حرب السودان في شهرها السادس... ولا ضوء في النفق

رهان على منبر جدة مخرجاً من الكارثة الإنسانية الناجمة عن الحرب

TT

حرب السودان في شهرها السادس... ولا ضوء في النفق

من اشتباكات الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في مايو الماضي (رويترز)
من اشتباكات الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في مايو الماضي (رويترز)

يتواصل القتال بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» للشهر السادس على التوالي، من دون توقف، ومن دون ظهور ملامح انتصار لأحد طرفي القتال على الآخر يحسم المعركة، ومن دون أن يعرف أحد كيف يتوقف القتال ومتى يتوقف، على الرغم من الأضرار الفادحة التي ألحقها قتال القوتين، الذي اندلع في الخرطوم وتوسع إلى مناطق أخرى في البلاد، بالمواطنين. وما زال الطرفان يتمسكان بمواصلة القتال. فالجيش، ووفقاً لتصريحات صادرة عن قائده العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يرهن وقف القتال بهزيمة «ميليشيا الدعم السريع»، بينما ترهن قوات «الدعم السريع» نهاية الحرب بالقضاء على ما يطلق عليهم «فلول الإسلاميين» داخل الجيش، والعودة للانتقال المدني الديمقراطي.

مزاعم حسم لم تتحقق

واندلع القتال صبيحة السبت 15 أبريل (نيسان) الماضي، في العاصمة الخرطوم حول أحد معسكرات «الدعم السريع» في جنوب العاصمة، وهو معسكر «المدينة الرياضية»، ثم تمدد سريعاً ليصل إلى مقر القيادة العامة للجيش وسط الخرطوم، والقصر الرئاسي ومنطقة وسط الخرطوم، إضافة إلى القاعدة الجوية في منطقة «مروي» في شمال البلاد، ومعظم المواقع العسكرية والسيادية في الخرطوم.

وعند بداية الحرب، زعم كلا الطرفين أنه قادر على حسم الحرب خلال ساعات، أو بالأكثر أيام أو أسابيع. ففي الساعات الأولى، أعلن الجيش السوداني أنه دمر كافة مراكز السيطرة والتحكم والاتصالات والمعسكرات التابعة لـ«الدعم السريع»، وأكد أنه سيحسم المعركة خلال ساعات، لكن هذه الساعات امتدت لقرابة نصف العام حتى الآن.

وقتها، قالت قوات «الدعم السريع» إنها سيطرت على معظم المراكز القيادية للجيش، وإنها تحاصر قادته في الجزء الشمالي من مقر القيادة العامة للجيش، وإنه لن يمضي وقت طويل حتى تلقي القبض عليهم، وننهي المعركة. لكن مزاعم «الدعم السريع» لم تتحقق حتى الآن، وإن كانت السيطرة على الأرض لا تزال لصالحها.

قتل ونزوح وانتهاكات

وأدّت الحرب في السودان إلى مقتل نحو 5 آلاف مدني، وإصابة عشرات الآلاف، فضلاً عن لجوء أكثر من مليون إلى دول الجوار، ونحو 4 ملايين نزحوا خارج العاصمة الخرطوم، إلى جانب انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان تضمنت انتهاكات جنسية واحتلالاً لمنازل المواطنين، يوجه الاتهام في معظمها إلى «الدعم السريع».

المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد شاهدت مآسي خلال زيارتها مخيماً للاجئين السودانيين في تشاد (رويترز)

كما دُمرت بشكل كبير البنية التحتية والأعمال ومنازل المواطنين، وخرجت معظم المشافي ودور العلم والجامعات في الخرطوم من الخدمة، وهي خسائر قدرها محللون اقتصاديون بمئات المليارات من الدولارات، ما جعل البلاد تواجه كارثة إنسانية حقيقية، يعاني خلالها النازحون واللاجئون أوضاعاً بالغة القسوة، يتهددهم فيها الجوع والمرض وسوء الأوضاع المعيشية.

ثلاث وساطات

ولم تنجح حتى الآن ثلاث وساطات لوقف الحرب، هي الوساطة السعودية الأميركية، ووساطة مجموعة دول «إيغاد»، ووساطة دول الجوار، ولم تلقَ دعوات المجتمعَين الإقليمي والدولي للطرفين للتوقف عن القتال واللجوء للحلول التفاوضية آذاناً مصغية، بتوقيع وقف الأعمال العدائية والالتزام بوقف إطلاق نار دائم، تعقبه عملية سياسية تعود بالبلاد إلى مرحلة الانتقال المدني الديمقراطي التي أعاقتها الحرب.

