«منتدى أصيلة»: دعوات لإعادة قراءة علاقات أفريقيا مع العالم

مشاركون قالوا إن القارة السمراء مطالبة بثورة ثقافية وسياسية حقيقية لمراجعة تاريخها

مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول» (الشرق الأوسط)
مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول» (الشرق الأوسط)
TT

«منتدى أصيلة»: دعوات لإعادة قراءة علاقات أفريقيا مع العالم

مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول» (الشرق الأوسط)
مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول» (الشرق الأوسط)

قال خبراء ودبلوماسيون وسياسيون، مشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة «منتدى أصيلة» الـ44 الثانية حول موضوع «أفريقيا والغرب: الموروث والمأمول»، إن أفريقيا مطالبة بثورة ثقافية وسياسية حقيقية لمراجعة تاريخها، وإعادة تركيب مكونات التفكير في إشكالياتها الكبرى، وإعادة قراءة علاقاتها مع العالم، خصوصاً مع الغرب، عادّين أنها مطالبة، في الوقت نفسه بإقامة علاقات تعاون مع الغرب؛ لأن الجغرافيا والتاريخ والتحديات المشتركة تحتم عليها ذلك.

وانطلقت الندوة، التي نسقها أليون صال، الخبير الدبلوماسي السنغالي والمدير التنفيذي لمعهد المستقبل الأفريقي في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا، من أرضية ترى أنه لم يعد بالإمكان الحديث عن العلاقات الأفريقية -الغربية دون مراعاة التحولات الكبرى، التي عرفتها المنطقتان، وما يترتب على هذه التحولات من خيارات ورؤى استراتيجية جديدة، موضحاً أنه لا بد من الإقرار بأن تركيبة العالم الغربي تغيرت نوعياً في مرحلة تشهد تعطل المشروع الاندماجي الأوروبي، وعودة الحرب إلى القارة، وانعكاس الأزمات الاقتصادية والمالية والمناخية والطاقية على البلدان الأوروبية. كما أن الولايات المتحدة تعرف تحولات مماثلة، تظهر بوضوح على طبيعة المسار السياسي والانتخابي، ومحددات الحراك الاجتماعي، في الوقت الذي شهدت فيه أفريقيا تحولات نوعية كبرى، إذ لم تعد طرفاً هامشياً تابعاً للغرب، بل أصبحت تتلمس حالياً طرق التنمية المستقلة والاستقرار السياسي والبناء الإقليمي، بما يقتضي منها الإحجام عن استنساخ النموذج الغريب في الحكم والتنمية، ومن ثم العمل على بناء شراكة بديلة مع الغرب.

وقال محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة «منتدى أصيلة»، ووزير خارجية المغرب الأسبق، في كلمة افتتاح الندوة (مساء أمس) إن الغرب، بحكم الجوار والماضي الاستعماري وكل الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية مع غالبية الدول الأفريقية، حاضر في كل الدراسات والمناقشات. ورأى أن مرجع أغلبية المخاضات التي تعيشها أغلبية دول القارة السمراء هي مسألة الماضي وتقييم المستقبل، انطلاقاً من الهيمنة التي تمارسها دول غربية على أغلبية دول أفريقيا. وشدد على أن أفريقيا «تتطلع إلى التخلص من سيطرة ووصاية الغرب عليها، ونحن نعيش اليوم على رؤى جديدة لأفريقيا والغرب، ونشاهد توجهات سياسية تمس باستقرار القارة وشعوبها، وتنذر بتصدعات كبيرة في الحكم والثروات، حيث تتعرض القارة الأفريقية لسباق بين قوى الشرق والغرب، في ظل حركات إرهابية تهدد سيادة الدول واستقلالها، وتشجع التوجهات الانفصالية، هنا وهناك». ودعا بن عيسى، في هذا السياق، إلى علاقات جديدة مع الآخر، تحترم كرامة الإنسان الأفريقي وتطلعاته وقيمه وثقافته.

