المهدي لـ«الشرق الأوسط»: أنصار البشير أشعلوا الحرب ويذكون نارها

القيادي في «حزب الأمة» السوداني قال إن العسكر لن يكونوا جزءاً من المشهدين السياسي والاقتصادي

الصدّيق الصادق المهدي القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، وحزب «الأمة» السوداني («الشرق الأوسط»)
الصدّيق الصادق المهدي القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، وحزب «الأمة» السوداني («الشرق الأوسط»)
TT

المهدي لـ«الشرق الأوسط»: أنصار البشير أشعلوا الحرب ويذكون نارها

الصدّيق الصادق المهدي القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، وحزب «الأمة» السوداني («الشرق الأوسط»)
الصدّيق الصادق المهدي القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، وحزب «الأمة» السوداني («الشرق الأوسط»)

اتهم عضو المجلس المركزي لتحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير»، ومساعد رئيس «حزب الأمة» القومي، الصدّيق الصادق المهدي، منتقدي أنصار وقف الحرب، بأنهم يتمسكون باستمرارها «خشية تضرر مصالحهم»، ويتنصلون من مسؤوليتهم عن الحرب بتحميلها لـ«القوى المدنية التي تعمل على إصلاح مؤسَسي للدولة يقطع الطريق أمامهم».

وقال المهدي في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن خلاف «أنصار نظام البشير البائد الرئيسي، ليس مع قوات (الدعم السريع) التي صنعوها ومكّنوها، بل مع القوى المدنية التي تسعى لتحقيق إصلاح مؤسسي لمؤسسات الدولة، بما في ذلك القوات النظامية، بما هدد ويهدد تمكينهم واستثماراتهم ونهبهم موارد البلاد».

وكشف المهدي عن اقتراب القوى المدنية من «تشكيل جبهة مدنية عريضة، تعمل على إنهاء الحرب، مؤلفة من قوى مدنية وسياسية ولجان مقاومة ومهنيين وشخصيات مستقلة، وتم التوافق على لجنة اتصال للقيام بالاتصالات اللازمة لإعلان الجبهة وعقد مؤتمرها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا».

حرب مدمرة اشتعلت في الخرطوم تتضارب المعلومات حول من أشعلها (أ.ف.ب)

وأوضح أن النظام البائد وأنصاره «أشعلوا الحرب ويعملون على استمرارها ويقفون ضد وقفها، ليعودوا إلى السلطة من بوابتها، وليفتحوا منافذ جديدة للفساد، لذلك صنعوا ودعموا انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، ثم جاءوا بالطامة الكبرى، حرب منتصف أبريل (نيسان) الماضي، لقطع الطريق أمام أي تحول ديمقراطي مدني مضاد لمصالحهم».

ووصف المهدي الاتهامات التي يطلقها أنصار نظام الرئيس السابق عمر البشير، على القوى المدنية بـ«الخيانة»، بأنها «مخالفة للمنطق السليم»، وأكد أن من يدعون لاستمرار الحرب أشخاص قد تضررت مصالحهم من وقفها، مضيفاً أن «أنصار حزب المؤتمر الوطني، والإسلاميين عموماً، وأصحاب التمكين السابق، أشعلوا الحرب، ويريدون استمرارها».

​ ونفى المهدي وجود مشكلة رئيسية بين حزب «المؤتمر الوطني» (الحاكم في عهد البشير) وأنصاره، وقوات «الدعم السريع»؛ «لأنهم صنعوها ومكنوها من اقتسام السلطة والتمكين معها، ليعودوا من بوابتها بشكل من الأشكال»، مؤكداً أن «مشكلتهم الحقيقية مع القوى السياسية التي تدعو للإصلاح. فهم يريدون المحافظة على مصالحهم المشبوهة وتمكينهم وتهريب موارد البلاد، وإعادة فتح أبواب الفساد على مصراعيها، لذلك أشعلوا الحرب ويتمسكون باستمرارها، وهذا هو السبب المباشر لهجمة فلول النظام البائد على المدنيين».

