء معلومات عن دور مشتبه للجيش السوداني في عرقلة وصول المساعدات للمحتاجين، وسط أزمة الجوع الشديدة التي تشهدها البلاد، حسب وكالة «رويترز».

في الوقت ذاته، يتم التداول بكثافة في مدينة بورتسودان الساحلية التي تتخذ منها الحكومة الموالية للجيش عاصمة مؤقتة لها، لتقارير عن «تسرب مواد الإغاثة» إلى الأسواق. وتنقل الوسائط «صوراً» لسلع إغاثية مطبوع على عبواتها إنها «ليست للبيع»، معروضة على أرفف المحال التجارية. ويرجع مؤيدو الحكومة والجيش وجودها في تلك المحال، إلى أن بعض المستفيدين منها يضطرون أحياناً إلى بيع حصصهم، للحصول على نقد يمكنهم من شراء سلع أخرى غير مشمولة.

ويأتي التحقيق الذي يجريه مكتب المفتش العام لبرنامج الأغذية العالمي في الوقت الذي يعمل فيه البرنامج - وهو ذراع المساعدات الغذائية التابعة للأمم المتحدة - جاهداً لتوفير المواد الغذائية لملايين الأشخاص في السودان الذي تمزقه الحرب والذي يعاني واحدة من أشد أزمات نقص الغذاء في العالم منذ سنوات.

صورة أرشيفية لمتطوعين يوزّعون الطعام في العاصمة السودانية 3 سبتمبر 2023 (رويترز)

ونقلت وكالة «رويترز» في تقرير نشرته الأربعاء، عن 11 مصدراً أكدوا وجود تحريات مكثفة حول مزاعم التحايل، قائلة إن خمسة من المصادر ذكروا لها أن المحققين يبحثون ما إذا كان موظفو البرنامج سعوا للتستر على دور مشتبه به للجيش السوداني في عرقلة المساعدات.

وذكرت ستة مصادر أن من بين الذين يخضعون للتحقيق هم نائب مدير البرنامج في السودان (خ عثمان) الذي جرى تكليفه «مهمة مؤقتة» خارج البلاد، وهو ما يُعدّ تعليقاً فعلياً لعمله حسب وكالة «رويترز». وبحسب أربعة مصادر يجري التحقيق أيضاً مع مسؤول كبير ثانٍ هو (م علي) مدير مكتب البرنامج في مدينة كوستي السودانية، فيما يتعلق باختفاء أكثر من 200 ألف لتر من وقود المنظمة في المدينة. ولم يتسن لـ«رويترز» التأكد مما إذا كان علي لا يزال في منصبه.

وقالت «رويترز» إن الرجلين أحجما عن التعقيب على اتصالاتها، وأحالاها إلى المكتب الإعلامي للبرنامج، الذي قال: «مكتب المفتش العام يجري مراجعة عاجلة في مزاعم بارتكاب مخالفات فردية في العمليات بالسودان»، دون أن يدلي بمعلومات عن طبيعة المخالفات المزعومة، أو وضع الموظفين الذي يجري التحقيق معهم. ونقلت عن بيان للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يوسيد) أنها تلقت إخطاراً من برنامج الأغذية في 20 أغسطس (آب) يتعلق بـ«وقائع تحايل محتملة تؤثر على عمليات برنامج الأغذية العالمي في السودان»، وأن الاتهامات أثارت قلقاً بالغاً يتطلب تحقيقاً شاملاً، ومن ثم أحالت الاتهامات على الفور إلى مكتب المفتش العام للوكالة.

سلع الإغاثة تباع في بورتسودان

وفي بورتسودان قال شهود لـ«الشرق الأوسط» إن سلعاً إغاثية يتم عرضها للبيع «العلني» في أرفف المتاجر، وتشير سيدة نازحة في المدينة إلى وجود ما تسميه «فساداً وتلاعباً بالمساعدات»، وتضيف: «ونحن نواجه الجوع، نشاهد المساعدات المخصصة معروضة في أرفف المتاجر وفي الأسواق».

وتزعم المواطنة التي حجبت اسمها، أن الكثير من مواد الإغاثة تذهب إلى الأسواق، ولا تصل مراكز الإيواء التي تستضيف أكثر من 230 ألف نازح، وتقول: «نعاني أصلاً عدم وصول المساعدات، وزادت الأمطار الغزيرة والسيول التي انتزعت خيام الإيواء معاناتنا، حتى مياه الشرب الصالحة لا نحصل عليها».