محمد بن عيسى الأمين العام لمؤسسة «منتدى أصيلة» خلال إلقاء كلمته (الشرق الأوسط)

من جهته، انطلق أليون صال، في مداخلته من عنوان الندوة، من خلال عملية تفكيكية، ركزت على «أفريقيا والغرب». وقال إن «أفريقيا قارة، بينما الغرب مفهوم بحمولة مختلفة على المستويَين الثقافي والجغرافي، إذ يرتبط في الفهم العام بجملة من العناوين والمحددات، حيث يتم ربطه بالمسيحية والليبرالية، وبنموذج اقتصادي، يقوم على التكنولوجيا، وما تستدعيه من أدوار على مستوى العولمة. أما على المستوى الأمني، فيتم ربط الغرب بحلف شمال الأطلسي».

جانب من الحضور (الشرق الأوسط)

بدوره، تحدث الشيخ تيديان غاديو، نائب رئيس الجمعية الوطنية السنغالية ورئيس المعهد الأفريقي للاستراتيجية والسلم والحكامة ووزير الخارجية سابقاً، عن الغرب الذي فقد السيطرة على المستقبل. وقال إن أفريقيا عانت في السابق، مشيراً إلى «الدور الذي لعبه الاستعمار على مستوى بلقنة القارة الأفريقية». وقال إنه «لا شيء تغير في أفريقيا بعد أكثر من 7 عقود على نيل استقلالها. لا شيء، لا على مستوى الصحة أو التعليم أو البنى التحية، وغيرها»، داعياً إلى تشجيع الشباب ومنحهم فرص النجاح، بتكوينهم ووضعهم في خضم التحولات التكنولوجية الجارية. ورأى أن أخطر ما في الأمر بالنسبة للقارة الأفريقية يبقى عدم حل إشكالية الحوكمة، مشيراً إلى أن غرب أفريقيا شهد 7 انقلابات في السنوات الأخيرة، مع تشديده على أن القارة الأفريقية ضحية عنف إرهابي، يؤثر في المسألة الأمنية التي هي أساس التنمية.

جانب من المشاركين في الندوة (الشرق الأوسط)

من جهتها، تناولت المالية راكي تالا ديارا، نائب رئيس المجلس الانتقالي ووزيرة العمل والوظيفة العمومية وإصلاح الإدارة والعلاقات مع المؤسسات سابقاً، «ثنائية أفريقيا والغرب»، مشيرة إلى أن هذا الأخير يرتبط بصنافة مفاهيم مرافقة، من قبيل الديمقراطية والرأسمالية والليبرالية. وتحدثت عن عدد من الأحداث التي جاءت أخيراً لتؤثر سلباً فيما هو اقتصادي واستراتيجي، على مستوى العالم، من قبيل «كوفيد-19» وحرب أوكرانيا. ودعت ديارا الأفارقة إلى الثقة في الذات، وتطوير التعاون جنوب - جنوب؛ لمواجهة التحديات الجديدة. ورأت أن الغرب منظم وله استراتيجيات واضحة، بينما يحدث العكس في أفريقيا.

من جانبه، رأى خطار أبو دياب، المحلل السياسي، أن «أفريقيا، للأسف ضحية للتنافس الدولي وللتحولات التي يشهدها العالم». وأوضح أن لكل مآربه ومراميه من وراء علاقاته مع أفريقيا، سواء من الشرق أو من الغرب، مشيراً إلى التنافس الذي صار بين «البريكس» و«مجموعة العشرين» على أفريقيا. ورأى أن كل هذا يعني أن أفريقيا تتطور. لكنه تساءل في هذا السياق عن الكيفية التي يمكن أن تكون بها أفريقيا للأفارقة. ورأى أن للغرب مسؤولية كبيرة فيما عاشته وتعيشه أفريقيا. غير أنه شدد على أن أفريقيا مطالبة هي الأخرى بالنظر إلى وجهها في المرآة، وتحديد استراتيجية جديدة للتعامل مع التحديات والمستجدات.

