ترحيب واسع بالمبادرة الأميركية لوقف الحرب في السودان

حميدتي يوافق على محادثات سويسرا... والجيش يلتزم الصمت

وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن (أ.ب)
TT

ترحيب واسع بالمبادرة الأميركية لوقف الحرب في السودان

وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن (أ.ب)

توالت ردود أفعال القوى السياسية والمدنية، المرحّبة بالمبادرة الأميركية الجديدة لجمع طرفَي القتال في السودان، الجيش و«قوات الدعم السريع»، في محادثات مباشرة بسويسرا، منتصف أغسطس (آب) المقبل، بهدف إنهاء الحرب، ورأت في الخطوة امتداداً لمساعي الإدارة الأميركية المتواصلة، لكنها رأت أن نجاحها مرهون بالضغط الذي ستمارسه على الأطراف المتقاتلة.

وأعلن قائد «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ليل الثلاثاء - الأربعاء، قبوله دعوة وزير الخارجية الأميركية، أنتوني بلينكن، بالمشاركة في المحادثات، فيما لم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الطرف الآخر، أي «القوات المسلحة السودانية» بشأن الدعوة.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (د.ب.أ)

وقال حميدتي في منشور على منصة «إكس»: «أقدّر الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وسويسرا في تنظيم هذه المداولات المهمة»، مضيفاً: «نحن نتشارك مع المجتمع الدولي في الهدف، المتمثّل في وقف شامل لإطلاق النار في أرجاء البلاد كافة، وتسهيل الوصول الإنساني لجميع المحتاجين، بالإضافة إلى تطوير آلية قوية للرصد والتحقّق؛ لضمان تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه».

ونقلت مجلة «فورن بوليسي» عن مسؤولين أميركيين حاليّين وسابقين، أن الرئيس جو بايدن يخطّط لإطلاق مبادرة جديدة لإنهاء الحرب في السودان، من خلال محادثات سلام، من المقرّر أن تنطلق في 15 من أغسطس (آب) المقبل، وسيترأس هذه المباحثات كل من وزير الخارجية الأميركية، وسفيرة أميركا في نيويورك، ليندا توماس.

حمدان دقلو «حميدتي» أعلن قبوله دعوة وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، بالمشاركة في المحادثات (أ.ف.ب)

ووفق «فورين بوليسي»، فإن سويسرا والسعودية ستستضيفان المحادثات رفيعة المستوى الشهر المقبل، وستقتصر، وفقاً للمبادرة الأميركية، على بحث وقف إطلاق النار والعنف في جميع أنحاء البلاد، بهدف تمكين وصول المساعدات الإنسانية، وتطوير آلية مراقبة تحقُّق قوية لضمان تنفيذ أي اتفاق.

وأوضح بلينكن أن المحادثات الجديدة لا تهدف إلى معالجة القضايا السياسية الأوسع، لكنه أكّد على أهمية أن يكون للمدنيين دور قيادي في تحديد عملية تروم معالجة القضايا السياسية، واستعادة الانتقال الديمقراطي.

وشارك وفدا الجيش السوداني و«الدعم السريع» ما بين 10 و20 من يوليو (تموز) الحالي في محادثات غير مباشرة، احتضنتها مدينة جنيف السويسرية، بوساطة من الأمم المتحدة لبحث الأوضاع الإنسانية، لكنها لم تتوصل إلى تقارب في الرؤى حول اتفاق مشترك بشأن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين.

وتكثّفت منذ أشهر مساعٍ إقليمية ودولية لإيجاد حل للقتال الدائر في السودان منذ عام ونصف عام، حيث قام المبعوث الأميركي الخاص توم بيرليو بجولات لدول الجوار العربي والأفريقي. ومن المقرّر أن يُطلع بيرليو خلال الأسبوع الحالي الكونغرس الأميركي على خطط المفاوضات، ومساعيه في إقناع كبار المفاوضين من جانِبَي الصراع للمشاركة في المحادثات، وفق تقرير «فورن بوليسي».

أسفر النزاع في السودان عن مقتل وإصابة أكثر من 100 ألف شخص ونزوح الآلاف (أ.ف.ب)

ورحّبت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم»، التكتل السياسي الأكبر في السودان، في بيان، الأربعاء، بالدعوة الأميركية، وأعربت عن أمانيها في أن تثمر هذه المبادرة «وقفاً عاجلاً للقتال، عبر الانخراط الجادّ، والالتزام التام من جميع الأطراف».

