كيف يؤثر «التوتر» بين إسرائيل والوسيطين المصري والقطري على تحقيق «هدنة غزة»؟

مركبات تابعة للجيش الإسرائيلي خلال غارة على مخيم الفارعة للاجئين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
مركبات تابعة للجيش الإسرائيلي خلال غارة على مخيم الفارعة للاجئين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

كيف يؤثر «التوتر» بين إسرائيل والوسيطين المصري والقطري على تحقيق «هدنة غزة»؟

مركبات تابعة للجيش الإسرائيلي خلال غارة على مخيم الفارعة للاجئين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
مركبات تابعة للجيش الإسرائيلي خلال غارة على مخيم الفارعة للاجئين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

أثارت مواقف وتصريحات إسرائيلية خلال الآونة الأخيرة تسببت في حالة من «التوتر» مع كل من مصر وقطر، تساؤلات بشأن التداعيات المحتملة على جهود الوساطة التي يقودها البلدان العربيان للتهدئة في قطاع غزة، بينما عدّ خبراء مواقف تل أبيب تجسيداً لـ«عدم جدية» من جانب الحكومة الإسرائيلية للتجاوب من أية جهود تقود لوقف إطلاق النار في غزة.

واستنكرت قطر تصريحات منسوبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قال فيها إن دور الوساطة التي تلعبه الدوحة في الحرب الحالية على حركة «حماس» في غزة «إشكالي». وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، الأربعاء، في بيان نشره عبر حسابه على موقع «إكس»: «إذا تبين أن التصريحات المتداولة صحيحة، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يعرقل ويقوض جهود الوساطة، لأسباب سياسية ضيقة بدلاً من إعطاء الأولوية لإنقاذ الأرواح».

وفي اجتماع خلال وقت سابق، الأسبوع الماضي، مع عائلات محتجزين إسرائيليين في غزة، شكّك نتنياهو في قطر، قائلاً للعائلات: «لا تنتظروا مني أن أشكر قطر (...) التي لا تختلف في الأساس عن الأمم المتحدة أو (الصليب الأحمر)، بل إنها أكثر إشكالية. ليس لدي أي أوهام بشأنها»، وأضاف قائلاً: «إنهم (قطر) لديهم الوسائل للضغط على (حماس)»، وفق تسجيل صوتي حصلت عليه «القناة 12» الإسرائيلية.

كما اتهم وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الخميس، قطر بأنها «مسؤولة» عن الهجوم الذي شنته «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

«التوتر» الذي أثارته التصريحات الإسرائيلية مع قطر، تزامن كذلك مع «توتر» آخر على صعيد العلاقات مع مصر، إذ انتقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الإجراءات الإسرائيلية التي تتسبب في عرقلة دخول المساعدات إلى قطاع غزة من الأراضي المصرية، مؤكداً خلال احتفالية في مصر بـ«عيد الشرطة»، الأربعاء، أن «معبر رفح مفتوح يومياً، وعلى مدار 24 ساعة، إلا أن الإجراءات التي تجري من الجانب الإسرائيلي - حتى نستطيع إدخال المساعدات دون أن يتعرض لها أحد - هي التي تؤدي لذلك»، وأضاف أن «ذلك يعد أحد أشكال الضغط على القطاع وسكانه من أجل موضوع إطلاق سراح الرهائن».

وتزامن هذا التصاعد في وتيرة الانتقادات المصرية للمواقف الإسرائيلية مع ما ذكرته تقارير إعلامية إسرائيلية، الأربعاء، حول رفض مكتب الرئيس المصري طلباً من رئيس الوزراء الإسرائيلي لمحادثة السيسي هاتفياً. كما رفضت مصر بشدة تصريحات إسرائيلية متكررة بشأن السيطرة الأمنية من جانب إسرائيل على محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية، وعدّت أي تحرك إسرائيلي في هذا الاتجاه «خطاً أحمر» سيؤدي إلى «تهديد خطير وجدي للعلاقات المصرية الإسرائيلية»، وفق ما أفاد به رئيس هيئة الاستعلامات المصرية الرسمية، ضياء رشوان، الاثنين الماضي.