في السياق ذاته، طرح إدريس الكراوي، رئيس الجامعة المفتوحة بالداخلة المغربية، في مستهل مداخلته، 3 أسئلة حول العلاقة بين أفريقيا والغرب، حول ماهية حالة أفريقيا وحالة الغرب في ظل العالم الجديد، وكيف أنه يتعين على أفريقيا القرن الـ21 أن تتعامل مع الغرب ومع العالم الجديد، وما التحديات التي يتوجب التعاطي معها من طرف أفريقيا نحو مستقبل مشترك وممكن مع الغرب.

وقال الكراوي، إن ما يميز العالم الجديد يتمثل في التدهور والانخفاض والتقلص المتنامي لمكانة وأدوار وقوة الغرب داخل العالم الجديد، وهو شيء «مرده إلى كون النماذج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والقيمي، التي بنى عليها الغرب حضارته، بلغت مداها، وهذا ما جعله يفقد مكانته». ورأى الكراوي أن الانحسارَين الاقتصادي والمجتمعي والأزمة البنيوية للنموذج الغربي للديمقراطية كلها عناصر أدت إلى أن الغرب لم يعد اليوم مرجعاً، لا آيديولوجياً، ولا ثقافياً، ولا حضارياً.

وفي المقابل، تحدث الكراوي عن وعي متنامٍ لأفريقيا، في ظل العالم الجديد، شعوباً ونخباً سياسية واقتصادية وعلمية وثقافية ودينية، بالدور المستقبلي الرائد الذي يمكن أن تلعبه بوصفها قاطرة للاقتصاد العالمي، وقطباً قوياً وجديداً للنمو، ورافعةً بشرية لإنجاح التحديات المرتبطة بالانتقالات الجوهرية، بيئياً وطاقياً ورقمياً، وكذا بالمجالات الحيوية المرتبطة بالسيادة الغذائية والمائية والدوائية، وتلك المتعلقة بالتنوع البيولوجي، وتثمين الرأسمال غير المادي الذي تزخر به القارة السمراء كماً ونوعاً. ورأى الكراوي أن أفريقيا تتوفر اليوم على مميزات تنافسية واستراتيجية تؤهلها لأن تلعب مستقبلاً أدوراً طلائعية داخل العالم الجديد.

وخلص الكراوي إلى أنه على أفريقيا أن تكون واعية بأن الدخول في التحالف الجيواستراتيجي الجديد يتطلب توفير 3 شروط؛ أولها بناء جيل جديد من التنمية المتبادلة، ومواجهة التحالفات الجديدة، وتحقيق السلم والأمن من خلال 3 أولويات: في الساحل، وفي الشرق الأوسط ممثلاً في القضية الفلسطينية، وفي المغرب من خلال شرعنة دولية لمغربية الصحراء.



مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً خلال محادثات مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في القاهرة الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان والقرن الأفريقي ولبنان، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وقال المتحدث محمد الشناوي إن المحادثات «تناولت عدداً من القضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك بين مصر والولايات المتحدة، وعكست استمرار توافق الرؤى المصرية - الأميركية حول ضرورة خفض التصعيد وإيجاد حلول سياسية لمختلف الأزمات الإقليمية».

وأضاف أن مستشار ترمب أكد تقدير واشنطن للسياسة التي تنتهجها مصر وجهودها للسعي لتسوية الأزمات والنزاعات التي تشهدها المنطقة، مشيراً إلى أهمية مواصلة التنسيق والتشاور بينها وبين الولايات المتحدة في هذا الصدد.

وبشأن الأوضاع في السودان، اتفق السيسي وبولس على «ضرورة بذل كل الجهود والمساعي اللازمة لإنهاء الحرب ووقف المعاناة الإنسانية للشعب السوداني». ورحب الرئيس المصري بتعهد المجتمع الدولي، خلال مؤتمر برلين الذي عقد الأسبوع الماضي، بمبلغ مليار ونصف المليار يورو للاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان.

