مشاورات مُكثفة حول «الإطار المصري» لإنهاء «حرب غزة»

وفد «حماس» يبحث في القاهرة مقترح وقف إطلاق النار

صورة تظهر الدخان الناتج عن القصف الإسرائيلي الذي يغطي أفق خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
صورة تظهر الدخان الناتج عن القصف الإسرائيلي الذي يغطي أفق خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مشاورات مُكثفة حول «الإطار المصري» لإنهاء «حرب غزة»

صورة تظهر الدخان الناتج عن القصف الإسرائيلي الذي يغطي أفق خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
صورة تظهر الدخان الناتج عن القصف الإسرائيلي الذي يغطي أفق خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تكثّف مصر مشاوراتها واتصالاتها لاستطلاع مواقف الأطراف المعنية بـ«الإطار المقترح» من جانبها لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وفيما أعلنت حركة «حماس» إيفاد وفد من مسؤوليها إلى القاهرة للتباحث بشأن الطرح المصري، تستمر الاتصالات المصرية على المسار الإسرائيلي كذلك، سيما وأن «حكومة الحرب» في تل أبيب لم تعلن إلى الآن موقفاً رسمياً، ولا تزال تدرس «مقترحين منفصلين» قدمتهما قطر ومصر بشأن تبادل الأسرى، وفق إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو.

وذكر مسؤول في حركة «حماس» أن وفداً منها توجه إلى القاهرة، الجمعة، لتقديم ملاحظات بشأن «مبادرة مصرية تنص على وقف لإطلاق النار ينهي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة». وأشار المسؤول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن وفداً «رفيع المستوى» من المكتب السياسي لـ«حماس» توجه، الجمعة، إلى القاهرة لعقد لقاءات مع المسؤولين بمصر ولإبلاغ رد الفصائل الفلسطينية الذي يتضمن جملة من الملاحظات. وأضاف أن لدى الفصائل جملة من النقاط والملاحظات بشأن تبادل الأسرى وأعداد الأسرى الفلسطينيين للإفراج عنهم، وضمانات الانسحاب العسكري بشكل كامل من قطاع غزة.

فيما قال هيثم أبو الغزلان، أمين سر العلاقات في حركة «الجهاد الإسلامي»، إن هناك مشاورات فلسطينية تجري حالياً لتشكيل حكومة وحدة وطنية في قطاع غزة بعد انتهاء الحرب الدائرة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأضاف أبو الغزلان في تصريحات لوكالة «أنباء العالم العربي»، الجمعة، أنه «تم الاتفاق على تشكيل حكومة متوافق عليها فلسطينياً، وستكون حكومة انتقالية وحكومة تكنوقراط تتولى مسؤولية إعادة إعمار غزة في مرحلة ما بعد الحرب».

وفي وقت سابق، قالت حركة «حماس» إنها اتفقت مع فصائل فلسطينية أخرى على «حل وطني» يقوم على تشكيل حكومة وحدة، مؤكدة وقف الحرب على غزة قبل أي تبادل للمحتجزين مع إسرائيل. وأضافت «حماس»، في بيان الخميس، أن الفصائل الفلسطينية التي تشمل أيضاً حركة «الجهاد» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» و«الجبهة الديمقراطية»، عبّرت عن رفضها للسيناريوهات الإسرائيلية والغربية لما بعد الحرب في غزة.

وتابع أبو الغزلان تصريحاته قائلاً: «هناك اجتماعات على مدار الساعة لإنجاز تصور لهذه الحكومة وإعطاء المصريين رداً موحداً من الفصائل الفلسطينية أو من معظمها على الأقل على ما قدموه في مقترحهم لوقف إطلاق النار أخيراً».

عن موقف حركة «الجهاد» من المقترح المصري، قال أبو الغزلان: «بالمبدأ نرحب بأي جهود مبذولة من أجل وقف العدوان على شعبنا»، لكنه استطرد قائلاً: «لا نريد أن تعلق حركة (الجهاد) منفردة على المقترح المصري، ولا حركة (حماس) منفردة، لكن نريد رداً فلسطينياً أو على الأقل رداً من معظم الفصائل الفلسطينية في ورقة مشتركة على ورقة المبادئ والتصورات التي قدمتها مصر».

مركبات تابعة للجيش الإسرائيلي خلال غارة في مخيم الفارعة للاجئين بالقرب من مدينة طوباس (إ.ب.أ)

مقترح مصري

وكان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ضياء رشوان، أكد أن بلاده «لم تتلق حتى الآن أي ردود من أي طرف من الأطراف المعنية» بشأن على ما وصفه بـ(الإطار المقترح)»، موضحاً أن «المقترح يتضمن 3 مراحل متتالية ومرتبطة معاً، وتنتهي إلى وقف إطلاق النار». وأضاف رشوان، في بيان الخميس، أنه عند ورود الردود من الأطراف المعنية «سيتم بلورة المقترح بصورة مفصلة، وسيتم إعلانه كاملاً للرأي العام المصري والعربي والعالمي»، مشدداً على أن كل ما يتعلق بموضوع الحكومة الفلسطينية «هو موضوع فلسطيني محض، وهو محل نقاش بين كل الأطراف الفلسطينية».

