الجزائر في 2023... تقارب مع الشرق خارجياً وتحسين المعيشة داخلياً

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وقائد الجيش سعيد شنقريحة يعطيان إشارة انطلاق مشروع محطة القطار في الجلفة (رئاسة الجمهورية)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وقائد الجيش سعيد شنقريحة يعطيان إشارة انطلاق مشروع محطة القطار في الجلفة (رئاسة الجمهورية)
TT

الجزائر في 2023... تقارب مع الشرق خارجياً وتحسين المعيشة داخلياً

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وقائد الجيش سعيد شنقريحة يعطيان إشارة انطلاق مشروع محطة القطار في الجلفة (رئاسة الجمهورية)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وقائد الجيش سعيد شنقريحة يعطيان إشارة انطلاق مشروع محطة القطار في الجلفة (رئاسة الجمهورية)

في حين كان توجيه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبَون بوصلة التعاون الخارجي لبلاده نحو الشرق، بزيارتين مهمتين إلى روسيا والصين، فإن الحدث الأبرز على الصعيد الدولي بالنسبة إلى الجزائر عام 2023 كان تميُّز الوضع الداخلي بتحسن لافت لاحتياطي العملة الصعبة، الأمر الذي سمح للحكومة باتخاذ قرار برفع أجور 2.8 مليون عامل، يبدأ تنفيذه مطلع العام الجديد. وفيما كان منتظراً أن يزور تبون فرنسا في مايو (أيار)، فاجأ المراقبين بزيارة إلى موسكو، الحليف السياسي التقليدي للجزائر، في يونيو (حزيران)، مبدياً ضمناً دعمه للرئيس فلاديمير بوتين في المواجهة مع الغرب، بسبب الحرب التي يشنها على أوكرانيا. وقد أكدت الجزائر، رسمياً، أنها لا تدين العملية العسكرية الروسية ولا تؤيدها، وأن موقفها هو «عدم الانحياز لأي طرف».

توسيع الشراكة مع روسيا

ومن روسيا، صرّح تبون بأن شعب الجزائر «حر وسيبقى حراً»، وذلك عندما سُئل عن «ضغوط» غربية مفترضة تتعرض لها الجزائر بسبب «تقاربها مع موسكو»، من خلال تكثيف تعاونها معها، خصوصاً طلبها المزداد على شراء السلاح الروسي. وكان أعضاء في الكونغرس الأميركي قد طالبوا وزير الخارجية أنتوني بلينكن في عام 2022 بإنزال عقوبات ضد الجزائر، بذريعة «وجود مخاطر من زيادة لافتة لمشترياتها من السلاح الروسي»، ولأن هناك صفقة سلاح بين البلدين يجري التفاوض حولها بقيمة 7 مليارات دولار.

الرئيس تبون خلال زيارته روسيا ولقاء الرئيس بوتين في الكرملين 17 يونيو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

ومن أهم ما أسفرت عنه الزيارة الروسية تعديل «اتفاق الشراكة الاستراتيجية» الذي يضبط إطار التعاون الثنائي منذ أكثر من 20 سنة، وذلك بتوسيع القطاعات المعنية بالشراكة، لتشمل المجالات العلمية والاقتصادية والتجارية، بما في ذلك الميدان العسكري، علماً بأن الجزائر تعد ثاني شريك تجاري لروسيا في القارة الأفريقية، وذلك بحجم مبادلات قارب 3 مليارات دولار عام 2021، وهي من أكبر زبائن موسكو في مشتريات السلاح منذ عهد الاتحاد السوفياتي.

زيارة «تاريخية» إلى الصين

وفي يوليو (تموز)، أجرى تبون زيارة وصفت بـ«التاريخية» إلى الصين، انتهت بالتوقيع على 19 اتفاقية تشمل العديد من مجالات التعاون، وحملت دلالات سياسية، فُهم منها أن الجزائر «اختارت موقعها في عالم تميزه الاستقطابات». وقد أعلن تبون أن بلاده «تناضل من أجل علاقات دولية أكثر توازناً، لا يطغى فيها القوي على الضعيف».