وجدد الرئيس المصري تأكيد «رؤية القاهرة للأزمة السودانية، القائمة على ضرورة ضمان سيادة ووحدة السودان، ورفض التدخلات الخارجية ومحاولات النيل من أمنه واستقراره أو إحداث فراغ سياسي به».

من جانبه، أعرب مستشار ترمب عن تقديره للدور المصري، اتصالاً بالأزمة السودانية، مشيداً بمواقف القاهرة الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار في السودان، ومؤكداً حرص الولايات المتحدة على التنسيق الوثيق مع مصر ودول «الرباعية» في هذا الإطار، وفق متحدث الرئاسة المصرية.

وتناولت المحادثات الوضع في لبنان، حيث أثنى السيسي على المجهود الذي بذله نظيره الأميركي للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

وفيما يتعلق بمنطقة القرن الأفريقي، أبرز السيسي رفض مصر القاطع لأي إجراءات من شأنها تهديد الأمن والاستقرار بدول المنطقة. كما أعرب عن ترحيبه باتفاق الحكومة الكونغولية وحركة «23 مارس» على توسيع الآلية الإقليمية المشتركة المعززة لرصد وقف إطلاق النار الموقع أخيراً، مؤكداً دعم مصر للجهود الأميركية في هذا الصدد.

وتطرقت المحادثات إلى ملف نهر النيل، وشدد السيسي على أن «أمن مصر المائي قضية وجودية وأولوية قصوى»، مؤكداً أن «مصر لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية».

وتقول مصر إن نصيب الفرد من المياه «يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة». وأكد وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، الشهر الماضي، أن بلاده تُعد من أكثر دول العالم جفافاً، وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يمثل نحو 98 في المائة من مواردها المائية المتجددة.

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظِّم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي مبعوث ترمب في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

وتعقيباً على هذا الأمر، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم حديث ترمب عن سعيه لحل أزمة السد الإثيوبي، لم نرَ حتى الآن تحركاً أميركياً إيجابياً لتسوية الأزمة»، مشيراً إلى أن «الخلاف قانوني، حيث تسعى القاهرة إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد».

وأضاف: «نحن في انتظار تحرك أميركي للوساطة بين مصر وإثيوبيا وترجمة النوايا الحسنة إلى اتفاق على أرض الواقع».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية، وهو ما رحّبت به القاهرة والخرطوم.

وأشار هريدي إلى أن زيارة بولس ومحادثاته في القاهرة تستهدف في المقام الأول «دفع جهود (الرباعية الدولية) بشأن حل الأزمة في السودان التي تزداد خطورة كلما طال أمدها، مما يهدد بامتداد تداعياتها إلى الدول المجاورة».

وفي إطار جهود خفض التصعيد في المنطقة، أعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن «التطلع لعقد الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، بما يسهم في التوصل إلى تفاهمات تؤدى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وأكد عبد العاطي خلال لقائه، الاثنين، في القاهرة مع المبعوث الشخصي للسكرتير العام للأمم المتحدة للشرق الأوسط، جان أرنو، أن «التفاوض والحوار هما السبيل الوحيد لتسوية النزاع القائم»، حسب إفادة رسمية لمتحدث وزارة الخارجية المصرية، تميم خلاف.


أطراف الأزمة الليبية ينقسمون بشأن تحركات البعثة الأممية

صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)
صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)
TT

أطراف الأزمة الليبية ينقسمون بشأن تحركات البعثة الأممية

صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)
صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)

انفجر مجدداً الخلاف العميق بين الأطراف الليبية بشأن دور بعثة الأمم المتحدة لدى البلاد، حيث شن «المجلس الرئاسي» و«المجلس الأعلى للدولة» هجوماً مشتركاً عنيفاً على البعثة، واتهموها بـ«التطاول على السيادة الليبية، ومحاولة فرض شخصيات مشبوهة، وتسريب حوارات مصغرة غير متوازنة»، بينما أشاد المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني»، بدورها في دعم مساري الحوار السياسي وتوحيد الميزانية.