ورأى المتحدث الرسمي باسم « تقدم»، بكري الجاك، أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن الجهود، التي كان يقوم بها المبعوث الأميركي في المنطقة منذ تسلّمه الملف. وقال لــ«الشرق الأوسط» إن أي جهد يمكن أن يؤدي إلى التعجيل بوقف الحرب يجب أن يُدعم من الباحثين عن السلام في السودان والمنطقة.

وأضاف الجاك موضحاً أن توم بيرليو ظل يدعو بإصرار إلى إشراك مصر والإمارات؛ نظراً لعلاقة كل طرف منهما بطرفَي الحرب بشكل مباشر، كما وجّه جهوده للتنسيق والدمج بين المبادرات المطروحة في منبر جدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة التنمية الحكومية «إيغاد»، والبناء على ما تم من تحركات مصرية وإثيوبية خلال الأيام الماضية في الملف السوداني.

وتابع الجاك قائلاً: «هناك مخاوف من دول الجوار التي ليست لها مصلحة استراتجية في استمرار الحرب بالسودان، خصوصاً أن (الإسلاميين) يعملون على تدويل الصراع الذي يتم في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، ولجوء المجموعات الأخرى، التي لها امتدادات في الدول المجاورة، للاستعانة بالمقاتلين في الحرب».

وحول ما إذا كان التحرك الأميركي ذا صلة بالسباق الرئاسي في أميركا، قال الجاك: «السودان ليس بأهمية أوكرانيا أو الحرب في غزة، وتحقيق اختراق في ملف الحرب بالسودان لا يغيّر في مجريات المعادلة السياسية للانتخابات الأميركية، لكن إدارة بايدن يمكن أن تعطي مرشح الحزب الديمقراطي إمكانية التعبير عن الاهتمام بما يجري في العالم، مثل الحرب التي تجري في السودان».

من جهة ثانية، حثّ التجمع الاتحادي، أحد فصائل «تنسيقة تقدم»، الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول المبادرة الأميركية، من أجل الوصول لاتفاق لوقف إطلاق النار، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية والإغاثة إلى ملايين السودانيين الذين تأثروا بالحرب.

وأسفر النزاع بين الجيش؛ بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع»؛ بقيادة محمد حمدان دقلو، منذ 15 من أبريل (نيسان) العام الماضي، عن مقتل وإصابة أكثر من 100 ألف شخص، وفقاً لإحصائيات رسمية محلية ودولية.


مقالات ذات صلة

تحالف «صمود» يتهم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بالانحياز

شمال افريقيا عرض عسكري في أم درمان اليوم (الأربعاء) في ذكرى استقلال السودان (أ.ب)

تحالف «صمود» يتهم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بالانحياز

حقّق الجيش السوداني تقدماً غرب الأبيض، واستعاد بلدات كانت تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، فيما جدّدت حركة مسلحة متحالفة مع «الدعم السريع» دعوتها له بالانسحاب.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا  مجلس الوزراء السوداني عقد أمس جلسته برئاسة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس (سونا)

مجلس الوزراء السوداني يجيز «موازنة 2026 الطارئة» ويصفها بـ«المعجزة»

وصف رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس، مشروع الموازنة الطارئة للعام المالي 2026، التي أقراها مجلس الوزراء يوم أمس (الثلاثاء)، بـ«المعجزة» مشيداً بضبط…

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أ.ب)

«اليونيسف» تحذر من مستوى غير مسبوق من سوء التغذية بين الأطفال في شمال دارفور بالسودان

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، اليوم الثلاثاء، من وجود «مستويات غير مسبوقة وخطيرة» من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور في غرب السودان.

«الشرق الأوسط» (دارفور)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قاضية أميركية توقف إنهاء الحماية من الترحيل للمهاجرين من جنوب السودان

​أوقفت قاضية اتحادية تنفيذ خطط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ‌لإنهاء ‌وضع ‌الحماية ⁠المؤقتة ​من ‌الترحيل الممنوح لمئات من مواطني جنوب السودان.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
شمال افريقيا سودانيون عائدون إلى وطنهم ضمن الرحلة 43 من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

مصر: قوائم انتظار طويلة لسودانيين يرغبون في العودة

مكّن مشروع «العودة الطوعية للسودان» آلاف السودانيين المقيمين بمصر من العودة المجانية لبلادهم منذ انطلاقه في يوليو الماضي.

