4 سيناريوهات لتطور الأوضاع في السودان... أرجحها الحرب الأهلية

«معهد السلام الأميركي»: خريطة مناطق سيطرة الطرفين تشبه النموذج الليبي

أضرار مادية من الاشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)
أضرار مادية من الاشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)
TT

4 سيناريوهات لتطور الأوضاع في السودان... أرجحها الحرب الأهلية

أضرار مادية من الاشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)
أضرار مادية من الاشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)

وصف «معهد السلام الأميركي» الوضع في السودان بأنه تجاوز النموذج الليبي، وأن الأوضاع في البلاد تقترب من شفا حرب أهلية فوضوية شاملة، وحذّر من هذا «السيناريو» بكونه الأرجح والأسوأ، وفقاً للمؤشرات على الأرض، نتيجة لاتساع نطاق القتال وانتشار خطاب الكراهية القائم على الأسس الإثنية والجهوية.

وعقد «معهد السلام الأميركي»، بعد ثلاثة أشهر من اندلاع القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، أول ورشة عمل بحثت السيناريوهات المحتملة ومآلات الصراع في السوداني، شارك فيها خبراء أجانب ومجموعة من الفاعلين السياسيين ولجان المقاومة وقادة المجتمع المدني في السودان، في وقت تقترب فيه الحرب من إكمال عامها الأول، من دون وجود مؤشرات لانتصار عسكري لأحد طرفي الصراع، وغياب حل سياسي تفاوضي.

الحرب الأهلية

وقال المدير الإقليمي للمعهد، حاتم بدين، لـ«الشرق الأوسط» إن سيناريو انزلاق السودان إلى حرب أهلية فوضوية شاملة، يعد أقرب السيناريوهات المحتملة في الوقت الحالي؛ وذلك استناداً إلى مؤشر حملات التسليح الواسعة للمدنيين للانخراط في القتال، وتمدد خطاب الكراهية الذي يعمّق الانقسام السياسي والمجتمعي.

وأضاف بدين: «قرر المعهد عقد ورشة كل ثلاثة أشهر، بمشاركة أصحاب المصلحة من السودانيين والخبراء الأجانب لتحليل الأوضاع لمعرفة أفضل وأسوأ السيناريوهات، وتقديم تصور لمآلات الصراع في السودان مستقبلاً».

وأشار إلى أن نتائج الورشة يمكن أن تساعد صناع القرار في الإدارة الأميركية على اتخاذ القرار الصحيح الذي يدعم توجهات القوى السودانية في إنهاء الصراع والحفاظ على البلاد من التفكك والتقسيم.

وأضاف أن سيطرة «قوات الدعم السريع» على 4 ولايات رئيسية في إقليم دارفور غرب السودان، وولاية الجزيرة في وسط البلاد، مقابل سيطرة الجيش السوداني على ولايات الشمال والشرق، وتوسع «الحركة الشعبية - فصيل عبد العزيز الحلو»، في ولاية جنوب كردفان، كل هذا يظهر تقسيماً فعلياً للبلاد بما يوازي النموذج الليبي.

وتوصل آخر تقارير المعهد لشهر يناير (كانون الثاني) الماضي إلى أن تطور ديناميكيات توسع الصراع زاد احتمالية أمتداده إلى مناطق أخرى، بعد بلوغ استعداد المدنيين لحمل السلاح ذروته، مصحوباً بالتعبئة القبلية التي من شأنها أن تساهم في تصاعد الاستقطاب الاجتماعي والسياسي.

ويشير التقرير إلى أن التأثيرات السلبية غير المباشرة لغياب عملية تفاوضية نشطة، يمكن أن تقود السودان إلى مسار فوضى الحرب الأهلية، الذي يوقعها في براثن «السيناريو الليبي».

تصاعد الدخان جراء اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

سيناريوهات

ويشير التقرير إلى 4 سيناريوهات محتملة تواجه السودان، مقسمة إلى «عالية الاحتمالية»، وهي النموذج الليبي والحرب الأهلية، و«منخفضة الاحتمالية» بانتهاج طرفي النزاع سياسة فاوض وحارب في الوقت نفسه، مشيراً إلى فشل جهود الوساطة في تحقيق أي تقدم، لا سيما بعد تعليق محادثات «منبر جدة» إلى أجل غير مسمى، وفشل الجيش و«الدعم السريع» في الوفاء بالتزاماتهما نحو بناء الثقة.

