الحلم الأميركي يغري شبان موريتانيا بالهروب من البلد

حرس حدود الولايات المتحدة أوقف نحو 14 ألف شاب فروا من البطالة والفقر المدقع

انعدام فرص الشغل وازدياد معلات الفقر يرغمان جل شبان موريتانيا على التفكير في مغادرة البلد (الشرق الأوسط)
انعدام فرص الشغل وازدياد معلات الفقر يرغمان جل شبان موريتانيا على التفكير في مغادرة البلد (الشرق الأوسط)
TT

الحلم الأميركي يغري شبان موريتانيا بالهروب من البلد

انعدام فرص الشغل وازدياد معلات الفقر يرغمان جل شبان موريتانيا على التفكير في مغادرة البلد (الشرق الأوسط)
انعدام فرص الشغل وازدياد معلات الفقر يرغمان جل شبان موريتانيا على التفكير في مغادرة البلد (الشرق الأوسط)

بعد أن صُدت أمامه كل الأبواب من أجل إيجاد فرصة عمل في موريتانيا، لم يعد أمام خالد ولد عبد الرحمن سوى المغامرة بحياته، وخوض رحلة محفوفة بالمخاطر للهجرة بصورة غير شرعية إلى الولايات المتحدة.

يقول خالد لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إنه قرر أن يلتحق بآلاف الشباب الموريتانيين، الذين يغادرون بلادهم في رحلات شبه أسبوعية، للوصول إلى الجدار الحدودي بين المكسيك والولايات المتحدة والعبور إلى «أرض الأحلام».

حرس الحدود الأميركي خلال اعتقال عدد من المهاجرين غير الشرعيين أثناء محاولتهم دخول البلد بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)

وتفيد السفارة الأميركية في نواكشوط بأن حرس الحدود في الولايات المتحدة، أوقف نحو 14 ألف موريتاني، عبروا الحدود قادمين من المكسيك خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي. وأعلنت أمس (الجمعة) ترحيل السلطات الأميركية عدداً كبيراً من المهاجرين الموريتانيين، لعدم وجودهم في الولايات المتحدة بصورة قانونية، قائلة إن ترحيل المهاجرين «رسالة واضحة» لأولئك الذين يهاجرون بصورة غير قانونية بأنهم يخاطرون بحياتهم، وستتم إعادتهم إلى وطنهم على الفور.

وفي آخر عامين، تركزت أحاديث الموريتانيين ونقاشاتهم حول الهجرة غير الشرعية للولايات المتحدة، بعد أن ضاقت بهم الحال جراء الظروف الاقتصادية الصعبة، مجازفين ببيع كل ما يملكون، أو الاستدانة لتغطية تكاليف الرحلة التي تبلغ نحو 8 آلاف دولار في المتوسط.

وفي مواجهة الطلب الكبير على تذاكر السفر إلى نيكاراغوا للبدء في الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى المكسيك، تنسق مكاتب للسفر في موريتانيا لهذه الرحلات بتعاون مع مهربين من أميركا اللاتينية، يتكفلون بتسيير الرحلات وتأمينها حتى الوصول إلى جدار المكسيك.

* رحلة المخاطر

تبدأ رحلة الموريتانيين الراغبين في الهجرة إلى أميركا من نواكشوط إلى إسطنبول، ومن هناك يستقلون الطائرة إلى كولومبيا، ومنها إلى نيكاراغوا، حيث تبدأ المرحلة الأكثر صعوبة والأخطر في السفر إلى المكسيك. وتُستخدم في الرحلة البرية نحو المكسيك، التي يبلغ طولها نحو 1700 كيلومتر، وسائل نقل متنوعة مثل الحافلات، بالإضافة إلى السير على الأقدام وتسلق الهضاب والجبال، وهو مسار قد تعترض فيه العصابات المنتشرة في الغابات سبيل المهاجرين غير النظاميين.

طريق الهجرة غير الشرعية نحو أميركا محفوف بالمسالك الخطيرة (رويترز)

يقول موريتاني آخر يدعى المختار، إنه سلك هذه الطريق، وشاهد «جثث القتلى متناثرة عليه... كانت مشاهد تدمي القلب وتثير الأسى»، مضيفاً أنه تمنى لو أنه لم يسافر وبقي مع عائلته، لكنه تذكر أنه لا بد أن يتحلى بالشجاعة، وأنه لو بقي في موريتانيا لكان يعيش في فقر مدقع، ويصارع من أجل لقمة عيش.

