هل باتت أزمة المياه تهدّد الأمن الغذائي للمغاربة؟

تأمين إمدادات الشرب للسكان واستدامة الزراعة أصبحا مصدر قلق للسلطات

طفل يمر من نهر في جنوب المغرب اختفى كلياً بفعل توالي سنوات الجفاف (أ.ف.ب)
طفل يمر من نهر في جنوب المغرب اختفى كلياً بفعل توالي سنوات الجفاف (أ.ف.ب)
TT

هل باتت أزمة المياه تهدّد الأمن الغذائي للمغاربة؟

طفل يمر من نهر في جنوب المغرب اختفى كلياً بفعل توالي سنوات الجفاف (أ.ف.ب)
طفل يمر من نهر في جنوب المغرب اختفى كلياً بفعل توالي سنوات الجفاف (أ.ف.ب)

يسهم قطاع الزراعة في المغرب بما يصل إلى 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو القطاع الرئيسي لعمل أهل الريف وسكان البوادي، ويلعب دوراً أساسياً في الأمن الغذائي بالبلاد؛ الأمر الذي جعله قطاعاً استراتيجياً للاقتصاد الوطني. لكن على مدى العقود الماضية تكررت حالات الجفاف في المغرب، بل وتزايدت مُددها ومساحاتها، وانخفضت موارد المياه السطحية والجوفية إلى مستوى غير مسبوق. ووجّه المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية انتقادات شديدة للسياسات الزراعية، التي اعتمدها المغرب من خلال «مخطط المغرب الأخضر»، الذي أُطلق عام 2008 كأول استراتيجية فلاحية يتم تنفيذها بالبلاد، والذي يهدف إلى تكثيف الإنتاج الزراعي والاستثمار فيه. وذكر تقرير للمعهد الملكي، المعني بإجراء دراسات حول القضايا التي تحال إليه من طرف الملك، والذي صدر في أواخر فبراير (شباط) الماضي ونُشر على صفحته الإلكترونية منذ بضعة أيام، أن القطاع الزراعي يستنزف ما يقارب 85 في المائة من الموارد المائية المتجددة بالبلاد، مؤكداً أن المغرب أصبح مهدداً حالياً بندرة المياه، بسبب الإجهاد المائي خلال العقدين الأخيرين.

صورة تظهر حجم الجفاف الذي ضرب حقولاً زراعية عدة في وسط المغرب (أ.ف.ب)

وجاء في التقرير أن قضية ندرة المياه أصبحت في مقدمة المشكلات بالمغرب ومن أهم همومه، وأن أمن إمدادات مياه الشرب للسكان، واستدامة الزراعة والحفاظ عليها باتت مصدر قلق كبيراً للسلطات، إلى جانب الأمن الغذائي. وبسبب تغير المناخ، تواجه الزراعة المغربية تحديات تهدد جُلّ مواردها الطبيعية الأساسية؛ مما يؤدي بدوره إلى تقلبات شديدة في مستويات الإنتاج الزراعي، وتفاقم آثارها الاقتصادية والاجتماعية على السكان.

* نضوب وتصحر

أكد تقرير المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية أن التساقطات المطرية سجلت انخفاضاً واضحاً؛ ما أثر بقوة على دورات إنتاج المحاصيل، وعلى الثروة الحيوانية والمراعي والغابات، مع انتشار الجفاف وتأثر الأنشطة الزراعية بسبب زيادة التبخر. مشيراً إلى تدهور التربة، وانتشار التصحر في مساحات زراعية شاسعة، إلى حد أن بعض المناطق قد تصبح غير صالحة للزراعة بسبب تدهور الموارد الطبيعية، وتأثر التنوع البيولوجي. وقال التقرير إنه في السنوات الأخيرة «وجدت الكثير من المناطق المائية الكبيرة والصغيرة والمتوسطة الحجم بالمغرب نفسها دون ماء، ووصل معدل ملء معظم السدود إلى مستويات كارثية، وأصبح منسوب المياه الجوفية مهدداً بالنضوب الذي لا رجعة فيه». مبرزاً أن تغير المناخ ليس وحده السبب في هذا النضوب «إذ ساهمت السياسات العامة المتبعة في ذلك أيضاً».