وقاد «المجلس الأعلى للدولة» برئاسة محمد تكالة، هجوماً لاذعاً على البعثة وأطراف دولية، لم يحددها، واتّهمها بمحاولة «تجاوز المؤسسات الشرعية، وفرض شخصيات مشبوهة»، في خطوة يرى محللون أنها تعكس تصدعاً جديداً في العملية السياسية الهشة بالبلاد.

وأعرب المجلس في بيان، عن «قلقه البالغ» إزاء «حالة الاستعصاء السياسي»، محذراً من محاولات الالتفاف على الأطر القانونية، عبر دعم «كيانات عائلية ومجموعات جهوية».

كما اتهم «المجلس الأعلى» البعثة الأممية، بـ«انتقاء» أعضاء من المؤسسات التشريعية والتنفيذية بشكل فردي، وهو ما عدّه «تطاولاً وتجاوزاً» لمؤسسات الدولة السيادية، وقال إن «العائق الحقيقي أمام الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، يتمثل في محاولات بعض الأطراف الدولية والبعثة الأممية، فرض شخصيات وصياغات تهدف للسيطرة على السلطة وموارد الدولة».

وجدد المجلس دعوته المجتمع الدولي، إلى ضرورة التركيز على «الاستحقاق الدستوري بدلاً من منح الغطاء لشخصيات تحوم حولها شبهات فساد مثبتة في تقارير أممية»، مؤكداً أن استقرار ليبيا وسيادتها «خط أحمر».

وجاء البيان بعد ساعات فقط من مطالبة «المجلس الرئاسي» برئاسة محمد المنفي، البعثة الأممية، بسرعة تقديم توضيح رسمي بشأن ما تم تداوله، بشأن ترتيبات لعقد «حوار مصغر» برعايتها، معرباً عن استغرابه من «طرح مثل هذه الترتيبات بصورة غير رسمية، وبصيغة غير متوازنة، وتسريبها للإعلام دون أي توضيح رسمي، لما لذلك من أثر في خلق لبس لدى الرأي العام وإرباك للمشهد».

واعتبر المجلس الرئاسي أن «مثل هذه الأساليب لا تساعد في بناء الثقة، ولا تخدم الجهود الرامية إلى جمع الليبيين»، محذراً من أنها «قد تدفع بالأوضاع نحو مسارات غير محسوبة، ولا تحمد عقباها».

صورة وزعتها البعثة الأممية لأعضاء المسار الأمني فى «الحوار المهيكل» - 19 أبريل

وتجاهلت البعثة الأممية التعليق على هذين البيانين، لكنها دعت في المقابل، منظمات المجتمع المدني والقيادات المحلية، لتنظيم مشاورات عامة في مختلف المدن باستخدام دليل «الحوار المهيكل»، الذي يشمل 4 مسارات رئيسية؛ هي الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، بهدف جمع آراء الليبيين وتوصياتهم حول مستقبل البلاد.

وأكدت الممثلة الأممية هانا تيتيه، أن «الحوار ليس لفرض رؤية الأمم المتحدة؛ بل لتمكين الليبيين من صياغة رؤية وطنية موحدة تقود إلى مؤسسات فعالة وانتخابات واستقرار دائم».

ستيفاني خوري (أ.ف.ب)

في المقابل، استغل القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، اجتماعه مساء الأحد في بنغازي، مع ستيفاني خوري نائبة تيتيه للشؤون السياسية، للإشادة بدور البعثة في دعم مسارات الحوار السياسي والجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

وأوضح أنهما ناقشا تطورات ومستجدات العملية السياسية والمساعي الرامية إلى توحيد المؤسسات، بما يسهم في تهيئة البلاد لإجراء الانتخابات العامة، وقال مكتبه إنها أطلعته على «التقدم» الذي أحرزته اللجان المتخصصة في الحوار المهيكل «الذي ترعاه البعثة، كما بحثا الخطوات الإيجابية التي أنجزت في ملف توحيد الميزانية العامة للدولة، من أجل تنفيذ الخطط التي من شأنها الارتقاء بمستوى الخدمات».