الدخان يتصاعد فوق وسط قطاع غزة بعد القصف الإسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

وتحاول مصر وقطر والولايات المتحدة التوسط للتوصل إلى هدنة جديدة في القطاع، تتيح الإفراج عن أكثر من 130 رهينة ما زالوا محتجزين، ونقل مزيد من المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، وكانت جهود الدول الثلاث قد نجحت في التوصل إلى هدنة إنسانية استمرت أسبوعاً في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وحدث خلالها إطلاق سراح 105 من المحتجزين الإسرائيليين في غزة.

خبير الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، سعيد عكاشة، يرى أن المواقف الإسرائيلية بشأن الوسيطين المصري والقطري «تعكس محاولة للتنصل وافتعال الأزمات لتجنب الانخراط الجاد في اتفاق قد يقود لوقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أن «التكلفة السياسية لوقف الحرب ثقيلة بالنسبة لنتنياهو وحكومته، وتعني نهاية المستقبل السياسي برمته لرئيس الوزراء الإسرائيلي وقد تصل إلى محاكمته». وأوضح عكاشة لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتعمد المماطلة طيلة الأسابيع الماضية، ولجأ إلى هذا الأسلوب لتفادي مطالب أميركية، ومن جانب أسر الأسرى والمحتجزين في غزة، إلا أنه أوضح أن تلك الضغوط «غير كافية» لإجبار الحكومة على التجاوب مع الوساطة.

وأضاف خبير الشؤون الإسرائيلية أن الخسائر الكبيرة التي تتكبدها قوات الاحتلال في غزة تدفع بالرأي العام الإسرائيلي إلى «مزيد من التشدد، والاندفاع نحو مزيد من الضغط العسكري على الفصائل الفلسطينية، ومن ثم تستغل الحكومة تلك الحالة للذهاب بعيداً باتجاه إطالة أمد الحرب، واعتبار المحتجزين في عداد ضحايا المعركة، لذا لم يبالِ المسؤولون الإسرائيليون بالحفاظ على علاقات هادئة مع الوسطاء المصريين والقطريين، وهو ما يعكس حجم التخبط والإصرار على إبقاء الحرب لأطول فترة ممكنة مهما كان الثمن».

القوات العاملة في منطقة البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتوسطت الدوحة وباريس، الأسبوع الماضي، لتوصيل شحنة من الأدوية إلى المحتجزين الإسرائيليين في غزة، واعترف نتنياهو في وقت سابق بأن الالتزام القطري بتسليم الأدوية للرهائن هو «الطريقة الوحيدة» التي كانت أمام إسرائيل للتحقق من تسليمها.

ومن جانبه، أشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، أيمن الرقب، إلى أن «غياب أية ضغوط حقيقية على الحكومة الإسرائيلية تجعل مسؤوليها يتمادون في إثارة الأزمات الإقليمية وإشعال التوتر مع مختلف الأطراف بالمنطقة، دون أي نوع من التعقل السياسي». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن وزراء اليمين المتطرف يؤمنون بأن ممارسة مزيد من العنف يمكن أن يحقق أهداف إسرائيل في غزة، وأن الانخراط في عملية تفاوض حقيقية لتبادل الأسرى ووقف الحرب سيكون بمثابة اعتراف بهزيمة إسرائيل، معرباً عن توقعه بأن تلقي حالة «التوتر» بين إسرائيل والوسطاء المصريين والقطريين بـ«ظلال سلبية على جهود الوساطة التي تعاني من عراقيل إسرائيلية متعددة، رغم ما بذلته القاهرة والدوحة من جهود لإنجاح العمل من أجل التوصل ولو لهدنة مؤقتة جديدة تمثل فرصة لالتقاط الأنفاس للمدنيين في غزة».


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطيني بغارة إسرائيلية هي الأولى منذ أكثر من أسبوع في غزة

المشرق العربي مشاهد الدمار في شمال قطاع غزة نتيجة الحرب (د.ب.أ) p-circle

مقتل فلسطيني بغارة إسرائيلية هي الأولى منذ أكثر من أسبوع في غزة

قُتل شاب فلسطيني وأُصيب آخرون، الأربعاء، في غارة جوية إسرائيلية على قطاع غزة، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من أسبوع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يتفقد السكان شقة الفلسطيني فاروق رمضان بعد أن هدمها الجيش الإسرائيلي في قرية تل بالضفة الغربية قرب نابلس (أ.ب)

إسرائيل تفجّر منزل فلسطيني قُتل الشهر الماضي شمال الضفة الغربية

فجَّرت القوات الإسرائيلية، صباح الثلاثاء، منزل مواطن فلسطيني في قرية تل جنوب غربي نابلس شمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل أمتعة على كتفه ويمر بمحاذاة الأنقاض في مخيم للنازحين بغزة (أ.ف.ب)

