ما فرص الوساطة المصرية للتهدئة في غزة؟

الرئيس المصري يتابع الأزمة في قطاع غزة من مركز إدارة الأزمات الاستراتيجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يتابع الأزمة في قطاع غزة من مركز إدارة الأزمات الاستراتيجي (الرئاسة المصرية)
TT

ما فرص الوساطة المصرية للتهدئة في غزة؟

الرئيس المصري يتابع الأزمة في قطاع غزة من مركز إدارة الأزمات الاستراتيجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يتابع الأزمة في قطاع غزة من مركز إدارة الأزمات الاستراتيجي (الرئاسة المصرية)

مع استمرار الاشتباكات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ودخول «حزب الله» اللبناني على خط النزاع المسلح بإطلاق صواريخ باتجاه القوات الإسرائيلية ورد الأخيرة بصواريخ مضادة، تتجه الأنظار إلى فرص مصر في الوساطة وتهدئة الأوضاع. فيما تتسارع التحركات المصرية الدبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي لتهدئة الأوضاع واحتواء تبعات الأزمة.

وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه منذ اللحظة الأولى لاندلاع الاشتباكات، بتكثيف اتصالات مصر مع جميع الأطراف ذات الصلة. وأضاف أن «مصر على اتصال مباشر مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وكذلك الأطراف الإقليمية والدولية منذ (السبت) وحتى الآن، سواء على مستوى الرئيس السيسي أو وزارة الخارجية والجهات المعنية».

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في محيط مبنى البنك الوطني المدمر في أعقاب الغارات الجوية الإسرائيلية الأحد (إ.ب.أ)

وأكد فهمي، حرص الدولة المصرية على حقن الدماء أولاً، مضيفاً: «مصر تسعى جاهدة على مدار اللحظة للدفع بمسار تحقيق التسوية الشاملة والعادلة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وفقاً لمرجعيات الشرعية الدولية وعلى نحو يضمن إرساء السلام والاستقرار في المنطقة».

وعلى مدار يومين، دخلت مصر على خط الأزمة، وأجرى الرئيس اتصالات مُكثفة مع أطراف إقليمية ودولية، جاء آخرها عبر اتصال هاتفي مع الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن، لمواصلة التشاور والتنسيق بين مصر والأردن سعياً لتهدئة الأوضاع، والتشديد على «وقف التصعيد والعنف وضبط النفس».

الرئيس السيسي في استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في العلمين أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

من جانبه، يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الموقف المصري ظهر سريعاً عقب ساعات من اندلاع الاشتباكات، بداية من خروج بيان رسمي وصفه بـ«المباشرة والقوة»، واستناداً إلى وجود خبرات متراكمة في جهود التهدئة، فضلاً عن أن مصر طرف مقبول من قبل الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.

وأشار فهمي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى «استمرار التنسيق العربي بين مصر والمملكة العربية السعودية والأردن»، مؤكداً على الدور المصري في مسار «تهدئة الأوضاع»، وهو الدور الذي سيظل مرهوناً بـ«توافر الإرادة السياسية والعسكرية لدى طرفي النزاع».

واعتبر فهمي أن دور مصر هذه المرة يختلف عن السابق، موضحاً: «سنرى ثمة تغييرات في المشهد، ستوسع دور القاهرة وتجعله أكثر حيوية في تفكيك الأزمة». ويردف: «النزاع الراهن تعقبه ملفات شائكة ومتشابكة بسبب حجم الضربة. بعد التهدئة على الأرض، سيواجه الطرفان أزمة أسرى ورهائن، كذلك حيثيات الاتفاق حول تثبيت الهدنة وضمانات ذلك وسط تشدد متوقع من قبل الجانبين».

ووسط هذا التشابك. يرى فهمي، أنه «لا أحد سوى مصر يستطيع فك هذا التعقيد، وتمهيد الطريق لتهدئة، ولكن بدعم عربي قد يتسع لأطراف أخرى مثل الجزائر التي أتوقع انضمامها للمساعي العربية لدرء تبعات الأزمة».

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في اجتماع الأمناء العامين للفصائل في العلمين 30 يوليو (إ.ب.أ)

وتؤدي مصر دوراً غالباً في احتواء أزمات الصراع المسلح بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، ونجحت في مرات عديدة آخرها في مدينة «العلمين» المصرية في يوليو الماضي بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في الوصول إلى اتفاقات «تهدئة» استمرت فعالة لفترات متباينة.

