ما سر أهمية مدينة الفاشر في الصراع السوداني؟

الجيش و«الدعم» يخوضان معارك ضارية حولها

سودانيون يفرون من العنف في غرب دارفور (رويترز)
سودانيون يفرون من العنف في غرب دارفور (رويترز)
TT

ما سر أهمية مدينة الفاشر في الصراع السوداني؟

سودانيون يفرون من العنف في غرب دارفور (رويترز)
سودانيون يفرون من العنف في غرب دارفور (رويترز)

يقاتل الجيش السوداني وحلفاؤه من الفصائل المسلحة بضراوة لتحقيق الغلبة في مدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور (غرب البلاد)، في حين تُحكم «قوات الدعم السريع» حصارها عليها وتشنّ هجمات متتابعة منذ أسابيع على نطاقاتها المختلفة، ما يزيد من سخونة المعارك ويرفع أعداد الضحايا.

والفاشر تُعد المعقل الأخير للجيش السوداني وحلفائه من الحركات المسلحة في إقليم دارفور، وتحاول «الدعم السريع» السيطرة عليها لإحكام نفوذها على الإقليم، الذي باتت 4 من أصل 5 ولايات تشكّله تحت إمرتها.

وتبلغ مساحة ولاية شمال دارفور (عاصمتها الفاشر) 296 ألف كيلومتر مربع، وهي تعادل 12 في المائة من مساحة السودان تقريباً، وتمثل أكثر من نصف مساحة إقليم دارفور.

لماذا الفاشر؟

لكن النظر إلى فكرة أن الفاشر المدينة الأخيرة التي لا تزال خارج السيطرة الكاملة لـ«الدعم» في دارفور، ليس سبباً وحيداً لكونها مهمة في الصراع السوداني الممتد منذ أبريل (نيسان) من العام الماضي؛ فقد تسببت الحرب بين الجيش و«الدعم»، التي نشبت أولاً بالخرطوم (وسط البلاد)، في خلق موجة نزوح كبيرة باتجاه مدن إقليم دارفور (الذي تعد الفاشر من مدنه الرئيسية) والمكون من 5 ولايات.

نطاق سيطرة قوات الجيش السوداني و«الدعم السريع» في ديسمبر الماضي

ونزح نحو نصف مليون شخص إلى الفاشر خلال الحرب الجارية التي اندلعت بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وبالإضافة إلى ذلك فمع نمو الصراع السوداني، باتت الفاشر مركزاً رئيسياً للمساعدات في إقليم دارفور كله، فضلاً عن أن موقعها الجغرافي يجعل منها ذات أهمية لخطوط الاتصال مع تشاد ومصر وليبيا، والطريق المؤدية من غرب إلى شرق السودان.

يقول عوض الله إبراهيم، وهو سوداني مقيم في الفاشر لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوات الدعم السريع أطلقت (الأحد) العشرات من قذائف الدانات العشوائية على أحياء المدينة، تركزت حول المستشفى الجنوبي». وأضاف أن «الوضع صعب للغاية، وأن آلاف المواطنين نزحوا إلى مراكز الإيواء والعراء في أطراف المدينة».

تأمين خطوط... وحكومة جديدة

ويشرح مصدر سوداني، طلب عدم ذكر اسمه، أن «فقدان الجيش للفاشر لصالح (الدعم) يعني خسارة عسكرية كبيرة لأكبر مدن إقليم دارفور من حيث المساحة والسكان». ويضيف أن «استيلاء (الدعم) على الفاشر يؤمّن لها خطوط الإمداد المحصنة بالسلاح والعتاد العسكري، وتأسيس مركز للسيطرة والقيادة مفتوح المجال الجغرافي في الحدود الغربية، يُمكّنها من مهاجمة ولايات كردفان، وتقوية دفاعاتها في ولاية الجزيرة (وسط السودان) لتهديد ولايات الشرق حتى الحدود الإثيوبية».

وأضاف المصدر أن ما وصفه بـ«السيناريو المخيف» من وجهة نظره أن «تعلن (قوات الدعم) فور سيطرتها على الفاشر حكومة في المناطق التي تسيطر عليها في دارفور والخرطوم وولاية الجزيرة، في مقابل حكومة الأمر الواقع التي يسيّرها قادة الجيش من مدينة بورتسودان الساحلية في شرق البلاد، بالإضافة إلى السلطة المدنية للحركة الشعبية في منطقة جبال النوبة في جنوب كردفان».