ووفقاً لدراسة نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإن نحو 2.3 مليون شخص في موريتانيا، أي ما يقرب من 57 في المائة من السكان، يعيشون في فقر متعدد الأبعاد. وبعد معاناة طويلة، وصل المختار إلى الولايات المتحدة بعد شهر من السفر عبر أدغال وغابات ومسالك عبرها في طريقه إلى الجدار، وبعد ذلك تمكن من الحصول على عمل في متجر بنيويورك. وقال إن ظروفه أصبحت أفضل، مشيراً إلى أنه أصبح يقتطع جزءاً من راتبه لعائلته في موريتانيا.

هذه الحياة الجديدة التي بدأها المختار يتمنى خالد أن يعيشها لينتشل عائلته من الفقر المدقع، مؤكداً أن عائلته شجعته على الهجرة، حيث باعت مساحة من الأرض كانت تملكها في العاصمة نواكشوط. يقول خالد إن هذه الرحلة ستكلفه نحو 8 آلاف دولار، موزعة بين ثمن تذاكر السفر، وما تحصل عليه وكالة السفريات والمهربين، الذين يدفعون لهم مقابل تأمينهم، وإيصالهم إلى جدار المكسيك وتكاليف الإقامة، مشيراً إلى أن من بين الأسباب التي دفعته إلى الهجرة البطالة التي يرزح تحت وطأتها، وانعدام فرص العمل في موريتانيا، مؤكداً أن حصوله على شهادة في الاقتصاد من جامعة نواكشوط لم يغير واقعه «المزري». وتشير تقديرات إلى أن معدل البطالة في موريتانيا، الذي كان قد سجل 11.10 في المائة في 2022، سيرتفع إلى 12 في المائة بنهاية العام الحالي.

وتعد معدلات البطالة بين الشباب من بين الأعلى في العالم، حيث تقدر بنسبة 21 في المائة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً.

* رحلة تبديد الخرافات

فوجئت السلطات الأميركية بالإقبال الكبير للموريتانيين على الهجرة غير الشرعية، ما دفع السفارة الأميركية لدى نواكشوط إلى إطلاق حملة للتوعية بالمسارات القانونية للسفر إلى الولايات المتحدة، مع تسليط الضوء على مخاطر الهجرة بصورة غير قانونية.

مهاجرون غير شرعيين من مختلف دول العالم لدى وصولهم إلى نقطة حدودية في جاكومبا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

وقالت السفيرة الأميركية، سينثيا كيرشت، إن الآونة الأخيرة شهدت قيام مزيد من الموريتانيين برحلة «خطيرة وغير مؤكدة في كثير من الأحيان، من أجل القفز من الجدار إلى الولايات المتحدة، والصعوبات التي يواجهها هؤلاء في محاولتهم الوصول إلى هناك»، مضيفة أن الولايات المتحدة تقوم بحملة للتعريف «بكثير من الطرق التي يمكن للأشخاص من خلالها الهجرة بشكل قانوني إلى الولايات المتحدة»، موضحة أن هذه الحملة تهدف إلى «تبديد الخرافات والمفاهيم الخاطئة المحيطة بالهجرة، مع التركيز على الطرق القانونية المختلفة المتاحة لأولئك، الذين يطمحون لزيارة الولايات المتحدة أو بناء حياتهم فيها».

غير أن بعض المحللين يرون أن هذه الحملة، وتحرك السفارة الأميركية للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين، لن يثنيا الموريتانيين عن المخاطرة بالهجرة إلى الولايات المتحدة، طالما لم تتحرك الحكومة الموريتانية لتجري إصلاحات اقتصادية تفتح آفاقاً للشباب.

يقول الخبير الاقتصادي أحمد المحفوظ إن «الفساد المتغلغل في مفاصل الدولة، وانعدام الأفق جعلا الشباب الموريتاني يخاطر بحياته بالهجرة إلى الولايات المتحدة»، مضيفاً أن «كل المقاربات التي اعتمدتها الحكومة لامتصاص البطالة وتشغيل الشباب فشلت... ولذلك لم يعد أمام الموريتانيين من خيار سوى الهجرة من أجل حياة أفضل».



«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.