وكانت حركة «حماس» قد شنت هجمات على إسرائيل أطلقت عليها «طوفان الأقصى»، (السبت)، شملت إطلاق صواريخ، كما تسلل مسلحون إلى مستوطنات إسرائيلية وقاموا بأسر عدد من الإسرائيليين، ليرد الجانب الإسرائيلي بعملية أطلق عليها اسم «السيوف الحديدية»؛ ما أسفر عن خسائر لدى الطرفين.


مقالات ذات صلة

مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

المشرق العربي عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)

مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

قُتل عسكري فرنسي، وجُرح 3 آخرون، السبت، في جنوب لبنان، في هجوم استهدف قوات الـ«يونيفيل»، من قبل «حزب الله»، وفق ما أعلن الرئيس الفرنسي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

يشهد لبنان في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار حراكاً سياسياً ودبلوماسياً يتمحور حول تهيئة الأرضية اللازمة لإطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل جندي حفظ سلام في لبنان... و«حزب الله» ينفي مسؤوليته عن الهجوم

قالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، السبت، إن جندياً من ​قوات حفظ السلام قُتل وأصيب ثلاثة إثر تعرض دورية تابعة لها لإطلاق نار من أسلحة خفيفة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو «مصدوم» من منشور ترمب بشأن لبنان... وتل أبيب تطلب توضيحات

طلبت إسرائيل من البيت الأبيض تقديم توضيحات بشأن منشور للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال فيه إن إسرائيل «ممنوعة» من تنفيذ غارات جوية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره ستبقى على الزناد، بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

بولا أسطيح (بيروت)

الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)
لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)
لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)

كشفت سلسلة لقاءات عقدها رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في تركيا، السبت، عن تحرك دبلوماسي مكثف، بدا من منظور مراقبين «محاولة لإعادة تنشيط شبكة العلاقات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الليبي، في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي وتعثر مسار التسوية».

وتوزعت هذه اللقاءات على أطراف رئيسية فاعلة في الأزمة الليبية، أبرزها روسيا وتركيا، بما يعكس محاولة ليبية لإعادة التوازن في العلاقات الخارجية، وفتح قنوات تنسيق متوازية، تدعم فرص الاستقرار، وتدفع نحو إعادة إحياء العملية السياسية.

وتناول اجتماع الدبيبة مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، السبت، «مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون المشترك، بما يخدم المصالح المتبادلة»، حسب بيان لمكتب الدبيبة.

محادثات الدبيبة مع سيرغي لافروف في مدينة أنطاليا التركية السبت (مكتب الدبيبة)

وخلال اللقاء أكد الجانبان «أهمية الدفع بالعلاقات الليبية - الروسية إلى الأمام، وتسريع معالجة عدد من الملفات العالقة»، بما يسهم في «تهيئة مناخ أكثر إيجابية للتعاون، ويفتح المجال أمام شراكة أكثر فاعلية في المرحلة المقبلة».

كما شددا على «ضرورة استمرار التنسيق والتشاور المباشر، وتغليب المقاربات العملية التي تدعم استقرار العلاقات، وتضمن تطويرها على أسس واضحة ومتوازنة».

وتتزامن هذه المحادثات مع استمرار مناورات ترعاها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، وسط تقديرات غربية بأن هذه المناورات تهدف إلى احتواء النفوذ الروسي في ليبيا. كما أن محادثات الدبيبة-لافروف تأتي بعد أكثر من شهر من هجوم تعرضت له ناقلة غاز روسية قبالة الساحل الليبي، واتهمت موسكو كييف بالضلوع وراء هذا الهجوم «بطائرات وزوارق مسيرة».

كما بحث الدبيبة مع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، السبت، جملة من الملفات الإقليمية والداخلية، حيث تركزت المناقشات على «تطورات الأوضاع في المنطقة، وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك».

وبرز ملف الهجرة غير النظامية بوصفه أحد أبرز محاور اللقاء، مع تأكيد «أهمية تعزيز التعاون الثنائي والإقليمي في مكافحتها، ودعم آلية الاجتماع الرباعي، بما يسهم في تحقيق نتائج عملية في هذا الملف». كما تناول اللقاء «استمرار التعاون العسكري بين البلدين، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، بما يعزز الاستقرار ويدعم مؤسسات الدولة»، إلى جانب التشديد على «أهمية استمرار التشاور والتنسيق في الملفات السياسية».

