المغرب في 2023... زلزال مدمر وتعديل مدونة الأسرة وإضراب «مفتوح» للأساتذة

الأعضاء الجدد في المحكمة الدستورية يؤدون القسم أمام الملك محمد السادس (ماب)
الأعضاء الجدد في المحكمة الدستورية يؤدون القسم أمام الملك محمد السادس (ماب)
TT

المغرب في 2023... زلزال مدمر وتعديل مدونة الأسرة وإضراب «مفتوح» للأساتذة

الأعضاء الجدد في المحكمة الدستورية يؤدون القسم أمام الملك محمد السادس (ماب)
الأعضاء الجدد في المحكمة الدستورية يؤدون القسم أمام الملك محمد السادس (ماب)

شكل زلزال الحوز، ودعم الأسر الفقيرة، وإضراب الأساتذة وتعديل مدونة الأسرة، أحد أبرز الأحداث التي عاشها المغرب خلال سنة 2023. فالمملكة المغربية تعرضت لزلزال خطير ضرب منطقة الأطلس الكبير (قرب مراكش) في 8 سبتمبر (أيلول) 2023 بقوة بلغت 7 درجات على سلم ريختر، وهو أقوى زلزال عرفته البلاد.

وحسب آخر حصيلة للزلزال الذي ضرب منطقة جبلية لا تبعد عن مدينة مراكش سوى 70كلم، فإن نحو 2946 شخصا توفوا فيما وصل عدد الجرحى إلى 5674 شخصا. ويعتبر هذا الزلزال الأكثر دمارا وفتكا، في المغرب منذ الزلزال الذي دمّر مدينة أغادير (وسط البلاد) في 1960، والذي توفي فيه نحو 15 ألف شخص. وبذلت السلطات المغربية جهدا كبيرا لتوفير المساعدات ودعم جهود الإنقاذ، وأظهر الشعب المغربي روحا تضامنية عالية لإيصال المساعدات للمتضررين.

وأعلن العاهل المغربي عن إحداث صندوق خاص لدعم ضحايا الزلزال، تشكلت موارده من تبرعات المواطنين والشركات ومساهمة الدولة، والمساعدات الأجنبية، حيث من المقرر أن تصل ميزانيته إلى 120 مليار درهم (12 مليار دولار)، كما تقرر منح مساعدات مباشرة للأسر التي تهدمت بيوتها، وإعادة بناء المساكن التي انهارت في المناطق القروية.

إضراب الأساتذة

وعاش المغرب أيضاً منذ 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على إيقاع إضراب متواصل شنه الأساتذة والمعلمون في المدارس للمطالبة بتحسين أجورهم، ولإعلان رفضهم للنظام الأساسي لموظفي قطاع التعليم، الذي صادقت عليه الحكومة بمرسوم.

وبما أن النظام الأساسي كان ثمرة حوار بين الحكومة والنقابات الأكثر تمثيلية، خلال السنتين الماضيتين، فإن الأساتذة الغاضبين لجأوا إلى تأسيس تنسيقيات بعيدا عن النقابات، انضمت لها نقابات أخرى لم تشركها وزارة التعليم في الحوار، لكونها لا تحظى بالتمثيلية.

تلاميذ يتلقون دروسهم في إحدى الخيام التي نصبتها السلطات المغربية في مناطق ضربها الزلزال (الشرق الأوسط)

وأدى هذا الوضع إلى شلل في المدارس حيث شن الأساتذة إضرابات بمعدل 3 أيام كل أسبوع على امتداد أكثر من شهرين. وجرى تشكيل التنسيق الوطني للأساتذة الذي يضم نحو 22 تنسيقية والذي تولى تنظيم الإضرابات والوقفات والمسيرات الاحتجاجية.