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً تبون 18 يوليو 2023 (د.ب.أ)

وتحت هذا الشعار، سعت الجزائر إلى دخول مجموعة «بريكس»، وطلب تبون رسمياً خلال زيارتيه إلى موسكو وبكين دعمهما لتحقيق هذا الهدف، باعتبارهما من ركائز هذه المجموعة. وشكل رفض المجموعة الملف الجزائري، خلال اجتماعها في جنوب أفريقيا أغسطس (آب) الماضي، صدمة وخيبة أمل كبيرتين إزاء «الحليف الروسي» الذي كان يعول عليه بوضع نفوذه في الميزان حتى تميل الكفة لصالح الجزائر. وكان تبون أعلن نهاية 2022 أن عام 2023 «سيكون سنة تتويج النجاحات الاقتصادية للبلاد بالتحاقنا بـ(بريكس)».

استمرار التوتر مع فرنسا

وتميَز عام 2023 أيضاً باستمرار التوتر مع فرنسا التي كان تطور العلاقات معها دوماً بمثابة شأن داخلي، بالنظر لقوة الصلات التاريخية والإنسانية بين البلدين، التي تعود إلى فترة الاستعمار. ففي فبراير (شباط)، نشبت أزمة حادة بين البلدين، عندما اتهمت الجزائر المخابرات الفرنسية بأنها «أجلت سراً» معارِضة كانت ممنوعة من السفر، تدعى أميرة بوراوي، سافرت خلسة إلى تونس عبر الحدود البرية، ومن تونس منحتها الممثلية الدبلوماسية الفرنسية الحماية القنصلية، باعتبارها تحمل الجنسية الفرنسية. وعدّت الجزائر الحادثة «انتهاكاً لسيادتها».

عناق بين الرئيسين تبون وماكرون في قمة المناخ بمصر في نوفمبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

ولاحقاً، في أبريل (نيسان)، أعلن الرئيسان تبون وإيمانويل ماكرون في مكالمة هاتفية طي هذا الملف الساخن على أساس أن «سوء فهم شابه»، وعاد البحث من جديد في مشروع زيارة يقوم بها تبون إلى باريس، لكن أحداثاً أخرى حالت دون إنجازها، منها لائحة قدمها اليمين الفرنسي التقليدي إلى البرلمان لإلغاء اتفاق الهجرة الثنائي الذي يعود إلى عام 1968، على أساس أنه يعيق مسعى الحكومة إلى الحد من الهجرة السرية. وقبل أسابيع قليلة، أجهض نواب حزب الرئيس ماكرون واليسار هذه الخطوة.

زيادة في الأجور يهددها التضخم

على الصعيد الداخلي، ضبطت السلطات ساعة العمل الحكومي على «تحسين القدرة الشرائية للمواطن»، وتعهد تبون في كل تصريحاته بأن 2023 «ستكون سنة الإقلاع الاقتصادي وترقية معيشة المواطن». وفي الأيام الأخيرة من العام، أعلنت الحكومة أن «زيادات مهمة» للأجور سيستفيد منها 2.8 مليون عامل في الوظيفة العمومية، بدءاً من يناير (كانون الثاني) 2024. في الوقت ذاته، نشر «الديوان الوطني للإحصائيات» دراسة تفيد بأن نسبة التضخم فاقت 9 بالمائة في عام 2022، معلناً ارتفاعاً فاحشاً لأسعار كل المواد والخدمات، الأمر الذي ألحق ضرراً بالغاً بالقدرة الشرائية لملايين من أصحاب الدخلين المتوسط والمحدود.

ويرى خبراء الاقتصاد المستقلون عن الحكومة أن الزيادات المقررة في الأجور ستتسبب في ارتفاع التضخم، لأنه لم يقابلها انتعاش اقتصادي، مشيرين إلى أن الموظف لن يستفيد منها إلا لبضعة أشهر، في انتظار موجة ارتفاع جديدة في الأسعار ستقضي عليها.

ركود سياسي في انتظار الانتخابات الرئاسية

أما سياسياً، فقد ظل المشهد العام راكداً، باستثناء حركة ظرفية أحدثها مؤتمر حزب «جبهة التحرير الوطني»، الذي يملك الريادة في البرلمان والمجالس البلدية والولائية، إذ اختار أعضاؤه القيادي المغمور عبد الكريم بن مبارك، أميناً عاماً، بدلاً من أبو الفضل بعجي، الذي كان أعلن ترشحه لولاية ثانية، لكن اتضح أن السلطات العليا قررت إبعاده في المرحلة المقبلة التي تتميز بالتحضير لانتخابات الرئاسة (قبل نهاية 2024)، والتي يعول على «الجبهة» لحشد التأييد لها ودفع أكبر عدد من الجزائريين للإدلاء بأصواتهم فيها.