من مظاهر الجفاف التي تعرّضت لها حقول زراعية عدة في جنوب المغرب (إ.ب.أ)

في هذا السياق، أكد التقرير أن الخيارات التي فضَّلتها سياسات المغرب الزراعية ساهمت أيضاً بقوة في الاستنزاف التدريجي للموارد المائية التقليدية، منذ إطلاق سياسة السدود في الستينات، بهدف الوصول إلى مليون هكتار مروية بحلول عام 2000. وانتقد المعهد الملكي التركيز على زرع منتجات يتجاوز المعروض منها الطلب، وقال إن المغرب لم يولِ مسألة التحكم في مياه الزراعة اهتماماً كافياً. وقال إن ضخ المياه الجوفية استمر في التوسع منذ موجة الجفاف، التي شهدتها البلاد في أوائل الثمانينات، غير أنه شهد تدهوراً حاداً مع ظهور مخطط المغرب الأخضر، الذي أدى إلى دعم نظام الري بالتنقيط في إطار البرنامج الوطني لتوفير مياه الري.

* أزمة غير مسبوقة

لم يكن تقرير المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية وحده من طرق باب الأزمة ودق نواقيس الخطر، فهناك أيضاً الكثير من المختصين الذين لفتوا إلى خطورة الوضع. ويرى جواد الكردادي، المختص في الزراعة والفلاحة العصرية وبدائل الفلاحة التقليدية، أنه في الوقت الذي يشهد فيه المغرب ندرة غير مسبوقة في المياه فإنه يُهدر المتوافر منها في اتجاهات لا تخدم القطاع. وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «على الرغم من أن مخطط المغرب الأخضر عمل على أجندات زراعية مهمة، فإنه لم يخدم الصالح العام كما الصالح الخاص، ولم يقترب من الفلاح الصغير.

يعتمد فلاحون أسلوب السقي بالتنقيط لتوفير المياه أمام ندرة التساقطات

وسواء تعلق الأمر بالخضراوات، أو الزراعات العلفية أو القطاني (البقوليات) والذرة، فإن المخطط لم يخدم هذا الجانب، بل توجه إلى أصحاب المشروعات الكبرى، التي تخدم المصالح الخاصة لأصحابها، وتعتمد بالدرجة الأولى على الاستيراد». ويعتقد الكردادي أن على المغرب تفادي الزراعة التي تعتمد على المياه الجوفية، والاتجاه إلى الزراعات التي لا تستنزف من الماء إلا القليل. وقال موضحاً: «من غير المعقول استنزاف كميات هائلة من الماء على منتجات لن يستفيد منها المغاربة، ويتم تصديرها إلى الخارج». وأعطى مثالاً على ذلك بفاكهة الأفوكادو، التي ينتج المغرب كميات كبيرة منها، والتي تستهلك كميات ضخمة من الماء، مبرزاً أن المغاربة «ليسوا في حاجة ماسة إلى إنتاج هذه الفاكهة بكميات كبيرة، وكان من الأجدر استغلال هذه المياه في خضراوات يستعملونها في حياتهم اليومية». وتابع الكردادي موجهاً انتقاده للسياسة الزراعية للبلاد: «في المقابل، نرى في بعض الدول أنهم حاولوا تطوير أنفسهم، وقاموا بإنتاج الشعير مثلاً بكميات وفيرة، دون استهلاك كميات كبيرة من المياه، حتى ما إذا واجهتهم أزمة جفاف استطاعوا تداركها... والمغرب حالياً يشتغل في هذا الإطار، غير أنه متأخر بعض الشيء». وحول مخطط المغرب الأخضر قال الكردادي: «الأمور كانت في بدايتها جيدة وتخدم المواطن المغربي، غير أن الانتقادات بدأت تطاله في الفترة الأخيرة». وأرجع ذلك إلى أن بعض القرارات «اتُخذت في غير وقتها، ولا تولي اعتباراً للفلاح الصغير؛ مما ساهم في نزوح عدد كبير من الفلاحين إلى المناطق الحضرية».