وأكد المهدي أن معركة حزب «المؤتمر الوطني» وأنصاره الأساسية «ليست مع قوات (الدعم السريع)، مهما تصاعدت ودمرت البلاد وقتلت المواطنين وهجرت من هجرتهم، وعرضت البلاد وأهلها للمعاناة».

واتهم المهدي أنصار النظام البائد والعسكريين الموالين لهم «بإهدار مبالغ ضخمة تتراوح بين 6 و9 مليارات دولار سنوياً. فالسودان ينتج من الذهب سنوياً ما يتراوح بين 120 و200 طن، لا تحصل الدولة منها إلا على نحو من 20 إلى 30 طناً، ويذهب الباقي هدراً عن طريق التهريب».

وأوضح أن عناصر نظام عمر البشير البائد تسعى للحفاظ على هذه المصالح، وقال إن «وقوف هؤلاء وراء انقلاب 25 أكتوبر كان لقطع الطريق أمام إصلاح مؤسسات الدولة الاقتصادية والعسكرية، وإنهم زادوا الطين بلة بإشعال الحرب العبثية، وعملوا على استمرارها، منطلقين من عدائهم للقوى المدنية التي تدعو لتحول مدني ديمقراطي، ولإصلاح مؤسسي للدولة السودانية».

لا شراكة مع العسكر

وقطع المهدي بـ«استحالة قيام شراكة جديدة بين المدنيين والعسكريين في المرحلة المقبلة»، وقال: «هم أقروا بأنهم لن يكونوا جزءاً من المشهد السياسي، فإذا كانوا صادقين وجادين، فإن ممارساتهم، منذ نظام عمر البشير وأثناء الانتقال وصولاً إلى الحرب العبثية والكوارث التي ترتبت عليها، كفيلة بجعلنا نضغط ونتوافق على أن يلتزموا بما ألزموا أنفسهم به في الاتفاق الإطاري، بأن يبتعدوا عن ممارسة السياسة والاقتصاد والاستثمار».

ورأى المهدي أن استمرار الحرب «يهدد بانزلاق البلاد نحو مأساة الحرب الأهلية، وتحول السودان لبؤرة ومصدر للكوارث في العالم والإقليم»، قاطعاً بأن «الطريق الأصوب لوقف الحرب تكون بإعلاء صوت مصالح السودان، ومحاصرة دعاوى من أشعلوا الحرب والمستفيدين من استمرارها».

ووفقاً للمهدي، فإن الحرب «تسببت في معاناة للمدنيين في دارفور، خصوصاً غربها، ما اضطر كثيراً منهم للجوء إلى دول الجوار في ظل ظروف في غاية المأساوية، ويليهم في المعاناة من ظلوا في الخرطوم، وجميعهم يعانون قسوة العيش وندرة مقومات الحياة».

ووصف المهدي قرار مجلس حقوق الإنسان بتشكيل لجنة تقصي حقائق بشأن الانتهاكات في السودان، بأنه «قرار يستحق الإشادة، ويؤكد في الوقت ذاته أن تبعات الحرب العبثية تقع على المدنيين، وأن القادة العسكريين يستمرون في حربهم دون مراعاة لدمار البلاد وقتل المدنيين وعمال الإغاثة، ما جعل السودان يصنف ثاني أخطر دولة على عمال الإغاثة، إذ قتل فيه 19 عامل إغاثة خلال عام واحد، وذلك وفقاً لمسؤول في الأمم المتحدة».