رحاب عليوة (القاهرة)

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
TT

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)

حضّ رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الأجهزة المختلفة في العاصمة طرابلس على العمل لمواجهة غلاء أسعار السلع الغذائية، من بينها مراقبة السوق، ودعم المواطنين لا سيما مع اقتراب شهر رمضان.

وكان الدبيبة قد عقد اجتماعاً موسعاً بحضور وزير الاقتصاد والتجارة محمد الحويج، مساء الخميس، لمتابعة المستوى العام للأسعار في السوق الليبية، وانعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين، في ظل شكاوى متواصلة من شحّ السيولة في البنوك وضعف الرواتب. كما أعلنت الحكومة اتخاذ إجراءات عدة لمواجهة موجة الغلاء، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان، من بينها إعداد «قائمة سوداء» للتجار المتورطين بالمضاربة في الأسعار.

جانب من اجتماع موسع لحكومة الدبيبة لمتابعة السوق المحلية (حكومة «الوحدة»)

وتشهد ليبيا موجة غلاء ملحوظة في ظل ازدياد أسعار السلع الغذائية والدوائية، بنسبة متفاوتة تقارب 25 في المائة، وتغوّل السوق الموازية للدولار، وتراجع سعر صرف الدينار أمام العملة الصعبة، مما يعمّق معاناة الليبيين، ويحدّ من قدراتهم الشرائية.

ووجّه الدبيبة بتكثيف الجولات الميدانية داخل الأسواق، وتعزيز التنسيق بين وزارة الاقتصاد وجهاز الحرس البلدي والجهات ذات العلاقة، لمتابعة مسار السلع من المنافذ وحتى نقاط البيع، وضمان التزام التجار بالأسعار المعتمدة.

وتطرق الاجتماع إلى بحث «قيمة الاعتمادات البنكية المفتوحة» لتوريد السلع الأساسية، ومدى انعكاسها على توافر السلع في الأسواق وضمان استقرار أسعارها، إلى جانب مناقشة التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد والتوزيع، وسبل معالجتها بما يحافظ على التوازن في السوق المحلية.

وخلال اللقاء شدّد الدبيبة على اتخاذ إجراءات صارمة بحق المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، وعدم التهاون مع أي ممارسات تضر بقوت المواطن، أو تمس استقرار السوق، مؤكداً أن ضبط الأسعار وحماية المستهلك تمثّل أولوية قصوى للحكومة.

مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (تصوير: جمال جوهر)

وجاء الاجتماع الموسع، الذي ضم عدداً من المسؤولين من الحكومة، بعد شكاوى عديدة من ارتفاع أسعار الدواجن والبيض والتونة، بالإضافة إلى الحليب، الذي ارتفع سعر اللتر منه من 6 دنانير إلى 7.5 دينار.

وللغرض ذاته، عقد الحويج اجتماعاً موسعاً، بحضور رئيس جهاز الحرس البلدي، ووكيل وزارة العمل والتأهيل، ومديري غرف التجارة والصناعة والزراعة، لمناقشة تنظيم السوق المحلية، وضبط الأسعار وضمان توافر السلع الأساسية للمواطنين. وناقش الاجتماع أوضاع العمالة الوافدة وتأثيرها على أنشطة الجُملة والتجزئة. كما شدد على قرار الوزارة بشأن حظر مزاولة الأنشطة التجارية على غير الليبيين، والتنسيق مع وزارة العمل وجهاز الحرس البلدي لمتابعة الأسعار وسلوكيات التجار.

وبشأن «القائمة السوداء» للتجار المتورطين في المضاربة، وجّه الحويج باتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم بالتنسيق مع الجهات المختصة ومصرف ليبيا المركزي، وأكد ضرورة المتابعة اليومية لضبط الأسعار، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، «مع التركيز على دعم المواطن، وتخفيف الأعباء المعيشية في ظل تدهور قيمة الدينار وارتفاع الأسعار في السوق الموازية»، داعياً إلى عقد اجتماع مع التجار لاستعراض المخزونات، وتقديرات الإنتاج والموازنة الاستيرادية للسلع الأساسية.

من جانبه، شدد جهاز الحرس البلدي على تقديم تقارير أسبوعية حول العمالة والأسعار، فيما أكد وكيل وزارة العمل والتأهيل تقديم جميع التسهيلات لتنظيم سوق العمل، مشيراً إلى استمرار آلية تسجيل العمالة الأجنبية عبر منظومة «وافد»، وهو ما يُسهم في تنظيم السوق المحلية وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

وأعلن الحويج عقد اجتماع خلال هذا الأسبوع مع التجار لاستعراض تقديرات الإنتاج والمتوفرات والمخزونات من مختلف السلع، والعمل على إحالة الموازنة الاستيرادية الاسترشادية الخاصة بتوريد السلع الأساسية.