وذكر تقرير شبكة «عاين» الإخبارية منتصف الشهر الحالي، أن تسرب الإغاثة إلى الأسواق «لم يعد سراً»، وأن سلعاً غذائية مثل «الأرز، السكر، دقيق القمح»، وُجِدَت معروضة في رفوف المتاجر في بورتسودان ومناطق أخرى، على الرغم من أن عبواتها تشير إلى «أنها مواد إغاثة مجانية، ومدون عليها أسماء الجهات المتبرعة»، لكنها تباع علناً في المتاجر.

عائلات نازحة من ولايتي الجزيرة وسنار في مخيم للنزوح بولاية كسلا (شرق) (رويترز)

ويأتي التحقيق في وقت حرج بالنسبة لبرنامج الأغذية العالمي، الذي يصف نفسه بأنه أكبر منظمة للمساعدات الإنسانية في العالم. وفاز البرنامج بجائزة نوبل للسلام لعام 2020؛ لدوره في مكافحة الجوع وتعزيز السلام. ويسعى البرنامج إلى مكافحة الجوع الحاد في عدد من الجبهات، عن طريق جمع 22.7 مليار دولار لتمويل تقديم المساعدات على 157 مليون شخص، 1.3 مليون منهم على شفا المجاعة، في السودان وقطاع غزة وجنوب السودان ومالي. وأبدى عاملون في المجال الإنساني و دبلوماسيون لـ«رويترز» قلقهم من أن يسهم سوء الإدارة في مكتب برنامج الأغذية في السودان، في الإخفاق في توصيل المساعدات الكافية، للمحتاجين في السودان. ووفقاً لـ«رويترز»، فإن أشخاصاً في بعض مناطق السودان اضطروا إلى تناول أوراق الشجر و«التراب» من أجل البقاء على قيد الحياة، وإن تحليل الصور الملتقطة بالأقمار الاصطناعية الذي أجرته أكد «أن مساحات المقابر تتسع بسرعة في ظل انتشار الجوع والمرض».

اقرأ أيضاً

وبحسب مصادر «رويترز»، فإن التحقيق يشمل أيضاً شكوكاً تتعلق بموظفين كبار في برنامج الأغذية بالسودان «ربما ضللوا الجهات المانحة»، بما فيهم الدول الأعضاء في مجلس الأمن، عن طريق التهوين من شأن ما يتردد عن دور للجيش السوداني في منع تسليم المساعدات إلى المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، وأن نائب مدير البرنامج أخفى عرقلة سلطات متحالفة مع الجيش في بورتسودان منح تصاريح لـ15 شاحنة لنقل مساعدات أساسية إلى مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور التي تسيطر عليها «الدعم السريع»، واضطرت الشاحنات إلى الانتظار لسبعة أسابيع قبل منحها إذن التحرك.

صعوبة في التنقلات

وقالت «رويترز» إن نائب مدير البرنامج  الذي تمت ترقيته داخل مكتب برنامج الأغذية بالسودان بسرعة غير عادية، له علاقات على مستويات عالية بالجيش، مكّنته من التحكم في حصول زملائه على تأشيرات دخول للسودان؛ ما سمح بتقييد وصول الإمدادات والحد من التدقيق في إدارة الجيش لتلك المساعدات.

وذكرت «رويترز» أنها لم تتمكن من صحة الاتهامات الموجهة لهذا المسؤول بشكل مستقل أو الدافع المحتمل الذي ربما كان لديه لتضليل المانحين، رد برنامج الأغذية كتابة أنه اتخذ إجراءات سريعة لتعزيز عملياته في السودان. وبدأ إجراءات توظيف فورية لضمان سلامة واستمرارية عملياته المنقذة للأرواح.

ونسبت «رويترز» إلى برنامج الأغذية ووكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة شكاواهم من صعوبة الانتقالات التي أسهمت في قدرتهم على الوصول إلى المحتاجين في المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع» في «الخرطوم، إقليمي دارفور وكردفان»، وأنها تجنبت إلى حد كبير إلقاء اللوم على أي من طرفي الصراع علناً؛ خشية الإدلاء بتصريحات تنطوي على اتهامات تؤدي إلى أن يطردهم الجيش من بورتسودان، ويمنعهم الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها، والتي يشتد فيها الجوع.