وأكد مصدر مصري مسؤول، الثلاثاء الماضي، أن ما يتم تناوله بشأن مقترح مصري لوقف إطلاق النار بقطاع غزة، هو «مقترح أولي وستتم بلورة موقف متكامل عقب حصول القاهرة على موافقة كافة الأطراف». وفي اليوم نفسه، أفادت مصادر مصرية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» بـ«وصول وفد إسرائيلي إلى القاهرة لمناقشة اتفاق تهدئة جديد لتبادل الرهائن الإسرائيليين بأسرى فلسطينيين».

من جانبه، أشار الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، إلى أن التعاطي المصري مع ردود الفعل المتعلقة بما تم طرحه من رؤية لإنهاء الحرب «يتسم بالانفتاح والمرونة»، مشدداً على أن «مصر تعمل وفق مقاربة شاملة مع مختلف الأطراف، وتستهدف إنهاء قريباً للحرب، وتهيئة الأجواء من أجل حلول سياسية بعد النجاح في وقف إطلاق النار». وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا أفق زمني مطروحاً لتلقي الردود من الأطراف المعنية»، لكنه أشار إلى ضرورة أن تتجاوب الأطراف المختلفة بإيجابية مع الطرح المصري، الذي وصفه بأنه «الوحيد المطروح حالياً»، فضلاً عن قدرة القاهرة على إدارة عملية التفاوض، التي وصفها بـ«المعقدة والمتشابكة»، بشأن إقرار اتفاق تبادل الأسرى وتنفيذ إجراءات إنهاء الحرب على الأرض.

وكانت وثيقة اطلعت عليها وكالة «أنباء العالم العربي» كشفت عن تفاصيل المقترح المصري المحدث للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار بعد تطبيق خطة من ثلاث مراحل، تتضمن «أولاها هدنة إنسانية مدتها عشرة أيام تفرج (حماس) خلالها عن كافة المدنيين المحتجزين لديها من الأطفال والنساء وكبار السن مقابل إفراج إسرائيل عن عدد مناسب يتم الاتفاق عليه من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، أما المرحلة الثانية فتشمل الإفراج عن كافة المجندات المحتجزات لدى (حماس) مقابل إفراج إسرائيل عن عدد من الأسرى الفلسطينيين يتفق عليه الجانبان، بحسب الوثيقة، والمرحلة الثالثة تتضمن التفاوض لمدة شهر حول إفراج حركة (حماس) عن كافة الجنود المحتجزين لديها مقابل إفراج إسرائيل عن عدد يتم الاتفاق عليه من الأسرى الفلسطينيين».

طفل فلسطيني يتفقد دراجة نارية محترقة بعد غارة للجيش الإسرائيلي في مخيم بالقرب من مدينة طوباس (إ.ب.أ)

ترتيبات «اليوم التالي»

بدوره، أشار سفير فلسطين الأسبق لدى القاهرة، بركات الفرا، إلى أن المشاورات الجارية حالياً حول الرؤية المطروحة من جانب مصر «تحتاج إلى عمل مكثف لإنضاجها»، مؤكداً أن «هناك العديد من الأطراف المعنية بالأمر، ولكل منها رؤية مغايرة تماماً عن الطرف الآخر». ولفت إلى أن «الأمر لا يتعلق فقط بالفلسطينيين والإسرائيليين فحسب؛ بل هناك في داخل المسار الفلسطيني أكثر من وجهة نظر، فهناك رؤية للسلطة الوطنية وأخرى للفصائل، وفي إسرائيل هناك كذلك انقسامات بين ما تراه أجهزة الاستخبارات وما تريده القيادات العسكرية، وما تسعى إليه قوى اليمين المتطرف».

وأضاف الفرا لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمر يتطلب كذلك توافقاً إقليمياً ودولياً بشأن ما بات يُعرف بـ«ترتيبات اليوم التالي»، عقب انتهاء الحرب، وهي مسألة «دقيقة للغاية»، الأمر الذي يفرض على القاهرة «مسؤولية مضاعفة لمحاولة استيعاب تلك الرؤى المتناقضة أحياناً»، فضلاً عن مواجهة ما تطرحه الولايات المتحدة وإسرائيل من أفكار «لا تبدو محل قبول عربي أو فلسطيني حتى الآن».

يذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أشار، الخميس، إلى أن إسرائيل تعمل على دراسة «مقترحين منفصلين»، تقدمت بهما قطر ومصر طرحتا للمضي قدماً في مسألة تبادل الأسرى.

وقال نتنياهو لأقارب الرهائن خلال لقاء معهم في تل أبيب: «نحن نجري اتصالات في هذه اللحظة بالذات... لا أستطيع كشف تفاصيل الوضع، ونحن نعمل على إعادة الرهائن جميعاً، وهذا هو هدفنا».

واستبق اللقاء اجتماعاً لمجلس وزراء الحرب الإسرائيلي مخصص لبحث مقترح قطري جديد يركز على صفقة جزئية تتضمن الإفراج عن 40 من الرهائن مقابل «إفراج سخي» من جانب إسرائيل عن أسرى فلسطينيين وهدنة لمدة أسبوعين، حسبما أفادت القناة «12 الإسرائيلية».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.