الإضرابات المتكررة خلفت استياء آباء وأولياء التلاميذ، ما دفع الحكومة إلى إعلان تجميد العمل بالنظام الأساسي، وفتح حوار من جديد مع النقابات أفضى إلى زيادة عامة في الأجور تقدَّر بـ1500 درهم (150 دولاراً)، إضافة إلى الاستجابة لعدد من المطالب الأخرى. وحُرِّر محضر الاتفاق بإشراف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وتوقيع 3 وزراء هم: وزير التربية الوطنية شكيب بنموسى، ووزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل يونس السكوري، والوزير المنتدب المكلف الميزانية، فوزي لقجع. وعن النقابات وقع كل من مسؤولي «الاتحاد المغربي للشغل»، و«الكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، و«الاتحاد العام للشغالين بالمغرب»، و«الفيدرالية الديمقراطية للشغل».

لكن رغم توقيع الاتفاق أعلنت التنسيقيات مواصلة الإضراب مطالبة بإعلان إلغاء النظام الأساسي لموظفي التعليم.

الدعم الاجتماعي

من أبرز القرارات التي اتخذها العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال سنة 2023، تخصيص دعم مالي مباشر للأسر الفقيرة، وهو أول دعم من نوعه سواء من حيث عدد الأسر المستفيدة منه والتي تصل إلى أزيد من 4 ملايين أسرة أو من حيث قيمته الإجمالية التي تصل إلى ما يناهز 25 مليار درهم (2.5 مليار دولار) سنويا. وصدر بيان عن اجتماع وزاري، برئاسة العاهل المغربي في 19 أكتوبر الماضي تم خلاله الإعلان عن تخصيص ميزانية في القانون المالي (الموازنة) 2024، لدعم الأسر الفقيرة، وتقرر أن يرتبط هذا الدعم المالي بالأطفال في سن التمدرس، والأطفال في وضعية إعاقة، والأطفال حديثي الولادة، إضافة إلى الأسر الفقيرة والهشة، من دون أطفال في سن التمدرس، خاصة منها التي تعيل أفرادا مسنين.

وحسب بيان الديوان الملكي بمناسبة اجتماع المجلس الوزاري، فإن حجم الدعم لا يجب أن يقل عن 500 درهم شهريا (50 دولارا)، ابتداء من نهاية هذه السنة.

وفي سياق الإجراءات الاجتماعية تضمن مشروع قانون المالية 2024 دعما آخر للأسر الفقيرة يتعلق بتكفل الدولة بأداء انخراط نحو 4 ملايين أسرة في نظام التغطية الصحية، بميزانية تقدر بـ9.5 مليار درهم (950 مليون دولار).

إضافة إلى ذلك خصصت الحكومة دعما بقيمة 9.5 مليار درهم، لدعم شراء المواطنين للسكن الرئيسي وذلك بمبلغ يتراوح بين 100 ألف درهم (10 آلاف دولار) بالنسبة للشقق الاقتصادية التي يقل سعرها عن 300 ألف درهم (30 ألف دولار)، و70 ألف درهم (7 آلاف دولار) بالنسبة للشقق التي يتراوح سعرها بين 300 و700 ألف درهم (70 ألف دولار).

مدونة الأسرة

شكل تعديل مدونة الأسرة (قانون الأسرة) المغربية، أحد أبرز أحداث السنة، فقد وجه العاهل المغربي رسالة إلى رئيس الحكومة، دعاه فيها إلى النهوض بقضايا المرأة والأسرة بشكل عام، حسب ما جاء في بيان للديوان الملكي. وقرر العاهل المغربي، إسناد الإشراف العملي على إعداد هذا الإصلاح بشكل جماعي ومشترك، لكل من وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية (تمثل استقلال السلطة القضائية) ورئاسة النيابة العامة (الادعاء العام). كما دعا العاهل المغربي المؤسسات المذكورة إلى أن تشرك بشكل وثيق في هذا الإصلاح الهيئات الأخرى المعنية بهذا الموضوع بصفة مباشرة، وهي المجلس العلمي الأعلى (يمثل علماء المغرب) والمجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة دستورية تعنى بحقوق الإنسان)، ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة.