وفي رده على طلب للتعليق على دور الجيش في أزمة الجوع، قال المتحدث باسم القوات المسلحة السودانية، نبيل عبد الله، لـ«رويترز» إن الجيش يبذل قصارى جهده لتسهيل المساعدات «لتخفيف معاناة شعبنا»، في حين قال متحدث باسم «قوات الدعم السريع» إن التحقيق خطوة جيدة، ويجب أن يشمل جميع المساعدات الإنسانية.


مقالات ذات صلة

مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول أوكرانيا الاثنين بعد ضربات صاروخية روسية

أوروبا عمال الإنقاذ في فولغوغراد خلال قصف أوكراني في مايو الماضي (رويترز) play-circle

مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول أوكرانيا الاثنين بعد ضربات صاروخية روسية

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً، الاثنين، بناءً على طلب أوكرانيا بعد غارات جوية روسية واسعة النطاق، واستخدام موسكو صاروخ «أوريشنيك» الباليستي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله نظيره التركي رجب طيب إردوغان في البيت الأبيض 25 سبتمبر 2025 (الرئاسة التركية)

تركيا ترى فرصة لحل قضايا عالقة مع أميركا وتشعر بقلق من ارتدادات سياساتها

تعتقد تركيا بوجود فرصة لحل ملفات عالقة مع الولايات المتحدة، فيما يسود قلق من سياساتها دفع إلى المطالبة بامتلاك برنامج نووي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا صالح مستقبِلاً خوري في مدينة القبة شرق ليبيا (المركز الإعلامي لصالح)

الأمم المتحدة تناشد الليبيين الاتفاق «بحسن نية» على وقف «التشظّي المؤسسي»

اتفق عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي وستيفاني خوري نائبة البعثة الأممية على ضرورة التوصل إلى حل سياسي للانسداد الراهن للحيلولة دون تدهور الأوضاع المعيشية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع قراراً تنفيذياً في البيت الأبيض (رويترز)

الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

عدّت الأمم المتحدة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن انسحاب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية بما فيها معاهدة باريس لتغير المناخ «خطأً فادحاً».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر تشدد على ضرورة توفير «ملاذات آمنة» ووصول المساعدات للسودانيين

شددت مصر على ضرورة توفير «ملاذات آمنة» ووصول المساعدات الإنسانية إلى السودانيين دون عوائق

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

ملك المغرب يعاني من آلام بالظهر تتطلب علاجاً طبياً وفترة راحة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

ملك المغرب يعاني من آلام بالظهر تتطلب علاجاً طبياً وفترة راحة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

أعلنت وكالة المغرب العربي للأنباء، اليوم (السبت)، أن العاهل المغربي الملك محمد السادس يعاني من آلام في أسفل الظهر مصحوبة بتشنج عضلي مما يتطلب علاجاً طبياً وفترة راحة وظيفية.

ونقلت الوكالة عن الطبيب الشخصي للملك، لحسن بليمني، قوله إنه لا داعي للقلق إزاء الحالة الصحية للعاهل المغربي.


مصر تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)
مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)
TT

مصر تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)
مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)

أسدلت مصر الستار على أطول استحقاق انتخابي، بإعلان «الهيئة الوطنية للانتخابات»، النتائج الرسمية لآخر جولة بانتخابات مجلس النواب (البرلمان)، السبت.

وأعلن رئيس «الهيئة الوطنية للانتخابات»، القاضي حازم بدوي، نتائج جولة الإعادة للدوائر الملغاة بأحكام قضائية، في المرحلة الأولى من الانتخابات، والبالغ عددها 27 دائرة انتخابية.

وتعد انتخابات مجلس النواب المصري أطول استحقاق نيابي في البلاد، بعد أن استمرت فعالياتها 99 يوماً، وأُجْرِيَ التصويت على 8 جولات، شملت الانتخاب في 27 محافظة على مرحلتين وجولتي الإعادة بهما، إلى جانب التصويت على 19 دائرة ملغاة بقرارات من «هيئة الانتخابات»، و30 دائرة ملغاة بأحكام قضائية وجولتي الإعادة بهما.