لاجئون سودانيون يتلقون إمدادات المياه أبريل الماضي في مخيم فرشانا بتشاد (أ.ف.ب)

وبحسب المصدر فإن «دوائر غربية ترى أن وجود 3 حكومات في البلاد، يُمكّن من إجراء مفاوضات سياسية بين طرَفي الصراع في أجواء باردة تضع أسساً لوقف الحرب، لكن هذا الرأي يجد معارضة ومخاوف من بعض الدول الأوروبية».

وقال المصدر المطلع إن «سقوط الفاشر سيكون له تأثير كبير جداً في الجيش السوداني، الذي يعاني من نقص الأموال لتمويل الحرب من المؤن وشراء المعدات العسكرية من الأسلحة والذخائر».

وشرح المصدر أنه على وجه الخصوص يعاني «سلاح الجو» من صعوبة الحصول على «قطع الغيار للطيران الحربي، والصواريخ التي تحملها الطائرات، وأصبح يعتمد بشكل رئيسي على البراميل المتفجرة التي على وشك النفاد».

معبر لـ3 دول

وقال محلل سياسي مقيم في السودان، طلب ححب هويته لدواعٍ أمنية لــ«الشرق الأوسط»، إن «مدينة الفاشر لها رمزية تاريخية بوصفها آخر عاصمة لإقليم دارفور قبل تقسيمه إدارياً إلى 5 ولايات في عهد نظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير».

وشرح أن «الفاشر تقع جغرافياً في ملتقى طرق ثلاث دول مجاورة للسودان، وهي: تشاد عبر معبر الطينة، وليبيا من خلال جبل عوينات، بالإضافة إلى مصر عبر الطريق التاريخية لدرب الأربعين».

وقال إنه «بالنسبة لـ(الدعم السريع) فإن سيطرتها على الفاشر تعني فرض نفوذها بالكامل على إقليم دارفور، ومنها يمكنها أن تصل عبر الصحراء، وتهدد الولاية الشمالية التي تقع تحت نفوذ الجيش السوداني، ولذلك فـ(الدعم) تقاتل بشراسة».

وحذّر المحلل السياسي من أن «الخطر الأكبر أن يؤدي تحالف الحركات الدارفورية المسلحة مع الجيش السوداني إلى تحول الصراع إلى حرب أهلية ذات طابع قبلي وإثني في دارفور».

وقال ضابط سوداني متقاعد برتبة رفيعة لـ«الشرق الأوسط»: «من ناحية عسكرية تعدّ الفاشر منطقة استراتيجية مهمة للجيش السوداني، وفقدانها يعني انسحابه من الإقليم، وبالتالي يفقد مركزاً عسكرياً ضرورياً لاستعادة بقية الولايات الأخرى في الإقليم».

وأشار المصدر العسكري، الذي فضّل حجب اسمه، إلى أن «الأطراف المتحاربة تمضي في المعركة إلى نهايتها»، وقال: «في هذا الوقت نعول كثيراً على استجابتهم للضغوط الدولية والإقليمية التي ترى أن هذا التصعيد قد يخلق متغيرات على الأرض تعقّد من مسار المفاوضات لوقف الحرب في البلاد».


مقالات ذات صلة

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

رغم الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة ودول غربية لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها المزمع على مدينة الأبيض، غرقت المدينة في الظلام بسبب هجوم بالمسيرات.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

القيادي المستقيل من «حميدتي» فارس النور قال إن السودان لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للمضي نحو إنهاء الحرب... ودعا لاستلهام الحكمة الخليجية

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

تحليل إخباري الانشقاقات تهز «الدعم السريع» وتهدد تماسك تحالفه «تأسيس»

أعاد إعلان القيادي البارز في «قوات الدعم السريع» فارس النور، استقالته من جميع مناصبه في القوات الجدل بشأن ظاهرة الانشقاقات ومدى تأثيرها.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

أكد فارس النور المستشار السياسي لحميدتي انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» في السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «استقلت من أجل بحث فرص جديدة للسلام والحوار».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

استهدف قصف جوي الثلاثاء والأربعاء، مناجم للتعدين عن الذهب في أقصى شمال السودان مع الحدود المصرية أسفر عن قتلى وجرحى وسط صمت رسمي بشأن الجهة المنفذة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
TT

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة.

وقال مكتب الإنقاذ البحري بأمن السواحل طبرق ومؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن عمليات البحث لا تزال مستمرة، محذرين من احتمال وصول المزيد من الجثث إلى المنطقة الساحلية الممتدة من شاطئ العقيلة شرقا إلى عين الغزالة شرق ليبيا نتيجة الحادث.