وأعرب المهدي عن قناعته بأن قرار مجلس حقوق الإنسان سيكشف مرتكبي الانتهاكات ويقطع سجال الطرفين واتهام أحدهما للآخر، وتابع: «هذا تحقيق مستقل مدعوم بخبرات مجلس حقوق الإنسان وإمكاناته المالية»، داعياً للاستعانة بسودانيين من «أصحاب الخبرة والكفاءة والتأهيل في تكوين لجنة تقصي الحقائق لتكون لجنة وطنية ودولية، تستطيع إنجاز تحقيق مستقل وشفاف يحدد الانتهاكات ويكشف المسؤولين عنها، وينهي اتهامات طرفي الحرب لبعضهما بتلك الانتهاكات، ويحاسب من تسببوا بها، ويسهم في تحقيق العدالة للضحايا ووضع أسس العدالة الانتقالية».

ودعا المهدي إلى «وضع أسس عملية وفنية دقيقة لتعويض ضحايا الانتهاكات، وفق منهج لا يقوم على الروايات، بل على آليات التدقيق العلمية التي تحدد ما فقده الضحايا»، مؤكداً أن الأعمال العدوانية والانتهاكات ضد المدنيين لم تبدأ بالحرب الحالية، بل بدأت بانقلاب يونيو (حزيران) 1989، الذي مكن الإسلاميين وارتكب جرائم الإبادة الجماعية والحرب، ومارس التعذيب والقتل ونهب موارد البلاد، ثم قتل وانتهك حقوق الثوار السلميين في عملية فض اعتصام القيادة العامة، حتى الحرب الحالية.

العسكر مسؤول عن جريمة فض الاعتصام

وحمّل المسؤولية عن هذه الانتهاكات لـ«المكون العسكري بشقيه، وهذا أمر يجب إخضاعه للتحقيق، وأنا أحمل المجلس العسكري الانتقالي المسؤولية كاملة، فالجيش يقول إنه لم يقم بفض الاعتصام، لكن الجريمة حدثت أمام قيادته العامة، ومن واجبه حماية المدنيين، وفي الحد الأدنى هم مسؤولون عن التقصير»، مضيفاً أن «المدنيين السودانيين تعرضوا لانتهاكات عديدة من قبل المكون العسكري، توجت بهذه الحرب التي وصفوها هم بأنفسهم بالعبثية». وأكد المهدي أن المدنيين ليسوا ضد العسكريين والجيش السوداني، لكنهم يعملون من أجل الإصلاح المؤسسي في البلاد، بإقامة مؤسسة عسكرية لا تعمل لأجندة سياسية تخصها. وتابع: «هذه مهمة المكونات السودانية جميعها، بأن يكون هناك جيش مهني قومي احترافي واحد، يعمل على حماية الوطن ومواطنيه. وهذه من المهام التي يجب التوافق عليها للخروج من الحرب والدخول في فترة انتقال مدني، لذلك هناك ضرورة لصوت مدني واضح في إصلاح المؤسسات، بما فيها القوات النظامية».

وعدّ المهدي أن استمرار الحرب «لن يحقق نتيجة إيجابية لأي من طرفيها، ناهيك بالبلاد»، وقال: «حتى لو دارت الحرب خارج المدن لتدخل المدنيون لوقفها، لأنها تستنزف أرواح أبناء السودان، وتستهلك إمكانات البلاد، وتهدد مجتمعها بالانقسام».

تحذير من حرب أهلية

وحذر المهدي من اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى حرب أهلية، بقوله: «أصبح كل طرف يستنصر بمكونات اجتماعية موالية له، وهذا التوجه قد يقود البلاد للانزلاق إلى حرب أهلية تهدد بتقسيمها». وتابع: «لذلك يجب أن تقف، وأن يعلو الصوت المدني في التعبير عن ضرورة إيقافها، وهذا ما نعمل عليه الآن، من خلال توحيد هذا الصوت المدني».

وبمواجهة الانقسام الواضح بين المدنيين، أكد المهدي أن توحيد الصف المدني قطع شوطاً مهماً، موضحاً أن «هناك تياراً يرى أن إنهاء الاضطراب في البلاد والتباين العسكري يكمن في العمل المسلح فقط، لكن هذا التيار انحسر بشكل كبير، وعلا صوت الدعوة لإيقاف الحرب».