جانب من لقاء الدبيبة وبدر عبد العاطي في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)

أما على الصعيد المصري، فقد عكست محادثات الدبيبة مع وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، السبت، تقارباً في الرؤى حيال ضرورة الحفاظ على الاستقرار الليبي، إذ جرى تأكيد «أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين ليبيا ومصر، بما يسهم في دعم الاستقرار وتعزيز التعاون الإقليمي».

وشدد الجانب المصري على «الموقف الثابت الداعم للدولة الليبية واستقرارها وسيادتها»، مع تأكيد «أهمية مواصلة تعزيز التعاون في مختلف المجالات، تأسيساً على الروابط التاريخية والشعبية».

كما تناول اللقاء «سبل تطوير العلاقات الثنائية بما يحقق المصالح المشتركة ويلبي تطلعات الشعبين»، إلى جانب بحث «التطورات الإقليمية والدولية، وأهمية استمرار التنسيق في ظل التحديات المشتركة».

على صعيد متصل، ناقش الدبيبة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، السبت، «مستجدات الأوضاع في المنطقة، وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي، خصوصاً ما يتعلق بأمن سلاسل الإمداد، واستقرار أسواق الطاقة والتجارة».

وأكد الجانبان «أهمية تكثيف التنسيق بين الدول الشقيقة، والعمل على دعم مسارات التهدئة، وتغليب الحلول السياسية»، مع التشديد على «ضرورة الحفاظ على انسياب الإمدادات، وعدم تعريض المصالح الاقتصادية لأي اضطرابات إضافية»، باعتبار أن «استقرار المنطقة يرتبط بضمان استمرار تدفق الطاقة وحركة التجارة».

تأتي هذه التحركات من «الوحدة» في وقت لا تزال فيه ليبيا تعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً بين حكومتين؛ الأولى في طرابلس برئاسة الدبيبة، والأخرى مكلَّفة من مجلس النواب في شرق البلاد، برئاسة أسامة حماد، وهي مدعومة من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.


إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

مع مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، جدّدت الولايات المتحدة تأكيد التزامها بإنهاء النزاع في هذا البلد العربي الأفريقي، بالتزامن مع فرض عقوبات جديدة على 5 أفراد وكيانات متورطة في تجنيد ونشر عسكريين كولومبيين سابقين للقتال ضمن صفوف «قوات الدعم السريع»، بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي».

وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (أوفاك) أن «هذه الشبكة أسهمت في تأجيج الصراع، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والمجاعات في العالم». وأضاف أن «الحرب زادت من زعزعة استقرار منطقة هشّة أصلاً، وتهيّأت معها الظروف لتوسع الجماعات الإرهابية، وتهديد السلام والأمن الإقليميين والدوليين، بما في ذلك سلامة ومصالح الولايات المتحدة».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنه «من غير المقبول أن قادة القوات المسلحة السودانية و(قوات الدعم السريع) لم يلتزموا بهدنة إنسانية لمعالجة المجاعة المدمرة التي خلفتها الحرب الأهلية في السودان. يجب عليهم التحرك لإنهاء هذه الأزمة الإنسانية فوراً». وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، في بيان أنه «منذ أبريل (نيسان) 2023، قُتل أكثر من 150 ألف شخص، ونزح أكثر من 14 مليوناً، ولا تزال المجاعة مستمرة في المناطق المتضررة من النزاع».

وأكد التزام إدارة الرئيس دونالد ترمب بـ«تحقيق سلام دائم في السودان، ويتجلّى ذلك في تقديم الولايات المتحدة 20 مليون دولار مساعدات غذائية طارئة في مارس (آذار)، و200 مليون دولار تبرعت بها أخيراً خلال نداء العمل لصندوق السودان الإنساني الذي استضافته الولايات المتحدة في فبراير (شباط) الماضي».

وأضاف بيغوت أن الولايات المتحدة تدعو كلاً من القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع» إلى قبول هدنة إنسانية فورية لمدة 3 أشهر من دون شروط مسبقة بغية «تهيئة المجال لمفاوضات تهدف إلى وقف دائم لإطلاق النار». وتحضّ «كل الجهات الخارجية على وقف الدعم المالي والعسكري للأطراف المتحاربة».

وقالت وزارة الخزانة، في بيان، إن الإجراء العقابي الأخير اتّخذ بموجب القرار التنفيذي الذي اتخذته الرئيس ترمب لـ«فرض عقوبات على أشخاص معينين يزعزعون استقرار السودان، ويقوضون هدف الانتقال الديمقراطي».