* تحقيق الأمن الغذائي

يقول المستشار الفلاحي، إبراهيم العنبي، إن مخطط المغرب الأخضر من المشروعات التي اهتمت بالأمن الغذائي بشدة، لدرجة أن المساحة المخصصة للخضراوات والفواكه كانت جاهزة قبل الموعد الذي كانت مقررة فيه في 2020. وتابع قائلاً: «في بعض الزراعات، كالحبوب مثلاً، لم ينجح المخطط لعدم إعطائه أهمية لإنتاج نصف احتياجات المغرب على الأقل»، وأشار إلى أن الحبوب تعتمد أساساً على الأمطار، وكان مخصصاً لها خمسة ملايين هكتار سنوياً، غير أن المغرب «كان يعمل على الرفع من المساحة أكثر من الرفع من الإنتاجية». مبرزاً أن إنتاج المغرب من الحبوب لا يتعدى 20 قنطاراً فقط في الهكتار، وموضحاً أن المخطط «لم يشتغل على الرفع من الإنتاجية إلى 30 قنطاراً في الهكتار، كما هو الأمر بالنسبة لبعض الدول المجاورة التي لها الظروف المناخية نفسها، وإلا كنا غطينا على الأقل 70 إلى 80 في المائة من الاحتياجات السنوية حتى في ظروف الجفاف».

فلاح مغربي داخل حقله الذي كان يوماً مليئاً بالخضراوات المزروعة (أ.ف.ب)

كما أشار العنبي إلى الجدل المثار منذ فترة حول زراعة الأفوكادو والبطيخ والتمور، التي تستهلك كميات كبيرة من الماء سنوياً، وقال إن مثل هذه المنتجات «استنزفت الفرشة المائية بالبلاد؛ ما أدى إلى قرار الحكومة المغربية العام الماضي رفع دعم هذه الزراعات خاصة الأفوكادو». وأوضح أن زراعة الأفوكادو مربحة جداً؛ وهو ما دفع إلى زيادة مساحات زراعة هذه الفاكهة. واختتم العنبي حديثه قائلاً: «في المقابل، لم يصل المغرب إلى حل، خاصة وأن وقف الدعم كان الهدف منه وضع حد لازدياد المساحات، لكن ما حصل كان العكس تماماً».


مقالات ذات صلة

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

شمال افريقيا وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

خطوة جديدة تتخذها القاهرة في توسيع شراكاتها المائية عبر محادثات مع أوزبكستان بهدف تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق الدولي بشأن «حوكمة الأنهار الدولية».

محمد محمود (القاهرة)
صحتك يقلل الكمون من الانتفاخ والغازات (بيكساباي)

ماذا يحدث لمعدتك عند شرب ماء الكمون يومياً؟

يؤدي شرب ماء الكمون يومياً إلى تحسين عملية الهضم وتقليل الانتفاخ والغازات، بفضل محتواه من مركبات تحفز إفراز الإنزيمات الهاضمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أوسمان ديون (تركي العقيلي) p-circle 05:41

خاص البنك الدولي: 12 مليار دولار سنوياً لتحويل أمن الغذاء في المنطقة إلى فرصة اقتصادية

يتحول الأمن الغذائي في المنطقة إلى فرصة اقتصادية تستقطب الاستثمارات في المياه والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مع بروز السعودية مركزاً إقليمياً.

هلا صغبيني (الرياض)
شمال افريقيا وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

جهود كبيرة تتحدث عنها وزارة الري المصرية لتوفير الاحتياجات المائية مع الاحتفال بـ«عيد الفلاح» بالبلاد في ظل عجز مائي تشهده، وسط تحديات أزمة «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

يستهدف العراق الاستفادة من التجربة المصرية في مجال معالجة وإعادة استخدامات المياه؛ إذ بحث وفد فني عراقي نظم وتطبيقات الري الحديث المطبقة في مصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة الحزبية في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة الحزبية في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

أفرزت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت أمس (الأربعاء)، خريطة حزبية جديدة أعادت ترتيب مراكز القوة داخل مجلس النواب، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال» مقارنة بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى واجهة المشهد البرلماني.

وجاء الإعلان عن النتائج من قبل عبد الوالي لفتيت وزير الداخلية فجر اليوم (الخميس) بعد ساعات من إغلاق مكاتب التصويت، وبدء عمليات الفرز، في انتخابات تنافس فيها 28 حزباً وتحالفاً سياسياً على 395 مقعداً بمجلس النواب. وكان عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية قد بلغ 15801162 ناخباً، فيما بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، مقابل 50.35 في المائة في انتخابات 2021.

أعضاء في حزب «العدالة والتنمية» يحتفلون بعد إعلان النتائج الأولية في الرباط أمس (إ.ب.أ)

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، متقدماً إلى صدارة مجلس النواب، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وحصل «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» على 26 مقعداً، و«الحركة الشعبية» على 29، و«التقدم والاشتراكية» على 19، و«الاتحاد الدستوري» على 17، فيما نال «تجمع اليسار» 8 مقاعد، و«جبهة القوى الديمقراطية» 8، و«جبهة الإنصاف» مقعدين، و«الوحدة والديمقراطية» مقعداً واحداً.