مصدر مصري: اتصالات لـ«إنقاذ اتفاق غزة» بعد رفض نتنياهو «تفاهمات القاهرة»

أكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، الأحد، أن القاهرة تجري اتصالات مكثفة مع الوسطاء والشركاء لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي مستشفى في تل أبيب بعد إطلاق «حماس» عملية «طوفان الأقصى» (أ.ف.ب)

موجة ضد الأطباء العرب في إسرائيل كسباً للأصوات الانتخابية

تشهد إسرائيل في الأيام الأخيرة حملة تحريض عنصرية جديدة على الأطباء والممرضين العرب في المستشفيات، بزعم أنهم لا يقدمون الخدمات الطبية اللازمة للمرضى اليهود.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يرفض خطة ترمب بشأن غزة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، إن إسرائيل رفضت خطة مؤلفة من 15 بنداً طرحها مجلس السلام.

نظير مجلي (تل أبيب)

مصر: إحالة المتهم بـ«مذبحة التجمع» إلى محكمة الجنايات

صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
TT

مصر: إحالة المتهم بـ«مذبحة التجمع» إلى محكمة الجنايات

صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)

أمرت النيابة العامة في مصر بإحالة متهم بقتل أسرة كاملة بالقاهرة الجديدة لمحاكمة جنائية عاجلة، وذلك بعد تحقيقات استمرت ثمانية وأربعين ساعة، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وذكر بيان النيابة العامة المصرية أنها تلقت إخطاراً بالعثور على جثامين أربعة أشخاص من أسرة واحدة بدائرة القاهرة الجديدة، مقتولين إثر إصابتهم بأعيرة نارية، سبق الإبلاغ عن تغيبهم، فباشرت التحقيقات التي استمرت ثمانية وأربعين ساعة، وانتقلت إلى مسرح الواقعة، وناظرت الجثامين، وأمرت بإجراء الصفة التشريحية، كما تتبعت خط سير المجني عليهم من خلال آلات المراقبة، وطلبت تحريات الشرطة، التي أسفرت عن أن مرتكب الواقعة صديق للمجني عليهم، فأمرت بضبطه وإحضاره.

وأوضح بيان النيابة المصرية أنه باستجوابه «أقر بقتل المجني عليه وزوجته وطفلتيهما مع سبق الإصرار، إثر رفض المجني عليه إقراضه مبلغاً مالياً؛ فعقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرجه إلى منطقة القطامية، وأطلق صوبه ثلاثة أعيرة نارية أودت بحياته، ثم استولى على مفتاح مسكنه، وتخلص من جثمانه بإحدى الطرق الصحراوية».

واستطرد البيان أنه «عقب ذلك، استدرج زوجته وطفلتيه، موهماً إياهن بتعرض المجني عليه لحادث سير، قاصداً إخلاء المسكن وسرقة محتوياته، ثم أطلق عليهن داخل السيارة التي كانت تقلهن خمسة أعيرة نارية أودت بحياتهن، وتوجه إلى المسكن، إلا أن وجود حارس العقار حال دون إتمام مخططه».

وأمرت النيابة العامة بحبس المتهم احتياطياً، وإحالته إلى المحاكمة الجنائية العاجلة، حسب البيان.


إسبانيا ترفض مناقشة السيادة على جيبَي سبتة ومليلية مع الرباط

وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
TT

إسبانيا ترفض مناقشة السيادة على جيبَي سبتة ومليلية مع الرباط

وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)

قال مسؤولون إسبان، الأربعاء، إن وضع جَيْبَيْ سبتة ومليلية، الواقعتين شمال المغرب، بوصفها أراضيَ إسبانية «ليس موضع نقاش»، وذلك بعد أن أكد وزير العدل المغربي عبد ​اللطيف وهبي مطالبات الرباط بالسيادة على المدينتين، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وعُدّت تصريحات وهبي، الثلاثاء لقناة تلفزيونية، أول مرة تثير فيها الرباط هذه القضية الخلافية علناً، منذ أزمة اقتحام سبتة في أواخر يوليو (تموز) الماضي من قبل نحو 72 ألف مهاجر لمدة وجيزة، التي لقي فيها من لا يقلون عن 96 شخصاً حتفهم في التدافع الجماعي على ‌الحدود.