وكانت الولايات المتحدة قد أدرجت حميدتي على قائمة العقوبات في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، غداة اتهام قواته بارتكاب إعدامات ميدانية، وهجمات بدوافع عرقية، وأعمال عنف جنسي وتعذيب في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك الجنينة في غرب دارفور عام 2023، والفاشر في شمال دارفور خلال عامي 2024 و2025.

وفي يناير 2025، خلصت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن أفراداً من «قوات الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها «ارتكبوا إبادة جماعية في السودان». كما كانت قد توصلت، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، إلى أن «أفراداً من (قوات الدعم السريع) ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى عمليات تطهير عرقي».

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد. ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار غارسيا باتي، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وأفادت الوزارة بأن الضابط الكولومبي المتقاعد ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا «يلعب دوراً محورياً في تجنيد ونشر أفراد عسكريين كولومبيين سابقين في السودان». وأضافت كيخانو وزوجته، كلوديا فيفيانا أوليفروس فوريرو، أسسا وكالة الخدمات الدولية في كولومبيا، التي اعتمدت على شركة «تالينت بريدج» في بنما، لتوظيف المقاتلين الكولومبيين.

وأسس كيخانو وأوليفروس شركة «فينيكس» للتوظيف بديلاً لوكالة الخدمات الدولية. ويديرها المواطن الكولومبي خوسيه ليباردو كيخانو توريس.

أما الجنرال السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار غارسيا باتي، فهو يملك شركة توظيف في بوغوتا. وقام من خلال شركته بتجنيد أفراد عسكريين كولومبيين سابقين للقتال في السودان ضمن «قوات الدعم السريع». كما قام خوسيه غارسيا باتي بتجنيد عسكريين كولومبيين سابقين للمشاركة في النزاع الدائر بين روسيا وأوكرانيا.


ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
TT

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، وهي الممارسة التي تقر السلطات النقدية بأنَّها تمثل عبئاً يثقل الاقتصاد الليبي، في وقت يظل فيه مشروع القانون المُنظِّم لهذه الجريمة عالقاً داخل مجلس النواب، ما يضع البلاد أمام تحدٍ مُعقَّد يجمع بين متطلبات الامتثال الدولي، وإشكاليات الانقسام السياسي والتشريعي.

الاجتماع المغلق لـ«اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية» في واشنطن (المصرف المركزي الليبي)

وخلال مشاركته في «اجتماعات الربيع» لصندوق النقد والبنك الدوليَّين، شدَّد محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، على أنَّ بلاده باتت جاهزةً فنياً، بدعم من البنك الدولي ومؤسسات دولية متخصصة، للدخول في عملية التقييم التي تعتزم إجراءها «مجموعة العمل المالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

وجاءت تصريحات عيسى خلال مشاركته في اجتماع مع المدير الإقليمي لدائرة المغرب العربي ومالطا بـ«البنك الدولي»، أحمدو مصطفى ندياي، الجمعة، حيث أجرى سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين في مؤسسات مالية كبرى، ركزت على تعزيز جاهزية ليبيا المؤسسية والتقنية، وضمان توافق منظومتها المالية مع المعايير الدولية، بما يسهم في حماية الاقتصاد الليبي من المخاطر المرتبطة بالتدفقات المالية غير المشروعة.

لقاء محافظ مصرف ليبيا المركزي ونظيره الصيني في واشنطن... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

في السياق ذاته، ناقش المسؤول الليبي مع محافظ «بنك الصين الشعبي» (المركزي الصيني)، بان قونقتشينغ، الاستفادة من التجربة الصينية في مجال المدفوعات الإلكترونية والتحويلات المباشرة، بما يسهم في تقليص التعاملات غير الرسمية، وتعزيز الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين صورة القطاع المصرفي الليبي، وفق بيان صادر السبت.

كما شملت التحركات الليبية، على هذا المضمار، محادثات سابقة لمحافظ المصرف المركزي مع مسؤولين في صندوق النقد الدولي بخصوص الأطر القانونية المرتقبة، وعلى رأسها مشروع قانون «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، الذي يمثل حجر الزاوية في أي عملية تقييم دولي، بحسب «المركزي»، وذلك عقب لقاءين منفصلين مع نائب المستشار العام للشؤون القانونية برين باتيرسون، ورئيسة دائرة الأسواق النقدية بالصندوق أتيلا كساجبوك، خلال الأيام الماضية.