وفي حادث منفصل غرب البلاد، تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ 15 مهاجرا بعد انقلاب قاربهم قبالة سواحل مدينة الخمس، في عملية استجابة سريعة شارك فيها صيادون محليون وخفر السواحل الليبي.

وبحسب المصادر، بادر الصيادون المتواجدون بالقرب من موقع الحادث إلى انتشال المهاجرين من المياه وتقديم المساعدة الأولية لهم قبل وصول وحدات خفر السواحل التي استكملت عملية الإنقاذ ونقلت الناجين إلى الشاطئ.

وأوضحت السلطات أن المهاجرين الذين تم إنقاذهم تلقوا الرعاية الطبية اللازمة، فيما يبرز الحادثان مجددا المخاطر الكبيرة التي تواجه المهاجرين غير النظاميين خلال رحلات العبور عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية.


الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة و29 دولة في جنيف يوم الخميس، إلى «قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأُبَيِّض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام، أدت لقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي بعد أشهر من الحصار.

ودعت الأمم المتحدة، و29 دولة خلال اجتماع للجنة حقوق الإنسان بجنيف الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.


الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية، لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأبيض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام.

وأفادت مصادر محلية بأن مسيرة استراتيجية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، قصفت المحطة التحويلية للكهرباء في وقت متأخر من ليل الخميس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة، قبل أن يتجدد القصف صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل الأبيض.

وبالنسبة لسكان المدينة، المعروفة سودانياً باسم «عروس الرمال»، لم يكن انقطاع الكهرباء سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط التي تعيشها الأبيض منذ أسابيع، فخلال الأيام الماضية تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة. أسفرت، بحسب مصادر محلية، عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة العشرات، كما استهدفت محطات الوقود وشاحنات الإمداد ومواقع مدنية وعسكرية، ما أدى إلى حالة متزايدة من القلق والخوف بين السكان.

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

وبحسب الشهود المحليين، لا تزال الطائرات المسيرة تحلق بصورة مستمرة في سماء المدينة، الأمر الذي جعل الترقب جزءاً من الحياة اليومية. ويقول مواطنون إنهم باتوا يتابعون حركة المسيرات وأصواتها أكثر من متابعتهم للأخبار في التلفزيون وشاشات الجوالات الذكية، فيما فضّل بعض السكان تقليص تحركاتهم أو البقاء داخل المنازل خشية التعرض لهجمات مفاجئة، خاصة بعد تكرار استهداف مواقع مدنية وخدمية خلال الأيام الأخيرة.

مخاوف من سيناريو الفاشر

وتزداد هذه المخاوف بسبب ما حدث في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، ومنذ ذلك الوقت، بات اسم الفاشر حاضراً في كل نقاش يتعلق بمصير الأبيض، خاصة مع تصاعد الهجمات واستمرار الضغوط على المدينة.

وتقع الأبيض على بعد نحو 411 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل حلقة الوصل الرئيسية بين إقليم دارفور ووسط السودان، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» (أخذت اسمها من كون الجنود كان يستخدمون الإبل أو الهجن في العمليات العسكرية)، وتعدّ إحدى أهم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني. غير أن أهمية الأبيض لا تنبع من موقعها العسكري فحسب، بل من مكانتها الاقتصادية والسياسية واللوجستية أيضاً، فالمدينة تقع في قلب السودان تقريباً، وتشكل نقطة التقاء بين أقاليم دارفور وكردفان ووسط البلاد، ما جعلها عبر عقود مركزاً رئيسياً للتجارة والنقل وحركة البضائع.

وتشتهر الأبيض بأنها تضم أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، كما تعد أكبر سوق للحبوب الزيتية في السودان، الأمر الذي منحها ثقلاً اقتصادياً يتجاوز حدود ولاية شمال كردفان.

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (رويترز)

كما ترتبط المدينة بشبكة طرق وسكة حديدية وخطوط إمداد حيوية تربط غرب البلاد بشرقها، ما يجعلها مركزاً مهماً لحركة التجارة والتموين والنقل. وإلى جانب ذلك، تمثل الأبيض مركزاً إدارياً وسياسياً بارزاً في إقليم كردفان، وتحتفظ برمزية تاريخية جعلتها واحدة من أكثر المدن تأثيراً في غرب السودان. وتفسر هذه الأهمية سبب تحول المدينة إلى هدف رئيسي في المعارك الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فبالنسبة للجيش، تمثل الأبيض قاعدة رئيسية لأي عمليات عسكرية حالية أو مستقبلية في كردفان ودارفور، كما تشكل خط الدفاع الأهم عن وسط السودان.

