«هدنة غزة»: استئناف الاتفاق على «المحك» بعد مقترح إسرائيلي

«حماس» قالت إنها سترد خلال ساعات... وإعلام عبري يتوقع «تعثراً»

فلسطينيون تجمعوا في موقع غارة إسرائيلية على منزل خلال وقت سابق (رويترز)
فلسطينيون تجمعوا في موقع غارة إسرائيلية على منزل خلال وقت سابق (رويترز)
TT

«هدنة غزة»: استئناف الاتفاق على «المحك» بعد مقترح إسرائيلي

فلسطينيون تجمعوا في موقع غارة إسرائيلية على منزل خلال وقت سابق (رويترز)
فلسطينيون تجمعوا في موقع غارة إسرائيلية على منزل خلال وقت سابق (رويترز)

ساعات حاسمة أمام مقترح جديد طرحته إسرائيل لاستئناف وقف إطلاق النار في قطاع غزة، انتظاراً لرد «حماس» الوشيك والذي استبقته بشروط من قيادات بارزة بالحركة، بأهمية أن يتضمن مساراً لإنهاء الحرب، وسط توقُّع إعلام عبري «تعثراً» في ظل رفض حكومة بنيامين نتنياهو ذلك المطلب مبدئياً.

ويتوقع خبراء في الشأن الإسرائيلي والفلسطيني، في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، ألا تقبل «حماس» بالمقترح الإسرائيلي بشكل كامل، وأن تُقْدِم على طلب تعديلات تضمن إنهاء الحرب، وإيجاد ضمانات على تنفيذ ذلك.

وأشاروا إلى أن استئناف الاتفاق مع ملاحظات الحركة الفلسطينية سيكون على المحك إلا إذا تَدَخَّلَ الوسطاء بصيغ جديدة لتقريب وجهات النظر، مع وجود ضغوط أميركية حريصة أن تتم زيارة الرئيس دونالد ترمب للخليج، الشهر المقبل، وسط تهدئة.

وتوقع قيادي في حركة «حماس»، طلب عدم الكشف عن اسمه، في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء، أن تسلِّم الحركة للوسطاء في مصر وقطر، ردها على المقترح الجديد لاستئناف وقف إطلاق النار خلال الـ48 ساعة المقبلة، موضحاً أن «مشاورات معمقة وبمسؤولية وطنية عالية لا تزال مستمرة».

وبدأت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، وتم خلالها تبادل الرهائن والأسرى، لكن بعد شهرين انهار الاتفاق مع رفض نتنياهو تنفيذ المرحلة الثانية الممهدة لإنهاء الحرب، ولم تنجح مقترحات مصرية إسرائيلية أميركية في مارس (آذار) الماضي وأوائل أبريل (نيسان) الحالي في حلحلة الأزمة، قبل أن تزور «حماس»، الأحد، القاهرة، وتعلن مصادر مصرية لقناة «القاهرة الإخبارية» المصرية في اليوم التالي، أن «مصر تسلمت مقترحاً إسرائيلياً بوقف مؤقت لإطلاق النار في غزة، وبدء مفاوضات تقود لوقف دائم لإطلاق النار، سلمته إلى (حماس)، وتنتظر ردها في أقرب فرصة».

وأفادت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، الثلاثاء، عن مصدر بأن «الاختراق في المفاوضات المتعثرة لا يبدو وشيكاً، رغم وجود تقارير متعددة تفيد بتحقيق تقدُّم تدريجي في المحادثات، لا سيما أن العناصر التي تمنع التوصل إلى اتفاق حتى الآن لا تزال قائمة»، موضحة أن «حماس، رغم تراجعها أخيراً عن رفضها اتفاق هدنة مؤقتاً، ما زالت تصرّ على الحصول على ضمانات قوية بأن تؤدي الهدنة المؤقتة إلى وقف دائم لإطلاق النار في غزة، وهو أمر ترفضه إسرائيل ما لم تتخلَّ (حماس) عن السيطرة الأمنية والإدارية على القطاع».

رئيس الدائرة السياسية لـ«حماس» في الخارج، سامي أبو زهري، قال في تصريحات لـ«رويترز»، الثلاثاء، إن المقترح لم يُلبِّ المطلب الأساسي للحركة الفلسطينية والمتمثل في التزام إسرائيل بوقف الأعمال القتالية تماماً، لافتاً إلى أن المقترح الإسرائيلي تضمن لأول مرة نزع سلاح المقاومة ضمن مفاوضات المرحلة الثانية، مؤكداً أن «تسليم سلاح المقاومة هو مليون خط أحمر، وهو أمر غير خاضع للسماع فضلاً عن النقاش».