وامتدت التحركات الليبية إلى الولايات المتحدة، حيث بحث عيسى مع مساعد وزير الخزانة الأميركي، إريك ماير، آليات الحدِّ من تهريب العملة الأجنبية، خصوصاً عبر الاعتمادات المستندية والسوق الموازية، بوصفها من أبرز قنوات مخاطر غسل الأموال. كما تناول اللقاء سبل تعزيز ضبط التحويلات المالية، ورفع مستوى الشفافية في العمليات المصرفية، وهو ما شمل أيضاً مباحثات مع مسؤولي شركة «فيزا».

ورغم هذا الحراك الخارجي المكثف، فإنَّ العقبة الرئيسية تبقى داخلية، حيث لا يزال مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب معطلاً في مجلس النواب منذ أكثر من عامين، دون مؤشرات واضحة على قرب اعتماده.

وفي هذا السياق يرى خبراء قانونيون أنَّ التشريعات الحالية، بما فيها القانون الصادر عام 2005، لم تعد قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في معايير مكافحة غسل الأموال، في حين يظل القانون الصادر عام 2017 محل جدل قانوني؛ بسبب إشكاليات عدة تتعلق بشرعية إصداره، وهو ما حدَّ من تطبيقه فعلياً.

وكان محافظ المصرف المركزي الليبي قد حذَّر في أبريل (نيسان) الحالي من أنَّ استمرار هذا التعطل التشريعي قد يؤدي إلى تداعيات جسيمة، من بينها تراجع الثقة الدولية في النظام المالي الليبي، واحتمال تعرُّض البلاد لإجراءات رقابية مُشدَّدة، أو قيود على تعاملاتها المالية الخارجية.

جلسة لمجلس النواب الليبي في يناير الماضي (إعلام المجلس)

وبحسب مصدر برلماني تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» فقد سبق أن أُحيل مشروع القانون في صيغته الحديثة خلال عام 2023، بعد مناقشات داخل لجنة التخطيط والمالية، وبمشاركة جهات فنية، من بينها «وحدة المعلومات المالية» بالمصرف المركزي، بهدف تحديث المنظومة القانونية، بما يتماشى مع المعايير الدولية في مكافحة الجرائم المالية.

وعزا المصدر ذاته، الذي فضَّل عدم ذكر اسم، عدم إقرار القانون في البرلمان إلى «الانقسام السياسي، الذي أثَّر بشكل مباشر في عمل المؤسسة التشريعية، حيث حالت الخلافات بين الأطراف المختلفة دون التوافق على تمرير قوانين مهمة»، مشيراً إلى «اعتراضات ظهرت داخل مجلس النواب على بعض مواد المشروع، دفعت عدداً من الأعضاء إلى المطالبة بتأجيله لإجراء مزيد من المراجعات القانونية والفنية؛ وهو ما أدى إلى تعطيل طرحه للتصويت».

وأشار المصدر أيضاً إلى أن «العراقيل السابقة تفاقمت لتزامنها مع فترة كان فيها مصرف ليبيا المركزي محور خلاف وتوتر، بشأن تغيير المحافظ السابق الصديق الكبير».

وتعكس هذه التحديات واقعاً أوسع، إذ يشير أحدث تقرير صادر عن «منظمة الشفافية الدولية» إلى تراجع ليبيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، إذ جاءت ضمن أكثر الدول فساداً عالمياً، ما يزيد من احتمالات استغلال بيئتها المالية في أنشطة غير مشروعة.

ويرى مسؤولون سابقون ومحللون اقتصاديون أنَّ الانقسام السياسي والمؤسسي، الذي طال حتى الجهات السيادية والرقابية، يمثل أحد أبرز العوائق أمام تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال، في ظلِّ تعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية. كما يشيرون أيضاً إلى أنَّ بعض التحويلات المالية تتم خارج الأطر الرسمية، ما يعقِّد جهود الرقابة، ويزيد من مخاطر غسل الأموال.

واجهة البنك المركزي الليبي بطرابلس (رويترز)

وسبق أن تحدَّث العضو السابق بمجلس إدارة المصرف المركزي، مراجع غيث، لـ«الشرق الأوسط» عن «شبهات غسل أموال ضمن عمليات بيع غير قانونية لبطاقات الأغراض الشخصية»، وهي التي تبيعها المصارف للمواطنين بالسعر الرسمي للدولار لأغراض السفر أو العلاج أو الدراسة.

وفي ظلِّ هذه المعطيات، تبدو ليبيا بحسب مراقبين أمام اختبار حقيقي، حيث يتوقَّف نجاحها في اجتياز التقييم الدولي المرتقب على قدرتها على تسريع وتيرة الإصلاحات التشريعية، وتعزيز فاعلية أجهزتها الرقابية، وتوحيد مؤسساتها المالية.