مجلس النواب المغربي حين مصادقته على موازنة 2024 (الشرق الأوسط)

وشرعت اللجنة في عقد جلسات استماع لعدد من الهيئات والمؤسسات في انتظار أن ترفع مقترحات التعديلات التي ستنبثق عن هذه المشاورات التشاركية الواسعة إلى نظر العاهل المغربي الملك محمد السادس، خلال أجل أقصاه ستة أشهر، وذلك قبل إعداد الحكومة لمشروع قانون في هذا الشأن، وعرضه على مصادقة البرلمان.

وتناقش اللجنة قضايا حساسة في المدونة من قبيل إمكانية منع زواج الفتاة التي عمرها أقل من 18 سنة، أو ما يعرف بزواج القاصرات، ومنع تعدد الزوجات، ومراجعة نظام الإرث.

احتضان كأس العالم 2030

وشكل إعلان اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الأربعاء 4 أكتوبر الماضي، عن إقامة كأس العالم 2030 في المغرب وإسبانيا والبرتغال، حدثا كبيرا في المغرب، حيث جرى اعتماد الملف المشترك من المغرب والبرتغال وإسبانيا كملف وحيد لاستضافة البطولة العالمية. فيما ستقام أول 3 مباريات في أوروغواي والأرجنتين وباراغواي للاحتفال بمئوية المسابقة. وأشار بيان للديوان الملكي المغربي إلى أن هذا القرار من اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم يعتبر إشادة واعترافا بالمكانة المرموقة للمغرب بين الأمم الكبيرة.

احتضان مؤتمر البنك الدولي

رغم وقوع الزلزال المدمر في منطقة الأطلس الكبير لم يتم إلغاء الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بمدينة مراكش، التي كانت مبرمجة ما بين 9 و15 أكتوبر. فقد عمل خبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالتنسيق مع السلطات المغربية على وضع تقييم لقدرة المغرب على استضافة الاجتماعات السنوية لعام 2023. وقررت الإدارة العليا لكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والسلطات المغربية المضي قدما في عقد الاجتماعات السنوية لعام 2023 في مراكش.

وشكل انعقاد هذه الاجتماعات حدثا بارزا، حيث اتجهت أنظار العالم، والمؤسسات المالية إلى مدينة مراكش، حيث اتجه أكثر من 14 ألف مشارك رفيع المستوى، بمن فيهم وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية في 189 دولة، علاوة على ممثلي المجتمع المدني والقطاع الخاص لحضور الاجتماعات. وناقشت الاجتماعات السنوية لسنة 2023 مواضيع رئيسية من قبيل الشمول المالي والرقمنة، والتنمية المستدامة، وإصلاحات المؤسسات المالية الدولية، وريادة الأعمال والابتكار، وشبكات الأمان الاجتماعي، والتسامح والتعايش.


مقالات ذات صلة

وهبي سعيد بأداء لاعبي المغرب

رياضة عالمية محمد وهبي مدرب المغرب الجديد (إ.ب.أ)

وهبي سعيد بأداء لاعبي المغرب

أعرب محمد وهبي مدرب المغرب الجديد عن سعادته بمستوى لاعبيه بعد التعادل 1 - 1 مع الإكوادور الجمعة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (متداولة)

السلطات المغربية تنجح في تفكيك خلية مُوالية لـ«داعش»

تمكّن الأمن المغربي، في عملية متزامنة ومشتركة مع نظيره الإسباني، اليوم الأربعاء، من تفكيك خلية إرهابية مُوالية لتنظيم «داعش» الإرهابي.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
رياضة عالمية فرحة السنغال بلقب كأس أفريقيا أوقفتها قرارات الاستئناف (أ.ف.ب)

عضو سابق في «استئناف كاف»: لا أفهم كيف اتخذ هذا «القرار المخزي»

يمرُّ من يواكب كرة القدم الأفريقية منذ عقود بطيف واسع من المشاعر؛ من نشوة الإنجازات الكبرى في كأس الأمم الأفريقية وكأس العالم، إلى الإحباط من أخطاء إدارتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية السنغال رفضت بشكل قاطع هذه المحاولة غير المبررة لتجريدها من لقبها (أ.ف.ب)

السنغال تطالب بتحقيق دولي بسبب «شبهات فساد» بعد سحب كأس أفريقيا ومنحه المغرب

طالبَت الحكومة السنغالية اليوم الأربعاء بفتح تحقيق دولي بسبب «شبهات فساد داخل الهيئات القيادية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف)».