«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
TT

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

قال الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، الدكتور جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات، مشيراً إلى تضرر عدد كبير من المستشفيات، أو خروجها عن الخدمة بالكامل، في ظل تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا، والحصبة، وهو ما يفرض ضغطاً هائلاً على منظومة صحية هشة أصلاً.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في وقت سابق إلى أن ما بين 70 و80 في المائة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة جراء الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

مرضى يتلقون العلاج في مستشفى بمدينة القضارف بشرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح عبد المنعم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المدنيين يواجهون احتياجات ملحّة في مجالات رعاية الأمومة، والطفولة، وعلاج الإصابات، والرضوض، والأمراض المعدية، وسوء التغذية، إضافة إلى الحاجة إلى مياه شرب آمنة، وخدمات الصرف الصحي، والدعم النفسي، ومساعدة الناجين من العنف الجنسي. وأفاد بأن الوصول إلى تقديم الخدمات الصحية لا يزال مقيّداً بشدة بسبب انعدام الأمن، والعقبات البيروقراطية.

وأضاف أنه رغم أن «أطباء بلا حدود» لا تتأثر مباشرة بهذه القيود، فإن منظمات إنسانية أخرى تواجه عائقاً إضافياً يتمثل في محدودية التمويل، وتقليص المساعدات.

كردفان والفاشر

وأشار إلى أن الاستجابة الدولية للنزاع في السودان تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وتراجعاً في الأولويات، وجموداً ناتجاً عن غياب الإرادة السياسية، مؤكداً الحاجة الماسة إلى تمويل عاجل، وضمان وصول آمن إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما في ذلك السكان في بؤر النزاع الحالية بولايات كردفان. ونوّه إلى أن العمل الإنساني مقيّد بإجراءات إدارية معقدة، وغير شفافة من أطراف النزاع، ما يبطئ إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، ويترك المجتمعات من دون الرعاية العاجلة التي تحتاجها.

مستشفى بشائر بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمَّة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وحول الأوضاع في مدينة الفاشر، أفاد المسؤول الدولي بأن بعض الأشخاص الذين نجوا من حصار «قوات الدعم السريع» للمدينة لمدة 500 يوم، ثم سيطرتها عليها لاحقاً، ووصلوا إلى منطقة طويلة على بُعد نحو 60 كيلومتراً، تلقوا الرعاية من فرق «أطباء بلا حدود»، وكانوا في حالة إنهاك شديد، ويعانون من سوء التغذية، والجفاف، فيما أصيب كثيرون بجروح خطيرة، من بينها طلقات نارية متقيّحة. وأضاف أن الناجين أفادوا بأنه خلال رحلات فرارهم شاهدوا جثثاً، وتعرضوا للتعذيب، وعمليات خطف مقابل فدية، والعنف الجنسي، والإهانات، وسُرقت جميع ممتلكاتهم. أما الذين بقوا داخل الفاشر حتى ما قبل 26 أكتوبر (تشرين الأول)، ولم يتمكنوا من الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً، فقد واجهوا عنفاً مفرطاً شمل مجازر، وعمليات تطهير عرقي داخل المدينة، وعلى طرق الفرار منها.

100 حادثة عنف

وأشار عبد المنعم إلى القصف الذي تعرضت له المرافق الصحية، ومقتل مدنيين داخلها، مؤكداً أن أي هجوم، أو عرقلة تستهدف العاملين الصحيين، أو المنشآت الطبية، أو المساعدات الإنسانية تعرّض الأرواح للخطر، وتحرم المجتمعات من الرعاية التي تعتمد عليها. وأوضح أنه منذ أبريل 2023 وثّقت «أطباء بلا حدود» 100 حادثة عنف استهدفت كوادرها ومنشآتها ومركباتها وإمداداتها، شملت نهب وتدمير عيادات، وسرقة أدوية، واعتداءات، وتهديدات للعاملين الصحيين. كما أن تأخير منح التأشيرات، وطول إجراءات التصاريح أو منعها، والتغيّر المستمر في المتطلبات، كلها عوامل تعرقل إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، وتقوّض الاستجابة الطبية في الوقت المناسب. وقال: «نحن لا نرصد خسائر المقاتلين، لكن منذ اندلاع النزاع وثّقت منظمة الصحة العالمية 198 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل أكثر من 170 من العاملين الصحيين، والمرضى، وإصابة أكثر من 400 آخرين». وكان وزير الصحة السوداني، هيثم محمد، قد أشار إلى أن خسائر القطاع الصحي بلغت نحو 11 مليار دولار، مؤكداً أنه مع عودة المواطنين إلى الخرطوم بعد النزوح بسبب الاشتباكات العنيفة، بدأ القطاع الصحي يتعافى تدريجياً من آثار الحرب.