وتكشف المقارنة مع انتخابات 2021 عن تحول واضح في ترتيب القوى الأربع الكبرى. فقد كان «الوطني للأحرار» في الصدارة آنذاك بـ102 مقعد، متبوعاً بـ«الأصالة والمعاصرة» بـ87، و«الاستقلال» بـ81، بينما لم يحصل «العدالة والتنمية» إلا على 13 مقعداً.

تغير الصدارة

أبرز التحولات في انتخابات 2026 تتمثل في انتقال «الأصالة والمعاصرة» (البام PAM) من 87 إلى 97 مقعداً، بزيادة عشرة مقاعد، في الوقت الذي فقد فيه «الوطني للأحرار» 36 مقعداً، منتقلاً من 102 إلى 66.

مركز اقتراع في الصويرة خلال الانتخابات التي شهدت إقبالاً متدنياً من الناخبين (د.ب.أ)

أما «الاستقلال» الذي كان ثالث قوة برلمانية في 2021 بـ81 مقعداً، فقد تراجع إلى 65، بخسارة 16 مقعداً، لكنه حافظ على موقعه ضمن القوى الثلاث الأولى.

وبذلك تغير ترتيب الأحزاب الثلاثة التي تصدرت انتخابات 2021 بصورة لافتة، فـ«الأحرار» انتقل من المرتبة الأولى إلى الثانية، و«البام» من الثانية إلى الأولى، بينما بقي «الاستقلال» في المرتبة الثالثة مع انخفاض وزنه البرلماني.

ولا تعني هذه التحولات، في حد ذاتها، انتقال أصوات محددة من حزب إلى آخر، إذ إن عدد المقاعد يتأثر بالمنافسة في الدوائر، وبنسب المشاركة، وبطريقة توزيع المقاعد، ولذلك تعكس الأرقام تغيراً في المخرجات البرلمانية أكثر مما تثبت وحدها مصادر التحول في سلوك الناخبين.

عودة قوية لـ«العدالة والتنمية»

أكثر التحولات حدة مقارنة بنتائج 2021 سجلها «العدالة والتنمية» الذي ارتفع من 13 مقعداً إلى 54، أي بزيادة 41 مقعداً، ليعود بذلك إلى المراكز الأربعة الأولى بعد أن كان قد تراجع إلى المرتبة الثامنة في الانتخابات السابقة.

وتكتسب هذه العودة دلالتها بالنظر إلى المسار الذي قطعه الحزب خلال العقد الأخير. ففي انتخابات 2016 حصل على 125 مقعداً، قبل أن ينهار إلى 13 في انتخابات 2021، التي أفرزت في المقابل صعود «الوطني للأحرار» إلى الصدارة بـ102 مقعد. وتظهر نتيجة 2026 استعادة الحزب جزءاً كبيراً من حضوره البرلماني السابق، وإن بقي رصيده دون مستواه في 2016.

مغربي يدلي بصوته في مركز اقتراع بالرباط الأربعاء (إ.ب.أ)

وتعيد هذه النتيجة «العدالة والتنمية» إلى قلب المنافسة البرلمانية، بعدما كانت المسافة بينه وبين القوى الثلاث الأولى في انتخابات 2021 واسعة للغاية. ففي تلك الانتخابات كان الفارق بين «الاستقلال» صاحب المركز الثالث، والعدالة والتنمية أكثر من ستين مقعداً، بينما تقلص الفارق في 2026 إلى 11 مقعداً بين الحزبين.

خريطة جديدة بالقوى الكبرى نفسها

رغم حجم التحولات في ترتيب الأحزاب، تكشف مقارنة أكثر تجريداً عن مفارقة أخرى، فالقوى الأربع الأولى في انتخابات 2026 هي نفسها التي كانت تتصدر المشهد في 2021، وهي «الأصالة والمعاصرة» و«الوطني للأحرار» و«الاستقلال» و«العدالة والتنمية».