وقال وهبي إن ‌بلاده لطالما أثارت مسألة وضع ​المدينتين ‌في مفاوضات ⁠مع ​إسبانيا؛ «بهدف ⁠طويل الأمد يتمثل في التوصل إلى حل عبر الحوار».

ومنذ استقلاله في عام 1956، يَعدّ المغرب سبتة ومليلية منطقتين محتلتين من إسبانيا، ويؤكد أن السيادة عليهما يجب أن تنتقل في نهاية المطاف إلى الرباط. أما مدريد فتعدّهما جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.

ورداً على سؤال بشأن تصريحات وهبي، قالت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا ⁠روبليس، لصحافيين في سبتة: «سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين ‌إسبانيتين، بل هما مدينتان ‌إسبانيتان بامتياز، ولا يمكن المساس بهما». وأضافت، في ​إشارة إلى الأزمة الحدودية: «أي هجوم ‌على سبتة ومليلية هو هجوم على إسبانيا عموماً. ويجب ‌ألا يتكرر ذلك أبداً».

وأشادت الحكومة الإسبانية بتعاون السلطات المغربية في إعادة المهاجرين، وحمّلت عصابات تهريب البشر مسؤولية الأزمة. وقالت وزارة الخارجية الإسبانية، في بيان، إن سلامة أراضي إسبانيا «لم تناقَش مع أي طرف، ‌ولن تناقش أبداً».

من جانبها، قالت وزارة الداخلية المغربية، الأربعاء، إنها عززت الإجراءات الأمنية بالقرب من الحدود مع ⁠سبتة ومليلية، ⁠وذلك في أعقاب دعوات عبر الإنترنت لمحاولة عبور جماعية أخرى في 15 أغسطس (آب) الحالي، محذرة بأنها ستلاحق المنظمين والمشاركين قضائياً. وذكرت الوزارة في بيان أنها «تدعو الجميع إلى التحلي باليقظة وروح المسؤولية، وعدم الانسياق وراء مثل هذه الدعوات المشبوهة والمضللة، لما قد يترتب عليها من تعريض حياة الأشخاص للخطر». ودعت الوزارة السلطات الإسبانية إلى «العمل على تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المرفوقين الموجودين بمدينة سبتة إلى أسرهم بالمغرب».

وكانت وزيرة الشباب الإسبانية، سيرا ريجو، قد صرحت الأسبوع الماضي بأن مدريد ستقيّم عرض ​المغرب إعادة القصّر على ​أساس كل حالة على حدة.


«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
TT

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)

لم تكد تمر ساعات على تحذيرات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بمحاسبة الأطراف المتورطة في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية (غرب)، حتى تعرضت محطة كهرباء جنوب المدينة لهجوم جديد في وقت متأخر الثلاثاء.

وهذا التصعيد الذي بدا من منظور مراقبين تجاهلاً لتحذيرات الدبيبة، أثار أيضاً مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت حيوية، تمس حياة السكان مباشرة.

بقايا طائرة مسيرة استهدفت محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الثلاثاء (الشركة العامة للكهرباء)

ويأتي الهجوم الأحدث بعد سلسلة اعتداءات طالت خلال الأيام الماضية منشآت نفطية في الزاوية، وسط تقارير محلية وشهادات عن استخدام مجموعات مسلحة طائرات مسيّرة في تنفيذها، ما يضع السلطات في طرابلس أمام اختبار أمني متزايد لمدى قدرتها على احتواء الجماعات المسلحة، الناشطة في المنطقة الغربية.

ووسط استياء شعبي عم مدينة الزاوية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، نشرت الشركة العامة للكهرباء، الأربعاء، صوراً للأضرار التي لحقت بمحطة تحويل جنوب الزاوية، جراء استهدافها ليل الثلاثاء، موضحة أن الهجوم أدى إلى احتراق المحطة بالكامل وخروجها عن الخدمة، ما تسبب في فقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وقالت الشركة إنها اتخذت الإجراءات الفنية اللازمة لحصر الأضرار وتقييمها، تمهيداً للبدء في إعادة تأهيل المحطة، التي تضم محولين بكامل ملحقاتهما بجهد 11/30 كيلوفولت.