وكان الحزب الواحد سابقاً بمثابة آلة دعائية ضخمة لمرشحي النظام للرئاسة. وشذّ عن هذه القاعدة مرة واحدة فقط في «رئاسية 2004»، عندما انقسمت السلطة إلى جناحين: جهاز مخابرات بقيادة الجنرال محمد مدين، رشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية ثانية، وقيادة أركان الجيش برئاسة الجنرال الراحل محمد العماري، الذي رشح رئيس الحكومة آنذاك علي بن فليس، وانتهت الجولة بفوز بوتفليقة.

وفي مايو (أيار) 2023، أعلنت الجزائر بمناسبة احتضانها مؤتمراً دولياً حول التصدي للمخاطر الكبرى، أن معدل إنفاقها على مخططات مواجهة الكوارث الطبيعية، يفوق 225 مليون دولار سنوياً، وذلك في الـ15 سنة الماضية.

صيف كارثي

وكان صيف 2023 كارثياً بسبب النيران المستعرة في بعض محافظات الشرق، حيث خلفت الحرائق التي شبَت في غطائها النباتي 34 قتيلاً من بينهم 10 عسكريين وصلت ألسنة اللهب إلى قاعدة لهم بسفح الجبل، دون أن تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليهم لإجلائهم. وأحصت محافظة بجاية (200 كلم عن العاصمة)، لوحدها الحصيلة الأعلى بمصرع 16 شخصاً من عائلة واحدة.

وتواصلت الحرائق في البلاد خلال سبتمبر (أيلول)، إذ أعلن الدفاع المدني تصديه لألسنة اللهب في ولايات شمالية، لم تخلف أي خسائر بشرية. وقد تزامنت هذه الحرائق مع موجة حرَ غير عادية، ضربت عدة ولايات حيث تجاوزت درجات الحرارة 40. وطُرح من جديد، على إثر هذه الأحداث، جدل حول «اليد الإجرامية»، التي تسببت فيها، واستبعدت الحكومة التغيرات المناخية كسبب للحرائق، التي طالت كامل الغطاء النباتي في بلدان جنوب المتوسط خلال الصيف.

وكانت الحكومة أطلقت في سبتمبر الماضي، ترتيبات عاجلة للتعامل مع كوارث طبيعية محتملة، تضمنتها مراجعة شاملة لقانون الأخطار الكبرى. ونصت المراجعة القانونية على «مخطط يقظة لتسيير المخاطر الكبرى ومواجهتها»، تكفلت بتنفيذه 5 وزارات، وتضمن إطلاق منصة رقمية في كل محافظات البلاد الـ58، تهتم بتتبع التغيّرات المناخية في كل المناطق، وتبليغ السلطات العمومية عن أي خطر يُمكن أن يهدّد المنطقة وسكانها.

وجاءت هذه الترتيبات، حسب الصحافة المحلية، عاكسة لمخاوف ناتجة عن الزلزال الذي ضرب المغرب والفيضانات، التي أغرقت مدينة درنة في ليبيا خلال الشهر نفسه.


مقالات ذات صلة

أحزاب جزائرية تبدي مخاوف من انتخابات بلدية «بلا مترشحين»

شمال افريقيا رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالجزائر (سلطة الانتخابات)

أحزاب جزائرية تبدي مخاوف من انتخابات بلدية «بلا مترشحين»

حذّرت أحزاب معارضة بالجزائر من عزوف عن الترشح للانتخابات المحلية المقبلة، بسبب نص في قانون الانتخابات يُقصي مترشحين بسبب صلات مفترضة بأوساط المال والأعمال.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية مهاجم فريق مرسيليا الفرنسي ومنتخب الجزائر أمين غويري (أ.ف.ب)

غويري يلحق بآيت نوري خارج صفوف منتخب الجزائر

أعلن المنتخب الجزائري، غياب مهاجم فريق مرسيليا الفرنسي أمين غويري، عن صفوف المتتخب خلال بقية المعسكر المُقام لخوض مباراتي تصفيات كأس أمم أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية المدافع ريان آيت نوري (رويترز)