كما أن مجموع مقاعد هذه الأحزاب الأربعة لم يتغير عملياً إلا بمقعد واحد، إذ انتقل من 283 مقعداً في 2021 إلى 282 مقعداً في 2026. لكن توزيع القوة داخل هذه المجموعة تغير جذرياً. فقد خسر «الأحرار» 36 مقعداً، و«الاستقلال» 16، بينما كسب «الأصالة والمعاصرة» 10، و«العدالة والتنمية» 41.

وتقدم هذه الأرقام قراءة مختلفة عن فكرة التحول الكامل في الخريطة الحزبية، فالذي تغير أساساً هو موازين القوة داخل مجموعة الأحزاب الكبرى. وفي الوقت نفسه، حققت بعض القوى الأصغر تقدماً، أبرزها «تجمع اليسار» الذي انتقل من مقعد واحد في 2021 إلى 8 مقاعد، و«جبهة القوى الديمقراطية» التي ارتفعت من 3 إلى 8 مقاعد، بينما تراجعت قوى أخرى مثل «الاتحاد الاشتراكي»، و«التقدم والاشتراكية»، و«الاتحاد الدستوري».

انتخابات بمشاركة قليلة

تأتي إعادة ترتيب موازين القوى في سياق انتخابي اتسم بتراجع المشاركة. فقد بلغت النسبة الوطنية 38.02 في المائة مقارنة بـ50.35 في المائة في انتخابات 2021، أي بانخفاض يتجاوز 12 في المائة. وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن الاقتراع جرى في ظروف عادية في مختلف جهات المملكة، مع تسجيل بعض الحالات المحدودة والاستثنائية في عدد من مكاتب التصويت.

صحافيون يتابعون الأمين العام لـ«العدالة والتنمية» سعيد بن كيران وهو يعلق على النتائج الأولية للانتخابات في الرباط الأربعاء (إ.ب.أ)

ويمنح انخفاض المشاركة بعداً إضافياً لقراءة النتائج، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج أن تراجع الإقبال كان سبباً مباشراً في صعود حزب بعينه، أو تراجع حزب آخر. فالنتيجة الانتخابية تتشكل أيضا من توزيع الأصوات على الدوائر، وعدد المرشحين، وقوة المنافسة المحلية، وآليات احتساب المقاعد.

وهكذا لا تبدو انتخابات 2026 مجرد استمرار مباشر للخريطة التي أفرزتها صناديق 2021. فهي أبقت القوى الحزبية الأربع نفسها في مقدمة المشهد، لكنها غيرت ترتيبها وأوزانها بصورة ملموسة: صعود «البام» إلى الصدارة، وتراجع «الأحرار»، و«الاستقلال»، وعودة «العدالة والتنمية» إلى موقع متقدم.

التحالفات الممكنة

وبينما تبدأ الأحزاب في قراءة نتائجها، وتحديد مواقعها داخل الأغلبية والمعارضة، تظل كل صيغ التحالف مفتوحة نظرياً، في ظل عدم امتلاك أي حزب -منفرداً- الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.

غير أن إعادة إنتاج تحالف ثلاثي يجمع «الأصالة والمعاصرة» و«الوطني للأحرار» و«الاستقلال» تبدو أقل ترجيحاً من الناحية السياسية، بالنظر إلى الانتقادات التي رافقت تجربة الأغلبية السابقة، ولا سيما ما ارتبط بضعف المعارضة، وتشتتها، مقابل تمتع أحزاب الأغلبية بهيمنة عددية وسياسية واسعة داخل البرلمان.

وقد يدفع تغير موازين القوى داخل الأحزاب الكبرى وعودة «العدالة والتنمية» بقوة إلى إعادة صياغة معادلة الأغلبية، سواء عبر تحالفات بين بعض القوى المتصدرة، أو من خلال توسيعها لتشمل أحزاباً أخرى، فيما ستظل طبيعة المعارضة الجديدة مرتبطة بدورها بالتركيبة التي ستستقر عليها الأغلبية المقبلة.

اسمان مطروحان لقيادة الحكومة

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع وحتى نهاية الحملة الانتخابية، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي حول رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري، بما يعكس أيضاً التحول الذي طرأ على موقع الحزب داخل الخريطة السياسية منذ تأسيسه سنة 2008 بمبادرة من فؤاد علي الهمة، الذي كان آنذاك وزيراً منتدباً في الداخلية قبل أن يصبح مستشاراً للملك، والذي ارتبط اسم الحزب في بداياته بمواجهة صعود «العدالة والتنمية».