وتكشف مداولات ورش العمل التي نظمها المعهد بروز سيناريو يشبه الصراع في ليبيا، نجم عن الفراغ الكبير وانهيار في السلطة المركزية في البلاد، بسبب التدخلات الأجنبية التي تشمل توريد الأسلحة للأطراف المتحاربة؛ ما أسفر عن انتشار الفصائل المسلحة التي سيطرت على مساحات جغرافية واسعة.

وذكر التقرير أن طرفي القتال ابتعدا عن المواجهات البرية المباشرة، واعتمدت استراتيجيتهما بشكل أكبر على الغارات الجوية والقصف المدفعي، وتقلصت مزايا القوة الجوية للجيش بسبب استخدام «قوات الدعم السريع» طائرات حربية مسيرة تتصدى بشكل فعال للطائرات المقاتلة التابعة للجيش وتسقطها.

أعضاء مجلس الأمن الدولي أثناء اجتماع لبحث الوضع في السودان الجمعة (موقع الأمم المتحدة)

1- سيناريو الحرب الأهلية

تذهب التحليلات إلى أن التقدم العسكري لـ«قوات الدعم السريع» على قوات الجيش، سيودي إلى الحرب الأهلية الفوضوية، حيث تتمتع «الدعم السريع» بإمدادات مستمرة من الأسلحة وتجنيد مقاتلين من داخل السودان وخارجه؛ ما أدى إلى تحقيقها انتصارات عسكرية كبيرة في غرب ووسط البلاد.

2- سيناريو «حارب وفاوض»

أشارت ملخصات مناقشات «معهد السلام» إلى أن سيناريو «حارب وفاوض»، ومحاولات الطرفين لتأمين امتيازات تفاوضية استراتيجية، تتمثل في حماية سلاسل التوريد وتعطيل إمدادات العدو، مع الانخراط والتعاطي مع الوساطات الجارية، يقلل من قيمته عدم رغبة الطرفين، أو أحدهما، في إنهاء الصراع.

3- سيناريو الاستنزاف

يشير تقرير «معهد السلام الأميركي» إلى أن الصراع وصل إلى حالة الجمود، وأن أيّاً من الطرفين عاجز عن تحقيق نصر حاسم أو إحراز تقدم ذي مغزى، وأنهما تكبدا خسائر فادحة في الأرواح، إلى جانب الأعباء المالية وخسارة في الأصول الحيوية، واستنزاف القدرات العسكرية، وتراجع الدعم الشعبي؛ ما أدى إلى تقليل القوى الإقليمية دعمها لطرفي القتال، فصارت تهتم بشكل متزايد بالحل السياسي، إضافة إلى الضغط الدولي لتقييد الوصول إلى الذخائر والأسلحة والمجندين الجدد؛ ما حد من قدرات الطرفين.

4- التوترات القبلية

خلصت النقاشات بين الفاعلين السودانيين في ورشة عمل «معهد السلام الأميركي»، التي أقيمت في العاصمة الكينية نيروبي في فبراير (شباط) الماضي، إلى أن تصاعد التوترات القبلية، وبناء تحالفات كل من الجيش و«الدعم السريع» على أساسها، سيؤدي إلى تعميق الانقسام القبلي في البلاد، إزاء الانقسامات في المجموعات المدنية.

وقال قيادي رفيع في تحالف «الحرية والتغيير» شارك في الورش، إن أسوأ السيناريوهات المحتملة هو انتصار أحد طرفي القتال وفرض شروطه بقوة السلاح على الجميع.

وأوضح أن «السيناريو الثاني المحتمل هو أن يصل الجيش و(الدعم السريع) إلى اتفاق وقف إطلاق النار دون عملية سياسية تشارك فيها القوى السياسية المدنية، ما يمكن أن يشكل مدخلاً لسلطة شمولية عسكرية جديدة في البلاد». وحذّر القيادي الذي طلب حجب أسمه؛ مما أسماه «سيناريو الصوملة»، وتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ للمليشيات المسلحة، تسيطر كل واحدة منها على إقليم. وتابع: «كلما تأخر الوصول إلى حل سياسي عبر التفاوض، زادت فرص تقسيم البلاد إلى دويلات عديدة».