وفي بعض المناطق الليبية، اشتكى مواطنون من ارتفاع في أسعار طبق البيض إلى 17 و18 ديناراً، كما ارتفع سعر كيلو الدجاج إلى قرابة 18 ديناراً.

الدبيبة وجّه حكومته «بعدم التهاون مع أي ممارسات تضر بقوت المواطن أو تمس استقرار السوق» (أ.ف.ب)

وتحدثت شبكة «ليبيا للتجارة»، التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية، عن «اتساع واضح في الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية للعملات الأجنبية بين شهري أغسطس (آب) وديسمبر (كانون الأول) 2025، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الدولار واليورو وبقية العملات الرئيسية في السوق الموازية». وقالت إن هذا التطور «يعكس زيادة الضغوط على الدينار الليبي نتيجة شح النقد الأجنبي، وتأخر الاعتمادات وتوسّع التعامل في سوق الشيكات، بالإضافة إلى عوامل موسمية ومالية، ما يحدّ من فعالية أدوات السياسة النقدية الحالية».


احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
TT

احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

لا يزال توقيع اتفاقية للتعاون الدفاعي بين تونس والجزائر يثير جدالاً كبيراً غير مسبوق في تونس؛ حيث تصاعدت الدعوات إلى نشر مضمونها، خصوصاً إثر ظهور تسريبات لبعض بنودها، وهي بنود أثارت مخاوف الشارع التونسي، رغم أن وزير الدفاع الوطني التونسي، خالد السهيلي، أكّد في تصريحات صحافية أن هذه الاتفاقية ليست جديدة، بل جرى توقيعها منذ عام 2001، وأن مراجعتها جاءت لتتوافق مع المستجدات وتوسيع مجالات التعاون، خصوصاً في مكافحة الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، وتأمين الحدود المشتركة.

لكن هذا التبرير لم يكن مقنعاً لكثير من التونسيين، خصوصاً بعد أن انتشرت في الأيام الماضية تسريبات ووثائق مثيرة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه الاتفاقية، تؤكد أنها «غير متوازنة»، وأنها «قد تمس السيادة الوطنية للبلاد».

لكن الرئيس قيس سعيد نفى على هامش لقائه رئيسة الوزراء سارة الزعفراني الزنزري، صحة الوثائق المتداولة، وقال إن «الوثائق مفتعلة، ولا وجود لها إلا في الخيال المريض»، مشيراً إلى أن مَن قاموا بفبركتها «ما زالوا يتخبطون في غيّهم». كما أعاد تأكيد أن «الدولة لا تُدار بالتدوينات، وهؤلاء مكشوفون ومفضوحون».

بدوره، أظهر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استياءً من الجدل حول الاتفاق الأمني-العسكري مع تونس، الذي عدَّته المعارضة التونسية «مسعى جزائرياً للهيمنة على القرار السياسي والسيادة الوطنية التونسيين»؛ حيث أكّد تبون، في خطابه السنوي التقليدي أمام البرلمان المنعقد بغرفتيه في جلسة مشتركة، أن «الذين يعتقدون أنهم عندما يقطعون صلة تونس بالجزائر ستصبح فريسة سهلة، واهمون... إنهم لا يعرفون التونسيين جيداً». مندداً بـ«محاولة زعزعة استقرار تونس، والإضرار بالأخوّة والصداقة الجزائرية-التونسية... إنهم يحاولون تقسيمنا وبثّ الفتنة بيننا»، مؤكداً أن أمن الجزائر وتونس «مرتبط بعضه ببعض».

كما شدد تبون على أن الجيش الجزائري «لم يسبق أن دخل إلى التراب التونسي، ولن يدخله مطلقاً... لم نتدخل يوماً في شؤون تونس الداخلية، والجزائر تحترم القيادة التونسية».

غير أن تصريحات الرئيسين لم تنهيا الجدل الدائر حتى الآن؛ حيث لا تزال القيادات السياسية وبعض الشخصيات المعارضة تُطالب بنشر مضمون هذه الاتفاقية علناً لمعرفة ما تتضمنه.

في حين رأى آخرون أن عدم نشر النص الكامل للاتفاقية للرأي العام، وعدم عرضه لنقاش مؤسساتي واسع، قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مخاوف مشروعة تتعلق بحدود السيادة الوطنية لتونس.