ويأتي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم، في مقدمة الأسماء المتداولة، خصوصاً بعد انضمامه رسمياً إلى «الأصالة والمعاصرة» في 25 يوليو (تموز) الماضي، ودخوله مكتبه السياسي، في خطوة أعطت وزناً سياسياً لشخصية ارتبط حضورها العام بإدارة المالية العمومية، وبالنجاحات التي حققها المنتخب المغربي لكرة القدم، كما يرأس لجنة المغرب 2030 المكلفة بالتحضير للمونديال المشترك مع إسبانيا والبرتغال.

أما الاسم الثاني فهو فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة منذ 2021، والتي تتولى منذ 2024 قيادة الأمانة العامة الجماعية لـ«الأصالة والمعاصرة». ويمنح طرح اسمها في هذا السياق بعداً إضافياً للنقاش، إذ ستكون في حال اختيارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب.


«الدعم السريع» تُكثف هجماتها بالمسيّرات في ولاية شمال كردفان السودانية

شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

«الدعم السريع» تُكثف هجماتها بالمسيّرات في ولاية شمال كردفان السودانية

شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

يقول سكان في ولاية شمال كردفان بالسودان إن «قوات الدعم السريع»، شبه العسكرية، كثّفت هجماتها بطائرات مسيّرة على مدن تُسيطر عليها الحكومة في الولاية، وهي جبهة قتال بين الجانبين، ما أدّى إلى تعطيل الحياة الطبيعية، وتسبب في شعور عميق بانعدام الأمن، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وسجّلت «رويترز» لقطات تصوّر تبعات هجمات كبرى وقعت هذا الشهر على مدينتين على خط المواجهة، ووصفها السكان بأنها جزء من حملة جديدة واضحة من هذه الضربات بعد عدة أسابيع بدا فيها أن «قوات الدعم السريع» قد قلّصت من حدتها تحت ضغط دولي.

ولم ترد «قوات الدعم السريع» على طلب للحصول على تعليق، لكنها صرّحت من قبل بأنها لا تستهدف المدنيين عمداً.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب الأهلية السودانية المستمرة منذ 3 سنوات ونصف السنة، إذ تستخدم «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني أحدث التقنيات المستخدمة في مناطق حرب أخرى، مثل أوكرانيا.

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها الطرفان أسفرت عن مقتل أكثر من 1000 مدني في النصف الأول من هذا العام.

حطام داخل كلية العلوم التنموية والتكنولوجية بعد هجوم نُسب إلى «الدعم السريع» في الأبيض بشمال كردفان يوم 15 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجمات على المحكمة والكلية

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في بلدة أم روابة التي تسيطر عليها الحكومة في شمال كردفان، وهي ولاية تقع في وسط السودان، وباتت حالياً واحدة من جبهات القتال الرئيسية في الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تصف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معني بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 قُتلوا وأصيب العشرات في استهداف المحكمة.

وعندما وصلت «رويترز» إلى الموقع، كانت واجهة المبنى بأكملها قد دُمرت، وتناثرت أعمدة واجهة واحد من أبرز مباني المدينة.

وبعد ذلك بيوم واحد، ضربت طائرة مسيّرة كلية في مدينة الأبيض عاصمة الولاية، ما أدّى إلى تدمير سقفها. وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ وهو يقف وسط الدمار بينما كان عمال يزيلون الحطام، إن حارس أمن قتل ولحقت أضرار بثماني قاعات للمحاضرات.

وقال: «فقدنا خفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف 8 قاعات حدث فيها دمار كامل» وأشار إلى أجزاء أخرى من الكلية تعرضت لدمار كامل أيضاً.

وعبّرت أمنية أبو القاسم -وهي طالبة أدّت امتحاناً في الكلية بمدينة الأبيض في اليوم السابق للهجوم- عن حزنها مما جرى، وهي تقف بجوار الأنقاض، وقالت: «كما ترون، دُمّرت الكلية بأكملها، ونشعر بأن أحلامنا قد دُمرت، وأن مستقبلنا قد ضاع».

وفي مستشفى في أم روابة، قال صلاح بخيت الذي سحقت ذراعه، وتشوّه جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، إنه جاء إلى تلك المدينة بحثاً عن مأوى، بعد فراره من مدينة الأبيض، التي قصفتها «قوات الدعم السريع» بطائرات مسيّرة لعدة أشهر في وقت سابق من هذا العام، في محاولة لحصارها.