ويسيطر «الدعم السريع» حتى الآن على معظم العاصمة الخرطوم، وعلى عدد من المناطق العسكرية وشبه العسكرية، بينما يسيطر الجيش على جزء من مقر القيادة العامة، وسلاح المدرعات، وسلاح المهندسين والسلاح الطبي المتجاورين، وسلاح الذخيرة، ومنطقة كرري العسكرية بما فيها مطار وادي سيدنا العسكري.

جانب من الدمار الذي سببته الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في دارفور (أ.ف.ب)

واعتاد «الدعم السريع» على شن هجمات متواصلة على مراكز سيطرة الجيش، بينما اكتفى الجيش بالدفاع باستماتة عن تلك المناطق المتبقية له، في وقت امتدت فيه عمليات «الدعم السريع» إلى مدن في إقليمي دارفور وكردفان، وأطراف إقليم الجزيرة المجاور للخرطوم، وواظب الجيش على الدفاع عن مقاره العسكرية، مستخدماً بشكل كبير الطيران الحربي والمدفعية بعيدة المدى، ما أدى إلى مقتل مئات المدنيين وتدمير أعداد كبيرة من المنازل والمنشآت الحيوية.

رهان على منبر جدة

وبعد خروج قائد الجيش عبد الفتاح البرهان من القيادة العامة للجيش، أبدى كثيرون تفاؤلهم بأنه سيتجه إلى مدينة جدة السعودية لمواصلة التفاوض الذي انقطع مع «الدعم السريع»، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق نار، بيد أن الرجل آثر أن يتجول في الإقليم متجاهلاً جدة، بل أطلق تصريحات تعبوية ذكر فيها أن الحرب تنتهي بالقضاء على تمرد قوات «الدعم السريع» وخروجها من منازل المواطنين.

ويرهن معظم المحللين والمتابعين الوصول إلى وقف لإطلاق نار وإنهاء الحرب بمنبر مدينة جدة، الذي تتوسط فيه المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، ويعتقدون أن عودة قائد الجيش إلى طاولة التفاوض وتوقيع اتفاق وقف القتال يسهلان إيصال المساعدات الإنسانية ويمهدان لوقف إطلاق نار دائم بين الطرفين المتقاتلين بلا جدوى منذ قرابة نصف العام.

المبعوث الأممي إلى السودان المستقيل فولكر بيرتس حذر من حرب أهلية (الأمم المتحدة)

يقول أستاذ الإعلام الدكتور أبوبكر شبو لـ«الشرق الأوسط»، إن حرب الجنرالين التي سماها بـ«العبثية» تدخل شهرها السادس من دون ظهور ضوء في نفقها يبشر بقرب وقفها، بعد أن أتت على الأخضر واليابس، وحصدت من أرواح المدنيين أضعاف ما حصدته من أرواح المتقاتلين. ويتابع: «فشل طرفا النزاع خلال الشهور الخمسة المنصرفة في تحقيق أي من أهدافهما المعلنة صبيحة 15 أبريل، ونجحا في قتل المدنيين ودمّرا مؤسسات البلاد وبناها التحتية، بصورة غير مسبوقة».

وأوضح الدكتور شبو أن خروج قائد الجيش من مخبئه في القيادة العامة أثار الكثير من التكهنات والتفاؤل بأن الأمر تم برعاية أميركية قضت بخروجه إلى بورتسودان، ثم عواصم إقليمية لحشد الدعم السياسي لموقفه التفاوضي، من أجل الوصول لاتفاق وقف إطلاق نار طويل الأمد. ويتابع: «السؤال الذي يشغل الرأي العام هو: هل يحط قائد الجيش في جدة السعودية بوصفها محطة أخيرة لتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، أم تستطيع الحركة الإسلامية التي تملك نفوذاً قوياً في الجيش قطع الطريق أمام وقف إطلاق النار؟».

هل يفترق الجيش عن الإسلاميين؟

ويلمح الصحافي والمحلل السياسي عثمان فضل الله، بحسب صفحته على «فيسبوك»، إلى احتمالات حدوث اختراق، ويقول إن البرهان، وقبيل مغادرته إلى تركيا، اجتمع باثنين من كبار المحسوبين على قائد «الدعم السريع»، وأن لا أحد يعرف ماذا دار في الاجتماع، بيد أن فضل الله يقول إن من يسميهم بعض «غلاة الإسلاميين» بدت عليهم علامات تدهور متسارع في علاقة الجيش و«فلول النظام السابق». ويقول: «انتقل التهاتر والاتهامات من دائرة البرهان، أو ما يسمونه (خيانة القيادة)، ليشمل قادة الفرق والحاميات في الولايات، بحجة رفضهم تسليح المستنفرين».