استبعاد آيت نوري من تشكيلة الجزائر

أعلن منتخب الجزائر، السبت، استبعاد المدافع ريان آيت نوري من تشكيلته التي تخوض التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الأفريقية لكرة القدم 2027، هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا تصميم غرافيكي لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (وزارة المحروقات الجزائرية)

الجزائر تختبر نفوذها الطاقوي عبر النيجر في ظل السباق المحتدم نحو أوروبا

في ظل تنامي تحركات روسيا والمغرب وتركيا في المنطقة، وسعيها إلى توسيع نفوذها، تواجه الدبلوماسية الجزائرية تحدياً متزايداً للحفاظ على موقعها ودورها في الساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية إبراهيم حمداني المدير الفني الجديد للمنتخب الجزائري (أ.ب)

مدرب منتخب الجزائر يحذر من «افتقاد الفاعلية»

أكد إبراهيم حمداني، المدير الفني الجديد للمنتخب الجزائري لكرة القدم، أن فريقه بحاجة إلى فاعلية أكبر وتحسين إنهاء الهجمة الأخيرة عقب فوز الخضر على زامبيا 3-1.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
TT

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)
خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)

أنقذت وحدات خفر السواحل الموريتانية، الأحد، 260 مهاجراً غير نظامي بعدما رصدت زورقين قبالة سواحل العاصمة نواكشوط كانا قد أبحرا من مدينة بانجول، عاصمة غامبيا، في طريقهما نحو جزر الكناري الإسبانية.

وذكر إيجاز صحافي صادر عن خفر السواحل أن الزورقين أمضيا نحو سبعة أيام في عرض البحر قبل أن تتمكن الوحدات البحرية من رصدهما، والتدخل لإنقاذ جميع من كانوا على متنهما.

وبحسب البيان، فإن الأشخاص الذين تم إنقاذهم هم 132 سنغالياً، و120 من غامبيا، و4 من غينيا، واثنان من نيجيريا، واثنان من مالي؛ وكان من بينهم 61 امرأة، و17 طفلاً.

يأتي هذا في سياق تصاعد لافت لحركة قوارب الهجرة على الساحل الموريتاني الذي بات يشكل أبرز نقاط العبور على «طريق الأطلسي» نحو جزر الكناري الإسبانية.

فمنذ مطلع العام الحالي، وحتى منتصف يوليو (تموز)، سجلت السلطات الموريتانية 17 عملية إنزال في نواكشوط ونواذيبو، أتاحت إنقاذ 2147 مهاجراً، بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.

وفي 21 من الشهر ذاته، أعلنت المفوضية وفاة أو فقدان 144 مهاجراً في ثلاث عمليات إنقاذ متتالية قبالة السواحل الموريتانية خلال أسبوع واحد، كان أغلبهم في قارب انطلق من منطقة بوفالوتو في غامبيا، وظل تائهاً في البحر 25 يوماً قبل العثور عليه، ولم ينجُ منه سوى 38 شخصاً.

وفي 7 يونيو (حزيران) الماضي، أعلن خفر السواحل مقتل مهاجرة، وإنقاذ 192 آخرين قبالة نواكشوط، في ثاني عملية من نوعها خلال خمسة أيام فقط، بعد إنقاذ 110 مهاجرين من جنسيات أفريقية إثر تعطل زورقهم.

وفي 21 أغسطس (آب) أنقذ خفر السواحل أكثر من 300 مهاجر، بينهم 40 طفلاً، من قارب خشبي مكتظ قبالة ميناء نواذيبو، بعد أيام قليلة من إنقاذ 42 مهاجراً آخرين من قارب متعطل.

من عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين بينهم نساء وأطفال (خفر السواحل الموريتاني)

ويعكس هذا التواتر في عمليات الإنقاذ، التي لم تعد تفصل بينها سوى أيام معدودة في بعض الأحيان، ضغطاً متصاعداً على قدرات خفر السواحل الموريتاني، في وقت تشير فيه منظمات حقوقية إلى أن الأرقام الرسمية للناجين تخفي واقعاً أكثر قتامة من الوفيات، وحالات الفقد في عرض المحيط.

وبحسب منظمة «كاميناندو فرونتيراس» غير الحكومية، توفي أكثر من 1300 مهاجر أثناء محاولتهم بلوغ السواحل الإسبانية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.