مقالات ذات صلة

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز). p-circle

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

استدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير السودان لدى جوبا احتجاجاً على هجوم بطائرات مسيَّرة استهدف سوقاً بمنطقة أبيي المتنازعة بين البلدين ومقتل العشرات.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي نقل جريح أصيب في هجوم بطائرة مسيرة على منطقة أبيي المتنازع عليها على الحدود بين السودان وجنوب السودان (رويترز)

هجوم بمسيّرات يقتل العشرات في منطقة حدودية بين السودان وجنوب السودان

قال وزير الإعلام المكلف في منطقة أبيي على الحدود بين السودان وجنوب السودان، يوحنا أكول نجور، إن ​ما لا يقل عن 73 شخصاً لقوا حتفهم إثر استهداف طائرات مسيرة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة) p-circle

المسيّرات توسّع رقعة المواجهات في السودان

تتزايد التقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع داخل مناطق سيطرة طرفي الحرب في السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
TT

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين

قضت محكمة تونسية، الأربعاء، بأحكام بالسجن تتراوح بين سنة واحدة نافذة وستة أشهر مع وقف التنفيذ بحق عشرة ناشطين بيئيين، شاركوا في اعتصام نُظم عام 2020 بالقرب من مجمع صناعي مثير للجدل في محافظة قابس بجنوب البلاد.

وأوضحت المحامية حميدة الشايب وخير الدين دبيّة، المسؤول في حراك «أوقفوا التلوث» وأحد المتهمين المحكوم عليهم بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن المحكمة الابتدائية في قابس أكدت ثبوت الضرر، الذي لحق بالمجمع الكيميائي التونسي في هذه القضية.

وكان المجمع الكيميائي بقابس (حكومي) قد تقدم بشكوى ضد عدد من الناشطين، بتهمة «عرقلة حرية العمل» خلال اعتصام نُظم في ديسمبر (كانون الأول) 2020 بالقرب من المجمع، وفقاً لما أفادت به حميدة الشايب. وأُوقف الناشطون حينها ثم أُفرج عنهم.

وقال خير الدين دبيّة: «قيل لنا إن القضية ستُحفظ». غير أنه تبين للناشطين في مارس (آذار) الماضي أنهم أُدينوا غيابياً منذ عام 2023 بالسجن لمدة سنة واحدة.

وأكدت المحكمة الابتدائية في قابس، الأربعاء، الحكم بالسجن النافذ لمدة عام بحق متهمين اثنين، مع خفض العقوبة بالنسبة للثمانية الآخرين إلى ستة أشهر مع وقف التنفيذ.

وندّدت جمعية «تقاطع من أجل الحقوق والحريات»، في بيان، الأربعاء، بهذه الأحكام، منتقدة «اللجوء إلى المقاربات الزجرية في التعاطي مع المطالب الاجتماعية والبيئية، لما يمثّله ذلك من خطر على حرية الاحتجاج السلمي والمشاركة المدنية».

وأُنشئ المجمع الكيميائي التونسي، وهو مؤسسة عامة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للاقتصاد الوطني، سنة 1972 على الساحل البحري لقابس. ويُتّهم هذا المجمع بانتظام من قبل المدافعين عن البيئة بالمساهمة في تلويث كبير للمنطقة، نظراً لتخصصه في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.

وفي أواخر فبراير (شباط) الماضي، رفض القضاء طلب الوقف المؤقت لإنتاجه. وتم رفع الدعوى على خلفية العديد من حالات التسمم، التي سجلت العام الماضي في محيط هذا المجمع.

وفي 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تظاهر آلاف السكان للمطالبة بإغلاق هذا المصنع، كما شلّ إضراب عام هذه المدينة التي يقطنها نحو 400 ألف نسمة.


السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

أكّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «الجهد العسكري المصري هو للدفاع عن أراضي المملكة العربية السعودية، ولا يشمل هجوماً على اليمن». وقال، مساء الأربعاء، إن «المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، وأراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلب من مصر ذلك». وأشار إلى أن «الجهد العسكري المصري لا يمتد إلى خارج حدود مصر أو أي دولة شقيقة تكون مصر حريصة على أمنها واستقرارها».

كما لفت السيسي إلى أن «وقوف مصر مع دول الخليج يأتي امتداداً للأمن القومي العربي المشترك». وقال إن «الأمن القومي العربي لا يتجزأ»، وشدّد على أن «استقرار أشقائنا في الخليج أمر يخص مصر من منظور الأمن القومي، وعلى ضرورة استعادة الاستقرار في كل الدول العربية، بما في ذلك في السودان وليبيا والصومال».

ومن المقرر أن ينعقد مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين المقبل، بشأن تفويض الرئيس السيسي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم السعودية.

وشارك الرئيس السيسي، الأربعاء، في جلسة «أمن الوطن والمواطن» ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء.