حذّرت الأمم المتحدة من «كارثة إنسانية» في السودان (رويترز)

ويشير فضل الله إلى أن بعض حسابات الإسلاميين وصلت إلى مرحلة ما أسماه «التلويح بالتمرد» على الجيش، والدعوة لاقتحام حاميات الولايات لأخذ السلاح بالقوة، وإيصال رسالة بأن الحرب لن تتوقف، حتى لو وقع الجيش اتفاقاً مع «الدعم السريع»، مشيراً إلى أن من أسماه «داعماً كبيراً» لاستمرار الحرب، توعد بمواجهة البرهان والجيش إذا أوقف الحرب، وإلى أن الثقة داخل تحالف الإسلاميين بالجيش ضعفت كثيراً. وتساءل: «هل تلوح في الأفق نذر مواجهة بين الجيش وكتائب الإسلاميين؟».


مقالات ذات صلة

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)
TT

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)

أصدر قاضٍ بالقطب القضائي المالي في تونس، الثلاثاء، حكماً يقضي بسجن المحامي والرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، لاتهامه بارتكاب مخالفات إدارية، وفق ما ذكره محامون ووسائل إعلام محلية لوكالة الصحافة الألمانية.

وشوقي الطبيب هو عميد سابق للمحامين بتونس، وكان قد شغل منصب رئيس هيئة مكافحة الفساد في 2016 حتى تاريخ تجميد أعمالها، بعد إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 من يوليوز (تموز)2021.

ويحقق القضاء معه في جرائم ترتبط بالإدارة والتزوير في أثناء توليه منصبه في الهيئة، كما يلاحَق أيضاً في قضية أخرى منفصلة لاتهامات بفساد مالي.

كان الطبيب قد خضع للإقامة الجبرية لمدة 40 يوماً بين شهري سبتمبر (أيلول) وأغسطس (آب) 2021. في المقابل، تقول هيئة الدفاع عنه إنه يواجه «قضايا كيدية وسياسية» بسبب انتقاداته حكم الرئيس قيس سعيد. كما أعلنت في وقت سابق أنّه تمت مجدداً إحالة الطبيب إلى التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي من أجل تهم «التدليس من موظف عمومي، ومسك واستعمال مدلس، وإذاعة مضمون مكتوب للغير من دون رخصة من صاحبه».

وأضافت الهيئة، في بيان لها، أنه «بالاطلاع على الملف، اتضح أنّه يتعلق بشكاية كيدية تقدم بها سنة 2020 وكيل شركات مساهم فيها رئيس حكومة أسبق، تعهد العميد الطبيب خلال اضطلاعه بمسؤولية رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالتقصي في شبهات تضارب مصالح، واستغلال نفوذ تعلقت به»، معقبةً بأنّ هذا الملف هو الثالث الذي تتم فيه إحالة شوقي الطبيب إلى القضاء خلال المدة الأخيرة.

كما ذكرت هيئة الدفاع أنه «تم منع السفر على شوقي الطبيب من طرف قاضي التحقيق في ملف مشابه منذ 8 يناير (كانون الثاني) 2024، لكن لم يتم إلى اليوم سماعه وتلقي دفاعه»، مشيرةً إلى أنه «في المقابل صدر قرار آخر بالتحقيق في مكاسبه، فضلاً عن إخضاعه خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2021 للإقامة الجبرية، مما ألحق ضرراً كبيراً بمصالحه المهنية، نتيجة الوصم الذي نتج عن ذلك»، حسبما جاء في نص البيان.