ويغلب على شبكات التهريب النشطة على هذا المحور اعتماد قوارب خشبية تقليدية مكتظة تنطلق في معظمها من بانجول في غامبيا، وسواحل السنغال، وغينيا، في رحلات قد تمتد لأسابيع دون احتياطات كافية من الماء، والغذاء، والوقود، ما يعرض ركابها لمخاطر جسيمة حال تعطل المحركات، أو انحراف المسار.

وقد دفعت الضغوط الأمنية المتزايدة في المغرب وموريتانيا، بدعم أوروبي، بعض هذه الشبكات إلى إزاحة نقاط الانطلاق جنوباً نحو غامبيا، وغينيا، بحسب ما ترصده منظمات متخصصة في رصد حركة الهجرة.

وتصف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «طريق الأطلسي» بأنه «أحد أخطر ممرات الهجرة في العالم»، نظراً لطول المسافات، وصعوبة التوقعات البحرية، واكتظاظ القوارب غير الصالحة للإبحار، ومحدودية فرص الوصول السريع لعمليات الإنقاذ.


ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
TT

ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)
صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)

عزّز صعود 3 من أبناء المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني» الليبي، إلى مواقع مؤثرة في المشهدين العسكري والتنموي بشرق ليبيا، التساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بينهم، وما إذا كانت «تنافساً» على «مراكز النفوذ» أم توزيعاً للأدوار ضمن قيادة مركزية واحدة.

وخلال السنوات الأخيرة، تعزز حضور أبناء حفتر في مواقع قيادية داخل مؤسسات نافذة؛ إذ يشغل صدام (النجل الأصغر) منصب نائب قائد «الجيش الوطني» منذ صيف العام الماضي، فيما يتولى شقيقه خالد رئاسة الأركان العامة، بينما يدير بالقاسم منذ فبراير (شباط) 2024 «صندوق إعادة إعمار ليبيا»، الذي منحه البرلمان صلاحيات واسعة في ملف الإعمار.

أما صديق وعقبة حفتر، فيظهران في مواقع أقل تأثيراً؛ إذ ينشط الأول في الوساطات القبلية لـ«المصالحة الوطنية»، بينما يعمل الثاني في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي.

بالقاسم حفتر يقبل رأس والده خلال حفل افتتاح جامعة بنغازي هذا الشهر (القيادة العامة)

وأعادت تحركات 86 نائباً، الأسبوع الماضي، لتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب بما قد يفتح الطريق أمام تغيير رئيسه عقيلة صالح، التساؤلات بشأن احتمال وجود تباين بين صدام وخالد، سواء بين نشطاء محليين أو في وسائل إعلام دولية.

ووفق موقع «أفريكا إنتليجنس»، فقد دعم صدام هذه التحركات البرلمانية، فيما تحدثت تقارير عن دور لخالد في «منع انعقاد الجلسة، ودعمه عقيلة صالح في رئاسة المجلس». كذلك سبق أن سلطت صحيفة «لوموند» الفرنسية الضوء على هذا التنافس المحتمل، في تقرير نشرته الشهر الماضي.

تكهنات وفرضيات

ومن بين الليبيين من يتفق مع وجهة النظر القائلة بأن هناك «تنافساً»، بل «صراع نفوذ»؛ إذ يرى المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أنه «وصل إلى تصعيد غير مسبوق، بين مشروع يقوده صدام حفتر في مقابل خالد وبالقاسم».

وسلّط محفوظ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الضوء على «إشارات سابقة على هذا الصراع أخرجتها الجلسة الأخيرة للبرلمان إلى العلن، وتحول إلى نزال بين مدونين تابعين للطرفين»، وهي وجهة نظر يتفق معها جلال حرشاوي، الباحث المشارك في «المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة».

في المقابل، تحدثت مصادر مقربة من قيادة «الجيش الوطني» إلى «الشرق الأوسط» عن أن هذه الفرضية «غير صحيحة»، وأن الأمر لا يتجاوز توزيعاً للمهام ضمن قيادة مركزية واحدة.

ويرى الباحث العسكري المقرب من «الجيش الوطني» محمد الترهوني أن «اختلاف وجهات النظر بين القادة في بعض الملفات أمر غير مستبعد، لكن الوصول إلى خلاف أو صراع علني مستبعد».