ويتمسك المهدي بأهمية توحيد الصف المدني من أجل مخاطبة العسكريين بضرورة «تجنيب البلاد حرباً أهلية تهدد بتقسيمها إذا أعلن كل طرف حكومة موالية له في مناطق سيطرته». ورأى أن «وقف الحرب يعني وقف الدمار والموت، وهو يفتح الباب لمساعدة الناس ووقف معاناتهم القاسية ومعالجة التباينات المدنية والعسكرية سلمياً، وتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين، وإطلاق عملية سياسية تنقل البلاد إلى اتفاق شامل يزيل كل أسباب الحروب، ويعالج جذور الأزمة ليجعل من الحرب الحالية آخر الحروب».

جهود لتشكيل جبهة مدنية

وأرجع المهدي تأخر التوافق المدني إلى أسباب موضوعية وذاتية، قائلاً: «استغرق توافق وتوحيد القوى المدنية زمناً طويلاً، لظروف موضوعية وذاتية، تتمثل في صعوبة التواصل بين المدنيين ووجود مجموعات كبيرة داخل البلاد». وفي إشارة إلى اجتماع «الكتلة الديمقراطية» التي أيدت انقلاب أكتوبر في مدينة أسمرا الإريترية، قال المهدي: «خرجوا بإعلان لا يخاطب قضية إيقاف الحرب بشكل فعال، وتبنوا موقفاً يعد إعادة إنتاج لموقفهم السابق، دون اتعاظ بتجربة الحرب، ودعوا لشراكة مع العسكريين وتكوين مجلس سيادة من 9 أشخاص بقيادة عسكرية ومشاركة مدنية، وهذه رؤيتهم قبل الحرب». واستطرد: «هذه رؤية مدنية، رغم تبايننا معها، فإننا نحترم توجهها ورأيها».

وكشف المهدي عن العمل على بلورة جبهة مدنية عريضة، تعد امتداداً للجبهة المدنية التي أعلن عنها في 27 أبريل (نيسان) الماضي، بمبادرة من «لجان مقاومة الحاج يوسف»، وقال إنها «جبهة تضم لجان مقاومة وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني وقوى نقابية ومهنيين وشخصيات وطنية مستقلة، وعقدت تنسيقيتها في أديس أبابا اجتماعاً يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول) الماضي». وأضاف أن المجموعات المدنية «اتفقت على تكوين لجنة اتصال للتواصل مع المكونات المدنية والحركات المسلحة غير المنضوية في إعلان أبريل، وتجديد الاتصالات مع المكونات التي استبطأت عمل الجبهة وكونت مبادرات أخرى».

وبدا المهدي متفائلاً «باتفاق الأطراف المدنية على تكوين جبهة عريضة وموسعة»، وقال: «أستطيع القول إن هناك بشائر بتحقيق توافق مدني عريض، وإننا مقبلون على جبهة مدنية عريضة بالفعل، تتكون من أنصار وقف الحرب، وتتوافق على رؤية واضحة لتقديم المساعدات للمواطنين، وتؤسس لانتقال يعلي الصوت المدني ويعير عنه بشكل واضح وبين وجلي». وتابع: «سيرى الناس هذه الجبهة ويقيمون موضوعياً أعمالها».