وبدأت إجراءات انتخابات البرلمان المصري بفتح باب الترشح في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأُجري التصويت على آخر جولة انتخابية يومي الثالث والرابع من يناير (كانون الثاني) الحالي، قبل إعلان النتيجة النهائية رسمياً، السبت.

ولا تتسم الانتخابات النيابية في مصر، بكونها الأطول فقط في الحياة البرلمانية، ولكنها الأكثر زخماً، وفق القاضي حازم بدوي، وقال خلال مؤتمر صحافي، السبت، إن «العملية الانتخابية انتهت، وترتب عليها تشكيل مجلس النواب للفصل التشريعي الثالث».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أثناء الإدلاء بصوته في انتخابات مجلس النواب (مجلس الوزراء المصري)

وحسب بيان رئيس «الهيئة الوطنية للانتخابات»، بلغت حصيلة المشاركة في الانتخابات البرلمانية المصرية نحو 32.41 في المائة، بعد مشاركة 22 مليوناً و657 ألف ناخب، من إجمالي من يحق لهم التصويت في الانتخابات، وعددهم 69 مليوناً و891 ألف ناخب.

وتعد نسبة المشاركة، أعلى من نظيرتها في انتخابات برلمان 2020، والتي بلغت حينها 29.5 في المائة، حسب بيانات «الهيئة الوطنية للانتخابات».

وأظهرت نتائج الانتخابات فوز 15 حزباً سياسياً بأكثرية مقاعد مجلس النواب المصري، بينهم 8 أحزاب من المعارضة، و7 أحزاب مؤيدة للنظام الحالي، وفق تقرير أولي «لهيئة الاستعلامات المصرية»، الأسبوع الماضي، وأشار إلى أن «أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعداً بما يقارب 10 في المائة من الأعضاء المنتخبين»، إلى جانب فوز 105 أعضاء من المستقلين، بنسبة تزيد على 18 في المائة.

ويبلغ عدد مقاعد مجلس النواب المصري 568 مقعداً، يتم انتخاب نصفهم بنظام القوائم المغلقة، والنصف الآخر بالنظام الفردي، في حين يعيِّن الرئيس المصري 5 في المائة من مقاعد المجلس، وعددهم 28 عضواً، ليصل إجمالي أعضاء البرلمان المنتخبين والمعينين 596 عضواً.

ويعتقد عضو المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، عصام شيحة، أن «انتخابات البرلمان المصري، أجريت وسط إرادة سياسية من الحكومة حرصت على نزاهتها»، وقال إن «تدخل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بطلب تصويب مسار الانتخابات في بدايتها ترتب عليه حياد كل المؤسسات، وحفّز قطاعات مجتمعية على المشاركة».

وتدخل السيسي قبل إعلان نتيجة المرحلة الأولى من الانتخابات في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بطلب «الفحص والتحقيق في مخالفات التصويت بتلك المرحلة»، إلى جانب «الإعلان عن الإجراءات المتخذة نحو ما وصل إليها من مخالفات في الدعاية الانتخابية».

ويرى شيحة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «إجراءات التصويت بالانتخابات تمت وسط توافر عوامل تدعم مصداقية الانتخابات، من بينها رقابة منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المصرية والأجنبية»، عاداً طول فترة الاستحاق الانتخابي «يعكس امتلاك الحكومة المصرية القدرة على إدارة الانتخابات بشكل جيد وفي موعدها من دون إلغاء».

إحدى جلسات البرلمان المصري الشهر الماضي (مجلس النواب المصري)

وأشار رئيس «الهيئة الوطنية للانتخابات» في المؤتمر الصحافي، إلى أن «الانتخابات حظيت بأكبر متابعة واهتمام من الرأي العام»، وقال إن «المؤسسات المصرية التزمت بالحياد التام خلال الانتخابات»، منوهاً إلى أن «الهيئة لم يضق صدرها بالانتقادات، بل تصدت من تلقاء نفسها للتصرفات الخاطئة التي كادت أن تؤثر في سلامة الاستحقاق الانتخابي».

وجاءت مخرجات الانتخابات البرلمانية أفضل من جميع التوقعات، وفق تقدير رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان (إحدى منظمات متابعة انتخابات مجلس النواب المصري)، علاء شلبي، وقال إن «العملية الانتخابية رغم طول مداها الزمني، فإنها الأفضل من زاوية قدرة الحكومة المصرية على تنفيذها في سياق إقليمي مضطرب»، كما أنها «عكست القدرة على إصلاح الأخطاء في أثناء الانتخابات».