ويعتقد الترهوني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بوجود تنافس «على الإنجاز وليس النفوذ»، عادّاً أن تحركات خالد وصدام تستهدف «حماية مستقبل المؤسسة العسكرية والحيلولة دون محاولات بعض القوى السياسية التأثير في القيادة العامة».

المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)

وكان تعيين صدام نائباً لقائد «الجيش الوطني» في صيف العام الماضي قد فتح مبكراً باب التكهنات بشأن مستقبل القيادة في شرق ليبيا. وطرح مركز سيمبسون الأميركي للأبحاث قراءة عن احتمال ترسيخ موقع صدام في مسار الخلافة، مقابل ما قد يؤدي إليه ذلك من تهميش لشقيقه خالد، رغم توليه رئاسة الأركان.

وزادت التساؤلات بشأن دور صدام مستقبلاً مع «المبادرة الأميركية» لتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية في ليبيا، مع تداول تقارير إعلامية عن تسريبات بشأن صيغة مقترحة تقضي بتولي صدام رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل تولي عبد الحميد الدبيبة رئاسة الحكومة الموحدة.

«تسلسل هرمي واضح»

في أبريل (نيسان) الماضي، صدرت تصريحات منسوبة إلى خالد حفتر تتحدث عن «رفض الاستمرار في أي ترتيبات سياسية مدعومة بأجندات خارجية من شأنها إطالة أمد الأزمة»، وهو ما فُهم حينها على أنه إشارة إلى رفض مبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.

لكن الباحث السياسي محمد مطيريد يرى أن موقف قيادة «الجيش الوطني» المرحِب بـ«المبادرة الأميركية»، الصادر بعد ذلك بشهرين، ينفي هذه الفرضية. واستشهد، في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، بـ«اجتماع غير معلن إعلامياً قبل أسبوعين بين خالد وصدام لبحث آخر المستجدات».

ويرى الترهوني أن كلاً من صدام وخالد ينتمي إلى «مؤسسة عسكرية منضبطة، تقوم على تسلسل هرمي واضح في إصدار الأوامر وتنفيذها»، مضيفاً: «لم نرَ حتى الآن تدخلاً مباشراً من خالد وصدام في المشهد السياسي، أو تحركات تشير إلى وجود تنافس معلن بينهما».

وفي ما يتعلق ببالقاسم، قال الترهوني إن عمله في «صندوق إعادة إعمار ليبيا» ينصبّ على تنفيذ المشروعات ودفع العملية التنموية في شرق البلاد.

وسبق أن طرح «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» احتمال نشوء صراع يتجاوز حدود التنافس بين الأبناء ضمن سيناريوهات تتعلق بمستقبل القيادة.

ويقلل المحلل السياسي المقرب من «الجيش الوطني» عبد الله الديباني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، من احتمالات نشوب صراع مستقبلي بين أبناء حفتر، معتبراً أن «توزيع المهام يجري وفق رؤية مركزية واحدة؛ وأن الأدوار العسكرية والأمنية والتنموية تمضي في إطار تكاملي، ولا تعني وجود تنافس على النفوذ».

وبين حديث عن «تنافس محتمل وتوزيع للأدوار»، تبقى مواقع أبناء حفتر مؤثرة في قراءة مستقبل القيادة بشرق ليبيا، من دون دليل حاسم، حتى الآن، على وجود صراع بينهم.


البرهان يتحدّى واشنطن بعد رفض تأشيرته


البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يتحدّى واشنطن بعد رفض تأشيرته


البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)

أبدى رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، تحدّيه لواشنطن، رافضاً ما وصفه بـ«الابتزاز»، معلناً عدم رغبته في الحصول على أي تأشيرة سفر، وبقاءه داخل السودان، وذلك في إشارة إلى قرار الولايات المتحدة عدم منحه تأشيرة دخول إلى أراضيها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي.

وكان البرهان يعتزم قيادة وفد بلاده إلى الدورة الـ81 للجمعية العامة في نيويورك لإلقاء كلمته يوم 24 سبتمبر (أيلول) الحالي، إلا أن واشنطن رفضت منحه تأشيرة دخول.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصادر قولها إن إصدار التأشيرة الأميركية كان مرهوناً بموافقة البرهان على هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً في الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، اقترحها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، لكن البرهان رفضها وتعهد مواصلة الحرب.