مقالات ذات صلة

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

شمال افريقيا سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سجّلت عودة السودانيين النازحين من مصر إلى بلادهم زخماً متزايداً مؤخراً مع استئناف رحلات العودة المجانية واتساع قوائم الانتظار وفق مبادرة شعبية مهتمة بالملف.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

«الشرق الأوسط» (مروي (السودان))
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

مصر: الاستجابة السريعة لبلاغات التحرش تعزّز ثقة الفتيات في البوح

حملة «خريطة التحرش» لعبت دوراً في توعية الفتيات (الموقع الرسمي للحملة)
حملة «خريطة التحرش» لعبت دوراً في توعية الفتيات (الموقع الرسمي للحملة)
TT

مصر: الاستجابة السريعة لبلاغات التحرش تعزّز ثقة الفتيات في البوح

حملة «خريطة التحرش» لعبت دوراً في توعية الفتيات (الموقع الرسمي للحملة)
حملة «خريطة التحرش» لعبت دوراً في توعية الفتيات (الموقع الرسمي للحملة)

لقيت شكاوى فتيات قررن في الآونة الأخيرة «كسر حاجز الصمت» والحديث عن تعرضهن للتحرش استجابة سريعة من السلطات المصرية المعنية، في خطوة من شأنها أن تشجع كثيرات على «البوح عن المسكوت عنه».

وفي الواقعة الأحدث، قررت النيابة العامة، الخميس، حبس حقوقي نسبت إليه اتهامات بـ«هتك عرض» أربع فتيات على ذمة التحقيقات لمدة 15 يوماً.

وكانت النيابة قد باشرت تحقيقاتها في الاتهامات المنسوبة إلى الحقوقي، وهو أيضاً مؤسس جهة للدعم النفسي وكاتب وصانع محتوى، في ضوء ما رصده مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين من تداول منشورات تتضمن تلك الاتهامات، وذلك بعد أن ضجت مواقع التواصل الاجتماعي قبل نحو شهرين بسيل من الشهادات المتتالية لفتيات اتهمنه بالتجاوز والاستغلال.

واستمعت النيابة إلى أقوال المبلغين والمجني عليهن، حيث شهدت ثلاث فتيات بتعرضهن لـ«هتك العرض» خلال الفترة من عام 2022 حتى 2025، في أماكن من بينها مقر مؤسسته غير المرخص، فيما أفادت فتاة رابعة بتعرضها لواقعة مماثلة في عام 2017.

ولم تكن هذه الحالة الوحيدة التي تحركت فيها جهات التحقيق سريعاً في الآونة الأخيرة؛ ففي فبراير (شباط) الماضي نشرت فتاة مقطعاً مصوراً داخل حافلة ركاب لشاب اتهمته بمضايقتها، وسرعان ما تحركت الجهات القضائية، لكنها برأت الشاب بعد عدم ثبوت التهمة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبعد شهر تقريباً من بلاغات تقدم بها أولياء أمور تلاميذ، قضت المحكمة بإحالة أوراق عامل بمدرسة دولية في محافظة الإسكندرية إلى مفتي الديار المصرية لإبداء الرأي الشرعي في إعدامه بعد اتهامه بـ«هتك العرض المقترن بالخطف» بحق أربعة أطفال.

هذه التحركات القضائية تزامنت مع نشاط ملحوظ على مستوى الحملات والمبادرات الحقوقية والأهلية التي تشجع على البوح وفضح المتحرشين؛ من أبرزها حملات «أنا أيضاً» و«لا للتحرش» و«حمايتهم واجبنا» و«خريطة التحرش».

حملة توعية ضد التحرش بالأطفال (المجلس القومي للطفولة والأمومة)

أهمية التوعية

وأشادت الباحثة في حقوق المرأة، ندى أمير عبد الله، بسرعة الاستجابة لبلاغات التحرش قائلة إن هذا يساهم في توعية الفتيات بأهمية البوح عن الحوادث التي يتعرضن لها، منوّهة بالتشريعات التي تشدد عقوبات التحرش، وبتزايد فضح المتحرشين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تحركات الجهات الأمنية والقضائية، وتدشين وحدات في أقسام الشرطة للإبلاغ عن حوادث التحرش، ساهما في تشجيع الفتيات على تصوير المتهمين وإثبات ما يتعرضن له من مضايقات، ومنحهن قدراً من الاطمئنان بحصولهن على حقوقهن، بعد أن تأثرن أيضاً بحملات الدعم العديدة التي دشنتها منظمات حقوقية ونسوية خلال السنوات الأخيرة».