الرئيس المصري يشدد على ضرورة استعادة الاستقرار في كل الدول العربية (الرئاسة المصرية)

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، فقد تحدث وزير الداخلية محمود توفيق عن الجهود المبذولة لتطوير منظومة الأمن، والتصدي للجريمة الجنائية، مشيراً إلى أن «الداخلية وضعت خطة متكاملة في إطار جهودها لإعادة صياغة العمل الأمني، خاصة مع تطور أساليب ارتكاب الجرائم، ارتكزت على محاور، من بينها تكوين كوادر في مجال الجريمة الإلكترونية والملكية الفكرية، والرصد المبكر لحركة التنظيمات الإرهابية، وتنمية وعي المواطن، كونه حائط الصد أمام مساعي النيل من استقرار الوطن، وتحديث السياسة العقابية بالنسبة للمحكوم عليهم».

وبدوره، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن «مصر محاطة بدول تشهد أزمات وصراعات، وهي أوضاع تتعلق بالأمن القومي المصري»، لافتاً إلى أن «بلاده لديها علاقات وشراكات استراتيجية مع مختلف القوى العالمية، وتدير تلك العلاقات والشراكات بحكمة وفقاً لعقيدة (الاتزان الاستراتيجي) التي أرساها الرئيس السيسي».

وحول ما يتعلق بأمن منطقة البحر الأحمر، أشار عبد العاطي إلى أن «مصر تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار في تلك المنطقة، بالتعاون مع الدول المتشاطئة، من خلال التعاون وإقامة الشراكات مع تلك الدول في المجالات المختلفة لوجستياً واقتصادياً وفي مجال التنمية السياحية».

كما أكد أن «الأمن المائي قضية وجودية، ولا يمكن رهن حياة 110 ملايين مصري بإرادة أحادية لأي طرف»، مشدداً على أن «مصر تطلب تطبيق قواعد القانون الدولي فقط»، مشيراً إلى أن «هناك قواعد تحكم السياسة المصرية تجاه دول القرن الأفريقي، وأولاها عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول والتأكيد على وحدة الدول واستقلاليتها والرفض الكامل لانفصال وتقسيم وتفكيك الدول في القرن الأفريقي، ومسألة النفاذ البحري بالتنسيق والاتفاق مع الدول المجاورة».

الرئيس السيسي أكد أن وقوف مصر مع دول الخليج يأتي امتداداً للأمن القومي العربي المشترك (الرئاسة المصرية)

وأوضح عبد العاطي أن «مصر لن تسمح بتقسيم السودان، ولا السماح بسقوط مؤسسات الدولة السودانية، والجهد المصري متواصل مع الأطراف الإقليميّة الأخرى لإيجاد حل سياسي في السودان».

وعقب الرئيس السيسي خلال الجلسة، مساء الأربعاء، مؤكداً «ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، لأن عدم الحفاظ على مؤسسات الدول هو الذي يؤدي إلى سقوطها، وسقوط الدول يتسبب في مشكلات كبيرة جداً»، منوهاً بأن «الواقع الموجود بالمنطقة يشير إلى ذلك».

وتحدث السيسي عن ثوابت السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014، وقال إنها «تقوم على مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم التآمر، والحفاظ على وحدة الدولة الوطنية ومؤسساتها، وعدم التعامل مع الميليشيات المسلحة، والتعاون من أجل البناء والتنمية والتعمير، والانخراط الإيجابي في علاقات متوازنة مع الجميع».


الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تتمسك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بضرورة تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي، قبل حسم ملف الدستور الدائم، في وقت تتجدد فيه مطالب ليبيين بطرح مشروع الدستور المنجز عام 2017 للاستفتاء الشعبي، باعتباره مخرجاً من دوامة المراحل الانتقالية، التي تعاقبت على البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

وبدا التباين واضحاً خلال لقاء عقدته نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، مع أكاديميين وأعيان وشيوخ قبائل في جامعة غريان (غرب)، حيث انصب حديث المشاركين على ضرورة الاحتكام إلى الشعب بشأن المسودة الدستورية، وفق بيان للبعثة الأممية، مساء أمس الثلاثاء.

في المقابل، ركزت المقاربة الأممية على الخيارات التي طرحتها اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، وما خلصا إليه من توصيات تربط استكمال الاستحقاق الدستوري بتهيئة ظروف سياسية أكثر استقراراً.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

ولا تزال ليبيا تُدار بموجب الإعلان الدستوري، الصادر عقب إسقاط النظام السابق، فيما بقي مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية المنتخبة في يوليو (تموز) 2017 معلقاً، من دون عرضه على استفتاء عام، وهو ما أبقى الخلاف بشأن الأساس الدستوري الدائم للدولة مفتوحاً طوال سنوات الانقسام السياسي.