«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
TT

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية، تتهمه فيها بممارسة العنف، وإطلاق النار، وأعمال قرصنة في البحر، داعية إلى إنهاء التعاون الأوروبي معه، بحسب أوردته تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وتستند دعاوى المنظمة إلى حادثة اعتراض عنيفة تعرضت لها سفينة الإنقاذ التابعة لها «سي ووتش5»، في 26 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أثناء عملية إنقاذ لـ66 شخصاً بسبب مناورات خطيرة، وإطلاق نار من قبل زورق ليبي، رغم أن العملية جرت في المياه الدولية، وبموجب القانون الدولي، وفق ما أشارت إليه. وتابعت المنظمة موضحة أن الزورق المهاجم لم ينسحب إلا بعد وصول طائرة تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، وأشارت في بيان نشرته على موقعها الرسمي إلى حادثة أخرى، وقعت يوم 24 أغسطس (آب) الماضي أيضاً 2025، كاشفة عن أن خفر السواحل الليبي أطلق النار على سفينة الإنقاذ «أوشن فايكنج»، التابعة لمنظمة «إس أو إس ميديتيراني» غير الحكومية لمدة 20 دقيقة. وتطالب «سي ووتش»، ضمن الدعاوى المرفوعة، السلطات في إيطاليا وألمانيا بإنهاء جميع أشكال التعاون مع خفر السواحل الليبي، لأنه يتحمل في تقديرها مسؤولية مباشرة، من خلال إضفاء الشرعية على القوات المتورطة في العنف، ودعمها. وبحسب المنظمة أيضاً، فقد قررت الحكومة الألمانية في 2025 السماح للجيش الألماني بتدريب خفر السواحل الليبي، بينما قدمت الحكومة الإيطالية زورقاً جرى استخدامه في إحدى حوادث الاعتراض ضد سفن الإنقاذ. وأودعت المنظمة الشكاوى في الوقت الذي تحتجز فيه سفينتا إنقاذ تابعتان لها، «سي ووتش 5» و«أورورا» في إيطاليا لرفضهما التواصل مع خفر السواحل الليبي في عمليات الإنقاذ في البحر.


موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

رفض حزب «الإنصاف»، الحاكم في موريتانيا، اتهامه من طرف حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)» المعارض بعرقلة الحوار الوطني، بعد عقد جلسات تحضيرية لإطلاقه. وقال الحزبُ الحاكم إن الجلسات جرى تعليقها بطلب من حزب «تواصل».

ويأتي تبادل الاتهامات بين أكبر حزبين في البلاد ليثير الشكوك حول إمكانية تنظيم حوار وطني، سبق أن دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من أجل تهدئة الساحة الداخلية، في ظلِّ تصاعد التوتر في المحيط الإقليمي، والتقلبات في الساحة الدولية.

ويعد حزب «الإنصاف» الحاكم، أكبر حزب في البلاد، حيث يسيطر وحده على قرابة ثلثي مقاعد البرلمان، ويهيمن بذلك على النسبة الكبرى من مقاعد الحكومة، أما حزب «تواصل»، الذي يرتبط بحركة الإخوان المسلمين، فهو أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، ويتولَّى زعامة مؤسسة المعارضة الديمقراطية.

عرقلة الحوار

خلال الأسابيع الماضية عقد ممثلون عن الطيف السياسي في موريتانيا جلسات مغلقة؛ بهدف تحديد النقاط التي ستناقَش في الحوار، وتحديد موعد ثابت له، ثم آلية لتنفيذ النتائج التي سيسفر عنها، لكن هذه الجلسات سرعان ما توقفت؛ بسبب خلاف حاد حول نقطة تتعلق بالولايات الرئاسية.

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)

واتهمت المعارضة معسكر الأغلبية الرئاسية بالسعي إلى نقاش تعديل دستوري، سيفضي إلى منح الرئيس الحالي إمكانية الترشُّح لولاية رئاسية ثالثة عام 2029، وهو ما عدّته خطاً أحمر، أما أحزاب الأغلبية فقد رفضت هذه التهمة، وشدَّدت على أنَّ المأموريات تأتي على هامش الإصلاح المؤسسي، وقالت إن المعارضة تسعى للتأويل من أجل عرقلة الحوار.

وعقد المكتب السياسي لحزب «تواصل» المعارض، الاثنين اجتماعاً، أكد في ختامه أنَّ موريتانيا تعيش «ظرفاً وطنياً بالغ الحساسية»؛ بسبب ما سماه «تفاقم أزمة المحروقات، وتعاظم الضغوط المعيشية على المواطنين، في ظلِّ عجز حكومي وفشل في إدارة الأزمة».

وأدان الحزب «الطريقة المرتبكة والمرتجلة التي أدارت بها السلطة أزمة المحروقات»، وحمَّل الحكومة «المسؤولية الكاملة عن موجة الغلاء، التي تضرب البلاد»، داعياً إلى «التراجع الفوري عن السياسات التي أثقلت كاهل المواطنين، وجعلتهم يتحملون وحدهم النصيب الأوفر من تبعات الأزمة».