الأبيض لن تسقط

وفي هذا السياق، قال رئيس هيئة الأركان السابق للجيش السوداني، الفريق أول هاشم عبد المطلب، لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» تسعى من خلال هجماتها إلى تعطيل الجيش ومنعه من التقدم نحو إقليم دارفور، لكنه يستبعد أن تنجح المسيرات في تحقيق هذا الهدف، مؤكداً أن «الأبيض لن تسقط».

ويذهب الجيش إلى أبعد من ذلك في نفي وجود خطر مباشر على المدينة، فالعقيد الباشا حكيم، قائد المدرعات بالفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» بعيدة عن تخوم الأبيض، وإن الحديث عن حصارها مجرد شائعات، ويؤكد أن الخطط العسكرية تسير وفق ما هو مرسوم لها، وأن القوات المهاجمة تكبدت خسائر كبيرة، مضيفاً أن الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة تعمل وفق تنسيق كامل، وأن السكان سيسمعون «أخباراً سارة» قريباً.

لكن هذه التطمينات لا تبدد جميع المخاوف، فالخبير العسكري صالح عبد الله يرى في إفادته «الشرق الأوسط» أن ما يجري في الأبيض يحمل أوجهاً من الشبه مع التكتيكات التي استخدمتها «قوات الدعم السريع» في الفاشر، المتمثلة في الضغط المستمر والاستنزاف وإضعاف الخدمات وفتح ممرات للراغبين في مغادرة المدينة.

ويعزز استهداف البنية التحتية هذه المخاوف، فقد تحولت محطات الوقود إلى أهداف متكررة للهجمات، كما تعرضت شاحنات الوقود على الطرق المؤدية إلى المدينة للاستهداف. الأمر الذي تسبب في أزمة مواصلات حادة خلال الأيام الماضية، وأثّر بصورة مباشرة على حركة المواطنين والخدمات.

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض بعد استهدافه بمسيرة

ويقول سكان إن الوقود أصبح جزءاً من المعركة الدائرة حول الأبيض، إذ أدّى تكرار استهدافه إلى إرباك حركة النقل وارتفاع تكلفة التنقل داخل المدينة.

ورغم ذلك، فإن الصورة داخل الأبيض ليست قاتمة بالكامل، فالصحافي زهير هاشم، المقيم في المدينة، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة ما زالت تسير بصورة طبيعية في معظم الأحياء، مشيراً إلى أن أزمة المواصلات الأخيرة ارتبطت باستهداف 5 محطات وقود في يوم واحد، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة، أكثر من ارتباطها بانهيار شامل للخدمات أو الحياة العامة.

ويعتقد المحلل السياسي عثمان ميرغني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقع العسكري للأبيض يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة مما يتصور كثيرون، ويشير إلى أن وجود الفرقة الخامسة مشاة وما تملكه من عتاد وقوات يمنحان المدينة قدرة دفاعية كبيرة، مستبعداً سقوطها أو اقتراب خطر السقوط منها في الوقت الراهن.

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وبحسب ميرغني، فإن «قوات الدعم السريع» تدرك أهمية الأبيض باعتبارها أقوى خطوط دفاع الجيش غرب أم درمان، ولذلك تلجأ إلى استخدام الطائرات المسيّرة لإحداث ضغط نفسي على السكان، ودفع بعضهم إلى النزوح، أكثر من سعيها إلى حسم المعركة عسكرياً في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن القلق لم يعد محلياً فقط، فقد دفعت التطورات الأخيرة الأمم المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى التحذير من التصعيد العسكري حول المدينة والدعوة إلى وقف الهجوم عليها، في مؤشر على تنامي المخاوف من تدهور الوضع الإنساني، إذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية.

وبين تطمينات الجيش وتحذيرات المجتمع الدولي، ومخاوف السكان الذين يعيشون تحت أصوات المسيرات وانقطاع الخدمات، تبدو الأبيض اليوم واحدة من أكثر مدن السودان حساسية في هذه المرحلة من الحرب.

فإذا كانت الفاشر قد تحولت إلى نموذج يستحضره الجميع عند الحديث عن الحصار والسقوط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في عروس الرمال هو ما إذا كانت المدينة قادرة على تفادي ذلك المصير، أم أن الحرب تدفعها تدريجياً إلى السيناريو نفسه، وإن اختلفت الأدوات والظروف.