صورة من الجو التقطتها مُسيّرة تُظهر حجم الدمار في بيت حانون بشمال قطاع غزة خلال وقت سابق (رويترز)

ونقلت قناة «الجزيرة» القطرية، الثلاثاء، عن قيادي في «حماس» لم تسمه أن «المقترح الذي نقلته مصر يشمل إطلاق سراح نصف أسرى الاحتلال في الأسبوع الأول من الاتفاق، وجميع الأسرى الأحياء والأموات في نهاية 45 يوماً منه، كما يشمل تهدئة مؤقتة لـ45 يوماً مقابل إدخال المساعدات»، مضيفاً: «مصر أبلغتنا أنه لا اتفاق لوقف الحرب دون التفاوض على نزع سلاح المقاومة، والحركة أبلغت مصر أن المدخل لأي اتفاق هو وقف الحرب والانسحاب وليس السلاح، لأن مناقشة مسألة سلاح المقاومة مرفوضة جملة وتفصيلاً».

ويرى رئيس «منتدى الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية»، سمير غطاس، أن استئناف الهدنة في غزة سيكون على المحك، وهكذا حاله منذ اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن إسرائيل ستستغل أي رفض لتوسيع هجومها بغزة، ورفع سقف مطالبها في ظل عجز «حماس»، ولن تقبل بأي نقاش حول المرحلة الثانية، ومن ثم لا تزال فرص التعثر أكبر من النجاح ما لم تتدخل واشنطن.

وأضاف «لكن (حماس) تراهن على الضغوط الداخلية المتصاعدة ضد نتنياهو، لا سيما عقب مطالبات جنود بوقف الحرب، ما يجعله يقبل بصيغ أخرى للاتفاق، فضلاً عن أنها تدرك أن ترمب يريد إجراء زيارته للمنطقة، الشهر المقبل، وسط تهدئة، وبالتالي المماطلة في الرد أو إبداء ملاحظات قد تراها فرصة أكبر لضغوط أكبر على رئيس الوزراء الإسرائيلي».

ويتوقع المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، «ألا تقبل (حماس) بشكل كلي المقترح الإسرائيلي، وأن تقدم ملاحظات، وهنا سيحاول الوسيطان المصري والقطري إيجاد صيغ أخرى لتقريب وجهات النظر في ظل إدراكهما رغبة واشنطن في التوصل لاتفاق قبل زيارة ترمب للمنطقة»، مرجحاً ضغوطاً أكبر على نتنياهو من البيت الأبيض لإنجاز اتفاق قريب.

ولا يزال الوسطاء يعوِّلون على توقيع اتفاق هدنة جديدة في غزة، وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، في لقاء بالعاصمة الكويتية، الثلاثاء، على ضرورة وقف إطلاق النار بشكل فوري في قطاع غزة، ومواصلة تبادل الرهائن والمحتجزين، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية بشكل عاجل، وفق بيان صحافي للرئاسة المصرية.

امرأة مسنة تبكي على ضحايا الغارات الجوية الإسرائيلية في دير البلح في وقت سابق (أ.ف.ب)

يأتي هذا التمسك المصري بالتعجيل بالهدنة، في ظل إعلان وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، الثلاثاء، أن الوضع في غزة جحيم يزداد سوءاً، مضيفة في بيان صحافي: «مخازننا أصبحت فارغة، وهناك عشرات الآلاف من الجائعين في قطاع غزة، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية دون عوائق بات ضرورة ملحّة».

وبالتزامن، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اتصال هاتفي مع نتنياهو، الثلاثاء، على ضرورة وقف إطلاق النار في غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، وأن فتح كل المعابر أمام المساعدات الإنسانية ضرورة بالغة بالنسبة للمدنيين في غزة، وفق «رويترز».

ويرى غطاس أن الوضع في غزة صعب للغاية، ويحتاج إلى هدنة في أقرب وقت، متوقعاً أن تزداد ضغوط الوسطاء لإنجاز تلك الهدنة بالضغط على «حماس» أكثر بصيغ أخرى، كما ستلعب ضغوط ترمب على نتنياهو دوراً هاماً في هذا الصدد، مضيفاً: «وقد نرى صياغة مقبولة لطرفي الحرب، مثلاً بإجراء مفاوضات بشأن المرحلة الثانية في منتصف الهدنة المقبلة لتقبل بها (حماس)، ولكن كالعادة قد ترفض إسرائيل الالتزام بها مستقبلاً».

ويؤكد غطاس أن ترمب لن يقبل إلا بإتمام هدنة قبل نهاية الشهر على أن تمتد لنحو 45 أو 60 يوماً ليزور المنطقة وسط تهدئة وليس حرباً، وهذا ربما يزيد فرص إبرام الاتفاق قريباً.

بينما يتوقع الرقب أن تنجح المواقف المصرية أو الفرنسية في حلحلة أزمة الاتفاق الذي بات استئنافه على المحك بصورة لافتة، مرجحاً أن تنجح جهود إضافية للوسطاء والدول الكبرى وقبلها واشنطن في الضغط للتواصل لتوافق قريب قبل زيارة ترمب للمنطقة.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.