وخلال لقاء غريان، عبّر المشاركون عن إحباطهم من استمرار الأزمة، وتكرار المراحل الانتقالية، معتبرين أن بقاء المؤسسات السياسية في مواقعها، وسط الخلاف على شرعيتها، يطيل أمد الأزمة ويؤجل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.

ورأى أحد الأكاديميين المشاركين أن تكرار تجربة الحكومات الانتقالية يقود إلى إعادة إنتاج المحاولات الفاشلة، في ظل استمرار الهيئات السياسية في تمديد ولاياتها، من دون إتاحة الفرصة أمام المواطنين لتحديد مستقبل النظام السياسي. واعتبر أن الاستفتاء على الدستور «يمثل مدخلاً ضرورياً لتمكين الليبيين من التعبير عن إرادتهم بشأن شكل الدولة ونظام الحكم».

واستحضر أحد الأعيان المحليين مؤتمر غريان لعام 1920، بوصفه محطة في تاريخ الحركة الوطنية الليبية، مشدداً على أن بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل من دون دستور دائم يحظى بقبول الشعب. واختصر مشارك آخر مطلب الحاضرين في عبارة «دولة دستور يعني دولة قانون»، في إشارة إلى ارتباط إنهاء المرحلة الانتقالية بإقامة إطار قانوني مستقر، ينظم السلطات والعلاقة بينها.

أعضاء بالهيئة الدستورية لصياغة الدستور الليبي خلال مؤتمر صحافي عام 2014 (الصفحة الرسمية للهيئة)

في المقابل، نقلت خوري إدراك البعثة بأهمية التوصل إلى دستور دائم، موضحة أنها دعمت وستواصل دعم الجهود الليبية لتحقيق هذا الهدف، مع التشديد على أن تقرير مستقبل البلاد الدستوري يظل قراراً سيادياً لليبيين. لكن مقاربة البعثة تستند إلى ما خلصت إليه مساراتها السياسية (اللجنة الاستشارية الليبية والحوار المهيكل) من ضرورة معالجة التحديات القائمة، وتهيئة ظروف أكثر استقراراً قبل حسم الخيارات الدستورية.

وكانت اللجنة الاستشارية، التي شكلتها البعثة، قد خلصت في مايو (أيار) 2025 إلى أربعة خيارات دستورية وانتخابية، شملت إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، أو انتخاب البرلمان أولاً، ثم اعتماد دستور دائم، أو إقرار الدستور قبل الانتخابات، أو تشكيل لجنة حوار سياسي تتولى استكمال القوانين الانتخابية، وتحديد السلطة التنفيذية ومسار الدستور.

أما الحوار المُهيكل، الذي اختتم أعماله في يونيو (حزيران) الماضي، فقد أوصى مسار الحوكمة فيه بوضع إطار دستوري انتقالي توافقي وملزم، مع تأجيل حسم الدستور الدائم إلى حين استقرار الأوضاع السياسية. وتضمنت التوصيات مراجعة خبراء وطنيين لمسودات الدستور السابقة، وإحالة نتائج المراجعة إلى مجلس الشيوخ بعد انتخابه.

وفي ظل استمرار هذا التباين، يرى نوح عبد السيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي، أن المشكلة لا تكمن في غياب مشروع دستوري جاهز، بل في عدم اتخاذ خطوات عملية لعرضه على المواطنين، رغم إنجازه من هيئة منتخبة.

واستغرب عبد السيد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، عدم تحرك الأمم المتحدة والدول المنخرطة في الأزمة الليبية لدفع الاستفتاء على مشروع 2017، معتبراً أن تجاهله يثير تساؤلات بشأن جدية المواقف الدولية إزاء إنهاء الخلاف الدستوري. وشدد على أن الإشادة بأهمية الدستور لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات تتيح لليبيين إبداء رأيهم فيه.

وتساءل عبد السيد عما إذا كانت التصريحات الأممية بشأن دعم الدستور تستهدف احتواء المطالب المحلية، أم تعكس توجهاً عملياً نحو إنهاء حالة الجمود، مشيراً إلى أن الاختبار الحقيقي للمواقف الدولية يتمثل في مدى استعدادها لدعم الاستفتاء على مشروع أنجزته هيئة تأسيسية منتخبة.

وانتهى عضو الهيئة التأسيسية إلى الربط بين استمرار التعثر الدستوري وحسابات القوى الخارجية، معتبراً أن بعض الدول قد تفضل التعامل مع سلطة مركزية مستقرة، حتى وإن اتسمت بطابع سلطوي، على دعم نظام ديمقراطي يتيح تداول السلطة، وتغيير الحكومات عبر الانتخابات.