وفيما يتعلق بالوضع السياسي، قال الحزب المعارض إنه «يحمِّل أحزاب الموالاة المسؤولية المباشرة عن تعطيل الحوار، وافتعال مطبات؛ بغية إفشال أي فرصة لبناء مسار سياسي توافقي، يخدم المصلحة الوطنية»، مشدداً على أنَّ «أي حوار لا تتوفر له ضمانات الجدية والالتزام المسبق بمخرجاته، لن يكون سوى مضيعة للوقت، وتكريس للأزمة القائمة»، داعياً في السياق ذاته إلى «الارتقاء بالتنسيق بين قوى المعارضة إلى مستوى الفعل المشترك، وبناء موقف موحد قادر على فرض التوازن المطلوب في المشهد السياسي».

رد التهمة

رداً على تصريحات حزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» الحاكم، (الاثنين)، إنه «متمسك بخيار الحوار الوطني»، وأكد أنَّ «تعليق الحوار تمَّ بطلب من حزب (تواصل)، ولأسباب تفتقر إلى الوجاهة»، مشيراً إلى أنَّ هذا الطلب جاء «خلافاً لما عبَّر عنه داخل قاعة النقاش عددٌ من قادة أحزاب المعارضة، الذين دعوا إلى مواصلة المسار الحواري».

الرئيس الموريتاني حسم الجدل بخصوص ترشُّحه لولاية ثالثة (الرئاسة)

وبخصوص اتهامه بالسعي لتعديل الدستور ونقاش مواد الولايات الرئاسية خلال الحوار، قال الحزب الحاكم إن الأغلبية الرئاسية «قدَّمت ورقةً سياسيةً اتسمت بالجدية والانفتاح والمسؤولية، واضعةً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار».

في السياق ذاته، قال الحزب إنه «يرفض بشكل قاطع التأويلات المغلوطة، التي استند إليها البعض، بخصوص الرسالة الموجهة إلى منسِّق الحوار»، في إشارة إلى الفقرة المتعلقة بالإصلاح المؤسسي، والتي تضمَّنت عبارة «المأموريات».

وأشار الحزب الحاكم إلى أنَّه «يثمن المقاربة الشاملة، التي اعتمدها صاحب الفخامة، من خلال إتاحة حوار لا يستثني طرفاً ولا يقصي موضوعاً». وشدَّد على أنَّ الرئيس ولد الغزواني «ليس طرفاً في هذا الحوار، بل ضامن له وميسر لمساره». وذلك في إشارة إلى سعي أطراف في المعارضة لتدخل الرئيس من أجل إزالة العقبات المتعلقة بجدول أعمال الحوار، خصوصاً النقطة المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، ورغم أنَّ ولد الغزواني حسم الجدل بخصوص ترشحه شخصياً لولاية رئاسية ثالثة، فإنه رفض التدخل في جدول أعمال الحوار ليضيف أو يحذف أي نقطة.

مستعدون للعودة

وأكد حزب «الإنصاف» أن «محاولات تعطيل الحوار أو التشكيك فيه ليست وليدة اللحظة، بل تندرج ضمن ممارسات معروفة، تسعى من خلالها بعض الأطراف إلى عرقلة أي مسار توافقي، خدمةً لحسابات ضيقة لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية».

وفي اتهام ضمني لحزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» في بيانه: «من غير المقبول أن تنخرط بعض التشكيلات السياسية في أدوار لا تنسجم مع طبيعتها، من خلال توفير غطاء لمثل هذه السلوكيات»، وذلك في إشارة إلى مساعي تعطيل الحوار.

ودعا حزب «الإنصاف» الأقطاب والتشكيلات السياسية كافة إلى «الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في هذه المرحلة الدقيقة، من خلال العمل على تشجيع شركائها وحلفائها على الانخراط الإيجابي في مسار الحوار، بدل الانجرار وراء مواقف التعطيل أو التردد».

وخلص الحزب إلى تأكيد أنه «من غير المنطقي محاولة إقناع الرأي العام بأنَّ الأغلبية الرئاسية يمكن أن تكون عائقاً أمام حوار دعا إليه رئيس الجمهورية»، وجدَّد الحزب «استعداده الكامل للدخول في أي مشاورات جادة، واستئناف الجلسات التحضيرية للحوار».