وأوضح شلبي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المعيار الحاكم في الخروقات الانتخابية هو مدى تأثيرها في النتائج النهائية»، مشيراً إلى أن «الأخطاء التي شهدتها الانتخابات المصرية جرى إصلاحها بعد إعادة التصويت في 49 دائرة انتخابية»، وقال إن «تصويب مسار الانتخابات أحدث تحولات كبيرة في التصويت وهو ما أظهرته نتائج الانتخابات».

وبعد انتهاء الانتخابات، تعهد القاضي حازم بدوي بـ«تنظيم هيئة الانتخابات برامج تدريبية للمسؤولين في الأحزاب السياسية بشأن إعداد القوائم الانتخابية، لتلافي ما جرى في الاستحقاقات الماضية، والتي أدت إلى شطب بعض تلك القوائم، نتيجة عدم استيفاء الإجراءات القانونية للترشح».


الدعم المالي الأوروبي لمصر يعزز شراكة سياسية فعالة

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)
TT

الدعم المالي الأوروبي لمصر يعزز شراكة سياسية فعالة

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)

تدعم زيارة الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسية الأمنية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى القاهرة إحراز تقدم نحو تسليم دفعة جديدة من الدعم المالي الأوروبي لمصر بعد أن أكدت المسؤولة الأوروبية «صرف الشريحة الثانية من الحزمة المالية خلال الأيام المقبلة»، وهو ما رآه خبراء «يعزز شراكة سياسية فعالة بين الطرفين».

والتقى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، كالاس في القاهرة، السبت، وأبدى ترحيباً «بالاستثمارات الأوروبية فى مصر بقطاع الطاقة الجديدة والمتجددة وإنتاج الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر»، بينما تطرق الاجتماع إلى التنسيق المصري الأوروبي بشأن جملة من القضايا السياسية والدبلوماسية المرتبطة بتسوية الأوضاع في المنطقة عبر السبل السلمية، وتأكيد ضرورة الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الموقَّع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأعلنت كالاس في منشور على منصة «إكس»، عقب لقائها السيسي، السبت، «أن الدفعة الجديدة من المساعدات المالية الأوروبية لدعم الاقتصاد المصري (في الطريق)، وأن قيمة هذه المساعدات تبلغ 1 مليار دولار»، مشيرة إلى أن الدفعة الجديدة من المساعدات الأوروبية تهدف إلى «دعم الاقتصاد المصري، وتعزيز أجندة الإصلاح».

وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن في عام 2024 عن حزمة تمويل شاملة لمصر بقيمة 7.4 مليار يورو (نحو 8.1 مليار دولار)، تتضمن 5 مليارات يورو في صورة قروض ميسّرة، حيث حصلت مصر بالفعل على الشريحة الأولى البالغة مليار يورو في يناير (كانون الثاني) الماضي، وتشمل الحزمة الأوروبية أيضاً استثمارات ومنحاً.

مرحلة مرتبكة

أكد سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، السفير رؤوف سعد، أن التعاون الاستراتيجي بين مصر والاتحاد الأوروبي أكبر من كونه حزمة مالية غير أن إحراز تقدم على مستوى مسارات الدعم المالي يعظم من الشراكة بين البلدين في ظل مرحلة مرتبكة من العلاقات الدولية من المتوقع أن تشهد مزيد من الفتور في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ ما يجعل هناك مساعي أوروبية جادة لتعزيز التنسيق مع دول بعيدة عن نطاقها الغربي من خلال تنشيط شبكة العلاقات الدولية.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تعزيز التعاون السياسي بين الاتحاد الأوروبي ومصر يأتي في ظل حاجة أوروبية للعب مزيد من الأدوار التي تساعد في تهدئة الأوضاع بالمنطقة، خصوصاً في قطاع غزة مع التوصل لاتفاق بشأن وقف إطلاق النار يواجه الآن صعوبات جمة في التنفيذ، خصوصاً أن القاهرة أثبتت قدرة في التعامل مع الأزمة ومواجهة ضغوطات هائلة بشأن تمرير «خطط تهجير الفلسطينيين».