احتراق مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية بعد استهدافها بطائرات مسيّرة (أ.ب)

وكانت الشركة قد حذرت، عقب الهجوم، من خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، مؤكدة أن فقدان المزيد من محطات التحويل، وخطوط ومكونات نقل الطاقة، قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، تصل إلى إطفاء جزئي أو عام للشبكة.

وأوضحت الشركة أن الظروف الأمنية التي شهدتها الزاوية خلال الفترة الماضية انعكست بصورة مباشرة على قطاع الكهرباء، وتسببت في أضرار لعدد من منشآت ومكونات الشبكة، فضلاً عن تعطيل برامج الصيانة وتأثر وحدات الإنتاج في محطة كهرباء الزاوية.

وأضافت الشركة أن تدهور الوضع الأمني خلال يونيو (حزيران) الماضي دفع شركة «جي إي» الأميركية إلى سحب فرقها الفنية، وتعليق أعمالها في المحطة، الأمر الذي أدى إلى تأخر استكمال أعمال الصيانة، واستمرار فقدان أكثر من 700 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، من إجمالي قدرة للمحطة تبلغ نحو 1300 ميغاوات.

جهود رجال الإطفاء لإخماد النيران التي اندلعت بمنشآت نفطية في الزاوية (أ.ب)

وحمّلت الشركة مسؤولية أي تبعات قد تلحق بالشبكة، أو تؤثر في استمرارية التغذية الكهربائية، لاستمرار استهداف منشآتها ومكوناتها، وتعذر تنفيذ أعمال الصيانة والتشغيل في بيئة آمنة.

وجاء الهجوم الجديد فيما تواجه السلطات في طرابلس ضغوطاً متزايدة لاحتواء التوتر الأمني في الزاوية، خصوصاً في ظل علاقات وتفاهمات سابقة مع عدد من التشكيلات المسلحة النافذة في المنطقة الغربية.

وكان الدبيبة ونائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، قد عقدا خلال اليومين الماضيين لقاءات مع قادة مجموعات مسلحة في طرابلس والزاوية، في مساعٍ لخفض التوتر، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وقبل ساعات قليلة من الهجوم، وصف الدبيبة، في بيان عبر منصة «إكس» مساء الثلاثاء، استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة، وتصعيد لن يمر دون رد»، معتبراً أنه عمل منظم تجاوز «خطأ لا يمكن السماح بتجاوزه»، ويمس أمن البلاد واقتصادها ومقدرات الليبيين.

وأوضح الدبيبة أن الجهات المختصة باشرت التحقيقات لتحديد مصدر الطائرات المستخدمة في الهجوم، مشيراً إلى أنه تابع تطورات الحريق الذي اندلع في خزان بالمنطقة الصناعية في الزاوية، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، ووجّه برفع مستوى الاستجابة مع إعطاء الأولوية لحماية الأرواح ومنع امتداد النيران.

وتكتسب الزاوية، الواقعة على بُعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، أهمية استراتيجية، إذ تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بإمدادات حقل الشرارة النفطي، الذي تصل طاقته الإنتاجية إلى نحو 300 ألف برميل يومياً. لكنها تشهد في المقابل انتشاراً لفصائل مسلحة متعددة الولاءات، تتنافس على النفوذ ومسارات تهريب الوقود والبشر والهجرة غير النظامية، وفق تقارير أممية.

الدبيبة وصف استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة» (إ.ب.أ)

وفي موازاة التصعيد الأمني، تكثف الأمم المتحدة اتصالاتها لدعم التهدئة في المنطقة الغربية. وأكدت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، دعم البعثة الكامل للجهود الرامية إلى خفض التوتر واستعادة الاستقرار، مشددة على ضرورة حماية المدنيين ودعم حقوق الإنسان، إلى جانب توفير الدعم السياسي والمؤسسي لتنفيذ الترتيبات الأمنية على امتداد الساحل الغربي.

وجددت تيتيه، خلال لقائها في طرابلس رئيس أركان القوات الموالية لحكومة الوحدة صلاح النمروش ووفداً من مدينة صرمان، ضم النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري، دعم الأمم المتحدة للجهود الرامية إلى إنهاء القتال وضمان سلام وأمن مستدامين.

وأشادت المبعوثة بالاجتماع الذي عقد مؤخراً بين رئيسي الأركان العامة في سرت، معتبرة أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً نحو إعادة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى معالجة أسباب التوتر الأمني في المنطقة الغربية، ومنع تحوله إلى تهديد مباشر للمنشآت الحيوية والسكان.