«الشرق الأوسط» (دكار)
رياضة عالمية حسرة سنغالية بعد سحب اللقب الأفريقي (أ.ف.ب)

لاعبو السنغال يسخرون من «كاف»: هذا اللقب لا يُمنح عبر «البريد الإلكتروني»

أثارت قرارات الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) عاصفة من الغضب في السنغال، بعدما أعلن، مساء الثلاثاء، تتويج المغرب بطلاً لكأس أمم أفريقيا 2025.

فاتن أبي فرج (بيروت)

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).


مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)
مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)

لوَّح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بـ«اتخاذ إجراءات استثنائية (تدريجية) حال استمرار حرب إيران». وقال في تصريحات، السبت، إنه «حال استمرار الأزمة لفترة أطول سنضطر للجوء إلى مستوى آخر من القرارات الأكثر شدة من أجل تحقيق ترشيد أكبر لإنفاقنا». وأوضح أن «هذا التدرج يهدف لمنح مساحة للاستمرار بالمنوال الحالي لأطول فترة ممكنة، على أمل توقف الحرب الإيرانية وعودة الأمور لطبيعتها».

بينما بعثت الحكومة برسائل طمأنة جديدة للمواطنين بشأن «توافر السلع في الأسواق رغم التحديات الراهنة». وأكدت أنها «تتبع (سياسة التدرج) في اتخاذ القرارات؛ لضمان عدم تحميل المواطن أعباء إضافية أو تغيير نمط الحياة المعتاد قدر الإمكان».

جاء حديث مدبولي خلال مؤتمر صحافي استعرض فيه مستجدات الموقف الراهن جراء الحرب الإقليمية وتداعياتها على العالم ومصر.

وأوضح رئيس مجلس الوزراء أنَّ «قرار (الإغلاق المبكر) للمحال العامة والمقاهي وقاعات الأفراج والمولات التجارية، كان ضرورياً في ظلِّ الوضع الحالي لخفض فاتورة الاستهلاك»، لافتاً إلى أن «جدوى القرار لا تقتصر على استهلاك الطاقة الكهربائية فحسب؛ بل يمتد ليشمل تقليل حركة المركبات التي يستخدمها المواطنون للذهاب لهذه الأماكن، مما يسهم بشكل مباشر في خفض فاتورة استهلاك الوقود للدولة».

واستثنت الحكومة، الجمعة، المحال العامة والمنشآت السياحية في محافظتَي جنوب سيناء، وأسوان، ومدينة الأقصر، ومدينتَي الغردقة ومرسى علم بمحافظة البحر الأحمر، إلى جانب محال عامة والمنشآت السياحية على النيل في القاهرة والجيزة من قرار «الإغلاق المبكر».

وتؤكد حرصها على ضمان تقديم تجربة سياحية متكاملة وآمنة ومتميزة لجميع زائري المقصد المصري، بما يعكس المكانة الرائدة التي تحتلها مصر بوصفها إحدى أهم الوجهات السياحية على مستوى العالم.

وحقَّقت مصر أرقاماً قياسية في استقبال السائحين من الخارج، ووصل عدد السائحين العام الماضي، 2025، إلى أكثر من 19 مليون سائح، بمعدل نمو يصل إلى 21 في المائة مقارنة بالعام السابق، 2024. وتستهدف استراتيجية وزارة السياحة والآثار المصرية الوصول بعدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031.