وبخصوص هذا الجدل علَّق النائب بالبرلمان التونسي، بدر الدين قمودي، في معرض حديثه عن الاتفاقية بين تونس والجزائر، وكتب في تدوينة على صفحته بـ«فيسبوك»: «نعم، هناك اتفاقية بين تونس والجزائر، كُتبت بدماء الأحرار الشرفاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 1954».

وتابع النائب عن «كتلة الخط الوطني السيادي»: «عاشت تونس وعاشت الجزائر، وكل أمتنا العربية... وحتى نفهم طبيعة الحملة التي تستهدف العلاقات التونسية-الجزائرية، نحن شعب واحد بدولتين... أمّا عن دعاة الوثيقة المزيفة فالمنطق يقول البيّنة على من ادعى».


الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
TT

الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

تترقّب الأوساط السياسية والحزبية في الجزائر انطلاق الحوار الوطني مطلع هذا العام الجديد، بالتزامن مع اعتماد قانون الأحزاب الجديد، وفق ما أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون، وتناقلته وكالات إعلام وصحف محلية.

ويُعد الحوار، منذ أكثر من سنة، أحد التزامات تبون بعد إعادة انتخابه سنة 2024، في وقت تترقب فيه الأحزاب ملامح المرحلة المقبلة.

وفي خطابه الأخير أمام البرلمان، جدد تبون، التزامه الصريح بإجراء الحوار، وقال بهذا الخصوص: «التزمت من هذا المنبر بحوار سياسي مع الأحزاب، وما زلت ملتزماً به، مثلما صرحت وشرحت لبعض رؤساء الأحزاب الذين استقبلتهم».

وأوضح الرئيس الجزائري أن الانطلاق الفعلي في هذا الحوار سيكون «ريثما يصادق البرلمان على قانون الأحزاب»، عادّاً أن هذا الشرط يُشكل الإطار القانوني الضروري لفتح النقاش السياسي مع التشكيلات الحزبية.

وشدد الرئيس الجزائري على أن الحوار الوطني «سيكون بنّاءً»، مؤكداً التزامه بـ«تطبيق كل ما يجري الاتفاق عليه مع الأحزاب».

وربط الرئيس تبون الحوار السياسي بمسار الإصلاحات، التي أكد استمرارها، رغم ما وصفه بـ«محاولات التشويش من الداخل والخارج».

وأشار الرئيس إلى أن الإصلاحات الجارية تشمل مختلف القطاعات المعنية بتجسيد برامج التنمية الاجتماعية، والتكفل بالحاجيات الأساسية للمواطن، مبرزاً أن الهدف منها هو «ضمان النجاعة والشفافية وتكريس قواعد الحوكمة بالشعب ومن أجل الشعب، مع محاربة الفساد».

وفي هذا الإطار، جدد تبون تأكيد أن «العدالة ستكون بالمرصاد لكل مظاهر الفساد وأنواع الإخلال بالواجب المهني، وتأدية المسؤوليات، مع توفير الحماية لإطارات الدولة ومستخدميها النزهاء». كما ذكّر بمراجعة القانون الأساسي للقضاء، عادّاً أن ذلك يأتي «تجسيداً لالتزاماتنا تجاه رجال ونساء القطاع».

وكان تبون قد عرض رؤيته للحوار الوطني في حوار تلفزيوني في وقت سابق، مبرزاً أنه سيتناول قضايا تتعلق ببناء الديمقراطية، ومراجعة القوانين التي تؤطر عمل مؤسسات الدولة العصرية، على أن تتم هذه المراجعات بإشراك الأحزاب من أجل تعميق الطابع التشاركي للعمل السياسي.

وعلى أثر ذلك، طرحت قوى ونخب سياسية فاعلة في الجزائر مقترحاً لإنشاء هيئة للحوار الوطني، تتولى إدارة مسارات الحوار حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلاد، تضم ممثلين عن الدولة والقوى السياسية والاجتماعية، لتكون إطاراً جامعاً لمناقشة التحديات الوطنية وتنسيق الجهود لمواجهتها»، وكذا «الدعوة إلى بناء شراكة وطنية حقيقية بين الدولة والمجتمع، قواها السياسية والاجتماعية والمدنية تقوم على الحوار والتوافق والعمل المشترك، للتصدي لأي تهديد يستهدف كيان الدولة الوطنية، وتعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وترسيخ قيم المشاركة والتضامن، بما يضمن وحدة الجبهة الداخلية والأمن القومي للأوطان، ويحمي الاستقرار الوطني».