وقال: «لم تكن هذه المسألة غريبة عليّ؛ فما إن سمعت صوت الانفجار حتى أدركت أن الطائرة المسيّرة استراتيجية. فقد كنت موجوداً في الولاية منذ شهرين فقط، وكنت قبل ذلك في الشمال، في مدينة الأبيض. وكنت على دراية بأنواع الطائرات المسيّرة، بما فيها الاستراتيجية والانتحارية، لذلك استطعت تمييز نوعها».


موريتانيا: تأكيد حكم بسجن ناشطة حقوقية 5 سنوات

الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: تأكيد حكم بسجن ناشطة حقوقية 5 سنوات

الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)

أكدت محكمة الاستئناف في العاصمة الموريتانية نواكشوط حكماً بالسجن خمس سنواتٍ في حق ناشطة حقوقية بعد إدانتها بتُهم؛ مِن أبرزها التحريض على حمل السلاح ضد الدولة وسبّ رئيس الجمهورية ونشر أخبار كاذبة.

وتُعد الناشطة الحقوقية الشابة وردة أحمد سليمان واحدة من أبرز الوجوه في حركة «إيرا» الحقوقية، التي تسعى للدفاع عن العبيد والعبيد السابقين في موريتانيا، أسّسها النائب البرلماني بيرام الداه أعبيد، الذي حلّ في المرتبة الثانية خلال رئاسيات 2014 و2019 و2024.

وتشتهر الحركة الحقوقية بمواقفها المتطرفة تجاه السلطات الموريتانية، حيث تقول إنها تتستر على جرائم العبودية وترفض تطبيق القانون، لكن الجهات الرسمية ترفض هذه الاتهامات، وتؤكد أن الحركة تسعى، في كثير من الأحيان، للخلط بين نشاطها السياسي والحقوقي، وترتكب أخطاء تُهدد التعايش السلمي في موريتانيا.

وفي آخِر محطات المواجهة بين الطرفين، أيّدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي الصادر في حق الناشطة الحقوقية 25 أغسطس (آب) الماضي، حين حكمت عليها المحكمة الابتدائية بنواكشوط الغربية بالسجن خمس سنوات؛ ثلاثٌ منها نافذة.

جانب من مظاهرة المعارضة بمدينة نواذيبو بشمال غربي موريتانيا (أرشيفية-إعلام محلي)

وبدأ الملف بسبب منشور للناشطة الحقوقية على «فيسبوك» حُرّكت بسببه الدعوى ضدها بموجب قانون الرموز الذي سنّته الحكومة وصادَقَ عليه البرلمان قبل سنوات من أجل الحد من خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن منظمات حقوقية انتقدت توقيف الناشطة ومحاكمتها بسبب منشور على «فيسبوك»، وقالت إن التهم الموجهة إليها «فضفاضة وغير متناسبة». وأضافت أن «التعبير عن الرأي أو انتقاد الحكومة على وسائل التواصل تحوَّل إلى جرائم أمنية».

وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها توقيف الناشطة الحقوقية بسبب مواقفها وكتاباتها التي توصَف بأنها «متطرفة»، حيث اعتقلت، في أبريل (نيسان) 2025، بعد شكوى تقدَّم بها رجل أعمال قال إنها شهَّرت به على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الشكوى سُحبت فيما بعدُ عقب وساطة.

كما اعتُقلت الناشطة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، على خلفية منشورات على «فيسبوك»، ووُجهت إليها تُهم مثل «التحريض على إسقاط النظام» و«الدعوة إلى الانتفاضة» و«نشر أخبار كاذبة»، ثم وُضعت تحت المراقبة القضائية.

وقُيض عليها مجدداً في أبريل الماضي، حين كانت تشارك في مظاهرة حقوقية غير مرخَّصة، وفرّقتها الشرطة بالقوة لتندلع صدامات بين المتظاهرين وعناصر الشرطة، أعلنت الناشطة، خلال بث مباشر على «فيسبوك»، أن الشرطة أطلقت النار على أحد الناشطين وقتلته، ليتبين فيما بعد أن الخبر كاذب.

وعدَّت حركة «إيرا» الحقوقية أن مسطرة الإجراءات التي اتُّخذت في حق الناشطة وردة تضمنت خروقاً إجرائية واستخدام القضاء لتصفية الحسابات السياسية، وهو ما نفته النيابة بشدة مؤكدة أن جميع الإجراءات كانت قانونية.