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي السبت (مجلس الوزراء المصري)

كما تُطبِّق الحكومة المصرية «خطة ترشيد» تشمل «خفض إضاءة الأعمدة في الشوارع، وإيقاف إنارة الإعلانات على الطرق العامة، وغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) بالكامل في تمام الساعة السادسة مساءً؛ وذلك لتخفيف الضغوط على المواد البترولية المُستخدَمة في توليد الطاقة؛ تجنباً لحدوث انقطاعات في التيار الكهربائي».

وشدَّد مدبولي على أنَّ الحكومة بدأت بنفسها في تنفيذ إجراءات حازمة لخفض فاتورة استهلاك السولار والبنزين، حيث تمَّ الإعلان عن «الإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى الجاري تنفيذها وكثيفة الاستهلاك للسولار والبنزين» لمدة شهرين على الأقل، وكذا التوجيه الفوري بخصم وتخفيض مخصصات الوقود للسيارات والمركبات الحكومية بنسبة 30 في المائة.

وتحدَّث مدبولي، كذلك خلال المؤتمر الصحافي، السبت، عن الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار الطاقة والوقود عالمياً خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن «الحكومة تتابع من كثب تطورات الأسواق الدولية». وأشار إلى أنَّ «الزيادات الأخيرة في الأسعار تمَّ احتسابها على أساس سعر إغلاق برميل البترول عند مستوى 105 دولارات، في حين سجَّلت الأسعار العالمية، الجمعة، نحو 112 دولاراً للبرميل عند الإغلاق، مما يعني ارتفاعاً مباشراً في تكلفة المنتجات».

وبحسب مدبولي فإنَّ الحكومة تضع في اعتبارها احتمال استمرار الحرب لبضعة أشهر، لذلك تجري نقاشات مستفيضة لاتخاذ إجراءات تضمن تخفيض فاتورة الوقود والاستهلاك دون المساس بحركة الاقتصاد وقوته.

مصطفى مدبولي استعرض السبت مستجدات الموقف الراهن جراء الحرب الإقليمية (مجلس الوزراء المصري)

أيضاً أعلن رئيس مجلس الوزراء أنه تمَّ التوافق على بدء تفعيل «منظومة العمل عن بُعد»، يوم الأحد من كل أسبوع، اعتباراً من أول أبريل (نيسان) المقبل ولمدة شهر. وقال: «إن المنظومة ستُطبَّق على المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، مع استثناء عدد من المنشآت الحيوية»، موضحاً أنه «تمَّ التوافق على عدم تطبيق منظومة العمل عن بُعد في المدارس والجامعات؛ نظراً لأن الفترة المتبقية من العام الدراسي قصيرة وتُقدَّر بنحو شهر ونصف الشهر، ولتجنب أي تأثير سلبي على العملية التعليمية في هذه المرحلة».

ووفق مدبولي فإنَّ الدولة المصرية تعيش مرحلةً مغايرةً تماماً لما شهدته خلال عامَي 2023 و2024. ويفسر: «إننا (اليوم) في وضع مختلف كلياً عمّا واجهناه سابقاً؛ حيث كانت هناك أزمة حادة في العملة الصعبة أدت لتعذُّر تدبير المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، أما (اليوم) فإن تأكيدات (اتحاد الغرف التجارية) و(اتحاد الصناعات) تشير إلى توافر مخزون من المواد الخام والمستلزمات يكفي لأشهر عدة مقبلة».

كما تحدَّث مدبولي عن الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة المصرية لإيقاف الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «مصر لا تتوانى عن بذل جميع الجهود الدبلوماسية الممكنة في سبيل إيقاف هذه الحرب».

وسلَّط الضوءَ على الجولة «شديدة الأهمية» التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي لدول الخليج العربي، والتي شملت المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، مؤكداً أن «هدف هذه الزيارات كان نقل دعم مصر الكامل - قيادة وحكومة وشعباً - للأشقاء في دول الخليج، ومساندتهم الكاملة في هذه الحرب، مع التعبير عن رفض مصر التام للاعتداءات التي تتم على هذه الدول»، والتأكيد على أن «أمن مصر يبدأ من أمن دول الخليج العربي».