وفي شأن آخر، أكد حفتر في اجتماعه الاثنين، ببنغازي مع سفير روسيا، إيدار أغانين، حرصه على «تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية، والارتقاء بها في مختلف المجالات»، مشيراً إلى بحث سبل «مواجهة التحديات الأمنية الراهنة، وتعزيز التنسيق المشترك في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود».

اجتماع حفتر مع سفير روسيا لدى ليبيا - 20 أبريل (الجيش الوطني)

بدوره، أكد نجل ونائب حفتر، الفريق صدام، الأهمية القصوى لمواصلة العمل على رفع كفاءة منتسبي الأجهزة الأمنية وتعزيز جاهزيتهم القتالية والفنية، وشدد خلال افتتاحه المقر الجديد لمديرية أمن بنغازي الكبرى، الذي أعيد بناؤه إثر تعرضه للتدمير الكامل على يد الجماعات الإرهابية عام 2014، على أن «تعزيز المؤسسات الأمنية جزء لا يتجزأ من مرحلة تثبيت الاستقرار وإعادة بناء الدولة»، معتبراً ذلك «الركيزة الأساسية لضبط الأمن وتحقيق الاستقرار المستدام في مدينة بنغازي وضواحيها».

من جهتها، نفت منصة «تبيان» التابعة لحكومة «الوحدة»، صحة منشور متداول ينسب إلى عبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع، تشكيل وفد عسكري تمهيداً لزيارة المنطقة الشرقية، وأكدت أنه «مزور ولا أساس له من الصحة».


طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثاً عن المتفجرات

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثاً عن المتفجرات

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

في متنزه كان وجهة رائجة بين العائلات في الخرطوم، يبحث حسين إدريس عن الألغام باستخدام جهاز كشف المعادن مرتدياً معدات الحماية، بعدما حولت الحرب العاصمة السودانية إلى حقل ألغام تجاهد الحكومة لتطهيره.

ورغم أن خطوط المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» انتقلت من العاصمة إلى ولايات كردفان والنيل الأزرق جنوب البلاد، فقد خلفت أعوام الحرب أعداداً هائلة من الذخائر التي لم تنفجر في الخرطوم التي تحاول استعادة الحياة الطبيعية وسط بنية تحتية مدمرة وحقول ألغام متناثرة.

ويقول إدريس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بعدما قضى نهاره بحثاً عن الألغام المدفونة في الحديقة: «العمل صعب ولكننا والحمد لله ما زلنا على قيد الحياة، ونتمنى أن يعود المتنزه أحسن مما كان».

وتنتشر في أنحاء متنزه «المقرن للعائلات» لافتات حمراء تتوسطها رسومات جماجم تحت عبارة «خطر ألغام» لتحذير المدنيين من الاقتراب.

وبعد يوم طويل من العمل الشاق، وضع إدريس - الذي يعمل في إزالة الألغام منذ نحو عقدين - جهاز الكشف عن المعادن جانباً ورفع خوذته في مواجهة الشمس الحارقة التي أصبحت الآن في وسط السماء.

ويستمر العمل في تطهير الألغام منذ أغسطس (آب) الماضي بعد خمسة أشهر من سيطرة الجيش على الخرطوم في عملية عسكرية واسعة أخرجت «قوات الدعم السريع» من وسط البلاد.

وحتى منتصف 2025، كان يعتقد بالفعل أن حرب الشوارع التي شهدت تفجيرات بالقنابل والذخائر المدفعية والصواريخ التي استهدفت حتى المنازل والمستشفيات، خلّفت كثيراً من الذخائر التي لم تنفجر.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

ولكن في يوليو (تموز) حين تسبب جنديان في انفجار لغم عن طريق الخطأ اكتشفت السلطات أن الألغام قد زُرعت عمداً على مساحة تمتد 4,5 كيلومتر ما زاد من صعوبة المهمة الشاقة بالفعل.