وأكد أن الاتحاد الأوروبي أدرك أن وجود متاعب اقتصادية لا يعوق الدور التاريخي للدول القادرة على صنع القرار، وهو ما يدعم إنجاح توجهات إقرار الدعم المادي المتفق عليه، وصرف شريحة جديدة منه تقوى القدرات الاقتصادية المصرية، وتسهم في لعب مزيد من الأدوار المشتركة في مواجهة أزمات مختلفة بالمنطقة.

مباحثات مصرية أوروبية في القاهرة تطرقت إلى تطورات الأوضاع بالمنطقة (الرئاسة المصرية)

ويعد التعاون المشترك بشأن مواجهة «الهجرة غير الشرعية» و«مكافحة الإرهاب» من ملفات التعاون الرئيسية بين البلدين، وهو ما أكده وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه كالاس، الجمعة، مشيراً إلى أن «المباحثات مع مفوضة الشؤون الخارجية الأوروبية تناولت الأعباء الضخمة التى تتحملها مصر نتيجة استضافتها ملايين من اللاجئين الذين هربوا من بلادهم نتيجة الأزمات المتلاحقة التى تموج بها المنطقة خصوصاً دول الجوار، وأنه تم تأكيد أهمية التشارك فى تحمل الأعباء الناجمة عن ملايين اللاجئين الذين يتواجدون فى مصر».

تأمين الممرات البحرية

بينما ثمنت كالاس «الدور الفاعل الذي تضطلع به مصر في إرساء السلام والاستقرار بالمنطقة، معربة في ذات السياق عن تطلع الاتحاد الأوروبي لبدء أول حوار بين مصر والاتحاد الأوروبي في مجالات الأمن والدفاع في مارس (آذار) 2026».

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير محمد حجازي، إن الدعم المالي المقدم لمصر في هذه المرحلة يعزز الشراكة السياسية في ظل العديد من القضايا الملحة على الساحة الدولية بينها تأمين الممرات البحرية الدولية، ووجود ممارسات غير مألوفة تتعلق بدعم جهات انفصالية في «أرض الصومال» و«جنوب اليمن»؛ ما يزيد الصراع على الثروة.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي وصلت إلى «الشراكة الاستراتيجية» وهو الأمر الذي يؤدي لتكثيف الاتصالات من الطرفين في ظل وجود «أطماع عدائية للاستيلاء على الممرات البحرية»؛ ما يهدد أوروبا والعالم، كما أن الاتحاد الأوروبي يعول لأن تقوم القاهرة بأدوار تسهم في خفض التصعيد بالمنطقة مع الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة ولبنان.

وأكدت كالاس «أن الاتحاد الأوروبي يثمن الجهود الدبلوماسية التي اتخذتها مصر من أجل أمن واستقرار المنطقة، مشيراً إلى الدور المحوري لمصر في تعزيز الاستقرار الإقليمي».

وفي الأول من أبريل (نيسان) الماضي، أعربت مصر عن «تقديرها البالغ» لاعتماد البرلمان الأوروبي، في جلسته العامة، القراءة الأولى لقرار إتاحة الشريحة الثانية من حزمة الدعم المالي الكلي المقدمة من الاتحاد الأوروبي إلى القاهرة بقيمة 4 مليارات يورو، وذلك بأغلبية 452 عضواً من أصل 720 عضواً.

وتتضمن الحزمة ‌أيضاً استثمارات ‌ومنحاً، وجاءت لأسباب من بينها تدهور الوضع المالي لمصر بعد حرب غزة وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر والتداعيات الاقتصادية للحرب في أوكرانيا.

وفي أكتوبر الماضي وقّع الاتحاد الأوروبي ومصر خلال قمة ثنائية في بروكسل مذكرة تفاهم بشأن تقديم برنامج مساعدات مالية كلية ثانٍ لمصر بقيمة إجمالية تبلغ 4 مليارات يورو.

كما وقّع الجانبان على برنامج الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في مصر بمبلغ 75 مليون يورو، فضلاً عن اتفاقية بشأن مشاركة مصر في برنامج «هورايزون» للتبادل العلمي والطلابي التابع للاتحاد الأوروبي، وذلك على هامش مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في «القمة المصرية الأوروبية الأولى»، في العاصمة البلجيكية بروكسل.