وتشير إحصائية «للمركز المصري لحقوق المرأة» إلى أن 82 في المائة من النساء تعرضن للتحرش، وتتنوع الأشكال بين اللفظي والجسدي، بما في ذلك التحرش الجماعي.

وينص «قانون العقوبات» على أن «يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز 4 سنوات، وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه (1862 دولاراً تقريباً) ولا تزيد على 200 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو أتى أموراً أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو الفعل بأي وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أي وسيلة تقنية أخرى».

حملات التوعية بالتحرش ساهمت في تعزيز وعي الفتيات (حملة خريطة التحرش)

الأثر النفسي

وتشير أستاذة الصحة النفسية بجامعة بني سويف، رشا الجندي، إلى أن سرعة تحرك الأجهزة الأمنية وصدور أحكام رادعة عاملان مؤثران في نفسية الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش، ويسهمان في تشجيعهن على الكشف عما تعرضن له، مما يدعم «عملية التعافي» اللازمة.

وأضافت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن وعي الفتيات تزايد بفضل تركيز وسائل الإعلام، بما فيها منصات التواصل الاجتماعي، على وقائع التحرش، وكذلك مناقشة الدراما لتلك القضايا. لكنها أشارت أيضاً إلى أن هناك «نظرة دونية» من جانب فئات مجتمعية تجاه الفتيات اللاتي تشجعن للبوح عن تجاربهن، وأن هذا أمر بحاجة إلى مزيد من التوعية المجتمعية.

ويمنح قانون العقوبات المصري النيابة العامة سلطة حجب بيانات المجني عليه في جرائم التحرش وهتك العرض وإفساد الأخلاق. ومن يخالف تعليمات النيابة بنشر أو تداول معلومات عن الضحايا يُعرض نفسه للملاحقة الجنائية بعقوبات تصل إلى الحبس مدة تصل لستة أشهر وبغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه.

وفي واقعة الفتيات الأربع الأخيرة، حظرت النيابة العامة في بيان لها، الأربعاء، نشر أو تداول أي بيانات أو معلومات من شأنها كشف هوية المجني عليهن أو الشهود، مؤكدة اتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من يخالف ذلك.


خلافات «العام الانتقالي» في الصومال... اختبار سياسي و3 سيناريوهات

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

خلافات «العام الانتقالي» في الصومال... اختبار سياسي و3 سيناريوهات

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)

يستلزم الدستور الصومالي المعدل حديثاً «عاماً انتقالياً»، يترتب عليه تمديد فترتي مؤسستي الرئاسة والبرلمان سنة أخرى؛ لكن المعارضة لا تكف عن التهديد والإنذار بأنها لن تسمح بتجاوز المواعيد السابقة المقررة لانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في مايو (أيار) 2026.

وجاء أحدث تلك الإنذارات على لسان رئيس بونتلاند، سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، مما يضع الصومال أمام اختبار سياسي وثلاثة سيناريوهات، بحسب خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط».

وحذر رئيس بونتلاند، مساء الأربعاء، من أن الخلافات السياسية قد تهدد وجود الدولة إذا لم يتم التوصل إلى حل شامل قبل نهاية ولاية الرئيس في 15 مايو. وأضاف: «إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي يقبله جميع الصوماليين، فلن تكون هناك حكومة فيدرالية لإدارة البلاد»، بحسب ما نقله الموقع الإخباري «الصومال الجديد».

وتعارض ولايتا جوبالاند وبونتلاند وقيادات معارضة بارزة التعديلات الدستورية، قائلة إنها لم تتم بطريقة قانونية، وأعلنت مقاطعتها الدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي في مارس (آذار) الماضي، وسط خلافات جذرية مع الحكومة تشمل أيضاً رفض الانتخابات المباشرة.