«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
TT

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

أعادت جريمة العثور على «مقبرة جماعية» تضم جثامين 21 مهاجراً من جنسيات أفريقية، إلى أذهان الليبيين ملف الانتهاكات الجسيمة التي طالت «مهاجرين غير نظاميين»، خلال السنوات الماضية.

وتمكّن جهاز الأمن الداخلي، بالتعاون مع أجهزة أمنية أخرى في بنغازي بشرق ليبيا، من اكتشاف «مقبرة جماعية»، الثلاثاء الماضي، والعمل على انتشال الجثث التي تبيَّن أنها «قُتلت بعد تعرضها للاحتجاز والتعذيب داخل مزرعة يستخدمها مهرِّبو البشر سجناً غير شرعي».

ليبيتان تنتحبان بجوار حفرة يقول «اللواء 444 قتال» إنها تضم «مقبرة جماعية» في مقر مملوك للككلي مايو 2025 (من مقطع فيديو بثّه «اللواء»)

وعرفت ليبيا ظاهرة «المقابر الجماعية» على مستويات مختلفة تتعلق أحياناً بالمعارضين على خلفيات سياسية، أو المهاجرين غير النظاميين.

وحفل العام الماضي بالكشف عن عدد من «المقابر الجماعية» التي كانت تضم رفات مهاجرين غير نظاميين. فقد صُدم الليبيون بإعلان العثور على 19 جثة في فبراير (شباط) 2025، كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر.

وكشفت مديرية أمن الواحات بجنوب شرقي ليبيا، حينها، عن العملية التي وصفتها بأنها «شديدة القسوة وتخلو من الإنسانية»، بحضور عناصر من النيابة العامة.

وعقب مقتل عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، داخل معسكر التكبالي في مايو (أيار) 2025، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» المؤقتة بـ«الأمنية المعقدة»، أعلنت الحكومة العثور على «مقبرة جماعية» داخل مقر تابع لنجل الككلي في منطقة أبو سليم بطرابلس، استخرجت منها 10 جثث لرجال ونساء.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن «هذه الجريمة الخطيرة التي ارتُكبت في أجدابيا شرق ليبيا ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية، وتندرج ضمن القضايا ذات الاهتمام لدى المحكمة الجنائية الدولية»، مستغرباً «عدم صدور أي بيان رسمي أو تعليق من حكومة شرق ليبيا أو وزارة داخليتها».

كان جهاز الأمن الداخلي في بنغازي قد قال إنه بعد جمع المعلومات والتأكد من تورط أحد الأشخاص من ذوي السوابق الجنائية، والذي يأوي مهاجرين غير قانونيين، داهمت قوات الأمن المزرعة الخاصة به وقبضت عليه.

وأشار إلى أنه جرى «العثور على عدد من المحتجَزين لديه، وقد تعرضوا لإطلاق نار وهم في حالة صحية سيئة، وجرى نقلهم إلى مستشفى الشهيد أمحمد المقريف المركزي التعليمي في أجدابيا».

وكانت سلطات شرق ليبيا قد تمكنت من القبض على تشكيل عصابي بتهمة «الاتجار بالبشر»، وقالت إنها نجحت في إنقاذ 47 مهاجراً مصرياً كانوا مخطوفين ويتعرضون للتعذيب والابتزاز المادي؛ في حين كشفت تقارير محلية ودولية عن «تدفق واسع» لأعداد المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر ليبيا.

وعمليات خطف المهاجرين غير النظاميين والاتجار بهم متكررة في ليبيا؛ ومن وقت إلى آخر تعلن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها ضبط تشكيلات عصابية و«تحرير» عشرات الضحايا من براثنها.

سوريون عائدون من طرابلس إلى بلادهم (وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» المؤقتة)

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس، مساء الأربعاء، ترحيل مجموعة من اللاجئين السوريين إلى بلادهم من خلال رحلة عبر مطار معيتيقة الدولي، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المعمول بها.

غير أن الحقوقي الليبي لملوم قال إن «رحلة السوريين الذين عادوا طوعاً إلى ديارهم شملت أكثر من 100 شخص، جُلّهم كانوا مقيمين في ليبيا منذ سنوات ومسجّلين لدى مفوضية اللاجئين، التي تكفلت بنفقات وتنظيم الرحلة».

وأشارت الوزارة إلى أنها تُواصل تنفيذ برنامجها الوطني بوتيرة منتظمة، كما ستستمر في هذه الرحلات الطوعية للسوريين خلال هذه السنة، بما يضمن معالجة هذا الملف بصورة منهجية وفعّالة، ووفقاً للإطار القانوني والإنساني المعتمد.