وتقول السلطات إنها أزالت عشرات الآلاف من المتفجرات في أنحاء العاصمة، ويتولى المجلس النرويجي للاجئين بالتعاون مع منظمة محلية تطهير حديقة المقرن التي أزالوا منها حتى الآن 12,000 جسم متفجر.

غير أن ما أنجز حتى الآن لا يتجاوز جزءاً صغيراً من العمل المطلوب في الخرطوم، حسب السلطات، التي وجدت حقلين آخرين للألغام، وأعلنت عن مناطق واسعة غير آمنة للمدنيين.

وفي زيارة للموقع تحت إشراف السلطات شاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» صفين متعرجين من الأعمدة الخشبية المطلية باللون الأصفر التي تشير إلى الألغام التي أُزيلت.

وتقع حديقة المقرن على الواجهة الغربية وسط الخرطوم التي احتلتها «قوات الدعم السريع» بعد عملية خاطفة مع اندلاع المعارك في أبريل (نيسان) 2023، والتي سيطرت عليها حتى نجاح العملية العسكرية للجيش قبل عام.

ويقول المشرف على فريق إزالة الألغام جمعة إبراهيم لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «الهدف من الألغام هو منع القوات من الانتشار»، دون توضيح الجهة التي زرعت الألغام.

وكانت الاستراتيجية هي إبقاء المقاتلين في الشوارع ليكونوا تحت طائلة القناصة المنتشرين في البنايات العالية، وإذا حاولوا التفرق والاختباء بين الأشجار تقابلهم الألغام التي لم تُصمم للقتل، وإنما لتشويه الضحايا وإضعاف الروح المعنوية.

وحسب الفريق تم العثور على أول لغم في جزيرة بوسط الطريق لا يتجاوز عرضها متراً واحداً يرجح أنه وضع هناك لاستهداف أي جندي يحاول الاحتماء بالنخلة المزروعة بوسطها.

ولا تزال الشوارع مليئة بالشظايا والطلقات الفارغة والحفر حيثما سقطت قذائف المدفعية.

وأزال الفريق حتى الآن 164 جسماً خطراً بينها 19 لغماً بشرياً (وهي أجسام صغيرة تنفجر بمجرد اللمس) و7 ألغام آلية.

وحسب إبراهيم: «يمكن أن نقدر أن المنطقة أصبحت نظيفة تقريباً بنسبة 80 في المائة».

غير أن إزالة الألغام تبدو مهمة سهلة مقارنة بإعادة تأهيل وسط الخرطوم الذي تملؤه الشظايا والركام كأنه مشهد لنهاية العالم.

فقد شوهت المعارك أبرز مبانيها حتى بات يصعب التعرف عليها ،فيما امتلأت أخرى بآثار الرصاص والطلقات المدفعية التي لم ينفجر بعضها بعد.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

وفي أحد الشوارع، شاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» قذيفة دبابة ضخمة لم تنفجر يبدو عليها الصدأ ومحاطة بزجاج مهشم، فيما أكد ضابط الجيش المرافق لهم أنها قذيفة غير منفجرة ولا يمكن أن تُحدث أي ضرر.

ولكن خلف جدران المباني وجدت العائلات التي عادت مؤخراً قذائف داخل المنازل، والشهر الماضي تم العثور على قذيفة أمام روضة أطفال في منطقة بحري.

وعلى مدار العام الماضي قتل وأصيب العشرات مع الانفجار الخاطئ لقذائف غير منفجرة بحسب تقارير.

وقال ممثل دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام محمد صديق رشيد الشهر الماضي إن العائلات «تعود إلى بيئة شديدة الخطورة، وغالبا ما يكون ذلك دون إدراك للمخاطر».

وعاد أكثر من 1,8 مليون شخص إلى الخرطوم منذ أعلن الجيش سيطرته عليها في مارس (آذار) 2025، توجه معظمهم إلى مناطق أكثر أمناً بعيداً عن وسط المدينة.

ولا تزال أحياء بأكملها غارقة في الظلام مع انهيار البنية التحتية وانقطاع المياه والكهرباء.