وأكد رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن «تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع (التي يفترض أن تنتهي قبل منتصف مايو)».

وعقب إقرار التعديل الدستوري، قال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان، إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026، فيما تنتهي ولاية الرئيس في 15 مايو من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

اختبار سياسي

ويقول المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، إن الانقسام بين المعارضة والموالاة يتصاعد حول شرعية استمرار الرئيس في منصبه، لافتاً إلى أنه في الوقت الذي تلوّح فيه قوى معارضة بعدم الاعتراف بالرئيس بعد هذا التاريخ، يستند أنصار السلطة إلى مبرر «العام الانتقالي»، عقب إقرار التعديل الدستوري، ما يضع البلاد أمام اختبار سياسي قد يكون الأخطر منذ سنوات.

وأوضح أن التصريحات بعدم الاعتراف بالرئيس بعد 15 مايو تمثل تصعيداً سياسياً واضحاً، لكنها في الوقت ذاته تحمل طابع الضغط التفاوضي، مضيفاً أن الصومال «يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث قد يتحول العام الانتقالي من فرصة لإعادة بناء الدولة إلى عامل تفجير لأزمة سياسية معقدة».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وقال المحلل السياسي الصومالي، حسن نور، إن المعارضة في الصومال «تلوح بتهديداتها بين يوم وآخر، لكن كما يرى أغلب الشعب، فإن الرئيس حسن شيخ محمود وحكومته برئاسة رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، يسيرون على النهج الصحيح نحو قيام دولة دستورية انتخابية، يكون فيها للشعب الحق الكامل في الاختيار، بحيث يستطيع الشاب أو الفتاة ممن بلغوا سن الثامنة عشرة، أن يختار رئيسه القادم».

وأضاف: «أغلب فئات الشعب يرغبون في استمرار الرئيس حسن شيخ محمود لسنة إضافية، لتتم بعدها الانتخابات». وتابع: «وفيما يتعلق بملف الانتخابات، فإنها تدور حالياً على مستوى المحليات، وستليها انتخابات البرلمان، ثم انتخاب عمدة مقديشو، وصولاً إلى انتخاب الرئيس في العام المقبل».

وكان الرئيس الصومالي قد التقى شيوخاً وزعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مؤكداً أنه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، ودعاهم إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة «لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف».

معادلة جديدة

وبحسب كلني، فإن المعارضة تسعى إلى فرض معادلة جديدة تضمن مشاركتها في تحديد مسار المرحلة المقبلة، سواء عبر انتخابات توافقية أو ترتيبات انتقالية مشتركة.

وأضاف: «المجتمع الدولي الذي لعب دوراً محورياً في إدارة الأزمات السياسية في الصومال، لن يسمح بانزلاق الوضع نحو انهيار شامل، وسيسعى لمبادرات وساطة وحوار».

ويرجح كلني ثلاثة سيناريوهات للمشهد: «الأول التهدئة والتسوية عبر التوصل لاتفاق سياسي محدد بإطار زمني محدد للمرحلة الانتقالية، والثاني الجمود السياسي الذي يغذيه تمسك الأطراف بمواقفها ومن شأنه أن يقود لشلل سياسي طويل وصولاً لسيناريو التصعيد والانقسام، مما سيؤدي لعدم استقرار أمني ويقود للسيناريو الثالث وهو الانفجار السياسي الذي يعد الأسوأ»، وفق قوله.

أما المحلل السياسي نور فيرى أن في هذه الأزمة السياسية «نهجاً سليماً»؛ إذ يطرح كل طرف فكرته ويقدم رأيه. وهو لا يعتقد أن المعارضة السياسية ستقوم بالتصعيد أو ترفع السلاح في وجه الدولة، وهذا ما أكده الرئيس السابق شريف شيخ أحمد. وأشار أيضاً إلى أن المجتمع الدولي سيدعم مسار الحوار.


ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
TT

ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)

أنهى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، زيارة أجراها مساء الأربعاء إلى منطقة بئر الأشهب، التي تعتبر معقل قبيلة المنفة التي ينتمي إليها «شيخ المجاهدين» عمر المختار، معلناً ضمّها إلى «أولويات برامج الإعمار والتنمية».

 

صدام حفتر خلال زيارة مسقط رأس المناضل عمر المختار في بئر الأشهب (القيادة العامة)

وقبل أن يغادر صدام بئر الأشهب أهداه مشايخ وأعيان المنطقة «بندقية المجاهدين»، التي تعود إلى فترة «الجهاد الوطني» ضد الاحتلال الإيطالي، وذلك «تقديراً لدور صدام ومواقفه الوطنية، وجهوده في دعم الاستقرار في مدن ومناطق ليبيا كافة». فما هي قصة هذه البندقية؟

يرجع تاريخ هذه البندقية، بحسب مشايخ بئر الأشهب، إلى المحاربين القدامى من رفاق المختار، الذين استخدموها خلال المعارك ضد المحتل الإيطالي في الفترة الممتدة ما بين 1911 و1931. وتحتفظ بعض المراكز الليبية - مثل «مركز السلام» في بنغازي - وعدد من الأعيان بنوعيات من هذه البنادق، باعتبارها موروثاً يرمز للشرف والمقاومة، ويهدونها كرمز لـ«التقدير الوطني».

 

المقاوم عمر المختار (الشرق الأوسط)

ويحتفظ «مركز السلام» ببندقية شهيرة لـ«المجاهد الليبي» الراحل، حسين الجويفي، الذي رافق المختار في نضاله ضد الإيطاليين. والجويفي ينتمي إلى منطقة الجبل الأخضر، وهو من قبيلة البراعصة، وينقل المؤرخون الليبيون أن المختار تأثر لاستشهاده، فوقف عند قبره في منطقة خلاء، وقال: «شهير لَسَم وَافِ الدين... تمَّا غفير في فاهق خلا».

وتتنوع «بنادق المجاهدين» التي لا تزال تحتفظ بها ليبيا بين نوعيات عديدة. وكان محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، قد ظهر خلال زيارة سابقة لبئر الأشهب في مايو (أيار) 2021 وهو يمسك بالبندقية التي حارب بها المختار قوات الاحتلال الإيطالي.

 

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» (القيادة العامة)

والمختار، الذي يعد أيقونة لليبيين، حارب الإيطاليين لأكثر من عشرين عاماً، وأُعدم في 16 سبتمبر (أيلول) عام 1931.

وبرنامج «الإعمار والتنمية»، بحسب القيادة العامة، يتضمن «إطلاق حزمة متكاملة من المشروعات الخدمية، تشمل تطوير البنية التحتية من طرق وشبكات مياه وكهرباء، وتعزيز القطاع الصحي بمرافق حديثة، إلى جانب الارتقاء بالمؤسسات التعليمية، ودعم المشاريع التنموية، التي تسهم في تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل».

في شأن مختلف، قالت رئاسة الأركان العامة إن الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، تابع التمرينات التعبوية والتدريبات، التي ينفذها منتسبو الجيش الموجودون في الأردن، وذلك بحضور مدير التدريب العسكري بالقوات المسلحة الأردنية، العميد محمد بدر المقدادي.

وشملت التدريبات، بحسب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، برامج متقدمة في مجالات العمليات الخاصة، إضافة إلى تنفيذ مناورة تدريبية، تضمنت اقتحام المباني، وتمرين ميدان الجبال.

وتأتي هذه الزيارات الميدانية في إطار تنفيذ خطة متكاملة لرفع مستوى أفراد القوات المسلحة الليبية، والتي أعدّتها رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة.